الصين تسعى إلى الهيمنة على التجارة البحرية

تستثمر في ثلثي أكبر 50 ميناء دولياً... وتسيطر على 18 % من الشحن العالمي

تسعى الصين إلى تعزيز مساعيها لترسيخ مكانتها كمركز عالمي بحري (رويترز)
تسعى الصين إلى تعزيز مساعيها لترسيخ مكانتها كمركز عالمي بحري (رويترز)
TT

الصين تسعى إلى الهيمنة على التجارة البحرية

تسعى الصين إلى تعزيز مساعيها لترسيخ مكانتها كمركز عالمي بحري (رويترز)
تسعى الصين إلى تعزيز مساعيها لترسيخ مكانتها كمركز عالمي بحري (رويترز)

في محاولة لتعزيز مساعيها لترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً بحرياً، وتأمين سلاسل الإمدادات الحيوية، وتعزيز قدراتها بمجال التجارة الدولية، أنفقت الصين مليارات الدولارات لشراء موانئ خارج أراضيها.
وفي ظل حكم الرئيس الحالي شي جينبينغ، جسَّدت الصين طموحاتها في «مبادرة الحزام والطريق»، وأنفقت الشركات الصينية مبلغاً ضخماً بلغ 23 مليار دولاراً خلال العام الماضي، بهدف الاستحواذ على أو الاستثمار في موانئ عالمية تطل على المحيط الهادي والبحر المتوسط وأجزاء المحيط الأطلسي التي تصل بين موانئ صينية وأوروبا، وكذلك جنوب المحيط الهادي.
وتبعاً لدراسة أجراها كل من سام بيتسون وجيم كوك من «معهد لاو تشاينا» التابع لكينغز كوليدج لندن، فإنه منذ عام 2010 أنجزت شركات صينية وأخرى من هونغ كونغ أو أعلنت عن صفقات تتعلق بـ40 ميناءً على الأقل بقيمة إجمالية تبلغ نحو 46.6 مليار دولار. ومع هذا، يبقى من الصعب تقدير إجمالي تلك الاستثمارات بسبب نقص المعلومات المتاحة.
المعطيات الحالية تقول إن الصين مهيمنة نسبياً على الساحة البحرية العالمية، ذلك أن ما يقرب من ثلثي أكبر 50 ميناءً على مستوى العالم توجد بها استثمارات صينية بدرجات متفاوتة. وفيما يتعلق بموانئ الحاويات، تسيطر خمس شركات صينية كبرى بمجال النقل على 18 في المائة من جميع نشاطات الشحن عبر الحاويات التي تديرها أكبر 20 شركة في العالم، وذلك حسب البيانات الصادرة عن «دروري»، شركة الاستشارات في مجال الشحن.
عام 2016، أنشأت بكين شركة وطنية عملاقة عبر دمج شركتي «تشينا أوشن شيبينغ» و«تشينا شيبينغ كمباني» لتكوين «كوسكو»، وهي مجموعة تجارية ضخمة (سبع شركات فرعية عالمية) تتضمن خط شحن يحمل الاسم ذاته، وشركة لتشغيل الموانئ، بجانب نشاطات تجارية أخرى بمجال الشحن.
وتنافس ثلاث شركات صينية تعمل في تشغيل الموانئ («تشينا مرشانتس بورت هولدينغز» و«كوسكو غروب» و«تشينا شيبينغ ترمينال ديفلبمنت»)، وتنتمي جميعها إلى الأجزاء الرئيسية من الصين، والشركات الثلاث الكبرى المهيمنة عالمياً على هذه الصناعة، وهي «إيه بي مولر مايرسك» الهولندية، و«بي إس إيه إنترناشونال» من سنغافورة، و«هوتشيسون بورتس هولدينغز» من هونغ كونغ.
- الاستحواذ على شركات شحن عالمية
بدأت «كوسكو» تشغيل ميناء حاويات في بيرايوس باليونان عام 2008، في وقت كانت الحكومة اليونانية على وشك الإفلاس. العام الماضي، أنفقت الشركة أكثر عن 6.3 مليار دولار للاستحواذ على منافستها «أورينت أوفرسيز إنترناشونال ليمتد» المنتمية لهونغ كونغ، الأمر الذي عزز مكانتها بمجال الشحن.
اليوم، تسيطر «كوسكو» على واحدة من كبرى شركات الشحن عالمياً (والأكبر من نوعها خارج أوروبا) وكذلك واحدة من أكبر شركات تشغيل الموانئ في العالم، التي لا يتفوق على أسطولها المؤلف من 400 سفينة سوى أسطول شركة «مايرسك لاين» الهولندية و«ميديترينيان شيبينغ كمباني» السويسرية.
ورغم التحفظات التي أبدتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إزاء ملكية الصين لميناء لونغ بيتش، ثاني أكبر ميناء حاويات بالولايات المتحدة، نالت صفقة الاستحواذ على الميناء من جانب «كوسكو» عبر شركة فرعية تتبعها في هونغ كونغ، الموافقة في نهاية الأمر. وبفضل هذه الصفقة، تصبح «كوسكو» ثالث أكبر شركة شحن على مستوى العالم، وأصبحت لها السيطرة على ميناءي كاوهسيونغ ولونغ بيتش.
- موطئ قدم في أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا
على مدار العقد الماضي، اشترت شركات صينية حصصاً من موانئ بحرية في بلجيكا وفرنسا واليونان وإيطاليا وهولندا وألمانيا، لتصبح بذلك فاعلاً مهماً في مجال الموانئ الأوروبية. وتشير تقديرات إلى أن المستثمرين الصينيين المدعومين من الدولة يملكون على الأقل 10 في المائة من إجمالي جميع أسهم الموانئ في أوروبا.
الشهر الماضي، أنجزت «كوسكو» صفقة الاستحواذ على محطة بميناء ترييستي في شمال إيطاليا. وفي وقت سابق من العام، استحوذت الصين على زيبروغه، ثاني أكبر موانئ بلجيكا، ما يمثل أول مغامرة تجارية لشركة صينية في شمال غربي أوروبا. ونجحت في إيجاد موطئ قدم لها في ثلاثة من أكبر الموانئ الأوروبية على الترتيب: يروماكس في روتردام بهولندا، الذي تملك 35 في المائة من أسهمه، وأنتويرب في بلجيكا، وتملك 20 في المائة منه، وهامبورغ في ألمانيا، الذي بنت فيه محطة جديدة.
ومع انتقال أكثر عن 70 في المائة من السلع التي تجتاز الحدود الأوروبية عبر البحر، تشكل الموانئ بوابة الاتحاد الأوروبي. ويبلغ عدد العاملين بالموانئ الأوروبية 1.5 مليون نسمة وتمر عبرها حالياً سلع بقيمة نحو تريليون دولار.
إلا أن فصول القصة لا تنتهي هنا، ذلك أن شركة «تشينا مرشانتس بورت هولدينغز»، المعروفة اختصاراً باسم «سي إم بورت»، تنقل اليوم مزيداً من الشحنات وتحركت بنشاط عبر الساحة العالمية بشرائها محطات في سريلانكا وميانمار وباكستان وجيبوتي والبرازيل، إضافة إلى محفظة استثمارية لها في 40 ميناءً على الأقل في أميركا الشمالية والجنوبية وأفريقيا والشرق الأوسط وشرق أوروبا ووسط آسيا وجنوب شرقي آسيا وأستراليا والمحيط الهادي.
كما أنجزت «سي إم بورت» منتصف هذا العام صفقة الاستحواذ على ميناء نيوكاسل الأسترالي، وهو الميناء الأكبر على مستوى الساحل الشرقي الأسترالي، وأكبر ميناء لتصدير الفحم في العالم. وتملك «سي إم بورت» اليوم موانئ منتشرة عبر ست قارات. واللافت أن إسرائيل سمحت أخيراً للصين بالاستثمار في مجال الموانئ لديها. ومن المنتظر أن تشيد «مجموعة شنغهاي الدولية للموانئ» ميناء جديداً في أشدود، وكذلك تشغيل ميناء حيفا، أكبر موانئ البلاد.
وتتمتع الشركات الصينية بميزة جوهرية على منافسيها، مثل الوصول السهل إلى كميات هائلة من المال الرخيص الذي يمكنها اقتراضه من البنوك الحكومية. من أبرز الأمثلة على ذلك «كوسكو شيبينغ كوربوريشن» التي حصلت على 26 مليار دولار من «تشينا ديفلبمنت بانك» لاستثمارها في مشروعات عام 2017 في إطار «مبادرة الحزام والطريق».
من ناحية أخرى، فإن بكين تقرض رؤوس أموال لدول تعاني من انعدام الاستقرار المالي وتواجه صعوبات اقتصادية، ما يجعل من السهل السيطرة عليها اقتصادياً. في هذا الصدد، أوضح أولاف ميرك، من «إنترناشونال ترانسبورت فورم» التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن «(كوسكو) و(تشينا مرشانتس هولدينغز) لا تعملان تبعاً لفكر اقتصادي خالص، وإنما تتحالفان مع سياسات الدولة، مثل (مبادرة الحزام والطريق). ومن هنا يظهر استعداد الشركتان لدفع أسعار أعلى مقابل بعض المحطات عن شركات تشغيل أخرى».
ومن بين عناصر الاختلاف الرئيسية بين عمليات الاستحواذ على الموانئ التي تنفذها الصين والصفقات التي تبرمها دول أخرى، أن الصين في الغالب لا تتولى تطوير موانئ بحرية فحسب، وإنما مناطق اقتصادية كاملة تدور حول نشاط النقل، وكذلك مراكز تجارية ومحطات لتوليد الطاقة، إضافة إلى مشروعات سكنية من حين لآخر.
من جهته، أكد الصحافي ماهيش جوشي أنه «يتحتم على الشركات الصينية نهاية الأمر الانصياع للتوجيهات الصادرة إليها من بكين. وتوفر الشبكة الضخمة من الموانئ والمنشآت اللوجيستية الأخرى عبر أوروبا وأفريقيا وآسيا للصين درجة كبيرة من الاعتماد على الذات وقدرات ضخمة. ومن المؤكد أن السيطرة على خطوط الإمداد العالمية والعمليات اللوجيستية تمنح الدولة المعنية نفوذاً سياسياً كبيراً، إذا ما أبدت هذه الدولة استعدادها لاستغلال هذه القدرات لغايات سياسية. وبينما هناك قيود على الدول الأوروبية والأنظمة الديمقراطية الليبرالية الأخرى ضد استغلال أصول تجارية أو مدنية لتحقيق أهداف سياسية، فإن مثل هذه القيود لا وجود لها في الصين».
ويبدو أن بنما، وهي دولة تمتلك اثنين من أهم الموانئ على مستوى إقليمها بالكامل (كولون وبالباو)، أصبحت اليوم في مرمى الصين. وتعكف حالياً شركة «لاندبريدج غروب» الصينية على بناء ميناء حاويات بنما كولون، باستثمار يتجاوز مليار دولار.
وفي البرازيل، تسيطر شركة «مرشانتس بورت» الصينية التابعة للدولة على ميناء باراناغوا، ثاني أكبر موانئ البلاد بعد سانتوس بورت. عام 2017، أظهرت شركة «تشينا كونستركشن» الصينية اهتمامها بتطوير وتمويل البنية التحتية في أهم موانئ المكسيك، مانزانيلو. في بيرو، من المقرر أن تتولى شركة «كوسكو شيبينغ» تطوير ميناء تشانساي باستثمارات تقدر بنحو 2 مليار دولار.
كما وقعت حكومتا كولومبيا والصين مذكرة تفاهم عام 2016، تمكن الثانية من تنفيذ سلسلة مشروعات قرب ميناء بوينافينتورا. في أوروغواي، قادت شركة «شانغدونغ باوما فيشري» الصينية عام 2016 جهود تطوير ميناء لصيد الأسماء بقيمة 200 مليون دولار.
وفي مختلف أرجاء أميركا اللاتينية، تحاكي الصين التكتيك ذاته. ومن خلال استثماراتها في موانئ تجارية، تحكم الصين ببطء قبضتها على عدد من المحاور التجارية والدفاعية الاستراتيجية بالمنطقة.


مقالات ذات صلة

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق «فيلا الحجر» أول مؤسّسة ثقافية سعودية - فرنسية مشتركة (حساب الأمير بدر على «إكس»)

«فيلا الحِجر» بالعلا... استثمار في الإبداع

وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو «فيلا الحِجر» الإبداعية في العلا بأنها «مثل زهرة تتشكَّل من رمال الصحراء للمبدعين».

عبد الهادي حبتور (العلا)
يوميات الشرق ستندرج «فيلا الحجر» ضمن البيئة الثقافية للمملكة والمنطقة (الهيئة الملكية للعلا)

«فيلا الحجر»... جسر ثقافي بين السعودية وفرنسا يُزهر من رمال العلا

المشروع يُجسّد متانة العلاقات الفرنسية - السعودية، خصوصاً في مجالات السلام وتعزيز الحوار والثقافة على مستوى العالم.

عبد الهادي حبتور (العلا)
العالم العربي باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط) p-circle

سفير فرنسا لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: العمل المشترك وراء إنجاح مؤتمر نيويورك

شدد مسؤول فرنسي على ضرورة العمل لإنهاء المذبحة وإنقاذ الرهائن وحماية المدنيين في غزة، محذراً من أن أي ضمّ للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق جانب من مراسم توقيع البرنامج التنفيذي في باريس الجمعة (واس)

تعاون سعودي - فرنسي في مجال الموسيقى

وقَّعت هيئة الموسيقى السعودية مع «فيلهارموني باريس»، برنامجاً تنفيذياً لترسيخ التعاون في عدة مجالات، بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي

«الشرق الأوسط» (باريس)

وزارة الطاقة الإسرائيلية تعلن توقف صادرات الغاز إلى مصر

وزارة البترول المصرية أعلنت أن القاهرة نوّعت مصادر إمداداتها من الغاز (رويترز)
وزارة البترول المصرية أعلنت أن القاهرة نوّعت مصادر إمداداتها من الغاز (رويترز)
TT

وزارة الطاقة الإسرائيلية تعلن توقف صادرات الغاز إلى مصر

وزارة البترول المصرية أعلنت أن القاهرة نوّعت مصادر إمداداتها من الغاز (رويترز)
وزارة البترول المصرية أعلنت أن القاهرة نوّعت مصادر إمداداتها من الغاز (رويترز)

أعلن المتحدث باسم وزارة الطاقة الإسرائيلية أن بلاده أوقفت، اليوم (السبت)، صادرات الغاز إلى مصر.

وفي وقت سابق اليوم، قال مصدران إن مصر لم تعد تتلقى الغاز الطبيعي من إسرائيل، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز».

واضطرت إسرائيل -وهي مورد رئيسي للقاهرة- إلى إغلاق اثنين من حقولها الكبيرة اليوم بعد أن هاجمت هي والولايات المتحدة إيران، لترد طهران بالمثل.

وقالت وزارة البترول المصرية إن القاهرة نوّعت مصادر إمداداتها من الغاز، في إطار «إجراءات استباقية لتأمين إمدادات الطاقة محلياً».

وأكدت الوزارة، في بيان، أنها نفّذت خلال الفترة الماضية حزمة من الخطوات الاستباقية لتأمين إمدادات الطاقة إلى السوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية، «وذلك في إطار العمل التكاملي داخل مجلس الوزراء بالتنسيق مع الوزارات ومؤسسات الدولة المعنية، بما يضمن تلبية الاحتياجات وتعزيز الجاهزية للتعامل مع أي مستجدات، خصوصاً في ظل التطورات الجيوسياسية والإقليمية المتسارعة».

وأوضحت الوزارة أنها «تتابع من كثب المستجدات الحالية نتيجة الضربات العسكرية الأخيرة وما نتج عنها من تداعيات وتوقف إمدادات الغاز من شرق المتوسط عبر الخطوط»، و«طمأنت بوجود تنوع في مصادر الإمدادات من الغاز وقدرات بديلة جاهزة».

وأشارت إلى أنها عملت «من خلال الإجراءات الاستباقية على مدار عام 2025» على تأمين قدرات وكميات إضافية من الغاز الطبيعي المسال لفترات ممتدة لتلبية احتياجات قطاع الكهرباء والصناعة والمواطنين، من خلال تنويع مصادر الإمداد إلى جانب الإنتاج المحلي، والتعاقد على شحنات من الغاز الطبيعي المسال من مصادر متنوعة، وإبرام اتفاقيات طويلة الأجل واتفاقات توريد مع شركات عالمية.


الأسواق المالية العالمية تستعد لاضطرابات بعد الهجوم على إيران

متداول في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق المالية العالمية تستعد لاضطرابات بعد الهجوم على إيران

متداول في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول في بورصة نيويورك (رويترز)

تتأهب الأسواق المالية العالمية لموجة من الاضطرابات مع استئناف التداولات يوم الاثنين، وذلك عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدء «عمليات قتالية كبرى» ضد أهداف في إيران. ويُنظر إلى هذا التحول العسكري على أنه حدث ذو تداعيات جيوسياسية واقتصادية تتجاوز بكثير الأزمات الأخيرة التي اعتادت الأسواق على استيعابها، مثل تصاعد التوترات في فنزويلا أو التغيرات في السياسات التجارية الأميركية.

«مضيق هرمز»: نقطة الاختناق الاستراتيجية

يرى المحللون أن الفارق الجوهري بين الأزمات السابقة وهذه المواجهة يكمن في الموقع الاستراتيجي لإيران؛ فهي تسيطر على مضيق هرمز، وهو أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. ففي عام 2025، عبر نحو 13 مليون برميل يومياً من النفط الخام عبر المضيق، وهو ما يمثل نحو 31 في المائة من إجمالي تدفقات النفط الخام المنقولة بحراً على مستوى العالم، وفق شبكة «سي إن بي سي».

ونقلت الشبكة عن مدير إدارة الثروات الخاصة في «يو أو بي كاي هيان»، كينيث جوه، قوله إن أزمة فنزويلا كانت تتعلق بـ«قصة إنتاج»، بينما تُعد الأزمة الحالية «قصة نقطة اختناق».

ويضيف خبراء السوق أن أي تهديد مباشر أو غير مباشر لحركة الملاحة في المضيق سيؤدي إلى قفزات «عنيفة» في أسعار النفط، مع توقعات بارتفاع يتراوح بين 5 في المائة إلى 10 في المائة عند افتتاح الأسواق.

سيناريو «عزوف عن المخاطر»

تترقب المؤسسات المالية افتتاحاً «خشناً» للأسواق، حيث يُتوقع أن تشهد الأسهم العالمية تراجعاً أولياً يتراوح بين 1 في المائة و2 في المائة أو أكثر. ومن المرجح أن يتجه المستثمرون نحو الأصول، الملاذ الآمن، مما قد يؤدي إلى تعزيز قوة الدولار الأميركي والين الياباني، وسط تهافت محموم على الذهب. وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن تشهد عوائد سندات الخزانة الأميركية تراجعاً بمقدار 5 إلى 10 نقاط أساس، مع تحول المستثمرين نحو أدوات الدين الحكومية كحماية من تقلبات الأسهم.

ورغم حالة التأهب، يشير بعض مديري الأصول إلى أن الأسواق كانت قد بدأت بالفعل في بناء «تحوطات» ضد هذه المخاطر على مدار الأسابيع الماضية، وهو ما ظهر جلياً في صعود أسعار النفط وزيادة الطلب على سندات الخزانة مؤخراً، مما قد يخفف من حدة الصدمة الأولى.


النفط... السلعة الأهم في أي مواجهة بالشرق الأوسط

ناقلة نفط قبالة جزيرة وايدياو في الصين - ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم والمشتري الأول للنفط الإيراني (رويترز)
ناقلة نفط قبالة جزيرة وايدياو في الصين - ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم والمشتري الأول للنفط الإيراني (رويترز)
TT

النفط... السلعة الأهم في أي مواجهة بالشرق الأوسط

ناقلة نفط قبالة جزيرة وايدياو في الصين - ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم والمشتري الأول للنفط الإيراني (رويترز)
ناقلة نفط قبالة جزيرة وايدياو في الصين - ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم والمشتري الأول للنفط الإيراني (رويترز)

تترقب الأسواق بشغف تحركات أسعار النفط، في أعقاب الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، عضو منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، والتي تسهم بنحو 3 ملايين برميل يومياً، وإمكانية تحييد هذه الكمية إذا طال أمد المواجهة.

وشنت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، السبت، هجوماً عسكرياً على إيران، والتي ردت بدورها، وسط مخاوف من إطالة أمد الحرب، التي قال عنها الرئيس دونالد ترمب إنها ستكون «واسعة» ولمدة أيام.

وتصدّر إيران ما بين 1.3 و1.5 مليون برميل يومياً. وتوجّه أكثر من 80 في المائة منها إلى الصين.

ومع هذه التطورات، تتجه جميع الأنظار لأهم سلعة في الشرق الأوسط، وهي النفط، والتي تدخل كمادة أولية في معظم السلع الأخرى، وهو ما جعل بنك باركليز أن يتوقع ارتفاع الأسعار إلى 80 دولاراً للبرميل.

ومع المخاوف التي قد تحدثها هذه المواجهات في المنطقة، تبقى شركات النفط الوطنية والأجنبية في الشرق الأوسط، الذي يمثل ركيزة أساسية في أسواق النفط حول العالم، وعلى الاقتصاد العالمي، على مقربة من الخطر، وفي هذا الإطار أكدت شركة البترول الوطنية الكويتية أن إنتاج النفط في المصافي يسير وفقاً للجدول المعتاد.

وأوضح بيان صحافي، السبت، أن الناطق الرسمي لشركة البترول الوطنية الكويتية غانم العتيبي، أكد أن «عمليات التكرير والإنتاج في مصافي الشركة تسير وفق برنامجها المعتاد».

وقال العتيبي: «نُطَمئن جميع المواطنين والمقيمين إلى أن إمدادات الشركة من المنتجات النفطية مستمرة حسب معدلاتها الاعتيادية. بما في ذلك تزويد محطات تعبئة الوقود باحتياجاتنا اليومية المقررة من وقود السيارات».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد عبَّر، الجمعة، عن خيبة أمله بشأن المفاوضات الأميركية مع إيران حول برنامجها النووي، وحذر من أنه «في بعض الأحيان يتعين عليك استخدام القوة».

أسعار النفط

قال بنك باركليز، إن خام برنت قد يرتفع إلى نحو 80 دولاراً للبرميل في حالة حدوث اضطراب كبير في الإمدادات.

وقال البنك: «في حين أنه من الممكن تماماً ألا يؤدي التصعيد إلى انقطاع في الإمدادات، وأن تتلاشى بسرعة علاوة المخاطرة البالغة 3 - 5 دولارات للبرميل في أسعار النفط، فإن انقطاع الإمدادات بمقدار مليون برميل يومياً سيزيد من الشكوك حول فائض المعروض المتوقع على نطاق واسع، ويدفع برنت إلى 80 دولاراً للبرميل».

وارتفعت أسعار النفط بنحو 2 في المائة، يوم الجمعة، مع ترقب المتداولين لاضطرابات في الإمدادات بعدما لم تسفر المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران عن التوصل إلى اتفاق بعد. واستقر خام برنت عند 72.48 دولار للبرميل.

وقال بنك باركليز في مذكرة: «رفض وجهة نظرنا بأن التوترات الجيوسياسية لا تزال تشكل مخاطر غير متكافئة على أسعار النفط، يستند أساساً إلى التاريخ الحديث، الذي يدعم تلاشي علاوة المخاطرة المحيطة بهذه الأحداث».

من ناحية أخرى، إذا لم يحدث أي اضطراب كبير في الإمدادات، ولم تتطابق ردود فعل إيران على أي ضربات أميركية مع الخطاب المتحمس، قال بنك باركليز إن أسعار النفط قد تنخفض بمقدار 3 إلى 5 دولارات للبرميل، إذا بقيت جميع العوامل الأخرى على حالها.

كما حذر البنك من أن السوق تشهد تقلصاً هيكلياً، مع انخفاض وتراجع الطاقة الاحتياطية وتقلص المخزونات وقوة الطلب.

تعليق الشحن عبر مضيق هرمز

​قالت 4 مصادر تجارية، السبت، إن بعض ‌شركات ‌النفط ​والتجارة ‌الكبرى ⁠علقت ​شحنات النفط الخام ⁠والوقود عبر مضيق هرمز ⁠في ‌ظل استمرار ‌الهجمات ​الأميركية والإسرائيلية ‌على ‌إيران ورد طهران عليها، حسبما ذكرت «رويترز».

وقال ‌مسؤول تنفيذي كبير في ⁠شركة ⁠تجارة: «ستبقى سفننا في أماكنها لعدة أيام».

مضيق هرمز

يقع مضيق هرمز، الذي يمثل أهمية كبيرة لصناعة النفط، بين عُمان وإيران، ويربط بين الخليج شمالاً وخليج عُمان وبحر العرب جنوباً.

يبلغ اتساعه 33 كيلومتراً عند أضيق نقطة، ولا يتجاوز عرض ممري الدخول والخروج فيه 3 كيلومترات في كلا الاتجاهين.

ما أهميته؟

يمر عبر المضيق نحو خُمس إجمالي استهلاك العالم من النفط، وأظهرت بيانات من شركة «فورتيكسا» أن أكثر من 20 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات والوقود كانت تمر يومياً عبر المضيق في المتوسط، العام الماضي.

وتصدر السعودية وإيران والإمارات والكويت والعراق، الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، معظم نفطها الخام عبر المضيق، لا سيما إلى آسيا. وتنقل قطر، وهي من أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، كل إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال تقريباً عبر المضيق.

ويتولى الأسطول الأميركي الخامس المتمركز في البحرين مهمة حماية الملاحة التجارية في المنطقة.

كانت إيران قد احتجزت 3 سفن، اثنتان في 2023 وواحدة في 2024، قرب مضيق هرمز أو في داخله. وجاءت بعض عمليات الاحتجاز عقب احتجاز الولايات المتحدة ناقلات مرتبطة بإيران.

وفي العام الماضي، نظرت إيران في إمكانية إغلاق المضيق بعد هجمات أميركية على منشآتها النووية.

«أوبك بلس» وزيادة الإنتاج

تتزامن هذه التطورات مع اجتماع «أوبك بلس»، الأحد، والذي ينعقد للنظر في سياسة الإنتاج الحالية، وسط توقعات بأن المجموعة قد تنظر في زيادة أكبر في إنتاج النفط.

ومن المقرر أن يجتمع 8 أعضاء من «أوبك بلس»، الأحد، وهم السعودية وروسيا والإمارات وكازاخستان والكويت والعراق والجزائر وعُمان عند الساعة 1100 بتوقيت غرينتش.

ونقلت «رويترز عن مندوبين، قولهما إنهم سيوافقون على الأرجح على زيادة متوسطة قدرها 137 ألف برميل يومياً في إنتاج النفط لشهر أبريل (نيسان)، مع استعداد المجموعة لتلبية الطلب في ⁠فصل الصيف، ووسط ارتفاع لأسعار النفط الخام.

وأشار أحد المصدرين إلى أنه لم يتم بعد مناقشة حجم أي زيادة أكبر في الإنتاج.

ونقلت وكالة «بلومبرغ نيوز» في وقت سابق عن أحد المندوبين ‌قوله إن تحالف «أوبك بلس»، سيدرس زيادة أكبر في الإنتاج.

وتزايدت ⁠الأدلة على ⁠أن أكبر منتجي النفط في الشرق الأوسط رفعوا صادراتهم بالفعل مع تزايد المخاوف من احتمال توجيه الولايات المتحدة ضربة لإيران؛ ما يزيد من خطر تعطل صادرات النفط، وهو ما حدث بالفعل.

ورفعت الدول الثماني الأعضاء في تحالف «أوبك بلس» حصص الإنتاج بنحو 2.9 مليون برميل يومياً من أبريل إلى ديسمبر (كانون الأول) 2025، أي نحو 3 في المائة من الطلب العالمي، ​قبل تعليق أي زيادات أخرى ​للفترة من يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار) 2026 بسبب ضعف الإنتاج الموسمي.

التضخم العالمي

يخشى العالم أن يتسبب أي ارتفاع حاد في أسعار النفط بعودة التضخم الجامح، ما يضر بالاقتصاد العالمي.

ويمكن أن يؤدي وصول سعر الخام إلى 100 دولار للبرميل، وهو مستوى لم يبلغه منذ الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022، وفقاً لبعض المصادر، إلى إضعاف موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب في انتخابات منتصف الولاية أواخر العام الحالي، بعدما تعهد للناخبين الأميركيين بخفض أسعار مصادر الطاقة.