تطبيقات هاتفية ترصد أماكن أصحابها لمساعدة المعلنين والشركات

تعرف أسرار الليل وتتلصص على مسار خطوات النهار

التطبيقات تحدد مسار الحركة
التطبيقات تحدد مسار الحركة
TT

تطبيقات هاتفية ترصد أماكن أصحابها لمساعدة المعلنين والشركات

التطبيقات تحدد مسار الحركة
التطبيقات تحدد مسار الحركة

يقول الخبراء الأميركيون إن عشرات الشركات ترصد أماكن أصحاب الهواتف الذكية بهدف مساعدة المعلنين؛ بل وحتى مساعدة المؤسسات المالية. وتدعي أن هذا الرصد لا يتم بشكل شخصي موجه، أي إنه لا يتم التدقيق في الهوية؛ بل في أنماط السلوك.
تأملوا في جانب معهود من استخدام الهاتف الذكي لإحدى مدرّسات الرياضيات وهي ليزا ماغرين (46 عاماً) التي تقوم برحلة يومية منتظمة، تصطحب خلالها هاتفها الذكي معها؛ إذ جمع تطبيق موجود على هاتفها المعلومات حول مواقع وجودها، وتم بيعها لاحقاً دون معرفتها.
وقد كشفت قاعدة بيانات تضم أكثر من مليون هاتف في منطقة نيويورك اطلع عليها خبراء أميركيون، عن أن التطبيق سجل أماكن وجود السيدة كل نحو ثانيتين. صحيح أن هوية ماغرين لم تكن معلنة في هذه السجلات، ولكن الخبراء استطاعوا ربطها بسهولة بنقطة ظاهرة على الخريطة. وتظهر الخريطة على الهاتف عادة ملايين النقاط التي تشير إلى الطرق السريعة والأزقة وممرات الدراجات الهوائية، وكل واحدة منها تتبع مسار مستخدم هاتف جوال مجهول الهوية.

- تعقب ورصد
تعلم ماغرين ما يعلمه معظم الناس، وهو أن التطبيقات يمكنها تعقب تحركات الأشخاص. ولكن مع انتشار الهواتف الذكية وزيادة دقة التكنولوجيا، تتوسع تقنية التلصص على عادات الناس اليومية وتنمو لتصبح أكثر تطفلاً.
تسافر ليزا ماغرين يومياً وبشكل منتظم من منزلها إلى المدرسة التي تعمل فيها، وتم تسجيل موقعها أكثر من 800 مرة أثناء وجودها في صفها. كما تضمنت سجلاتها زيارة إلى عيادة الطبيب. وفي مراجعة أجراها الخبراء لبيانات سُجلت على مدار 4 أشهر، تم تسجيل موقع ماغرين أكثر من 8600 مرة، بمعدل مرة كل 21 دقيقة.
ووجد الخبراء أن 75 شركة على الأقل تلقت بيانات مواقع دقيقة من تطبيقات يشغل مستخدموها «خدمات الأماكن location services فيها لتلقي الأخبار المحلية والأحوال الجوية، وغيرها من المعلومات. يدعي كثير من هذه الشركات أنه يتعقب نحو 200 مليون جهاز جوال في الولايات المتحدة، أي نحو نصف عدد الأجهزة التي كانت تستخدم العام الماضي. إلا إن قاعدة البيانات التي اطلع عليها الخبراء، وهي عبارة عن عينة من المعلومات التي جمعت عام 2017 من قبل شركة واحدة، كشفت تنقلات الناس بتفصيل مذهل ودقيق في مسافة لا تتعدى بضعة أمتار، وفي بعض الأحيان، جرى تحديث بياناتها أكثر من 14 ألف مرة في اليوم.
تبيع هذه الشركات وتستخدم أو تحلل البيانات لتقدمها إلى المعلنين ومنافذ تجارة التجزئة وحتى المؤسسات المالية مثل «صناديق التحوط» التي تسعى إلى الاطلاع على سلوك المستهلكين. تزداد سخونة هذه السوق مع ارتفاع مبيعات الإعلانات التي تستهدف المكان الجغرافي إلى 21 مليارا هذا العام. دخلت شركة «آي بي إم» هذا المجال بشرائها تطبيقات «ذا ويذر تشانل»، وأعادت شبكة «فورسكوير» الاجتماعية تأسيس نفسها بوصفها شركة لتسويق بيانات الأماكن، ومن أبرز المستثمرين في مجال الشركات الناشئة العاملة في تجارة الأماكن «غولدمان ساكس» و«بيتر ثيل»، الشريك المؤسس في «باي بال».

- أنماط السلوك
تقول الشركات إن مصالحها تكمن في الأنماط التي تكشفها البيانات عن المستهلكين وليس في الهويات. ولفتت إلى أن المعلومات التي تجمعها التطبيقات ليس مرتبطة باسم شخص أو رقم هاتفه، بل بهوية مميزة. ولكن الشركات التي تستطيع الوصول إلى البيانات الخام؛ كالموظفين والزبائن، فيمكنها دائماً أن تحدد هوية شخص دون موافقته. يمكنها أيضاً أن تراقب شخصاً تعرفه، من خلال تحديد موقع هاتف شخص ثانٍ يمضي وقته باستمرار في عنوان منزل الهدف؛ أو، يمكنها العمل بشكل معكوس، من خلال ربط اسم بنقطة مجهولة الهوية، والاطلاع على الأماكن التي يمضي فيها الهاتف الليالي واستخدام السجلات العامة ومعرفة من يعيش هناك.
تقول الشركات المختصة بالأماكن إنه حين يشغل المستخدمون «خدمات تحديد الموقع»، تصبح بياناتهم سهلة الاستهداف. ولكن الخبراء وجدوا أن الشروحات التي يتلقاها الناس عندما يتم حثهم على منح الإذن بتحديد أماكنهم ناقصة أو مضللة. وقد يَعد تطبيق ما المستخدمين بأن منح الإذن بالوصول إلى موقعهم قد يساعدهم في الحصول على معلومات حول حالة السير، ولكنه لا يعلمهم بأن هذه البيانات ستُشارك وتُباع. هذا الاعتراف يتم غالباً إخفاؤه في سياسة خصوصية فضفاضة.
وقال السيناتور الديمقراطي عن ولاية أوريغون رون وايدن حديثا، وهو الذي قدم اقتراح قانون للحد من جمع وبيع هذه البيانات التي لا تخضع لتنظيم أي قوانين في الولايات المتحدة: «تكشف معلومات الموقع بعضاً من أكثر المعلومات حميمية عن حياة الإنسان، كزيارات الطبيب والاجتماعات المهنية، وحتى هوية الشريك الحميم». ويضيف: «لا يمكننا أن نبقي المستهلكين غافلين عن كيفية بيع ومشاركة بياناتهم، وتركهم عاجزين عن القيام بأي شيء حيالها».

- أجهزة مراقبة متحركة
بدأ قطاع تحديد الأماكن عبر الهاتف كوسيلة لإضفاء طابع شخصي على التطبيقات والإعلانات المستهدفة للشركات القريبة، ولكن الأمر تطور ليتحول إلى عملية جمع بيانات وآلة للتحليل.
يسعى تجار التجزئة إلى الشركات التي تتعقب الزبائن للحصول على معلومات عنهم، ومعلومات عن التجار المنافسين لهم. تقول إيلينا غرينستاين، المسؤولة التنفيذية في شركة تحديد الأماكن «غراوند تروث»: «نسعى لفهم طبيعة الشخص من خلال الأماكن التي زارها والأماكن التي سيزورها، بهدف التأثير على ما سيقوم به في المستقبل».
تستطيع الشركات المالية استخدام هذه المعلومات لاتخاذ قرارات تتعلق بالاستثمار. وتعد منشآت العناية الصحية من أكثر المجالات الجذابة للتعقب، ولكنها في الوقت نفسه تشكل مصدراً للمتاعب. وقد أظهرت تحليلات الخبراء أن السجون والمدارس والقواعد العسكرية ومصانع الطاقة النووية، وحتى أمكان حدوث الجرائم، كانت في باقات البيانات التي حصلت عليها تطبيقات الرصد.
وكشفت شركة «مايتي سيغنال» للتحليلات في تقريرها لعام 2018 أن أكثر من ألف تطبيق شعبي تحتوي على برمجيات لمشاركة موقع الهاتف مع الشركات. وتبين أيضاً أن نظام «آندرويد» من «غوغل» يضم نحو 1200 تطبيق تحمل برمجيات مماثلة، مقابل 200 تطبيق في نظام «آي أو إس» iOS من «آبل».
أما الشركة الأكثر إنتاجاً فكانت «ريفيل موبايل» ومقرها كارولاينا الشمالية. تملك هذه الشركة برمجية لجمع بيانات الموقع في 500 تطبيق، غالبيتها مختصة بنشر الأخبار المحلية. وقال متحدث باسم «ريفيل» إن شعبية هذا الرمز أظهرت أنه ساعد مطوري التطبيقات في تحقيق مكاسب الإعلانات وحصول المستهلكين على خدمات مجانية.
ولتقييم ممارسات مشاركة المواقع، دقق الخبراء في 20 تطبيقاً رجح باحثون من قلب هذا المجال أن معظمها يشارك بياناته. وفي النتائج، تبين أن 17 منها يرسل البيانات نفسها لنحو 70 شركة. ويعد «ويذر باغ» WeatherBug لأخبار الطقس على «آي أو إس» iOS، أحد هذه التطبيقات، وقد شارك البيانات نفسها مع 40 شركة تقريباً.

- جني الأرباح
إن هذه التطبيقات تشكل عصب الاقتصاد الجديد المبني على بيانات الموقع. ويستطيع مطورو التطبيقات جني المال من خلال بيع البيانات بشكل مباشر، أو من خلال مشاركتها عبر الإعلانات التي تفرض بدلاً مالياً في المقابل. وكشفت رسائل عرض تابعة لمطوري التطبيقات أن شركات بيانات الموقع تدفع بين نصف سنت وسنتين للمستخدم في الشهر.
وتعد الإعلانات المستهدفة الاستخدام الأكثر شيوعاً للبيانات حتى اليوم. تتحكم شركتا «غوغل» و«فيسبوك»، اللتان تسيطران على سوق الإعلانات المتنقلة، بالإعلانات التي تعتمد على الموقع أيضاً. تجمع الشركتان البيانات من تطبيقيهما، وتزعمان أنهما لا تبيعان البيانات؛ بل تحتفظان بها لهما لإضفاء طابع شخصي على خدماتهما، وللإعلانات التي تستهدف الترويج عبر الإنترنت، ومعرفة ما إذا كانت الإعلانات تساهم في زيادة مبيعات المتاجر التقليدية. وكشفت «غوغل»، التي تتلقى معلومات مواقع محددة من تطبيقات تستخدم الخدمات الإعلانية، أنها عدلت تلك البيانات للتقليل من دقتها.
أما الشركات الصغيرة، فتتنافس على ما تبقى من السوق وتعمل في بيع البيانات والتحليلات للمؤسسات المالية. عدّت شركة «أوبيماس» للأبحاث السوقية أن هذا القسم من الصناعة صغير ولكنه يشهد نمواً، ومن المتوقع أن تصل قيمته إلى 250 مليونا في السنة بحلول 2020.
قد تفرض مصلحة «آبل» و«غوغل» التجارية عليهما الحفاظ على رضى المطورين، ولكن كلتيهما اتخذت الخطوات اللازمة للحد من جمع بيانات الموقع. فوفقاً لآخر تحديثات «آندرويد»، تعمل التطبيقات غير المستخدمة على جمع البيانات «مرات قليلة في الساعة الواحدة»، بدل جمعها بشكل متواصل.
أما «آبل»، فأبدت صرامة أكبر، وفرضت على التطبيقات تبرير تفاصيل جمع البيانات في رسائل تعرضها للمستخدم. ولكن تعليمات «آبل» لكتابة هذه الرسائل لا تذكر تسويق أو بيع البيانات، بل أموراً أخرى كالحصول على «أوقات التنقل المقدرة». وكشف متحدث باسم الشركة عن أن «آبل» تسمح للمطورين باستخدام البيانات لتقديم الخدمة المتصلة مباشرة بالتطبيق، أو لخدمات الإعلانات التي تلبي شروط «آبل» فقط.


مقالات ذات صلة

ما وراء الإطلاق… التقنيات الخفية التي تقود مهمة «أرتميس 2»

تكنولوجيا صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)

ما وراء الإطلاق… التقنيات الخفية التي تقود مهمة «أرتميس 2»

مهمة «أرتميس 2» تختبر أنظمة دعم الحياة، والملاحة، والطاقة لإتاحة رحلات بشرية مستدامة إلى الفضاء العميق تمهيداً للمريخ.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)

دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

تشير الدراسة إلى أن حماية البيانات المالية تتطلب مزيجاً من التقنية والتنظيم وسلوك المستخدم مع تزايد التهديدات التي تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

«شات جي بي تي» يصل إلى «CarPlay» كتجربة صوتية فقط، مع قدرات محدودة، في خطوة نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيادة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا لا تزال الميزة في مرحلة تجريبية مع تساؤلات حول الثقة والاعتماد على الأنظمة الذكية في العمل (شاترستوك)

«مايكروسوفت» تتيح «كوبايلوت كوورك» زميل عمل رقمياً ضمن «فرونتير»

«مايكروسوفت» تطلق «Copilot Cowork» لتنفيذ مهام متعددة الخطوات في تحول نحو ذكاء اصطناعي يشارك فعلياً في إنجاز العمل داخل المؤسسات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)

«ميتا» تطور نظارات ذكية تدعم العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام اليومي

تدعم نظارات "ميتا" الذكية العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام لكنها تواجه تحديات في القيمة اليومية والخصوصية واعتماد المستخدمين على نطاق واسع.

نسيم رمضان (لندن)

ما وراء الإطلاق… التقنيات الخفية التي تقود مهمة «أرتميس 2»

صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)
صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)
TT

ما وراء الإطلاق… التقنيات الخفية التي تقود مهمة «أرتميس 2»

صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)
صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)

أطلقت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) مهمة «أرتميس ‌2» (Artemis II) في أول رحلة مأهولة ضمن برنامج العودة إلى القمر منذ عقود. ورغم أن الأنظار تتجه عادة إلى الصاروخ الضخم الذي يحمل المركبة إلى الفضاء، فإن جوهر المهمة يكمن في منظومة معقدة من التقنيات التي تعمل خلف الكواليس. تقنيات لا تهدف فقط إلى الوصول، بل تمكين البشر من العيش، والعمل خارج الأرض.

مهمة اختبار... لا مجرد رحلة

لا تستهدف «Artemis II» الهبوط على سطح القمر، بل تمثل رحلة اختبار شاملة للأنظمة التي ستعتمد عليها المهمات المستقبلية. وتشمل هذه الأنظمة الملاحة، والاتصال، ودعم الحياة، وإدارة الطاقة، إضافة إلى التفاعل بين الإنسان والآلة في بيئة الفضاء العميق. هذا التحول يعكس تغييراً في فلسفة الاستكشاف الفضائي. فبدلاً من التركيز على «الوصول»، أصبح التركيز على «الاستمرارية»، أي القدرة على البقاء في الفضاء لفترات طويلة، وهي خطوة أساسية نحو رحلات أبعد، مثل المريخ.

مهمة «أرتميس ‌2» التابعة لوكالة «ناسا» تنطلق من مركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال بفلوريدا (رويترز)

«أوريون»... مركبة أم نظام تشغيل؟

في قلب المهمة تأتي مركبة «أوريون» (Orion) التي يمكن النظر إليها بوصفها منصة متكاملة تجمع بين عدة أنظمة تعمل بتناغم. فهي ليست مجرد كبسولة لنقل الرواد، بل بيئة مغلقة تحاكي قدر الإمكان ظروف الحياة على الأرض. تشمل هذه المنظومة أنظمة دعم الحياة التي تتحكم في الأكسجين، والضغط، والرطوبة، وأنظمة تنقية المياه، وإدارة النفايات، إضافة إلى أنظمة مراقبة صحية تتابع حالة الطاقم بشكل مستمر. كل هذه العناصر تجعل المركبة أقرب إلى «نظام تشغيل» بيئي يدير كل ما يتعلق بحياة الإنسان داخل الفضاء.

وتعتمد «Orion» أيضاً على وحدة الخدمة الأوروبية التي طورتها وكالة الفضاء الأوروبية لتوفير الطاقة، والدفع، والموارد الأساسية. هذا التكامل الدولي يعكس تحول برامج الفضاء من مشاريع وطنية إلى بنى تحتية عالمية مشتركة.

الملاحة خارج الأرض... استقلالية أكبر

في الفضاء العميق، لا يمكن الاعتماد بشكل كامل على الأنظمة الأرضية. فالإشارات تحتاج إلى وقت للوصول، ما يفرض تحدياً في اتخاذ القرارات الفورية.

لهذا، تعتمد «أرتميس ‌2» على مزيج من الملاحة الذاتية، والاتصال الأرضي، ما يمنح المركبة قدراً من الاستقلالية. هذه القدرة ليست تفصيلاً تقنياً، بل ضرورة، خصوصاً مع التفكير في رحلات أبعد، حيث يصبح التأخير الزمني أكبر.

كبسولة «أوريون» جزء من مهمة «أرتميس 2» التابعة لوكالة «ناسا» في فلوريدا (إ.ب.أ)

إدارة الطاقة... والعودة إلى الأرض

تعمل المركبة بالطاقة الشمسية، لكن التحدي لا يكمن فقط في توليد الطاقة، بل في إدارتها بكفاءة. فالأجهزة، وأنظمة الحياة، والاتصالات، كلها تعتمد على توزيع دقيق للطاقة. إلى جانب ذلك، تمثل الحرارة تحدياً أساسياً. ففي الفضاء يمكن أن تتعرض المركبة لدرجات حرارة متطرفة، ما يتطلب أنظمة تحكم حراري دقيقة تحافظ على استقرار البيئة الداخلية.

رغم أن الإطلاق يمثل لحظة حاسمة، فإن العودة إلى الأرض تُعد من أكثر مراحل المهمة تعقيداً. إذ تدخل المركبة الغلاف الجوي بسرعات هائلة، ما يولد حرارة شديدة تتطلب درعاً حرارياً متقدماً.

هذا الدرع لا يحمي المركبة فقط، بل يحدد أيضاً مدى نجاح المهمة في إعادة الطاقم بأمان، وهو عنصر أساسي في أي برنامج فضائي طويل الأمد.

الإنسان كجزء من المنظومة

ليست «أرتميس ‌2» اختباراً للآلات فقط، بل أيضاً للإنسان. سيتم تزويد رواد الفضاء بأجهزة استشعار لمراقبة المؤشرات الحيوية، بهدف فهم تأثير الرحلات الفضائية على الجسم. هذا يعكس تحولاً في النظرة إلى الطاقم، من «مستخدمين» للمركبة إلى عناصر بيانات داخل نظام متكامل. فالقدرة على تحليل هذه البيانات ستكون حاسمة في تصميم المهمات المستقبلية.

تعد أنظمة الاتصال من الجوانب التي لا يمكن إغفالها. فالحفاظ على اتصال مستقر بين المركبة والأرض يتطلب بنية تحتية معقدة، خاصة مع المسافات المتزايدة. هذه الأنظمة لا تضمن فقط التواصل، بل تلعب دوراً في نقل البيانات، وتحديث الأنظمة، ودعم اتخاذ القرار، ما يجعلها جزءاً أساسياً من نجاح المهمة.

بعد 53 عاماً... «ناسا» تعيد البشر إلى عتبة القمر

بين الطموح والتحديات

رغم التقدم التقني، لا تخلو المهمة من تحديات. فتعقيد الأنظمة، وتعدد الجهات المشاركة، والتكاليف المرتفعة، كلها عوامل تضيف ضغوطاً على البرنامج. كما أن بعض الاختبارات والتأخيرات التي سبقت المهمة تعكس طبيعة هذا النوع من المشاريع، حيث لا مجال للخطأ في بيئة عالية المخاطر.

لا يمكن النظر إلى «أرتميس ‌2» بوصفها مهمة منفصلة، بل هي جزء من مسار طويل. فالقمر هنا ليس الهدف النهائي، بل محطة اختبار. الهدف الأكبر هو تطوير تقنيات تتيح للبشر السفر إلى المريخ، والبقاء هناك. وفي هذا السياق، تصبح «أرتميس ‌2» أقل ارتباطاً بالوجهة، وأكثر ارتباطاً بالأنظمة التي تختبرها.

فما يجري اليوم ليس مجرد إطلاق جديد، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والفضاء عبر تقنيات قد تجعل الوجود خارج الأرض أمراً قابلاً للاستمرار، لا مجرد تجربة مؤقتة.


دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)
حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)
TT

دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)
حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)

تزداد أهمية حماية البيانات الشخصية، خصوصاً المالية، مع توسع الأنظمة الرقمية التي باتت تدير جانباً كبيراً من الحياة اليومية. دراسة حديثة منشورة في «Electronic Government: An International Journal» تسلط الضوء على التحديات المتزايدة في هذا المجال، مشيرة إلى أن تعقيد البيئة الرقمية يجعل من الصعب الاعتماد على حل واحد لضمان الأمان.

توضح الدراسة أن الأنظمة المالية الرقمية لم تعد تعتمد فقط على البنية التقنية، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تشمل المستخدمين والمؤسسات والتشريعات. وفي هذا السياق، لم يعد الاختراق نتيجة ثغرة واحدة، بل نتيجة تفاعل عدة عوامل في الوقت نفسه، ما يجعل الحماية أكثر تعقيداً.

تركّز الدراسة على ثلاثة عناصر أساسية تشكل أساس أي نظام آمن وهي السرية وسلامة البيانات وإمكانية الوصول. فالسرية تعني حماية المعلومات الحساسة بحيث لا يتم الوصول إليها إلا من قبل المستخدمين المصرح لهم. أما سلامة البيانات تتعلق بالحفاظ على دقة المعلومات ومنع التلاعب بها. كما أن إمكانية الوصول تضمن أن يتمكن المستخدم الشرعي من الوصول إلى بياناته دون عوائق.

وتشير الدراسة إلى أن أي خلل في أحد هذه العناصر يمكن أن يؤدي إلى خسائر مالية مباشرة، أو إلى تراجع الثقة في الأنظمة الرقمية بشكل عام.

تهديدات تتطور بسرعة

تواجه الأنظمة المالية اليوم مجموعة متزايدة من التهديدات، أبرزها «التصيد الاحتيالي» (Phishing)، الذي يعتمد على خداع المستخدم للحصول على بياناته، إضافة إلى البرمجيات الخبيثة التي تستهدف الأجهزة بشكل مباشر. كما تشير الدراسة إلى خطر «التهديدات الداخلية» حيث قد يأتي الاختراق من داخل المؤسسات نفسها، سواء بشكل متعمد أو نتيجة سوء استخدام الصلاحيات. وتضيف أن الهجمات واسعة النطاق التي تستهدف قواعد بيانات كاملة، أصبحت أكثر شيوعاً، مع وجود أسواق سوداء لبيع البيانات المسروقة. هذه التهديدات لم تعد تقليدية، بل تتطور باستمرار لتتجاوز أنظمة الحماية المعروفة، ما يجعل من الصعب الاعتماد على أساليب الدفاع التقليدية فقط.

تتطور التهديدات السيبرانية بسرعة وتشمل التصيد الاحتيالي والبرمجيات الخبيثة والاختراقات واسعة النطاق (شاتوستوك)

الأنظمة التنظيمية... ضرورة وليست كافية

في مواجهة هذه المخاطر، تعمل المؤسسات المالية ضمن أطر تنظيمية صارمة تشمل التشفير والمصادقة متعددة العوامل والتدقيق المستمر. لكن الدراسة تشير إلى أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا توفر حماية كاملة.

فالقوانين والتقنيات يمكن أن تقلل من المخاطر، لكنها لا تلغيها. إذ تبقى هناك فجوة بين ما يمكن للنظام التقني تحقيقه، وما يمكن أن يحدث نتيجة سلوك المستخدم أو تطور الهجمات.

العامل البشري... الحلقة الأضعف

من أبرز ما تؤكد عليه الدراسة أن المستخدم نفسه يمثل أحد أهم نقاط الضعف في النظام. فحتى مع وجود أنظمة حماية متقدمة، يمكن لخطأ بسيط مثل الضغط على رابط مزيف أو استخدام كلمة مرور ضعيفة أن يؤدي إلى اختراق كامل. وتشير النتائج إلى أن التوعية تلعب دوراً محورياً في تقليل هذه المخاطر. فتعليم المستخدمين كيفية التعرف على محاولات الاحتيال، واستخدام كلمات مرور قوية، وعدم إعادة استخدامها عبر منصات مختلفة، يمكن أن يكون له تأثير كبير على مستوى الأمان.

بناءً على ذلك، تقترح الدراسة أن حماية البيانات المالية يجب أن تعتمد على مقاربة شاملة تجمع بين التكنولوجيا، والتنظيم، والسلوك البشري.

فبدلاً من التركيز على أداة واحدة، يجب بناء نظام متكامل يأخذ في الاعتبار جميع نقاط الضعف المحتملة. وهذا يشمل تطوير تقنيات أكثر ذكاءً، وتحديث التشريعات بشكل مستمر، وتعزيز وعي المستخدمين.

الثقة عامل حاسم

لا تتعلق المسألة فقط بحماية البيانات، بل بالحفاظ على الثقة في النظام الرقمي ككل. فكل اختراق لا يؤثر فقط على المستخدم المتضرر، بل ينعكس على ثقة المستخدمين الآخرين في الخدمات الرقمية.

وتحذر الدراسة من أن فقدان هذه الثقة قد يكون له تأثير أوسع على الاقتصاد الرقمي، حيث يعتمد جزء كبير من النشاط الاقتصادي اليوم على التعاملات الإلكترونية.

تشير الدراسة إلى أن التحدي الحقيقي في حماية البيانات المالية لا يكمن في تطوير تقنيات جديدة فقط، بل في القدرة على دمج هذه التقنيات ضمن منظومة أوسع تشمل الإنسان والتنظيم.


«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
TT

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

أصبح بالإمكان استخدام «شات جي بي تي» (ChatGPT) داخل نظام «كاربلاي» (CarPlay) من «أبل»، في خطوة تعكس توسع حضور الذكاء الاصطناعي خارج الهاتف نحو بيئات الاستخدام اليومية مثل السيارة. ومع تحديثات «26.4 iOS » الأخيرة، فتحت «أبل» المجال أمام تطبيقات المحادثة الصوتية للعمل داخل «CarPlay»؛ ما يتيح للمستخدمين التفاعل مع أنظمة، مثل «تشات جي بي تي»، أثناء القيادة.

هذه الخطوة تبدو للوهلة الأولى امتداداً طبيعياً لانتشار الذكاء الاصطناعي، لكنها في الواقع تمثل تحولاً أوسع في كيفية استخدام هذه التقنيات، من واجهات تعتمد على الشاشة إلى تفاعل صوتي مستمر ومندمج في السياق اليومي.

تجربة صوتية بالكامل

على عكس استخدام «شات جي بي تي» على الهاتف أو الحاسوب، تقتصر التجربة داخل «كار بلاي» على الصوت. لا توجد واجهة نصية، ولا إمكانية لعرض الإجابات على الشاشة. بدلاً من ذلك، يعتمد التفاعل على طرح الأسئلة واستقبال الإجابات صوتياً، بما يتماشى مع متطلبات السلامة أثناء القيادة.

هذا القيد ليس تقنياً فقط، بل تصميمي أيضاً؛ فبيئة السيارة تفرض نمط استخدام مختلفاً، حيث يجب أن تكون التجربة بسيطة وسريعة ولا تتطلب انتباهاً بصرياً مستمراً. وفي هذا السياق، يصبح الصوت هو الوسيط الأساسي، وليس مجرد خيار إضافي.

لا يزال «سيري» المساعد الأساسي بينما يعمل «شات جي بي تي» بوصفه خياراً مكملاً وليس بديلاً (شاترستوك)

كسر احتكار «سيري»... جزئياً

لفترة طويلة، كان «سيري» المساعد الصوتي الوحيد داخل «كار بلاي». لكن التحديثات الأخيرة تشير إلى بداية انفتاح النظام على خدمات ذكاء اصطناعي خارجية. ومع ذلك، لا يعني هذا أن «ChatGPT» حل محل «سيري»؛ فلا يزال «سيري» المساعد الافتراضي، ولا يمكن استبداله بالكامل. كما أن استخدام «شات جي بي تي» يتطلب فتح التطبيق بشكل يدوي، ولا يدعم أوامر تنشيط مباشرة مثل «Hey Siri». وهذا يضعه حالياً في موقع مكمل، وليس بديلاً.

رغم أن إدخال «شات جي بي تي» إلى «كاربلاي» يمثل خطوة لافتة، فإن قدراته داخل السيارة لا تزال محدودة. فهو لا يستطيع التحكم بوظائف السيارة، ولا الوصول إلى إعدادات النظام، ولا التفاعل العميق مع تطبيقات أخرى. بمعنى آخر، ما نراه اليوم هو وصول الذكاء الاصطناعي إلى السيارة، وليس اندماجه الكامل فيها.

لكن الأهمية لا تكمن في الوظائف الحالية بقدر ما تكمن في الاتجاه الذي تشير إليه؛ فوجود «ChatGPT» داخل «CarPlay» يعكس تحول السيارة إلى مساحة جديدة للتفاعل مع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الهاتف والحاسوب.

تظل قدرات «شات جي بي تي» داخل السيارة محدودة دون تكامل عميق مع النظام أو وظائف السيارة (أ.ف.ب)

السيارة بوصفها واجهة جديدة للذكاء الاصطناعي

ما يتغير هنا ليس فقط مكان استخدام الذكاء الاصطناعي، بل طبيعته أيضاً. ففي السيارة، لا يكون المستخدم جالساً أمام شاشة، وإنما يصبح منخرطاً في القيادة. وهذا يفرض نمطاً جديداً من التفاعل، يعتمد على الصوت والسياق والاختصار. في هذا النموذج، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى ما يشبه «مرافقاً رقمياً» يمكنه الإجابة عن الأسئلة، وتقديم معلومات، أو حتى المساعدة في مهام بسيطة أثناء التنقل.

وهذا يفتح الباب أمام استخدامات محتملة تتجاوز ما هو متاح حالياً، مثل التفاعل مع أنظمة الملاحة، أو تقديم توصيات سياقية، أو إدارة بعض جوانب الرحلة.

ورغم هذه الإمكانات، لا تزال التجربة في مراحلها الأولى. فغياب التكامل العميق، والاعتماد الكامل على الصوت، وضرورة تشغيل التطبيق يدوياً، كلها عوامل تحد من سهولة الاستخدام.

كما أن هناك تساؤلات أوسع تتعلق بمدى الحاجة الفعلية لمثل هذه الخدمات داخل السيارة. فكثير من المستخدمين يعتمدون بالفعل على أنظمة قائمة مثل «سيري» أو مساعدات الملاحة؛ ما يطرح سؤالاً حول القيمة المضافة التي يقدمها «شات جي بي تي» في هذا السياق.

من الصعب النظر إلى هذه الخطوة بوصفها ميزة منفصلة فقط. فهي تشير إلى تحول تدريجي في دور الذكاء الاصطناعي، من أداة تُستخدم عند الحاجة، إلى جزء من البيئة المحيطة بالمستخدم.

في هذا الإطار، تصبح السيارة واحدة من عدة نقاط اتصال مع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المنزل والمكتب والهاتف. ومع استمرار تطور هذه الأنظمة، قد يتحول هذا التفاعل من تجربة محدودة إلى عنصر أساسي في الحياة اليومية.