«هجير»... بيتهوفن سعودي من جدة القديمة

فيلم عن فقدان السمع وشغف الموسيقى… يُعرض هذا الأسبوع في صالات السينما

خالد الحربي وخالد يسلم في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)
خالد الحربي وخالد يسلم في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)
TT

«هجير»... بيتهوفن سعودي من جدة القديمة

خالد الحربي وخالد يسلم في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)
خالد الحربي وخالد يسلم في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)

تتقاطع حكاية الفيلم السعودي «هجير»، الذي يبدأ عرضه في صالات السينما المحلية هذا الأسبوع مع قصة الملحن العالمي بيتهوفن الذي فقد سمعه ورغم ذلك ألّف ألحاناً عبقرية. «هجير» يسرد رحلة داخلية تعيد تعريف حاسة السمع، ليس بوصفها قدرة حسية فحسب، بل بوصفها وسيلة لصياغة الموسيقى والإبداع.

تكشف منتجة الفيلم أمل الحجار في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، عن تفاصيل الفكرة، وبنية القصة، وكواليس الإنتاج، مبينةً أن الحكاية تبدأ من تجربة واقعية، حيث تشير إلى أن الشرارة الأولى جاءت من احتكاك مباشر، قائلةً: «فكرة الفيلم بدأت عندما كنت في مكان يوجد فيه أشخاص من ذوي الإعاقة السمعية، وهذا ما لفت انتباهي، وجعلني أتساءل: ماذا نقدم لهم؟»، وتضيف أن ما أثار اهتمامها لم يكن فقط حضورهم، بل زاوية النظر المختلفة التي فرضوها، مضيفةً: «تأثرت بطريقة تفاعلهم مع العالم، وبدأتُ أفكِّر: كيف يروننا نحن؟ نحن الذين نعتمد على الصوت أكثر من لغة الإشارة». وتوضح أن هذا التساؤل قادها إلى إعادة التفكير في مفهوم «الطبيعي» و«المختلف»، قائلةً: «ظل هذا السؤال في ذهني: هل يروننا نحن المختلفين؟ وهل هم الطبيعيون؟»، وهي الفكرة التي شكّلت أساس المشروع.

بناء الفكرة... عكس التوقع

تشير الحجار إلى أن تحويل هذا التساؤل إلى عمل درامي احتاج إلى معالجة مختلفة، موضحةً: «فكَّرت أن أقدم فيلماً عنهم، لكن الدراما تحتاج إلى حبكات، فذهبت إلى فكرة معاكسة: شخص لا يسمع لكنه يحب الموسيقى». وتؤكد أن هذه المفارقة كانت مدخلاً لبناء القصة، حيث بدأت الفكرة تتشكل تدريجياً، وبدأ العمل عليها، لتتحول إلى مشروع سينمائي يتناول تجربة إنسانية تتجاوز التصنيفات التقليدية، حسب قولها.

يتخذ الفيلم من أجواء جدة القديمة مكاناً للقصة (الشرق الأوسط)

جدة... زمن مختلف

تدور أحداث الفيلم في جدة، خلال فترة تمتد من أواخر الستينات إلى الثمانينات، وهي مرحلة شهدت تحولات ثقافية مهمة، خصوصاً فيما يتعلق بالموسيقى ووسائل الإعلام، حيث يرصد العمل بيئة كان فيها تعليم الموسيقى متاحاً في بعض المدارس، مثل مدرسة «الثغر»، حيث تعلّم البطل قراءة النوتة الموسيقية وفهمها، في سياق يعكس حضور الموسيقى في الحياة اليومية آنذاك، إلى جانب الاعتماد على الإذاعة، قبل دخول التلفزيون إلى بعض البيوت.

يتتبع الفيلم رحلة «هجير»، الذي ينشأ في عائلة قريبة من الموسيقى؛ فوالده عازف كمان، ويعمل أيضاً في صيانة الآلات الموسيقية، مما يخلق بيئة مشبَّعة بالأصوات والإيقاع، رغم التحدي الذي يواجهه الابن. وفي المبنى نفسه، تعيش «عالية»، ابنة قائد أوركسترا في إذاعة جدة، التي تتلقى تعليمها الموسيقي على يد والدها، وتحمل حلماً بسيطاً يتناسب مع عمرها واهتمامات جيلها، يتمثل في تلحين عمل لمطرب مصري كانت معجبة به.

بداية التحدي

توضح الحجار تفاصيل التحول المفصلي في حياة البطل، قائلةً: «كان لديه ضعف في السمع منذ الولادة، لكن في سن العاشرة أُصيب بحمى قضت على ما تبقى من سمعه». وتوضح أن هذا التحول انعكس بشكل مباشر على حياته اليومية، فلم تعد المدرسة تتقبله، وبدأ يواجه تنمراً من المحيطين به، في إشارة إلى التحديات الاجتماعية التي رافقت حالته.

لكن في المقابل، تبرز العائلة كمساحة دعم، حيث تقول: «استمرَّ بدعمٍ من جده ووالده، وكان يتعلم القرآن منذ الصغر، وهذا ما ساعده على الحفاظ على النطق ومخارج الحروف». وتستحضر الحجار واحدة من أبرز الصور في الفيلم، قائلةً: «في أحد المشاهد، نراه يرسم بيانو على الأرض، ويتحرك على مفاتيحه، رغم أنه لا يسمع». وتشير إلى أن هذه الصورة تختصر فلسفة الشخصية، حيث يعتمد «هجير» على إحساس داخلي في التعامل مع الموسيقى، فيكتب النوتات ويؤلف الألحان دون أن يسمعها، في تجربة تتجاوز الفهم التقليدي للصوت.

الحب... بوصفه امتداداً للأمل

وخلال ذلك، تتداخل قصة حب مع مسار الشخصية، حيث اعترف «هجير» بمشاعره نحو «عالية» في سن مبكرة، حيث تواجه هذه العلاقة نظرة سلبية من المجتمع حوله، في محاولات لتشكيك هجير بنفسه، إلا أن ذلك لم يغيّر من نظرته، حيث استمر مؤمناً بحبه لها. وترى الحجار أن هذا الجانب يعكس بُعداً إنسانياً مهماً، يتمثل في أن البطل «لم يرَ نفسه شخصاً مختلفاً أو أقل، بل شخصاً يعيش حياته بشكل طبيعي».

وتأخذ قصة الفيلم منعطفاً درامياً حين يكتب «هجير» لحناً موسيقياً ويهديه إلى عالية التي تدرك قيمة العمل، لكنها تقرر نسبته إلى نفسها، وتسافر إلى مصر لتحقيق حلمها، حيث يحقق اللحن نجاحاً، وتتناوله الصحافة، في حين يبقى صاحبه الحقيقي بعيداً عن الضوء.

الممثلة ريم الحبيب في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)

حين يسمع ما لم يُسمع

توضح الحجار: «في الثمانينات، ومع ظهور السماعات الطبية، يتمكن لأول مرة من استخدام جهاز يساعده على السمع»، مضيفةً أن هذه اللحظة كانت فارقة «كانت أول تجربة له بأن يسمع اللحن الذي ألّفه». وتشير إلى أن هذه اللحظة تقود إلى انكشاف الحقيقة، حيث تتصاعد الأحداث، وتبدأ المواجهة.

وترى الحجار أن الفيلم يحمل رسالة واضحة، قائلةً: «الرسالة يمكن وضعها تحت عنوان الأمل: never lose hope». وتضيف أن هذه الفكرة تتجلى في مسار الشخصية: «لم يفقد الأمل رغم كل ما مر به، ولم يرَ إعاقته حاجزاً يمنعه من أن يعيش أو يحب أو يبدع».

مصادفة صنعت الفارق

وبالسؤال عن كواليس اختيار بطل الفيلم، تكشف الحجار عن أنه في أثناء البحث عن شخص يجيد لغة الإشارة، فوجئت في حضور أم برفقة ابنها البالغ تسع سنوات. وتضيف: «لفت انتباهنا، فسألنا والدته إن كان يمكنه التمثيل، فوافقت، وبدأنا تدريبه»، مشيرةً إلى أن والدته شاركت أيضاً في الفيلم بدور معلمة لغة الإشارة. وترى أن هذه المصادفة أضافت بُعداً واقعياً مهماً، حيث كان البطل يؤدي الدور إلى جانب والدته الحقيقية، وهي من ذوي الإعاقة السمعية».

وتوضح أن الفيلم يرصد مرحلة زمنية مهمة، حيث كان الاعتماد على الإذاعة، قبل دخول التلفزيون إلى بعض البيوت، في تباين يعكس الفروق الاجتماعية. كما تشير إلى تحديات التصوير، قائلةً: «واجهنا صعوبة في التصوير في جدة القديمة، فتم تصوير العمل في مصر، مع إعادة بناء جدة القديمة داخل مدينة الإنتاج الإعلامي».

المشهد السينمائي المحلي

ورغم اختلاف قصة الفيلم عمّا هو معتاد في الأفلام السعودية، فإن المنافسة اليوم باتت شرسة في الإنتاج المحلي، وذائقة الجمهور ارتفعت بشكل كبير، وبسؤال الحجار عن موقع «هجير» ضمن المشهد السينمائي، تقول: «السينما تميل غالباً إلى الكوميديا أو الرعب، بينما تظل القصص الإنسانية أقل حضوراً... وهناك قصص إنسانية ملهمة تستحق أن تُروى»، في إشارة إلى توجه الفيلم، الذي يسعى لتقديم تجربة مختلفة.

وتشير الحجار إلى أن الفيلم يمثل أول عمل سعودي للمخرجة سارة طلب، التي درست السينما في جامعة إيكر، وقدمت أعمالاً سابقة في السينما الفرنسية، في تجربة تمثل انطلاقتها في السينما السعودية.

الفيلم من بطولة: خالد الحربي، وريم الحبيب، وخالد يسلم، وعبد العزيز الفيصل، وروان الخالدي، وعبد الله النجار، وآخرون.

إجمالاً، يقدّم «هجير» تجربة تنطلق من تساؤل إنساني بسيط، وتتحول إلى عمل يستكشف الأمل، والإبداع، وإعادة تعريف الذات خارج حدود الصوت.


مقالات ذات صلة

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

يوميات الشرق مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور.

لورا كابيل (باريس)
يوميات الشرق صورة مركبة للفنانة نادية لطفي و«سيدة الشاشة» فاتن حمامة والنجمة تحية كاريوكا

بالثوب الأبيض والقلب النابض... فنانات مصريات بمستشفيات حرب أكتوبر

«حرب الكرامة بالأبيض والأسود»... عندما قادت فاتن حمامة ونادية لطفي وتحية كاريوكا وهالة فاخر كتائب «الهلال الأحمر» بالمعادي.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» في منافسات «الأوسكار» (الشرق الأوسط)

9 أفلام عربية في سباق «الأوسكار» وسط منافسة دولية شرسة

من المقرّر إعلان القائمة القصيرة، التي تضمّ 15 فيلماً، في 15 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الصلح يُعقد... والجرح يبقى (الجهة الإعلامية)

«البارح العين ما نامت»: حكاية زواج قسري من البقاع إلى المهرجانات العالمية

تدور الأحداث على الحدود بين لبنان وسوريا، حيث يشعل إحراق شاحنة خلافاً داخل مجتمع بدوي متماسك.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق خلال حفل توقيع الكتاب (الشرق الأوسط)

إلهام شاهين تحتفل بكتاب يتناول مسيرتها الفنية

حرصت الفنانة المصرية إلهام شاهين على الاحتفاء بتوقيع كتاب يتناول جانباً من مسيرتها الفنية.

أحمد عدلي (القاهرة)

من وصمة عار إلى «ترند»... العلاج النفسي يتحوّل إلى موضة اسمُها «ثيرابي»

شهدت السنوات القليلة الماضية تحوّلاً جذرياً في النظرة إلى موضة الصحة النفسية (بيكساباي)
شهدت السنوات القليلة الماضية تحوّلاً جذرياً في النظرة إلى موضة الصحة النفسية (بيكساباي)
TT

من وصمة عار إلى «ترند»... العلاج النفسي يتحوّل إلى موضة اسمُها «ثيرابي»

شهدت السنوات القليلة الماضية تحوّلاً جذرياً في النظرة إلى موضة الصحة النفسية (بيكساباي)
شهدت السنوات القليلة الماضية تحوّلاً جذرياً في النظرة إلى موضة الصحة النفسية (بيكساباي)

عام 2009، نشرت الـ«غارديان» تحقيقاً بعنوان «الصحة النفسية، أقوى المحرّمات». استندت الصحيفة البريطانية آنذاك إلى استطلاعٍ شمل 2000 شخص، أَقرَّ 30 في المائة منهم بأنهم يجدون صعوبةً في الإفصاح عن إصابتهم بخللٍ نفسيّ.

حدث ذلك في لندن قبل 17 سنة من الآن، أي في الماضي القريب، وفي بقعةٍ من العالم تُعَدُّ طليعيّةً في مجال الصحة النفسية وحرّيّة الفَرد واحترامه. لكن أين ذلك العنوان ممّا يشهده حالياً الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والمجتمع عموماً، من طفرةٍ في المحتوى المرتبط بالصحة النفسيّة ومن بَوحٍ جماعيّ بكدمات النفس ونُدوبِها. وكأنّ الموضوع الذي وُضع في خانة المحرّمات لعقود، تحوّل خلال السنوات الماضية إلى موضة أو «ترند»، يُحاضر فيها ذَوو الاختصاص وحتى مَن لا يمتّون للاختصاص بصِلة!

من خانة المحرّمات إلى خانة «الترند»... الصحة النفسية موضة وسائل التواصل الاجتماعي (بكسلز)

بسرعةٍ قياسية، سقطت وصمة العار عن المشكلات النفسية، وصارت زيارة المعالج أو الـ«ثيرابي» أشبَه بساعة الـ«بيلاتيس» أو بموعد العناية بالبشرة. لعبت عوامل كثيرة دوراً في هذا التحوّل الجذري، أوّلها الانفتاح الذي يُسجَّل على وسائل التواصل الاجتماعي في التعامل مع موضوع الصحة النفسية، يليها تَهافُتُ المشاهير على البَوح علناً بآلامهم الدفينة وصدماتِ طفولتهم وخضوعهم لعلاج نفسي، وليس آخرها الآثار التي خلّفتها جائحة «كورونا» على الصحة النفسية والعلاقات البَشّريّة.

البطلة الأولمبية سيمون بايلز في طليعة المشاهير الذين جاهروا بمشكلاتهم النفسية (رويترز)

العلاج النفسي عبر التاريخ.. طرد أرواح وصدمات كهربائية

في القرون الوسطى، غالباً ما كان يُعزى المرض النفسي إلى مَسٍّ شيطاني أو خلل أخلاقي، وكانت العلاجات تشمل طقوس طرد الأرواح الشريرة أو العزل الاجتماعي، كما كانت تذهب أحياناً إلى حدّ الإعدام.

لم يتطوّر التعامل مع المرضى النفسيين ما بين القرنَين الـ17 والـ19، وذلك بالتزامن مع بدء إنشاء المصحّات العقليّة. كان يُعزل أي شخصٍ مصاب بصدمةٍ أو بعلّةٍ نفسية في تلك الأماكن المرعبة والشبيهة بالسجون. وبدلاً من محاولة فهم حالته، كان يواجَه بأساليب علاجيّة قاسية مثل تقنية إراقة الدم، أو جراحة فصّ الدماغ، أو جلسات الصدمات الكهربائيّة.

الصدمات الكهربائية من دين العلاجات القديمة للمرض النفسي (موقع جامعة كامبريدج)

فرويد.. «أبو الثيرابي»

بحلول القرن الـ20، وبفَضل «أبي التحليل النفسي» ومؤسِّس الـ«ثيرابي» بنُسختها المعاصرة سيغموند فرويد، شهدَ عالم الصحة النفسية تحوّلاً جذرياً. غيّر طبيب الأعصاب النمساوي مسار النقاش في مسبّبات الاختلال النفسي، فحوّلَها من الخرافات الخارقة للطبيعة باتّجاه الأفكار والمشاعر الكامنة في العقل الباطن. ارتكز فرويد إلى الحوار بين المعالج والمريض بدل التدخّلات الطبية العنيفة، واستقى الحلول من الغوص في تحليل الطفولة وتفسير الأحلام.

أبو التحليل النفسي طبيب الأعصاب النمساوي سيغموند فرويد (ويكيبيديا)

في القرن الـ20 كذلك، وتحديداً في الخمسينات، بدأ تطوير الأدوية النفسية مثل مضادات الاكتئاب والقلق. لَحِقَها في الثمانينات العلاج المعرفي السلوكي CBT، مقدّماً أساليب منهجيّة وعمَليّة للتعامل مع حالات الصحة النفسية.

شهدت أواخر القرن الـ20 بدايةً خجولة لسقوط وصمة العار عن المرض النفسي وعلاجه. اتّخذت الرعاية الصحية طابعاً أكثر إنسانيةً وتعاطفاً، غير أنّ الأحكام الاجتماعية ظلّت قاسية. حتى هوليوود لم تُبدِ تفهُّماً للمرض النفسي، فتكرّرت في السينما والمسلسلات الصور النمطيّة عن العلاج النفسي، من خلال شخصيات المعالجين المتّسمة بالبرود العاطفي والتي تستخدم أساليب غامضة ومثيرة للسخرية أحياناً. أما شخصية المصاب بمشكلة نفسية فغالباً ما جرى تصويرها على أنها تفتقر للاستقرار وتشكّل مصدر خطر وإجرام.

شهد القرن الـ20 مقاربة أكثر إنسانيةً وتفهّماً للمرض النفسي (بكسلز)

اليوم العالمي للصحة النفسية

خلال العقد الأخير، اجتمعت عوامل عدّة لتُسقط وصمة العار بشكلٍ شبه نهائي عن المرض النفسي، والأهمّ عن علاجه الذي باتَ يُحكى عنه في الإعلام والمجالس الخاصة على حدٍ سواء، من دون مواربة.

من بين أولى العوامل التي حفّزت هذا التغيير في النظرة، حملات التوعية العالمية إلى أهمية الصحة النفسية وعلى رأسها استحداث اليوم العالمي للصحة النفسية في الـ10 من أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام.

سرعان ما التقط الإعلام الإشارة فتبنّى التوعية بدَوره من خلال البرامج التلفزيونية والتحقيقات الصحافية، التي ساهمت في إسقاط وصمة العار عن المرض النفسي، بمجرّد أن تُدخل المُصطلح إلى البيوت وتشرحَه وتبسّطَه لساكنيها الذين كانوا يتفادون ذكره ويخجلون منه.

شعار هذه السنة لليوم العالمي للصحة النفسية (الاتحاد العالمي للصحة النفسية)

«ثورة الصحة النفسية» على يد «السوشيال ميديا»

إلّا أنّ ما يمكن تسميتُه «ثورة الصحة النفسية»، انطلق فعلياً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؛ بفِعل فيديوهات المؤثّرين والمقولات المُلهمة ونصائح علماء النفس، المحفّزة كلّها على الاعتناء بالصحة النفسية، وحب الذات، وعدم الخجل من المعاناة النفسيّة.

تَزامنَت تلك الفَورة في المُجاهَرة بمكنونات النفس، مع جائحة «كورونا» التي نتجت عنها آلامٌ نفسية كثيرة. تَضاعفَ الوعي الجماعي إلى أنّ الصحة النفسية والعقليّة هي حقيقة تمسّ الجميع، وليست خيالاً أو مجرّد «كلام إعلام». وبالتالي، لن يكون ما بعد 2020 إطلاقاً كما كان قبله بالنسبة إلى موضوع الصحة النفسية، وأولى الدلائل على ذلك أنّ عمليات البحث عن عبارة «الصحة النفسية» ارتفعت أكثر من الضعف ما بين 2020 و2024 وفقاً لـ«غوغل ترندز».

شكّلت جائحة «كورونا» نقطة تحوّل في التعامل مع الصحة النفسية والإقرار بأهميتها (أ.ف.ب)

وبما أنّ الجيل زد (مواليد 1997 إلى 2012) هو في طليعة ضحايا موجة القلق والاكتئاب التي تجتاح العالم منذ 5 سنوات، وبما أنّ أبناء هذا الجيل هم توائم «السوشال ميديا»، لا يواجهون صعوبةً ولا خجلاً في التعبير عن مشكلاتهم النفسية علناً وعبر حساباتهم على وسائل التواصل. تُلهِمُهم في ذلك طبعاً شخصياتٌ شابّة محبوبة تحدّثت عن صدمات الطفولة وعن الخضوع لعلاج نفسي؛ من بين هؤلاء الأمير هاري، والفنانون سيلينا غوميز وبيلي آيليش وجاستن بيبر، والبطلة الأولمبية سيمون بايلز، وغيرهم الكثير.

تحدّث الأمير هاري مراراً عن معاناته النفسية الناتجة عن صدمات الطفولة (رويترز)

الصحة النفسية ضحيّة التسليع؟

لكلّ ثورةٍ تَبِعاتها السلبيّة، لا سيّما إذا كانت مُحرّكاتُها الرئيسة تدور على صفحات التواصل الاجتماعي، حيث هوَس «الترند» والمشاهَدات والمبيعات.

لا تكفي عبارات مثل «فكّر بإيجابيّة» و«أحبب نفسك أوّلاً» لعلاج الاكتئاب الحادّ أو القلق المُزمن. فهذه الإيجابيّة السامّة تؤذي أكثر ممّا تفيد المتألّمين نفسياً، لا سيّما منهم مَن ليس بوسعهم تكبُّد تكاليف العلاج.

وكما أنّ الصحة النفسية والعلاج لا يجب أن يكونا من المواضيع المحرّمة، ليس من المستحبّ كذلك أن يتحوّلا إلى مجرّد «ترند» بما تحمل من تسليعٍ واستسهال وتسخيف، والأخطر بما قد ينتج عنها من تشخيصٍ خاطئ، ومعلوماتٍ غير دقيقة، واستخدامٍ عبثيّ للمصطلحات النفسيّة.


بمقترح سعودي... 4 مارس يوماً للمرأة الخليجية

من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)
من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)
TT

بمقترح سعودي... 4 مارس يوماً للمرأة الخليجية

من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)
من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)

أقرَّ وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول مجلس التعاون، اعتماد 4 مارس (آذار) من كل عام يوماً للمرأة الخليجية، بما يعكس الاهتمام المشترك بتعزيز حضورها، وإبراز إسهاماتها في الأسرة والمجتمع والتنمية.

وجاء الاعتماد، خلال اجتماع للوزراء في المنامة، الخميس؛ بناءً على مقترح تقدَّمت به السعودية ممثلةً بمجلس شؤون الأسرة، انطلاقاً من مبادرة كويتية لتخصيص يوم للمرأة الخليجية، وحظي بتوافق أعضاء اللجنة الدائمة لشؤون المرأة بدول الخليج.

ويستند اختيار 4 مارس إلى الدلالة التي تحملها المادة الرابعة من النظام الأساسي لمجلس التعاون، وما تجسده من أهداف المجلس في تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء، بما يعكس دور المرأة بصفتها شريكاً فاعلاً في مسيرة العمل الخليجي المشترك.

ويكتسب التاريخ بُعداً إعلامياً لوقوعه في مستهل الشهر الذي يشهد اهتماماً عالمياً بقضايا المرأة، بما يتيح مساحة خليجية للاحتفاء بها وإبراز إسهاماتها، قبيل يومها الدولي في 8 مارس.

ناقش المجتمعون استراتيجية العمل الخليجي المشترك في مجال العمل والقوى العاملة (مجلس التعاون)

ويُمثِّل اعتماد يوم المرأة الخليجية مناسبة سنوية لإبراز إسهاماتها وحضورها في مختلف المجالات، وتقديم تجربة تعكس خصوصية دول مجلس التعاون وهويتها المشتركة.

كما تُعزِّز هذه المناسبة السنوية حضور المرأة في مسارات العمل الخليجي المشترك، بما يجسد روح التكامل والتعاون بين دول المجلس.

وناقش الاجتماع عدداً من الموضوعات المتعلقة بتطوير التعاون، بينها استراتيجية العمل الخليجي المشترك في مجال العمل والقوى العاملة، التي تتناول محاور عدة، من أبرزها، مهارات سوق العمل، ومكافحة العمل الجبري والاتجار بالأشخاص، وتعزيز التوازن وتكافؤ الفرص في السوق.

وبحث الوزراء مواصلة إعداد الإطار الاسترشادي الخليجي للوظائف الخضراء، وآخر لتنظيم وتوحيد جهود استقدام عمال الخدمة المنزلية في دول المجلس، ومشروع لتنظيم بيئة العمل في اقتصاد المنصات، وتعزيز السلامة والصحة المهنية، وجاهزية أسواق العمل.


بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)
مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)
TT

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)
مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

في عام 2006، أثار فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة الأميركية صوفيا كوبولا - بأسلوبه الخيالي وألوانه الزاهية التي تشبه الحلوى - انقساماً في الآراء بين الجمهور، وذلك بسبب تفاصيل حديثة مثل أحذية للمصمم مانولو بلانيك، والموسيقى التصويرية المعاصرة. ومع ذلك، تحوَّل الفيلم بمرور الوقت إلى عمل كلاسيكي، ويحتفي «قصر فرساي» بالذكرى الـ20 لصدوره من خلال معرض يُقام في «بيتيت تريانون (Petit Trianon)»؛ وهو القصر الصغير الواقع ضمن المجمع الملكي والذي خُصِّص للملكة لاستخدامها الخاص في سبعينات القرن الـ18، حيث صُوِّرت أجزاء من فيلم «ماري أنطوانيت».

يُقام المعرض تحت إشراف هيلين ديلاليكس ولوران سالومي ويستمر حتى 24 يناير (كانون الثاني)، حيث يعرض من جديد الأزياء التي صمَّمتها ميلينا كانونيرو (والتي نالت عنها جائزة الأوسكار) إلى جانب مجموعة من الدعائم السينمائية والرسومات التخطيطية والصور الفوتوغرافية. وفي الغرف الخاصة بماري أنطوانيت، تُستخدَم تماثيل عرض الملابس (ألمانيكان) لإعادة تجسيد بعض المشاهد واللقطات من الفيلم.

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا (imdb)

كما تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور، التي صوَّرت نحو 100 ساعة من اللقطات خلف الكواليس بهدف إنجاز فيلم وثائقي. ورغم رحيل إليانور كوبولا في عام 2024 دون إتمام المشروع، فإن ابنتها أكملته نيابة عنها. ومن المقرر طرح الفيلم الوثائقي «صناعة ماري أنطوانيت (Making Marie Antoinette)» - الذي يُعدُّ بمثابة كبسولة زمنية توثِّق الفيلم الأصلي ومسيرة مخرجة شابة كانت تشق طريقها في عالم السينما - في دور العرض الأميركية بتاريخ 23 أكتوبر (تشرين الأول).

في مقابلة حديثة، تحدثت كوبولا (55 عاماً) عن عودتها إلى قصر فرساي، ونضالها من أجل إبراز المنظور النسائي في الفيلم، ومشاهدتها لمقاطع فيديو معدلة بأسلوب «الهيب هوب» لفيلم «ماري أنطوانيت» على منصة «تيك توك».

فيما يلي مقتطفات محرَّرة من تلك المحادثة.

* هل شعرتِ بالمفاجأة عندما تواصل معكِ مسؤولو «قصر فرساي» بخصوص هذا المعرض؟

- نعم، لقد فوجئت حقاً؛ كان شعوراً سريالياً أن أُوجد هناك مجدداً، في المقر الحقيقي لماري أنطوانيت، ومعي الأزياء التي استُخدِمت في نسختنا من الفيلم. لقد أعجبني اهتمام القائمين على المعرض بمواد التحضير والأبحاث، لذا تحمَّست لفتح الصناديق التي كنت أحتفظ بها في مخزن بمنزل عائلتي في «نابا فالي». كما احتفظت آن سيبيل، مديرة العمل الفني، بكثير من الأشياء، وقامت مُصمِّمة الأزياء الرائعة لدينا، ميلينا كانونيرو، بتتبع قطع مختلفة وتجميع الإكسسوارات لإعادة تشكيل المشهد بالكامل، حتى إننا أعدنا تهيئة بعض أنظمة الإضاءة التي استُخدمت في الفيلم.

* ما الذي تتذكرينه عن مشاعركِ في العمل على الفيلم؟

- كان الأمر مرهقاً ومربكاً للغاية، لأنني لم يسبق لي أن توليت مشروعاً بهذا الحجم من قبل. تطلب إنجاز العمل وجود عدد هائل من الأشخاص، بمَن في ذلك الممثلون الثانويون (الكومبارس) وطاقم العمل. أعتقد أنني كنت أتمتع بنوع من السذاجة التي تميِّز مرحلة الشباب؛ فلا أظن أنني سأقدم على خطوة مثل هذه الآن.

لكنني كنت أمتلك رؤيةً واضحةً للغاية في مخيلتي، وكنت أسعى حقاً لتقديم نوع مختلف من الأفلام التاريخية. فالأفلام التي نشأتُ عليها كانت تعتمد على مشاهد بصرية ضخمة تشبه اللوحات الفنية؛ إذ كان ينتابني دائماً شعور بأنك تنظر إلى التاريخ من بعيد، بينما أردتُ لهذا الفيلم أن يمنح المشاهد شعوراً بالانتقال الفعلي عبر الزمن والعيش جنباً إلى جنب مع الشخصيات، وعندما زرتُ الغرف الخاصة الحقيقية لماري أنطوانيت، أدهشني أن الأقمشة كانت تتميَّز بلون فيروزي زاهٍ؛ وهو أمر لم يكن مألوفاً في الأفلام التاريخية آنذاك، حيث كانت الألوان السائدة دائماً هي درجات الألوان الترابية الهادئة والباهتة.

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا (imdb)

* هل فاجأكِ الجدل الذي أُثير حول المفارقات الزمنية (استخدام عناصر حديثة في سياق تاريخي) في الفيلم عند صدوره؟

- كان أمراً محبطاً أن يشعر البعض بالإساءة الشديدة بسبب ذلك. بالنسبة لي، يصعب عليّ استيعاب فكرة أن الموسيقى الحديثة قد تكون مسيئة للناس إلى هذا الحد، خصوصاً أن هذا الأسلوب أصبح شائعاً جداً الآن. كنت أدرك أن قيام مخرجة أميركية بتقديم هذه القصة قد يُنظَر إليه بوصفه أمراً مستفزاً أو متمرداً بعض الشيء، لكنك لا تستطيع أبداً التنبؤ مسبقاً بكيفية تلقي الجمهور للأعمال الفنية.

* يبدو أن سمعة الفيلم قد تغيرت بشكل ملحوظ منذ طرحه. هل تشعرين بذلك؟

- بالتأكيد. أشعر بأن الفيلم اكتسب جمهوراً جديداً تماماً من الشباب؛ فابنتاي تريانني مقاطع فيديو معدلة للفيلم على أنغام موسيقى الهيب هوب عبر تطبيق «تيك توك»، وهو أمر أحبه كثيراً. لقد كانت مفاجأة سارة وممتعة، لأن الأفلام عادةً لا تحظى بالحديث عنها أو الاهتمام بها بعد فترة من عرضها.

* سيصدر الفيلم الوثائقي الذي قمتِ بمونتاجه استناداً إلى اللقطات التي صوّرتها والدتك، «صناعة ماري أنطوانيت (Making Marie Antoinette)»، في الولايات المتحدة خلال شهر أكتوبر. لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت للعودة إلى تلك المادة؟

- لم يُستخدَم سوى جزء صغير جداً منها كمادة إضافية لإصدار الـ«DVD» في ذلك الوقت، ثم مضينا قدماً في حياتنا؛ فقد كنت منشغلة بإنجاب وتربية أطفالي ونسيت الأمر تماماً. ولكن خلال الجائحة، اجتمعت العائلة بأكملها في منزلنا في «نابا». أخرجت أمي اللقطات لمشاهدتها، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أراها فيها. لقد كان أمراً مذهلاً بالنسبة لي أن أرى كل التفاصيل التي التقطتها عدستها، وكل جوانب الحرفية والإتقان: الأزياء، والشعر المستعار، والزهور. كانت لديها رغبة حقيقية في تقديم عمل فني باستخدام تلك اللقطات. لقد رحلت عن عالمنا قبل عامين، لكن في أواخر حياتها، كان إنجاز هذا الفيلم أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لها، وقد وعدتها بأنني سأفعل ذلك. لقد عملت كثيراً خلال العام الماضي مع مونتير وصديق لوالدتي، محاولةً استشراف الطريقة التي كانت تود أن يُصاغ بها الفيلم، رغم صعوبة تكوين رؤية موضوعية للأمر؛ نظراً لأنني أظهر فيه، ولأن رؤية نفسي في تلك المرحلة العمرية المبكرة تسبب لي نوعاً من الحرج.

جيسون شوارتزمان وكيرستن دانست في مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا (imdb)

* لماذا؟

- لأنني لم أكن أتمتع حينها بتلك الثقة في فرض رأيي أو إثبات ذاتي؛ كنت لا أزال أشق طريقي بوصفي مخرجةً شابةً. وفكرتُ أن هذا قد يكون مثيراً لاهتمام الشباب الآخرين الشغوفين بالسينما، ليروا كيف تتطور رحلة الإنسان بوصفه شخصاً مبدعاً. كما أن الأمر يتيح لي الرؤية من خلال عيني والدتي، وهي تراقب ابنتها في أثناء العمل. لقد كان العمل على هذا الفيلم تجربة عاطفية للغاية، وشعرتُ بأنه بمثابة هدية تركتها لي.