ماذا قرأ المثقفون العرب عام 2018؟ (1-2): الرواية في مقدمة قراءات روائيين وشعراء مصريين

اعتدال عثمان  -  عمرو العادلي  -   محمد جبريل
اعتدال عثمان - عمرو العادلي - محمد جبريل
TT

ماذا قرأ المثقفون العرب عام 2018؟ (1-2): الرواية في مقدمة قراءات روائيين وشعراء مصريين

اعتدال عثمان  -  عمرو العادلي  -   محمد جبريل
اعتدال عثمان - عمرو العادلي - محمد جبريل

- اعتدال عثمان: «سيرة الرواية المحرمة»
إن أهم الكتب الصادرة هذا العام في تصوري كتاب «أولاد حارتنا - سيرة الرواية المحرّمة» للكاتب الصحافي محمد شعير، فقد أثار الكتاب أصداءً واسعة في الواقع الثقافي، لأنه يقدم سردية كبرى عن الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي والفني في مصر، منطلقاً من سيرة رواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، حاكياً لها بأسلوب ممتع وسلس وشائق، مستعيناً بأدوات كاتب التحقيق الصحافي الاستقصائي المتمرس، ومازجاً المعلومات الدقيقة الموثقة المتعلقة بكل ما قاله نجيب محفوظ نفسه أو ما كُتب حول الرواية بأقلام المحرضين أو المدافعين عن حرية الكلمة، وذلك بوعي تاريخي لافت، وحس أدبي، وذكاء مهني مميز، مستكشفاً سياقات الواقع المصاحبة لكتابة الرواية، وما أثارته من ردود أفعال متباينة وكاشفة عن طبيعة واقعنا الثقافي وتكوينه عبر عقود، تمتد من خمسينات القرن الماضي حتى اللحظة الراهنة.
وفي مجال الإبداع، نجد من بين النماذج الحديثة اللافتة للقص العجائبي مجموعة الروائي والقاص والناقد الشاب طارق إمام بعنوان «مدينة الحوائط اللانهائية»، حيث يخلق الكاتب أفقاً مختلفاً للقراءة يوحي بفضاءات أسطورية تشكل عالم هذه المدينة العجائبية المتخيلة بحسب منطقها الخاص، فالنص بلا مرجعية خارجية يمكن الاستناد إليها، وإنما يُكَوّن مرجعيته الخاصة التي تحيل إلى مفرداتها وتصوراتها الداخلية، مشكلة حكايا هذه المدينة العجائبية ذات الحوائط اللانهائية، وسكانها من المسوخ والمخلوقات الخارقة.
هناك أيضاً «حروب فاتنة» للكاتب الشاب حسن عبد الموجود، الذي يشكل عجينته السردية من مفردات متناثرة، مستمدة من ذرات تراب الواقع المأزوم، باحثاً بوعي عن الخميرة التي هي الأصل فيما آل إليه الحاضر المصوّر في النص من مهازل ضاحكة، لكنه ضحك كالبكا، ما بين تراب الواقع وعناصر الخميرة الأولى المشكلة لهياكل سياسية ووظيفية ومؤسساتية فارغة من مضمونها، بل عبثية أحياناً، إلى جانب أنساق فكرية خرافية من زمن آخر. يركض حسن عبد الموجود في أرجاء الزمن عبر لحظات منتقاة بذكاء إبداعي، بصحبة شخصيات قصصية، معجونة بتراب ذلك الواقع نفسه، ويلبسهم ثوب الخيال، فيما تشكل المسافة بين زمن فات، لكن تأثيراته لا تزال فاعلة، والزمن السردي للنصوص مساحة للعب والتخييل. إنها المساحة التي تصبح أيضاً ساحة حروب صغيرة فاتنة لذوات مهمشة مقموعة، تجاهد كي تحصل على قدر ضئيل من مسرات الحياة، ولو كانت واهمة.
- محمد جبريل: «أيام لا تنسى»
رواية «أيام لا تنسى» لكمال رحيم تعرض للمشكلات التي تناولتها من قبل إبداعات روائية وقصصية، بداية من «ثورة على مصر» لعصام الدين حفني ناصف، في أوائل الثلاثينات من القرن الماضي، وما تلاها من أعمال لمبدعين آخرين، سداها بانورامية الحياة في القرية المصرية، مثل الخوف من الزوجة الثانية الذي يتجاوز المعنى النفسي أو الوجداني، لتحل مشكلة الميراث الذي يتسع بالضرورة، إذ إن الميراث هو الحكاية الرئيسية في الرواية، والشجرة التي تتفرع منها الأغصان والأوراق. هي رواية أجيال، أو رواية نهرية. ثمة العلاقات العائلية، والميراث، والتفاوت الطبقي، وثم الجد والأبناء والأحفاد، لكل منهم ملامحه الظاهرة و«الجوانية»، وإن فرضت شخصية الجد «عبد اللطيف» نفسها على قلم الكاتب، فتحولت إلى متن هوامشه الشخصيات الأخرى من أهل وجيران.
الرواية تخلو من شبهة تأثر بكتابات سابقة، وإن ذكرتني بشخصيات طه حسين في «الأيام» و«شجرة البؤس». نحن نتعرف إلى معتقدات القرية المصرية، وعاداتها، وتقاليدها، من خلال رؤية تحسن الالتقاط. وإذا كان طه حسين قد عرض في روايتيه لأيام القرية المصرية في صعيد مصر، في الفترة من أواخر القرن 19، وأوائل القرن 20، فإن أيام كمال رحيم التي لا تنسى هي لوحة فسيفسائية لتطور الحياة في الريف المصري منذ منتصف القرن الماضي. والسمة الواضحة في الرواية هي البساطة، بمعنى هارمونية اللغة التي تخلو من الترهل والفجوات والنتوءات، وترفض التكلف، وتقليد أساليب الآخرين، والإسراف في الزخارف والتوشية، إلى جانب الاستغناء - ما أمكن - عن أدوات الربط في الاتصال بين الجمل. وإذا كان التركيز - أو لنقل التكثيف - هو ما يميز القصة القصيرة عن الرواية، فإن لغة هذه الرواية أقرب إلى لغة القصة القصيرة.
- عمرو العادلي: «الجمال جرح»
هذا العام أعجبتني كتب كثيرة، أهمها رواية «سيدة الزمالك» للروائي أشرف العشماوي، وقد كان الكاتب في الأعمال السابقة حقق تميزاً فيما يمكن أن نسميه الرواية التاريخية، لكن هذه الرواية اجتمع فيها الخط التاريخي مع الخط الاجتماعي، ونتج عن هذا خط درامي ممتاز. الكاتب في هذا العمل له أسلوب جميل يحاول به جذب القارئ، وأظن أنه نجح في ذلك.
أما الرواية الثانية فهي «الجمال جرح» للكاتب الإندونيسي إيكا كورنياوان، بترجمة رائقة راقية للمترجم أحمد الشافعي، وهي رواية ملحمية عن تاريخ الأساطير في إندونيسيا، ممتزجة بخيال خصب للمؤلف، ورغم أنها رواية ضخمة تخطت 600 صفحة فقد التهمتها في وقت قصير نسبياً، ولم أسمح بتدخل نص آخر معها أثناء القراءة كما يحدث غالباً. تمزج الرواية بين عشرات الشخصيات بطريقة واعية، على غرار رواية ماركيز «مائة عام من العزلة»، وقد اخترع كورنياوان مدينة مثل ماكوندو ماركيز تماماً. أنا أعتبر هذه الرواية جاذبة بشكل كبير، وأنصح بقراءتها فهي رواية لا تنسى.
وعلى ذكر الأدب المترجم، هناك رواية أخرى من نوع خاص، وهي رواية «حياة» للكاتب ديفيد فاجنر بترجمة جميلة لسمير جريس، وهي تبحث عن معنى الحياة مقابل الموت، ومعنى الوجود مقابل العدم، وتناقش، هل للروح الإنساني معنى في هذه الحياة سوى أن يعيش، هي تجربة مثيرة ومؤثرة في النفس. وقد جاء السرد فيها متطابقاً مع المعنى المُراد إيصاله إلى القارئ، فلا صوت زاعقاً فيها ولا خطابة، قرأتها كأنها مكتوبة بالعربية. وأعتبر قيمتها الكبرى في هدوئها وانضباط نغمة السرد الذي يهدر دون صخب.
كما أن هناك أيضاً كتاباً جميلاً ترجم هذا العام لهانس فالادا، وهو «تقرير موضوعي عن سعادة مدمن مورفين»، وهو عبارة عن قصتين طويلتين، مكتوبتين بشكل مقنع جداً للقارئ، والكتاب رغم صغر حجمه فإن حجم الإبداع فيه كبير القيمة، وبترجمة قديرة وشيقة أيضاً، وهو كتاب ممتع بشكل كبير. ويعد اكتشافاً بالنسبة لي. وأيضاً رواية «بريد الليل» للبنانية هدى بركات، موضوعها عن تداعيات النفس والرغبة العارمة في البوح وتصدع الشخصيات عندما تتداعى في الذاكرة، تحت وطأة الهم العربي ومشكلات المرأة، والإنسان بشكل عام، إنها رواية جريئة وجميلة.



بطل بارالمبي قد يصبح أول رائد فضاء ذي إعاقة يعيش في المدار

أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)
أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)
TT

بطل بارالمبي قد يصبح أول رائد فضاء ذي إعاقة يعيش في المدار

أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)
أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)

قد يصبح جراح وبطل بارالمبي بريطاني أول شخص ذي إعاقة جسدية يعيش في المدار، وذلك بعدما وقَّعت الحكومة البريطانية اتفاقية مع شركة أميركية تعمل على بناء محطة فضاء تجارية صغيرة.

وذكرت «الغارديان» أنّ جون ماكفال، وهو عضو في «احتياطي» رواد الفضاء التابع لوكالة الفضاء الأوروبية (إيسا)، نال الموافقة للقيام بأنشطة في المدار العام الماضي، ويمكنه المشاركة في مهمة إلى محطة الفضاء «هافن-1» في وقت قريب يعقب إطلاقها المقترح في عام 2027.

وتمرُّ شركة «فاست»، وهي شركة ناشئة مقرها كاليفورنيا، بمراحل متقدمة من بناء المحطة «هافن-1» التي يقلّ حجمها قليلاً عن حجم حافلة ذات طبقة واحدة. وستتسع المحطة لما يصل إلى 4 رواد فضاء، وتتميّز بتصميم داخلي من قشرة خشب القيقب، ونافذة مقببة لمراقبة الأرض، ومختبر لبحوث شبه انعدام الجاذبية.

وقال ماكفال من مركز رواد الفضاء الأوروبي التابع لوكالة «إيسا» في ألمانيا: «إنها فرصة مثيرة». وستركز المهمّة التي تستغرق أسبوعين على كيفية تأثير بيئة الفضاء على جسده، وأيضاً على تأثيراتها في الأطراف الاصطناعية الحديثة، والتي غالباً ما تعتمد على أجهزة استشعار ومعالجات دقيقة لتعمل بشكل صحيح.

ويمكن لبحوث ماكفال أن تعود بالنفع على الأشخاص ذوي الإعاقة على نطاق أوسع من خلال دفع عجلة التصاميم نحو أطراف اصطناعية أخفّ وزناً وأكثر قدرة على التكيف. كما يمكنها أن تُعمّق فهم حالات مثل هشاشة العظام وضمور العضلات، وتمهّد الطريق لبرامج إعادة تأهيل أفضل لمبتوري الأطراف.

وإلى جانب الأهداف العلمية، قال ماكفال إنّ المهمّة ستتحدَّى التصوّرات المسبقة حول الوظائف التي يمكن للأشخاص ذوي الإعاقة إنجازها. وأضاف: «نحن نقول إنه لا بأس بأن يكون الأشخاص ذوو الإعاقة رواد فضاء. لقد أثبتنا أن هذا ممكن، وأننا منفتحون بما يكفي لمنح الناس الفرص للقيام بذلك والاعتراف بأنهم قادرون على السواء».

وتقضي مذكرة التفاهم بأن تدعم وكالة الفضاء البريطانية شركة «فاست» لتأمين الرعاية اللازمة لتمويل رحلة ماكفال الجوّية. وسيسافر هو ورواد فضاء آخرون إلى محطة «هافن-1» داخل كبسولة «كريو دراغون» التابعة لشركة «سبيس إكس» على متن صاروخ «فالكون 9». وثمة خيار آخر أمام ماكفال، وهو القيام بمهمة خاصة مع شركة «فاست» إلى محطة الفضاء الدولية العام المقبل.

وكان ماكفال، البالغ 45 عاماً، من مقاطعة هامبشاير، قد فقد ساقه اليمنى في حادث دراجة نارية في الـ19 من عمره. وبعد مغادرته المستشفى، انغمس في الرياضة وفاز بالميدالية البرونزية في سباق 100 متر في دورة الألعاب البارالمبية في بكين عام 2008. وتأهَّل لاحقاً للعمل جرّاحَ عظام في هيئة الخدمات الصحية الوطنية. وعام 2025، اختير للمشاركة في مشروع «فلاي!» التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، والذي يدرس ما إذا كان بإمكان رواد الفضاء ذوي الإعاقة الجسدية المشاركة في مهمّات طويلة الأمد إلى محطة الفضاء الدولية.

وقال ماكفال: «على المستوى الشخصي، يتعلّق الأمر بالتحدّي والمغامرة والفضول. إنه يروي ظمأي للمعرفة والعلم. وهناك أيضاً جانب من الجنون في الأمر: حقيقة أن لدينا القدرة على إرسال بشر إلى الفضاء. وأن أكون جزءاً من هذا التاريخ لهو أمر مذهل».

وتابع: «أريد أن أكون رائد فضاء جيداً، وأريد أن أؤدي عملي على أكمل وجه؛ فهذه هي أولويتي. لا أريد أن يكون الأمر دعاية إعلامية، ولا أريد أن يكون تجربة عابرة. أنا سعيد بأن أكون رائداً وأقوم بشيء جديد، ولكن أولاً وقبل كل شيء، أريد أن أؤدّي عملاً جيداً، وأريد أن يكون ذا قيمة لاستكشاف الفضاء وللمجتمع على الأرض».

وإذا ما كُتب لرحلة ماكفال الجوية أن تمضي قُدماً، فسيصبح أول بريطاني يرتاد الفضاء منذ المدّة ما بين عامَي 2015 و2016، عندما قضى تيم بيك 6 أشهر على متن محطة الفضاء الدولية بكونها جزءاً من مهمّة «برينسيبيا» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية. وقال بيك: «إن جون ماكفال يمثّل مصدر إلهام، ليس لمجتمع الفضاء فحسب، وإنما لكلّ شخص قيل له ذات يوم إن هناك حدوداً لما يُمكنه تحقيقه. إن هذه الاتفاقية تعدّ لحظة فارقة في تاريخ رحلات الفضاء البشرية الشاملة للجميع».


الحَمام الزاجل يستعين بـ«بوصلة» داخل كبده

الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)
الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)
TT

الحَمام الزاجل يستعين بـ«بوصلة» داخل كبده

الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)
الحمام الذي يعود يحمل الطريق في داخله (ماكس بلانك)

كشفت دراسة جديدة عن أنّ الحمام الزاجل يَدين بقدرته المذهلة على قطع مسافات طويلة ليس لعينيه أو دماغه أو منقاره، وإنما لخلايا خاصة في كبده.

ولطالما حيَّرت العلماء قدرة الحمام على السفر لمئات الأميال والعثور على طريقه للعودة إلى موطنه. إذ اقترحت نظريات سابقة أنّ هذه الطيور يمكنها استشعار الحقول المغناطيسية للأرض من خلال جزيئات حساسة للضوء في عيونها، أو جزيئات مغناطيسية دقيقة في مناقيرها.

لكن أياً من النظريتين لم يحظَ بتأكيد تجريبي قوي، رغم عقود من البحث.

والآن، كشفت دراسة جديدة عن أنّ الإجابة قد تكمن في مكان غير متوقع، وهو الكبد. إذ وجد العلماء أنّ الحمام الزاجل قد يستخدم خلايا مناعية متخصّصة في كبده وطحاله لاستشعار الحقل المغناطيسي للأرض، ممّا يوفر له نظام ملاحة داخلياً.

وتبيّن أن هذه الخلايا المناعية، التي تسمى «الخلايا البلعمية»، تُراكم الحديد خلال تفكيك خلايا الدم الحمراء الهرمة.

ووفقاً للدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن مجلة «ساينس»، فإنّ الحديد المتراكم يمنح هذه الخلايا المناعية خصائص مغناطيسية فريدة، بما في ذلك القدرة على الاستجابة للحقل المغناطيسي للأرض.

ووجد الباحثون أنه عند إزالة الخلايا البلعمية، واجَه الحمام صعوبة في العثور على طريقه إلى موطنه، مما يشير إلى دورها الذي لم يكن معروفاً من قبل في عملية الملاحة.

وقال المدير في معهد «ماكس بلانك لسلوك الحيوان» في ألمانيا، مارتن ويكلسكي: «إن ما يبدو أنه حدس باطني في ملاحة الطيور قد يكون له في الواقع أساس مادي».

وأضاف: «إذا كانت الخلايا المناعية جزءاً من كيفية استشعار الطيور للاتجاه، فإن ذلك سيغيّر جذرياً كيفية فهمنا للملاحة».

ورغم أنّ العلماء يعرفون منذ مدّة طويلة أنّ الطيور المهاجرة والحمام الزاجل تستخدم الحقل المغناطيسي للأرض أداةَ للملاحة، فإنّ كيفية استشعار الحيوانات لهذا الحقل تحديداً ظلَّت أحد أكبر الأسرار في علم الأحياء.

ووجدت هذه الدراسة أنّ الكبد والطحال يمكن أن يلعبا دوراً رئيسياً في الملاحة من خلال دمج الخبرات من علم المناعة والفيزياء وسلوك الحيوان.

وفيها، فحص العلماء أعضاء متعدّدة للحمام الزاجل ارتبطت سابقاً بالقدرة على استشعار الحقول المغناطيسية، بما فيها العيون والمنقار والدماغ.

وقالت كليفيا ليسوفسكي، وهي مؤلِّفة أخرى للدراسة: «كانت لدينا بعض المؤشّرات على أنّ الكبد والطحال يتمتعان بخصائص مغناطيسية، لأنهما يفككان خلايا الدم الحمراء وبالتالي يخزنان كميات كبيرة من الحديد في الجسم».

ومن بين جميع الأنسجة والأعضاء التي حُلِّلت، احتوى الكبد على أعلى تركيز للحديد وأظهر أقوى استجابة مغناطيسية. وأكدت اختبارات إضافية أنّ الخلايا البلعمية فيه هي المسؤولة عن هذه الخصائص المغناطيسية.

ثم اختبر العلماء ما إذا كانت الخلايا البلعمية تؤثّر فعلياً في الملاحة.

ولذلك، أزالوا الخلايا البلعمية الكبدية من حمام دُرّب على العودة إلى أبراجه من مواقع تبعد أكثر من 20 كيلومتراً في ألمانيا.

ووجد الباحثون أنه في الأيام الغائمة، عندما كانت الشمس محجوبة، فقد الحمام الذي يفتقر إلى الخلايا البلعمية حاسّة الاتجاه لديه وواجه صعوبة في الملاحة والعودة إلى موطنه.

أما في الأيام المشمسة، فقد تمكن من العودة بنجاح، ممّا يشير إلى أن الطيور تستخدم المعلومات المغناطيسية إلى جانب الإشارات الشمسية لتوجيه نفسها خلال الطيران.

وباستخدام الفحص المجهري المتقدِّم، قيَّم العلماء بعد ذلك كيف تنتقل المعلومات من كبد الحمام إلى الدماغ.

ووجدوا أنّ الخلايا البلعمية الغنية بالحديد تقع بالقرب من الألياف العصبية، مما يُلمح إلى مسار محتمل تُنقل من خلاله المعلومات المغناطيسية من الكبد إلى الجهاز العصبي، وفي النهاية إلى الدماغ.

وقالت الدكتورة ليسوفسكي: «تطرح هذه النتائج أول دليل ملموس على كيفية إدراك الحقل المغناطيسي للأرض داخل الجسم وتمريره إلى الدماغ لتوجيه الحركة».


«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)
في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)
TT

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)
في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)

يستعيد نبض بيروت الثقافي حيويته تدريجياً، مع عودة النشاطات الفنية إلى المدينة. ويأتي معرض «أحب الزهور كما النجوم» للفنان الراحل عارف الريّس ليُضيء ذاكرة عاصمةٍ قلقة. وهو يتضمّن مجموعة لوحات تغطّي مراحل مختلفة من مسيرته التشكيلية. واختار غاليري «صفير زملر» في وسط بيروت، بالتعاون مع ابنته هالة الريّس، أعمالاً نفّذها بين عامَي 1958 و1980، تروي رحلة فنّية تنقلت بين العتمة والنور، والأزمنة السوداء وتلك الأكثر إشراقاً.

وفي مساحة هادئة تحتضن أكثر من 50 لوحة تتنوّع تقنياتها بين الباستيل والغواش و«الميكسد ميديا»، يخوض زائر «صفير زملر» رحلة فنّية مشبعة بالعاطفة والذاكرة. فابن مدينة عاليه يُعدّ أحد أبرز روّاد الفن التشكيلي الحديث في لبنان، وقد حمل في أعماله هواجس وطنه كما لحظات الأمل التي كانت تنتشله من قلقه الداخلي.

في معرض «أحب الزهور كما النجوم» لمحة عن العمارة المصرية (الشرق الأوسط)

في هذا المعرض الاستعادي، نراه يغوص في أزمنة الحرب والانقسامات الطائفية، قبل أن يُحلّق بالمشاهد فوق سماء لبنان الزرقاء أو يتأمل ملامح تكوين طفلته الوحيدة هالة. وبين هذين العالمين، يفسح المعرض حيّزاً لأعمال مستوحاة من العمارة المصرية القديمة. بينما تحضر طبيعة لبنان في لوحات صغيرة تنبض بجمال ريفه وضياعه، وقد نقلها الريّس إلى القماش المخملي بحسّ شاعري ودفء بصري لافت.

يستقبل الزائر عند مدخل الغاليري أحد أقدم أعماله، يعود إلى عام 1958، وتُصوّر 3 رجال من الطائفة الدرزية بلباسهم التراثي الجبلي. وهي لوحة أنجزها في بدايات مسيرته الفنّية خلال إقامته في بلدته الأم عاليه. وتشرح سيبيللا، إحدى المُشرفات على تنظيم المعرض، أنّ هذه الأعمال منفّذة بتقنية «الغواش»، وتقول: «كان جبل الشوف يومها يعيش توترات وانقسامات بين الطائفتين المسيحية والدرزية. وتكشف هذه الوجوه الثلاثة خصوصية ريشة الريّس في رسم البورتريه، وهي المرحلة التي انطلق منها قبل انتقاله إلى مدارس فنية أخرى».

ومع التقدُّم في الجولة، تطالع الزائر سلسلة لوحات بالأبيض والأسود توثّق أجواء الحرب اللبنانية القاتمة. وقد استُخرجت هذه الرسومات من كتاب «في طريق السلم» المؤلَّف من 75 صفحة، والذي أنجزه الريّس عام 1976 قبل أن يُنشر في السنة التالية. وفيه يُقدّم الفنان صرخة بصرية تختصر قسوة الحرب الأهلية ومآسيها. وتشير سيبيللا إلى أنّ هذه الأعمال «مُنعت من العرض لعام كامل بقرار من الرقابة التابعة للأمن العام اللبناني، قبل أن يُفرج عنها عام 1977».

وتتألَّف هذه المجموعة من مشاهد دمار واقتتال رسمها بقلم الرصاص على الورق الأبيض، لتبدو من بعيد كأنها غيمة سوداء تختصر مرحلة دامية من تاريخ لبنان.

«طريق السلام» بريشة الراحل عارف الريّس (الشرق الأوسط)

كما يُضيء المعرض على تأثُّر عارف الريّس بالمعماري المصري حسن فتحي، الملقَّب بـ«مهندس الفقراء». ويُعدّ أحد أبرز روّاد العمارة في العالم. وقد كرّمه الريّس بعد لقائه به عبر مجموعة لوحات تستلهم الهندسة المعمارية المصرية، فتظهر فيها البيوت الرملية والمساجد الحجرية والقناطر والأدراج والزخارف الفرعونية. قدّمها الفنان بألوان زاهية مثل الزهري والأصفر والأزرق، في أعمال تتوسَّط المعرض وتعكس شغفه بالتفاصيل الدقيقة وجمالية العمارة الشرقية.

وفي لوحات «الوردة» وأعمال أخرى تستحضر طبيعة لبنان، يُقدّم الريّس زهوَ الأرض الجبلية في الربيع كما في مختلف الفصول، في مقاربة بصرية تتقاطع فيها الذاكرة مع الحسّ التأملي. نفّذ بعض هذه اللوحات في عام 1980 مستخدماً تقنية «الميكسد ميديا»، وينقل فيها مشاهداته على الورق والقماش المخملي. وكلما اقترب المشاهد من اللوحة انكشفت طبقات أعمق من تفاصيل الطبيعة اللبنانية وغناها.

وتعكس غزارة الألوان التي يعتمدها ارتباطه العميق بالأرض، رغم تنقّله وإقامته في أكثر من محطة خارجية، بين أفريقيا وباريس والجزائر. ومع كلّ عودة إلى لبنان، كانت هذه العلاقة تتجدَّد وتزداد توتراً أو دفئاً. وكأنّ البلاد نفسها تعيد إشعال جذوة الانتماء في أعماله، فتتحوّل اللوحة إلى مساحة لقاء دائم بين الفنان ووطنه.

طبيعة لبنان بتقنية «الغواش» يرسمها على المخمل (الشرق الأوسط)

عام 1979، عندما علم بحَمْل زوجته بابنته هالة، اتّجه عارف الريّس إلى تأمّل هذا الحدث المُفرح من زاوية داخلية حميمة، محاولاً تحويل التجربة إلى مساحة بصرية نابضة. وانطلق يرسم سلسلة أعمال بتقنية الباستيل، يستحضر فيها مشاعره تجاه فكرة الطفل البكر قبل ولادته، متخيّلاً مراحل تكوّن الجنين داخل الرحم على أنها رحلة فنية تتدرّج من النواة إلى الاكتمال.

وفي مربّع خاص يحمل عنوان «الأمير الصغير» داخل صالة المعرض، تُروى هذه الحكاية بوصفها تجربة وجدانية فريدة، ويقدّم خلالها الريّس تصوّراته عن تشكّل الحياة عبر أشكال دائرية وأخرى عمودية وأفقية، ملوّنة بالأحمر والزهري والأصفر والأخضر، في لغة تشكيلية تمزج بين الرمزية والعاطفة.

وتُعلّق سيبيللا: «يمكننا من خلال هذه الرسوم إدراك طبيعتها الرمزية. الدوائر تجسّد مرحلة الحمل، بينما يعبّر الشكلان العمودي والأفقي عن دور الأب والأم، وكأننا أمام نظام بصري يشرح العلاقة بين الذكر والأنثى. حتى إنه صوَّر اكتمال نمو الجنين عبر أطرافه ووضعياته داخل الرحم، وذلك في قراءة بصرية لتكوّن الحياة قبل الولادة».