إلى أين تتجه بنغلاديش بعد الفوز الرابع للشيخة حسينة؟

وسط تنامي دورها الاستراتيجي والاقتصادي في جنوب آسيا

إلى أين تتجه بنغلاديش بعد الفوز الرابع للشيخة حسينة؟
TT

إلى أين تتجه بنغلاديش بعد الفوز الرابع للشيخة حسينة؟

إلى أين تتجه بنغلاديش بعد الفوز الرابع للشيخة حسينة؟

أدت الشيخة حسينة واجد القسم للمرة الرابعة رئيسة لوزراء بنغلاديش، ثالث أكبر دول العالم من حيث تعداد السكان المسلمين، وذلك خلال الانتخابات التي أجريت مؤخراً. غير أن نتائج الانتخابات العامة تظهر سيطرة من جانب واحد على البلاد، ذلك أنه لم يمثل أي من قادة المعارضة البارزين في البلاد تهديدا حقيقيا لزعيمة حزب «رابطة عوامي» وابنة مؤسس البلاد الراحل الشيخ مجيب الرحمن، بل أعيد انتخاب كتلتها الحزبية التي فازت بـ287 مقعدا من إجمالي عدد مقاعد البرلمان البالغ عددها 298.
في هذه الأثناء، ما زالت البيغوم خالدة ضياء، منافسة الشيخة حسينة الدائمة ورئيسة الوزراء السابقة وزعيمة «حزب بنغلاديش الوطني» المعارض، مسجونة بتهم فساد، ويزعم مؤيدوها أن تلك الاتهامات ذات دوافع سياسية.
الجدير بالذكر أن «حزب بنغلاديش الوطني» المحافظ لديه سجلّ من الإخفاقات في بناء الدولة، وكذلك فشل في وضع خطة بشأن ما عليه تقديمه في حال فوزه بالانتخابات. ذلك ومؤسسة السلطة بأكملها، من القوات المسلحة إلى الإدارة المدنية، بدت وكأنها تدعم «رابطة عوامي» (يسار الوسط) التي ترأسها الشيخة حسينة. وعليه، يمكن القول إن المعارضة ستغيب فعليا عن البرلمان الحالي في بنغلاديش، في حين زعمت بعض وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان أن الانتخابات شابها تزوير فضلا عن ممارسات ترهيب.

لافت جداً كيف تمكنت الشيخة حسينة واجد من تحقيق صعودها السياسي وتثبيتها إياه بكثير من «المهارة السياسية»، وهذا، على الرغم من أنها تتمتع بإرث كبير من البريق والمكانة ورثته عن والدها الشيخ مجيب الرحمن، الأب المؤسس لبنغلاديش وأول رئيس للبلاد.
بعد اغتيال الشيخ مجيب، عام 1975 اتخذ المشهد السياسي في بنغلاديش منحى غريباً، وتحوّلت البلاد إلى ساحة معركة. ومن المفارقة، أن حسينة وغريمتها البيغوم خالدة ضياء - ويشير لقب «البيغوم» إلى المرأة التي تنتمي إلى طبقة أرستقراطية - قد ناضلتا معا من أجل خلع الجنرال حسين إرشاد، الحاكم العسكري المستبد، لإرساء الديمقراطية في البلاد. ومع ذلك، فإن السيدتين الغريمتين استخدمت كل منهما ما تملك لمحاربة الأخرى من أجل تحقيق النجاح السياسي. ولقد تناوبت ابنة مجيب الرحمن وأرملة خلفه الجنرال ضياء الرحمن (زوج خالدة) على حكم البلاد، لكن الشيخة حسينة في السلطة بشكل متواصل منذ 2009. ومع بداية فترتها الرئاسية الثالثة من المقدّر لها أن تصبح من أطول من حكموا البلاد عهداً، بل، إذا جُمعت فترتها الرئاسية منذ 1996 حتى 2001 ستصبح الشيخة حسينة واحدة من القادة السياسيين الذين بقوا في سدة الحكم لأطول فترة في جنوب آسيا وخارجها. المحرر الصحافي الهندي السابق سي راجاموهان، قال: «في الوقت الذي واتى الحظ كثيرين من القادة الآخرين في المنطقة للبقاء في السلطة لمدة طويلة، لم يتسن سوى لقليلين تحقيق تقدم في بلادهم مثلما كان الحال مع حسينة. كذلك لم تسنح الفرصة سوى لعدد أقل للمساهمة في إعادة إعمار منطقتهم. وشهد الوضع الاقتصادي للبلاد خلال العقد الماضي تطورا ملحوظا، وكان ما حققته حسينة من استقرار واستمرار ضروريا من أجل إحداث ذلك التحوّل».

نمو اقتصادي لافت

وحقاً، رغم اتهام خصوم حسينة الزعيمة البنغلاديشية بإدارة حكومة «سلطوية مستبدة»، فإنها نجحت بتطبيق سياسات أسفرت عن نمو اقتصادي واستقرار سياسي لافتين. كذلك أولت حسينة، التي تُعرف بأسلوبها الصارم في التعامل مع التطرف الديني، تمكين المرأة اهتماما كبيرا، فأصبحت بنغلاديش في ظل قيادتها واحدة من البلدان ذات الاقتصادات الأسرع نموا على مستوى العالم، وتضاعف دخل الفرد في البلاد خلال العقد الماضي، ما أهّل البلاد للخروج من تصنيف «الدول الأقل تقدما». وراهناً، تطمح حسينة إلى تحفيز زيادة معدل النمو الاقتصادي السنوي من 7 في المائة إلى 10 في المائة تقريبا بحلول الذكرى الخمسين لتأسيس بنغلاديش في 2021. وحول هذا الأمر يعلق آصف نازرول، أستاذ القانون في جامعة دكا، وهو من معارضي حكومة حسينة وحزبها: «تقول إننا سنحقق لك التقدم، لكن عليك التضحية بحقوقك وصوتك. ولكننا إذا نظرنا إلى دستور كل من الهند وبنغلاديش وسريلانكا ونيبال، لن نجد أي نص دستوري يشير إلى تحقيق التقدم لكن شرط تناسي الحقوق السياسية والمدنية».ولكن، ورغم وجود مثل هذه الأصوات المنتقدة، تحظى الشيخة حسينة بدعم كبير، خاصة من الأقليات الدينية بنغلاديش، الدولة ذات الأغلبية المسلمة الضخمة، حيث يقولون إنها لطالما حافظت على حقوقهم.

تحديات أمام الرئيسة

لقد أوضح هذا الدعم الشعبي الكبير الذي حظيت به الشيخة حسينة ثقة شعبها في قدرتها على زيادة وتعزيز الازدهار والرخاء في البلاد. إلا أن قطع الوعود يظل أسهل من تنفيذها والوفاء بها، ولا سيما، عندما يتعلق الأمر بكثير من العوامل مثل بناء المؤسسات، وإجراء إصلاحات إدارية وسياسية. ووفق عاشق عبد الرحمن، المحلل السياسي والخبير الاقتصادي في «معهد الأبحاث السياسية» في العاصمة دكا: «سيكون الاختبار الرئيسي بالنسبة لحسينة هو إبلاغ الشباب أننا نسعى لتحقيق فرص اقتصادية أفضل ومجتمع أكثر عدالة. ينبغي أن تكون الأولوية لتوفير الوظائف وسيادة القانون».
وبالفعل، اصطدم آلاف العمال في قطاع صناعة الملابس في بنغلاديش، ومنهم الذين يصنعون ملابس لعلامات تجارية عالمية، مع قوات الشرطة، ودخل إضرابهم على خلفية تدني الأجور أسبوعه الثاني. وكانت مصانع النسيج والملابس في بنغلاديش، البالغ عددها 4.500 قد شحنت بضائع تزيد قيمتها على 30 مليار دولار أميركي خلال العام الماضي. وتعد هذه الاحتجاجات أول اختبار مهم بالنسبة لرئيسة الوزراء منذ فوزها بفترة رئاسية جديدة. وتشير حالتا اضطراب كبيرتان على الأقل خلال 2018، إحداهما بقيادة طلبة ضد الإجراءات التفضيلية في الهيئات الحكومية، والثانية احتجاج شعبي للمطالبة بتوفير السلامة على الطريق، إلى أن الحكومة لا يمكنها التقاعس رغم غياب المعارضة في مجتمع يتمتع بوعي سياسي واجتماعي، حيث تحتاج البلاد إلى إصلاحات سياسية.
وفي هذا الاتجاه، ذكر الإعلامي مانوج ميشرا، في عموده الصحافي «في الوقت الذي لدى حسينة كل الأسباب التي تدعوها إلى الفخر والاعتزاز بهذا النصر، عليها تذكّر أن هدف تحقيق التقدم في البلاد سيظل بلا قيمة إلا إذا جرى فصل الإدارة عن السياسة. كذلك عليها محاولة التخلص من الوصف الاستبدادي الذي ألصقه خصومها بها».
ومن ناحية أخرى، رغم أنه حتى هذه اللحظة ينظر إلى قضية لاجئي الروهينغا البالغ عددهم 1.1 مليون باعتبارها التحدي الأكبر أمام رئيسة الوزراء، فما زالت بنغلاديش تواجه خطر أكبر كثيرا من جهة الهند. إذ شطبت الحكومة الهندية في يوليو (تموز) 2018 أكثر من 4 ملايين شخص من مسودة قائمة المواطنين الموجودين في ولاية آسام الهندية الواقعة على الحدود مع بنغلاديش، وأكثرهم من المسلمين الذين يتكلمون اللغة البنغالية. وللعلم، يعتبر الحزب الهندي اليميني الحاكم الذين شطبهم «مهاجرين غير شرعيين من بنغلاديش»، ولمّح إلى ترحيلهم إلى «دولة الجوار». وبالتالي، من المتوقع بمجرد بدء السلطات الهندية عملية ترحيل هؤلاء إلى بنغلاديش في غضون 72 ساعة سواء عن طريق البر أو البحر، أن تشهد بنغلاديش تدفقاً هائلاً للاجئين، وهو ما سيمثل بالتأكيد تحديا خطيرا أمام رئيسة الوزراء وحكومتها.
وفي تقدير الخبير الاستراتيجي راجيش بوشان، فإنه «بمجرد اندلاع هذه الأزمة، ستبلغ المشاعر المعادية للهند داخل بنغلاديش الذروة، وهو ما لن يكون في صالح الحزب الحاكم في البلاد. وفي الوقت عينه قد تقوم الأكثرية المسلمة داخل بنغلاديش بأعمال عنف ضد الأقليات الدينية، وبخاصة الهندوس، ومن ثم اضطهادهم ومضايقتهم أو اندلاع أعمال شغب أو كلا الأمرين».
ويستطرد بوشان: «تواجه حسينة أيضا تحديا كبيرا آخر من جانب (حزب بنغلاديش الوطني) المقرّب من باكستان والجماعة الإسلامية، اللتين قد لا تلتزمان الصمت وتتقبلان تلك الخسارة المهينة المخزية. سيكون هناك سلسلة من المؤامرات ضد بنغلاديش وضد حسينة من جانب الاستخبارات الباكستانية وكذلك الجهات الأخرى المناهضة للهند. وقد نجت حسينة منذ بضعة أعوام من محاولة اغتيال نفذتها تلك الجهات. وقد تكثف باكستان والجماعة الإسلامية جهودها الدبلوماسية في الغرب... وتزيد ميزانيتها للاستعانة بجماعات ضغط، بل وحتى تشتري سياسيين».

تزايد هيمنة بنغلاديش

لقد حافظت بنغلاديش على حضورها القوي في المحافل الدولية مع تركيز الجزء الأكبر من دبلوماسيتها بنجاح على قضية الروهينغا خلال عام 2018، ما اضطر المجتمع الدولي إلى التعاون مع البلاد وزيادة الضغط على ميانمار. ومع أن خطة ترحيل الروهينغا، التي اتفقت عليها كل من بنغلاديش وميانمار - التي كان من المفترض أن تبدأ في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي - فشلت، تمكنت بنغلاديش، من خلال جهودها الدبلوماسية المباشرة وغير المباشرة، من إنهاء هذا الوضع من خلال جديتها في بدء عملية الترحيل.
وفي هذا الشأن، ينبغي القول إنه كان يجري النظر، في هذه الأثناء، إلى الوضع الجيوسياسي لجنوب آسيا لمدة طويلة من منظور العلاقات الهندية - الباكستانية، إلا أنه مع صعود بنغلاديش تبدّل ميزان القوى في جنوب آسيا من خلال تحفيز تعاون إقليمي يتضمن بنغلاديش وبوتان والهند ونيبال.
كذلك يزداد صخب ونشاط «منتدى خليج البنغال للتعاون التقني والاقتصادي المتعدد القطاعات» (بيمستيك)، الذي يسعى إلى تحقيق تعاون إقليمي بين تكتل من خمس دول جنوب آسيوية يضم بنغلاديش وبوتان والهند ونيبال وسريلانكا، من جانب، وكل من ميانمار وتايلاند من جانب آخر. وهنا، كما يلاحظ، اختفت باكستان من الصورة وحلت محلها بنغلاديش.

العلاقة مع الهند

الجدير بالذكر، هنا، أنه بعد استقلال بنغلاديش عن باكستان بمساعدة الهند عام 1971، أبرمت القيادة البنغالية في دكا «اتفاق صداقة» مع القيادة الهندية في نيودلهي، أتاح فرصا وإمكانيات لإقامة علاقات ثنائية قوية، مع أنه لم يكن اتفاقا متكافئا... ولذا أثار انتقادات معارضين داخل بنغلاديش. ومن ثم، مرت العلاقات بين دكا ونيودلهي بمشكلات وعقبات كثيرة، غير أنها بقيت مستقرة وراسخة إلى حد كبير. ولطالما اعتبر كثيرون بنغلاديش تحت قيادة حسينة وحزبها «رابطة عوامي» موالية للهند. بل إن ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي اليميني المتشدد، أول زعيم يتصل بالشيخة حسينة لتهنئتها بفوزها في الانتخابات، وبدورها أعربت الشيخة حسنة عن شكرها وامتنانها للزعيم الهندي. والواقع أن المحللين يرون أن وجود حكم سياسي قوي في دكا يعتبر في مصلحة الهند، وبالأخص، إذا كان على رأس هذا الحكم شخصية متعاونة مع نيودلهي.
وفي هذا النطاق، نشير إلى أن حكومة الشيخة حسينة كانت قد ألقت القبض على بعض قيادات المنظمات المسلحة وسلمتهم إلى الهند، كما شهدت الأعمال المسلحة في المناطق الحدودية تراجعا كبيرا أثناء فترة حكمها لبنغلاديش. ومن جانبها، تدرك نيودلهي أن دكا لا تمثل فقط «حلقة وصل» استراتيجية بين الكتلة الأكبر من أراضي الهند وولايات شمال شرقها، بل تشكل أيضاً المنفذ البحري السريع لهذه الولايات الداخلية. كذلك، فإن دور بنغلاديش حيوي أيضا للتعامل مع المشكلات الأمنية المزمنة في بعض تلك الولايات.

... ودور الصين

مع هذا، بينما يهم نيودلهي احتفاظ حسينة بالسلطة، فإنها واجهت تنامي النفوذ الصيني في بنغلاديش، التي تمثل حالياً جزءاً من مبادرة «حزام واحد طريق واحد» التي دشنتها بكين. ولم يمر عرض الصين بمنح قروض بقيمة 24 مليار دولار أميركي إلى بنغلاديش من أجل مساعدتها في إقامة مشروعات بنية تحتية، في إطار المبادرة المذكورة خلال زيارة الرئيس الصيني التاريخية للبلاد عام 2016، مرور الكرام بالنسبة لنيودلهي، لا سيما أن لدى الهنود شكوكاً إزاء طموحات بكين الاستراتيجية في منطقة جنوب آسيا والمحيط الهادي - المحيط الهندي. أيضاً، أصبحت بنغلاديش، حسب تقرير صادر عن «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام» عام 2017، ثاني أكبر مستورد للأسلحة الصينية، بعد باكستان، في منطقة جنوب آسيا. وهنا يعلّق مانوج ميشرا قائلا: «الأهم من ذلك هو أنه مع بسط الصين نفوذها في منطقة جنوب آسيا والمحيط الهادي - الهندي، من شأن أي تحسن في العلاقات بين الهند وبنغلاديش أن يساعد في تهدئة مخاوف الهند بشأن الحصار الاستراتيجي الصيني». ثم يردف: «من التحديات الأخرى التي تواجهها الشيخة حسينة تحقيق توازن بين الدولتين الصديقتين الصين والهند.
وكانت الشيخة حسينة قد ذكرت خلال مقابلة مع صحافيين في دكا قبل انتخابات 30 ديسمبر (كانون الأول)، أن البلاد تتطلع إلى الحفاظ على موقعها في مساري (ببين) الذي يضم بنغلاديش - بوتان - الهند - نيبال، و(بسيم) الذي يضم بهوتان - الصين - الهند - ميانمار. هذا الأمر قد لا يروق لنيودلهي التي لا تهتم بمسار (بسيم)، الذي كان اجتماعه في مدينة كلكتا الهندية عام 2017 أقل إبهارا من المتوقع. وعلى العكس، أكدت الصين أهمية المسار مما يجعل من الصعب بالنسبة لبنغلاديش تحقيق التوازن الذي تأمله».
وثمة أمر آخر، هو أنه رغم تقديم نيودلهي مساعدة إنسانية عاجلة، فقد منعتها إيماءاتها ولفتاتها المتوازنة تجاه كل من ميانمار وبنغلاديش من دعم مطالبات حكومة دكا صراحة وبوضوح بإعادة نحو 700 ألف من لاجئي الروهينغا الفارين من ميانمار إلى بلادهم. بل، وبات هذا الأمر مصدر إزعاج مؤقت لدكا. وللعلم، تنطلق اعتبارات نيودلهي السياسية هنا من محاولاتها تطوير ميناء سيتوي في ولاية راخين (آراكان) بميانمار، وتنفيذ «مشروع نقل كالدان» بقيمة 484 مليون دولار بهدف توصيل ولاية راخين بولاية ميزورام في شمال شرقي الهند.

حملة تشكيك وتحذيرات غربية

> هنأت كل من الهند والصين الشيخة حسينة واجد بفوزها بفترة رئاسية ثالثة في بنغلاديش. وكذلك يبدو أن مراقبي «منظمة التعاون الإسلامي» يدعمون الانتخابات أيضا. مع ذلك شكّكت عدة جهات غربية بنتيجة الانتخابات، ما منح بعض الصدقية لمزاعم المعارضة بأنه لم تتوافر «مساحة عادلة من التنافس» لهم. إذ صرح روبرت بالادينو، نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية قائلا: «نراقب بقلق وجود تقارير ذات مصداقية عن مضايقات وترهيب وعنف خلال فترة ما قبل الانتخابات جعلت من الصعب على كثير من مرشحي المعارضة ومؤيديهم الاجتماع أو تنظيم مؤتمرات جماهيرية وتنظيم حملتهم الانتخابية بحرية». وذكّر بنغلاديش بأن التقدم الاقتصادي واحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان من الأمور «المترابطة» فيما يتعلق بأي ضغط مستقبلي من واشنطن، الذي لا يمكن تخفيفه سوى بمنح الشركات الأميركية فرصا لإقامة الأعمال والسماح بوجود الأسطول الأميركي في جزيرة سانت مارتن.
على الجانب الآخر، جاءت ردود فعل بريطانيا والاتحاد الأوروبي أقوى، إذ اعتبر الاتحاد الأوروبي الانتخابات «معيبة» بناء على اتهامات مزعومة بممارسة الترهيب والتزوير والتدخل الإداري من خلال التلاعب بالنتيجة. وصاحب التصريح البريطاني قدر من التهديد، فتضمن الدعوة إلى «بذل جهود للتعامل مع الاتهامات بوجود تجاوزات ومخالفات وقت إجراء الانتخابات». كذلك زعمت هيئة الإذاعة البريطانية (البي بي سي) وجود تزوير للانتخابات بعرض صور لمسؤولين يحملون صناديق اقتراع غير ممتلئة بالأصوات بالكامل إلى لجان الاقتراع في مدينة تشيتاغونغ (جنوب شرقي البلاد) قبل بدء عملية التصويت.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.