البيشمركة.. في مواجهة «داعش»

من جماعة تخوض حرب عصابات من جبال كردستان.. إلى قوة منظمة تقف وحيدة لمحاربة الإرهاب

البيشمركة.. في مواجهة «داعش»
TT

البيشمركة.. في مواجهة «داعش»

البيشمركة.. في مواجهة «داعش»

تخوض قوات البيشمركة الكردية منذ بداية الشهر الجاري معارك طاحنة مع مسلحي تنظيم داعش المتطرف، الذي بدأ يفرض نفوذه على مناطق واسعة في غرب البلاد وشمالها، بعد تخاذل الجيش العراقي الذي انهار أمامه إبان سقوط الموصل. فبعد أن كانت البيشمركة تحارب الأنظمة العراقية المتعاقبة وتخوض حرب عصابات من الجبال، باتت الآن في خط المواجهة الأول لمحاربة الإرهاب في العراق، وتتلقى السلاح النوعي من الغرب.. الأمر الذي قد يجعلها من القوى الرئيسة في المنطقة والإقليم بأكمله.
تتسارع دول العالم حاليا لتقديم الدعم العسكري لإقليم كردستان الذي أصبح خلال الأيام القليلة الماضية محطة لطائرات وزراء خارجية أوروبا ومسؤوليها، فبعد زيارة وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس إلى أربيل والإعلان عن استعداد بلاده لمساعدة الأكراد عسكريا، وصل وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير بداية الأسبوع الجاري إلى أربيل، حيث قال في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الإقليم مسعود بارزاني إن ألمانيا لن تترك الأكراد وحدهم في مواجهة «داعش»، وأكد أن بلاده ستناقش مع الإقليم احتياجات البيشمركة العسكرية ليقوموا فيما بعد بتوفيرها لهؤلاء المقاتلين.
وأعلن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في اجتماع طارئ في بروكسل يوم الجمعة الماضي عن اتفاق على دعم تسليح المقاتلين الأكراد في العراق. ورحب الوزراء بقرار دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي تلبية النداء الذي أطلقته حكومة الإقليم لتزويدها بالمعدات العسكرية بشكل عاجل.
وأعلنت وزارة البيشمركة أن 130 خبيرا عسكريا أميركيا وصلوا الإقليم لتقديم المشورة العسكرية للبيشمركة في حربهم ضد «داعش»، وكشفت عن أن الخبراء الأميركيين قرروا تأسيس مطار عسكري في أربيل بعد أن أعدوا دراسة وافية عن الموضوع، لكن الوزارة نفت في الوقت ذاته وصول أي جندي بريطاني إلى كردستان.
واستطاعت قوات البيشمركة خلال الأيام القليلة الماضية بفضل تلك المعونات العسكرية أن تستعيد السيطرة على مناطق واسعة من سهل نينوى، وسيطرت على سد الموصل بعد معارك مع مسلحي «داعش» الذين تقدموا مع بداية الشهر الجاري باتجاه أربيل عاصمة إقليم كردستان.
معركة السيطرة على سد الموصل بدأت بإسناد جوي أميركي قوي، حيث شلت الطائرات الأميركية الحركة الهجومية لـ«داعش»، إضافة إلى الأسلحة الجديدة التي حصلت عليها البيشمركة والتي ساهمت في أن تستعيد هذه القوات زمام المبادرة وتبدأ هجوم استعادة المناطق التي سيطر عليها «داعش» في المدة الماضية.
يرى الدكتور عبد الحكيم خسرو أستاذ العلوم السياسية في جامعة صلاح الدين في أربيل، أن «هناك أسباب كثيرة لتحرك المجتمع الدولي للدفاع عن كردستان، منها وجود هذا العدد الهائل من النازحين واللاجئين في الإقليم، إلى جانب أن الإقليم يعد النموذج الناجح الوحيد في العراق من ناحية التعايش السلمي والدبلوماسية والإعمار». ويرى خسرو، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن معركة أربيل كانت مفتاح القضاء على «داعش» في الشرق الأوسط.
وشدد بالقول: «المجتمع الدولي يعرف أن البيشمركة هي القوات التي يمكن أن يساعدوها في فرض الأمن والاستقرار في أجزاء من العراق، وذلك بعد أن اطمأنوا إلى أنها قوات لم يصدر منها أي تمييز على أساس القومية أو الدين أو الطائفة والعرق والمذهب في المناطق التي تسيطر عليها، والدليل أننا نرى أن النازحين والهاربين من مناطق العراق الأخرى التجأوا إلى المناطق التي تسيطر عليها البيشمركة».
وحول إمكانية مشاركة البيشمركة في أي عمليات عسكرية ضد الإرهاب خارج العراق، أشار خسرو إلى أن هذا «غير معروف حاليا»، مضيفا أن «محاولات الأوروبيين إصدار قرار عن طريق حلف الناتو لمحاربة (داعش) والجهود الدولية لتأسيس حلف من عدة دول، وكذلك قرار مجلس الأمن الدولي لمحاربة هذا التنظيم المتطرف حسب الفصل السابع، كلها تشير إلى أن معركة أربيل تصبح مفتاحا لحل مشكلة الإرهاب في الشرق الأوسط، إضافة إلى أن هناك تخطيطا عاما بمشاركة قوات البيشمركة والقوات العراقية والأردنية ودول الخليج ولبنان وتركيا لبدء حملة عسكرية ضد (داعش)، إذن هنا سيناط بقوات البيشمركة واجب خاص في هذه العملية الإقليمية».
وتعد البيشمركة أو القوات المسلحة الكردية أقدم قوات مسلحة في العراق، حيث يعود تأسيسها إلى بداية القرن المنصرم، وخاضت على مداره معارك ضد الأنظمة العراقية المتعاقبة من أجل نيل الحقوق القومية للكرد في العراق.
البيشمركة تعني بالعربية «الذين يواجهون الموت» أو «تحدي الموت»، وهي قوة بنيت على أساس الإيمان بالمبادئ القومية والتضحية من أجل الحرية، وتخوض هذه القوات اليوم معركة الدفاع عن العراق والمنطقة ضد الإرهاب والتشدد، في سبيل حماية الحرية التي حصل عليها العراقيون بعد عام 2003.
* قصة البيشمركة
* الكاتب والصحافي عبد الغني علي يحيى الذي التحق منذ عام 1963 بالثورة الكردية تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن بدايات تأسيس البيشمركة وقياداتها، والثورات التي قادتها هذه القوة، وهو يشير إلى أن البيشمركة ظهرت قوة نظامية في عام 1946. ويروي يحيى حكاية البيشمركة قائلا: «سميت القوات الكردية المدافعة عن جمهورية كردستان أو (مهاباد) بقوات البيشمركة، وكان الزعيم الكردي الراحل الملا مصطفى بارزاني وزيرا للدفاع في هذه الجمهورية، وكانت الخدمة العسكرية في هذه الجمهورية تطوعية وليست إجبارية».
وتابع: «لم تتداول تسمية (البيشمركة) حتى اندلاع ثورة سبتمبر (أيلول) عام 1961 بقيادة الملا مصطفى بارزاني ضد الحكومة العراقية، وكان سكان القرى من أكثر المشاركين في تشكيلات هذه القوة، إضافة إلى عدد قليل من الجنود والضباط الأكراد الذين هربوا من الجيش العراقي والتحقوا بالثورة الكردية، من بينهم المقدم عزيز عقراوي والملازم عزيز الأتروشي وضباط آخرون».
وعن التشكيلات الأساسية لقوات البيشمركة، قال يحيى: «كانت قوات البيشمركة تتكون آنذاك من تقسيمات تبدأ من الفصيل الذي كان يسمى بالكردي (بل) والفرع (لق) والبطاليون وتنتهي بالفرقة أي (هيز)، وهي أكبر جزء من تشكيلات البيشمركة آنذاك، وكانت الفرق تحمل أسماء مناطق كردستان التي كانت توجد فيها، كفرقة حمرين وسفين وسهل أربيل وكاروخ وزاخو وعقرة وشيخان وبالك».
اعتمدت هذه القوات على مدار ثورتها في ثمانينات القرن العشرين على الأسلحة الخفيفة فقط المتمثلة ببنادق الكلاشنيكوف وقاذفات الـ«آر بي جي»، والقنابل اليدوية، لكنها بعد عام 1991 حصلت على أسلحة ثقيلة لأول مرة، حيث استولت على أسلحة القوات العراقية بعد انتفاضة شعبية اندلعت في كردستان أدت إلى خروج الجيش العراقي وتأسيس حكومة إقليم كردستان، لكن مشكلة سلاح البيشمركة لم تحل لأن الأسلحة كانت قليلة.
وفي عام 2003 وبعد أن احتلت أميركا العراق، استطاع الكرد أن يحصلوا على أسلحة الجيش العراقي في كركوك والموصل وديالى، وكانت هذه الأسلحة تتمثل في أسلحة ثقيلة من مدرعات ودبابات ومدافع هاون وراجمات ودوشكات ثنائية ورباعية، لكن هذه الأسلحة كانت قديمة وبعضها كان معطبا، ورغم مطالبات حكومة الإقليم لبغداد بتسليح البيشمركة وتدريبها بما يتواكب من تدريبات ومعدات عسكرية حديثة، باعتبار ذلك جزءا من منظومة الدفاع العراقية، فإن بغداد لم تقدم على ذلك طيلة الأعوام الماضية التي تلت سقوط نظام صدام حسين، فيما كانت واشنطن تصر على أن يكون تسليح البيشمركة عن طريق وزارة الدفاع العراقية.
وبعد أحداث الموصل في يونيو (حزيران) الماضي وما ترتب عليه من سقوط للمحافظات السنية بيد تنظيم داعش، وانهيار المنظومة الأمنية والدفاعية العراقية بالكامل، أصبحت قوات البيشمركة القوات النظامية الوحيدة في العراق لمواجهة «داعش» الذي استولى على أسلحة الجيش العراقي الحديثة والثقيلة.
يقول العميد هلكورد حكمت الناطق الرسمي باسم وزارة البيشمركة لـ«الشرق الأوسط» إن «مهمتنا الآن هي محاربة الإرهاب العالمي، فقوات البيشمركة تقاتل الآن دولة إرهابية، ومع أن العدو يمتلك أسلحة أكثر تطورا من أسلحتنا، التي استولى عليها جراء فرار الجيش العراقي، فإن قوات البيشمركة استطاعت إيقاف تقدم (داعش). ومن ثم بدأنا هجوما بريا بإسناد من الطيران الأميركي لاستعادة المناطق التي استولى عليها (داعش) خلال الأسبوعين الماضيين في سهل نينوى، واستطعنا أن نستعيد السيطرة على سد الموصل وكل المناطق والقرى التابعة لها».
وحول الدعم العسكري الدولي لكردستان قال حكمت: «هناك دول كثيرة أعلنت عن استعدادها لتزويد البيشمركة بالسلاح والتجهيزات العسكرية، منها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، والنمسا والتشيك وفنلندا وكندا وبولندا وإيطاليا وأستراليا، ودول أخرى، وستقوم كل دولة بإرسال خبرائها مع الأسلحة لتدريب قوات البيشمركة على هذه الأسلحة الحديثة». وأضاف: «حتى الآن تسلمنا السلاح الأميركي والفرنسي، ونحن بانتظار وصول الأسلحة الأخرى من أصدقائنا.. أميركا أرسلت إلى الإقليم 130 خبيرا عسكريا لتوجيه المشورة لقوات البيشمركة ووضع الخطط العسكرية، وقرر هؤلاء بناء مطار عسكري أميركي في أربيل بالتنسيق بين واشنطن وأربيل وبغداد».

* قوة البيشمركة

* وزارة البيشمركة لم تذكر عدد قواتها الكامل بحجة السرية العسكرية، إلا أن الشرق الأوسط علمت من مصادرها الخاصة أن عدد البيشمركة يبلغ نحو 200 ألف مقاتل، متوزعين على عدد من الفرق والألوية والأفواج، إضافة إلى قوات الكوماندوز الكردية وقوات مكافحة الإرهاب التي تخوض كلها الآن المعارك ضد تنظيم داعش. يقول حكمت إن «قوات البيشمركة لا يمكن مقارنتها بالجيش العراقي الهزيل حاليا.. ليس هناك وجود للقوات العراقية.. كما شاهدناه في الموصل، لا يملك الإرادة والقدرة، وكان يمتلك أسلحة وأعتدة عسكرية متطورة، إلا أنه لم يبد مقاومة ضد (داعش) وترك أسلحته لمسلحي هذا التنظيم الذين يستخدمونها الآن ضد البيشمركة».
وحول تدريب قوات البيشمركة، بين الناطق الرسمي باسم الوزارة أن البيشمركة تلقت تدريبات عسكرية في الإقليم، وهناك قوات من البيشمركة تلقت تدريبات خاصة بحرب الشوارع والمدن، وهي الآن تقاتل «داعش» وكان لها دور بارز في المعركة، مؤكدا أن المعركة مع «داعش» أكبر مدرسة تدريب لقوات البيشمركة في الإقليم، خاصة أنها جاءت بعد مدة طويلة لم تخُض فيها البيشمركة أي معارك.
قوات البيشمركة استطاعت بعد انسحاب الجيش العراقي من المناطق المتنازع عليها أن تحل محل هذه القوات وتحافظ على الأمن في هذه المناطق، إلا أن تأخر الدعم العسكري لها تسبب في انسحابها من بعض الأماكن، كقضاء سنجار ذي الأغلبية الإيزيدية وأقضية الحمدانية وتلكيف في سهل نينوى، إضافة إلى ناحية جلولاء في محافظة ديالى.
القائد الميداني العقيد أديب تروانشي في اللواء الأول زيرفاني، كشف لـ«الشرق الأوسط»، عن أن «الطائرات العراقية كانت سببا لانسحاب البيشمركة من سنجار لأنها لم تستجب لندائهم».
وقال تروانشي الذي كان ضمن القوة الكردية في سنجار: «استفدنا جدا من الإسناد الجوي الأميركي، أما الإسناد الجوي العراقي فلم يؤدِّ المهمة بالشكل المطلوب، كنت في سنجار، ووجهنا حينها عدة نداءات إلى سلاح الجو العراقي، لكن لم يستجيبوا لنا، لو قدمت بغداد لنا الإسناد الجوي لما حدث ما حدث من سقوط قضاء سنجار.. (داعش) تمتلك أسلحة متطورة وثقيلة».
وأضاف تروانشي الموجود حاليا في سهل نينوى: «رغم تسلحنا المتواضع فإن الإيمان بالحرية وبالقضية والمبدأ والتعايش، دفع بنا إلى صد الأعداء والدفاع عن كردستان وأهلها وحماية هذه الأرض من تدنيس (داعش)، والآن ننتظر ساعة الصفر لاستعادة كل المناطق الكردستانية».
بدوره قال ئاري هرسين رئيس لجنة البيشمركة في برلمان الإقليم لـ«الشرق الأوسط» إنه الآن موجود في الجبهة الأمامية في المعركة مع «داعش» في محور شلالات الموصل. وأضاف: «خلال وجودي بين البيشمركة اتضح لي أن أكبر سلاح تملكه هذه القوات هو المعنويات العالية، وهي التي مكنت البيشمركة من التصدي لـ(داعش). البيشمركة لا تقارن بالجيش العراقي، كان في الموصل قرابة 60 ألف جندي عراقي لكنهم لم يصمدوا أمام (داعش) وسلموه مواقعهم وأسلحتهم المتطورة دون أي مقاومة، لذا فإن البيشمركة هي أهم قوة في المنظومة الدفاعية العراقية، لكن مع الأسف الحكومة العراقية لا تولي أي اهتمام لهذه القوات، وبالعكس عاقبت بغداد البيشمركة وسلبت حقها المشروع في الدستور العراقي منذ عام 2004».
يقول أحد أفراد البيشمركة العائد من جبهات القتال في مخمور التي استعادت البيشمركة السيطرة عليها الأسبوع الماضي، لـ«الشرق الأوسط»، دون أن يكشف عن اسمه: «القتال كان عنيفا جدا في البداية، اضطررنا إلى الانسحاب لأن (داعش) كانت تمتلك سلاحا مدفعيا قويا أرغمنا على الانسحاب؛ فأسلحتنا لم تكن في المستوى المطلوب، وتمت مهاجمتنا من الخلف من لدن القرى العربية التي تحالفت مع (داعش)، لذا انسحبنا إلى مواقع قريبة من مخمور الأسبوع الماضي، وكان (داعش) يتقدم باستمرار، إلى أن بدأ الطيران الأميركي بقصف مواقع التنظيم في مخمور والكوير. الطائرات الأميركية دمرت مدفعية (داعش) وشلت حركته الهجومية تماما. حين بدأنا هجوما قويا عليهم من أربع محاور تمكنا من استعادة السيطرة على مخمور والكوير وأكثر من خمسين قرية في أطرافهما. عدونا لاذ الفرار فعلا، لكن نحن بحاجة إلى سلاح».

* قوة متعددة الأعراق

* جميع مكونات إقليم كردستان يشاركون في قوات البيشمركة، فهناك بيشمركة إيزيديون ومسيحيون وتركمان وكاكائية يخدمون في صفوف البيشمركة التي أصبحت القوة المسلحة الكردية التي تحمي كردستان والعراق من الإرهاب الذي تفشى في الجسد العراقي.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.