ضمن سلسلة نشاطات ثقافية ينظمها «نادي لكل الناس» لصاحبه نجا الأشقر، يجري اليوم 31 يناير (كانون الثاني)، عرض فيلم «محاصر مثلي» للمخرجة السورية هالة العبد الله في دار النمر في بيروت.
يحكي الفيلم وهو من نوع الوثائقي، سيرة حياة المفكّر والأديب السوري المعارض فاروق مردم بك. فيطلّ من خلاله المشاهد على جوانب من حياته بين الأمس واليوم، هو المقيم في باريس والممنوع من العودة إلى بلده الأم سوريا منذ عام 1976.
وتحاول مخرجة الفيلم وخلال مدّة تستغرق نحو 90 دقيقة تقديم فاروق مردم بك على طبيعته من دون أي روتوشات تلمّع صورة ضيوف هذا النّوع من الأفلام. فتتناوله كمثقف ومفكّر كما لم تنس أن تبيّن ميزات تسكنه قلبا وقالبا، مسلّطة الضوء على فاروق المتعلّق بجذوره والمتماهي بتواضعه صاحب الشّخصية الكريمة النفس والمضيافة.
«إنّه شخصية غنيّة جداً، كريمة ومتواضعة وبسيطة يفتقد الـ(ايغو) والقلاع التي يتحصّن بها المثقفون عادة». هكذا تصف المخرجة هالة العبد الله فاروق مردم بك الذي يتناوله فيلمها.
«في البداية فكّرت بتصويره خلال عشاء يقيمه في منزله يحضّر أطباقه بنفسه ليجلس مع أصدقائه حول مأدبة غنيّة بدفء العلاقات الإنسانية التي يتمتع بها». تضيف هالة العبد الله في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط» وتتابع: «وبعد انتهائي من التصوير قرّرت أن آخذ له لقطات واضحة بصوته لا يشوبها حوارات وأصداء أصوات ضيوفه. فأجريت معه لقاء مباشرا محدثة بذلك تغييراً لتركيبة الفيلم الأولية. واكتشفت كمية الانفتاح والعطاء والإصغاء للآخر التي هي من أعمدة شخصيته الأصيلة». وعن طبيعة ردّ فعل المفكّر السوري إثر مشاهدته للفيلم تقول: «إضافة إلى كل الميزات التي ذكرتها يتمتع فاروق مردم بك بحس سينمائي بالغ كونه يهوى الفن السابع ومتابعا دائما له. فهو كان متردّداً منذ البداية بشأن الفكرة، إذ كان لا يريد أن يسلّط الضوء عليه كشخص بل على بلده سوريا. وبعدها تفاعل معي بشكل ملحوظ فهو ليس من الأشخاص الذين يبنون الأوهام حول أسمائهم فيتوقّعون الأكثر من عمل مماثل يحكي سيرة حياتهم. فكان سعيدا جدا بالنتيجة لا سيما أن قناعاته تنبع من مبدأ أن الأعمال السينمائية هي بمثابة أداة تغيير بحد ذاتها. فيمكن لشرائح مختلفة أن تشاهدها وتنهل منها ما ترغب به من رسائل ومعرفة. وجاء الفيلم ليحدث الفرق ويقدم سوريا بصورة مختلفة رغب في إيصالها لمشاهده كي يتعرّف إليها عن كثب وليس كما سبق وسمع عنها في وسائل الإعلام وشاشات التلفزة».
وعن الصّعوبات التي واجهتها في تنفيذ هذا الفيلم توضح في سياق حديثها: «لم تواجهني صعوبات حقيقية لأنّه كان متعاونا معي إلى آخر حدّ، لا بل كنت أجتهد ليكون مرتاحاً فلا أستهلك طاقته بشكل مبالغ فيه. وقد تكون الصّعوبة الوحيدة التي واجهتها في الفيلم هو الانقلاب الذي أعددته بنفسي على تركيبة الفيلم الأساسية، عندما قرّرت عدم الاكتفاء بتصويره خلال مأدبة العشاء وأجريت لقاءات مباشرة معه».
وبين ذكريات شامية تعبق بعطر البلد الأم وتأثره بها وبين حاضر باريسي يعيش فيه حصار المنفى وشوق عناق حرية وطن، تأخذنا كاميرا هالة عبد الله في رحلة لا تحدّدها مسافات بل مشاعر وأحاسيس طبخها الزمن ليقدمها فاروق مردم بك بنكهة إنسانية. وبعدسة دقيقة وحاضرة وأناقة عين ثاقبة ترافق أحداث الفيلم يتابع المشاهد فسيفساء شخصية فاروق مردم بك التي يرسمها بملامحه وكلماته. فتحضر سوريا فيها بقوة وتتلون فيما بعد بمحطات مصيرية من حياته بعيد اكتشافه التأثير الذي تركته عليه سوريا إثر اندلاع الثّورة فيها في عام 2011. مروراً بذوبانه في القضية الفلسطينية التي كرّس لها سنوات طويلة من حياته، ووصولا إلى باريس الصداقات والصِلات الإنسانية والالتزامات السياسية والأخلاقية.
«لا يهمني أن أجذب من خلال أفلامي الجمهور الواسع وهي غالبا ما تحمل المغامرة والبحث الشكلي والذاتي في حناياها». تقول هالة العبد الله واصفة أسلوبها في العمل. وتضيف، إنّ «الفرق الوحيد الذي لامسني لاحقا هو انشغالي ببلدي سوريا بعد الثورة والتراجيديا التي يعيشها أهله. فحملته في كل شهيق وزفير أتنفسه وصار هاجسي يعتقني من حالة اختناق أشعر بها فأفرّغها في أفلامي». وتتابع: «موضوع مزاج السينما شهد تحولات كثيرة وتراجعات ملحوظة، مما ولّد عندي همّ إظهار حقيقة وواقع عادة ما يتم غض النطر عنهما في وسائل الإعلام. من هنا جاءتني فكرة هذا الفيلم ليشكّل طريقة تعبير مختلفة أولا. فهو فيلم مباشر وواضح وقابل لأن يُشاهده أناس متعدّدو الهوى فلا يتقوقع في المتخصص. صحيح أنّني كفاروق مردم بيك أعيش خارج الملعب حيث هناك مجموعات تشعر بالعجز، وصحيح أننا لم نستطع أن نؤثّر مباشرة على إيقاف تلك المصائب وإيجاد حلول لها، ولكنّني في المقابل وعلى الرّغم من إحساسي بالعجز فإنّني بعيدة كل البعد عن اليأس».
وفي بداية الفيلم توضح هالة العبد الله أنّ مجرياته حصلت ما بين 2013 و2015 بشكل متقطّع. وتختم: «كنت أريد فيلما لا تطبعه اللغة الخطابية والتحليلية بل يسكنه الدفء الإنساني بكل أبعاده بحيث لا أكون في واد والناس في واد آخر. وعندما تطرّقت إلى فاروق مردم بك الشّغوف بالطبخ كنت أريد الإشارة إلى أنّنا لسنا دائماً بحاجة للكلام عن الموت والتراجيديا والنّظريات الافتراضية لإظهار دعمنا لأهل بلادنا. بالنسبة لي، شغفه في المطبخ السوري يرتبط بتاريخ وجذور الوطن والعالم العربي ككلّ. والبحث في علاقة حميمة من خلال تذوق الطّعام وطريقة استقباله لضيوفه هي ليست مجرد تفاصيل سطحيّة بل أحاسيس عميقة تطبعها إنسانية عالية بيّنتها في (محاصر مثلي)».
8:23 دقيقه
«محاصر مثلي»... فاروق مردم بك كما لم نعرفه من قبل
https://aawsat.com/home/article/1569636/%C2%AB%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B5%D8%B1-%D9%85%D8%AB%D9%84%D9%8A%C2%BB-%D9%81%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%82-%D9%85%D8%B1%D8%AF%D9%85-%D8%A8%D9%83-%D9%83%D9%85%D8%A7-%D9%84%D9%85-%D9%86%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%87-%D9%85%D9%86-%D9%82%D8%A8%D9%84
«محاصر مثلي»... فاروق مردم بك كما لم نعرفه من قبل
اللبنانيون على موعد مع عرض الفيلم اليوم في دار النمر
«محاصر مثلي»... فاروق مردم بك كما لم نعرفه من قبل
مقالات ذات صلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

