«الاستشراق»... حطم أصناماً عدّها الغربيون أوصافاً للشرق

40 عاماً على كتاب إدوارد سعيد الأشهر والأخطر

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد
TT

«الاستشراق»... حطم أصناماً عدّها الغربيون أوصافاً للشرق

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد

كما عاصفة هائلة هبت قبل 40 عاماً، كان كتاب «الاستشراق» للمفكر الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد (1935 - 2003) - (صدرت الطبعة الأولى عام 1978). لقد تجرأ أخيراً مفكر صعد من قلب المؤسسة الثقافية الغربية ذاتها على كشف ما يشبه مؤامرة فكرية ضخمة استمرت قروناً طويلة وشاركت في صياغتها بوعي أو من غير وعي أشهر عقول الغرب؛ من أسخيليوس الإغريقي، إلى جوزيف كونراد البولندي المتأنجلز، واتسعت لتشمل رجال (ونساء) دولة ودبلوماسيين ومؤرخين وعسكريين وفنانين وأدباء وجواسيس ومغامرين ولصوص آثار، بل ولم يسلم منها كارل ماركس نفسه الذي كان نقض أسس الفكر المثالي الغربي جلها لكنه مضى قبل أن يفكك هذا «الاستشراق الذي صار مهنة»؛ كما وصفه مرة بنجامين ديزرائيلي في القرن التاسع عشر.
عاصفة سعيد «الاستشراقية» كأنها جاءت إلى أرض عطشى. لقد نجح كتاب أكاديمي الطابع، شديد المرارة على من أغلق عقله وقبل تراكم تصورات الآباء والأجداد بشأن الآخر على عواهنها، في التحول إلى واحد من أكثر الكتب الفكرية مبيعاً، وتلقفه أكاديميون كثيرون عبر العالم بوصفه نصاً مرجعياً مؤسساً لا غنى عنه، وممراً إجبارياً لكل من يريد فهم أو نقد الظواهر الثقافية المعاصرة. لقد كان العالم بحاجة لعقل مثل سعيد كي يفهم نفسه.
«الاستشراق» غادر مكانه بصفته كتاباً منذ وقت مبكر بعد نشره؛ إذ أزهر كما جنة فكرٍ التجأ إليها كل المهمشين سواء في الغرب والشرق، تعلو فيها أصواتهم نقداً وتفكيكاً وتحطيماً لأوهام ما لبثت تجترحها المجموعات البشرية عن الآخر المختلف لتكتسب تلك الأوهام سلطة «الحقيقة»، فتكرس الفرقة وتخدم مصالح المستفيدين من تصارع البشر وتشييد جدران الهويات المفتعلة بينهم. رويداً رويداً، توسعت تلك الجنة لتكون مدرسة فكرية تنظر لقراءة ما بعد كولونيالية لكل منتجات الثقافة من الرواية والمسرح، إلى التاريخ والفنون، مروراً بخطابات السياسة المعاصرة على تلاوينها يميناً ويساراً.
قدم سعيد في «الاستشراق» قراءة أعمق بكثير من مجرد الكشف عن التوظيف السياسي للوهم خدمة لأغراض الهيمنة والاستغلال الاقتصادي؛ التي ربما هي نتائج أكثر منها نقطة انطلاق. لقد سبح المفكر الكبير في أهوال بحر الذات الغربية مسائلاً أبعد مآزق نفسيتها الجمعية ليرسم لها كيف وقعت بتآمر نخبتها رهينة صور منعكسة في مرآة مشوهة يرفعها الغرب أمام وجهه فتريه حصراً نقيض كل اعتقاد له عن هوية ذاتية متخيلة في صورة آخر معروف مجهول معاً سُمي شرقاً، أو «شرق أوسط» أو غيرها من التعيينات المنحازة حتى قبل أن تبدأ بالتعيين.
حطم «الاستشراق» أصناماً عدّها الغربيون أوصافاً للشرق: عوالم الرقص الشرقي والتعهر، الذي لم يكن يتجاوز قصور النخب الفاسدة كما في أي ثقافة أخرى، وقصص «ألف ليلة وليلة» المتخمة بالرموز الجنسية، وصور البدو والجمال بالقرب من الأهرامات كأنها كل ما كانت عليه حواضر هذه الجهة من العالم، وغيرها من اللقى المجتزأة التي كانت تعمم لأنها تلقى هوى في النفسية الغربية. لكن أعظم ما حطمه «الاستشراق» كان تلك الهالة الكاذبة عن موضوعية وتجرد الجهود البحثية والتسجيلية التي بذلتها أجيال من المختصين حتى قبل حملة نابليون بونابرت الفاشلة عسكرياً على فلسطين ومصر، إلى موظفي مراكز الأبحاث الغربية المعاصرة الذين تفرغوا لرسم معالم هذا «الشرق» المزعوم سواء جراء هوس شخصي غير مفهوم أو ارتزاقاً في خدمة جهود الإمبراطوريات المتعاقبة: بريطانية وهولندية وإسبانية وفرنسية وبرتغالية وهنغارية بداية ثم أميركية لاحقاً.
وهكذا انقلب وصف «المستشرق» من صورة عالم جليل غريب الأطوار متبحر في تفاصيل الآخر؛ لغته أو فنونه أو تاريخه أو شعره، إلى عميل مشبوه يتعيش من بيع الأوهام وسموم الأفاعي خدمة لمصالح المتنفذين. ربما لم يقصد سعيد الوصول إلى تلك النتيجة الأخيرة في تعميم الاشتباه بكل من يتخصص في قراءة ثقافة الآخرين، لا سيما أن بعضهم كانت له مساهمات لا تقدر بثمن في اكتشاف وتنسيق وتنظيم وحماية معالم ثقافية كثيرة، وفي كسر ديماغوجيات حكمت، وما زالت تحكم للأسف وإلى حد كبير، مناهج التفكير والاستعانة بالتراث في غير ما مكان عبر «الشرق». لكن «الاستشراق»؛ كما أي كتاب مفصلي مؤسس، يأخذ بعد إطلاقه في دنيا الأفكار مسار حياة أو حتى حيوات أخرى مستقلة عن غايات كاتبه، فتكونت عنه قراءات متوازية كثيرة «خارج المكان» وخارج الزمان ربما اضطر سعيد بنفسه أحياناً لمراجعتها ونقدها وإعادة تأطيرها في كتبه ومقالاته وأحاديثه اللاحقة.
وللحقيقة؛ فإن كثيرين ممن تبعوا سعيد أخذوا ملخصات عن فكره وتبنوها لما فيها من كشف للسحر والسحرة دون أن تسنح لهم الظروف بقراءة نصوصه كاملة في مظانها، أو هم قرأوها ترجمات متدرجة الخيانة للنص الأصلي، أو معزولة بالكلية عن النسق الفكري الذي شكله سعيد في النقد الحديث وكتاباته اللاحقة، أو حتى عن المناخ الذي فيه أنتجت تلك الأفكار الثورية. هذا الاستسهال في تناول «الاستشراق» - وكما كل تسرع عند استعارة الأفكار الخطيرة - تسبب في نشوء قراءة متعسفة ذات اتجاه واحد عن عنف التمثيل والاستغلال المحض وسرديات بديلة نقيضة لسرديات الغرب تقع وإن بشكل معكوس في النقائص ذاتها التي يُذم من أجلها المستشرقون. هذه القراءات المنحرفة الكثيرة عن «استشراق» سعيد تفتقد إلى فهم خلاصة ما ذهب إليه الرجل - وهو عازف بيانو وموسيقي مبدع - من وصف العلاقة بين طرفي العالم بأنها أقرب إلى تبادل وتناغم بين معزوفتين (أو أكثر) تتوازيان وتغنيان تجربة الوجود دون أن تلغي أي منهما الأخرى بقدر ما تجعل مقاطعهما المفردة أوقع فعلاً.
لقد كان «الاستشراق» فكرة كسرت سقوفاً زجاجية كثيرة، وأثارت جدالات لا تنتهي، ودفعت بالنقاش الثقافي بشأن الهويات والمرجعيات والمعاني إلى فضاءات شاسعة مضيئة لم تكن ممكنة قبله. لكن هذا النقاش الذي يكتسب اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أهمية جذرية في أجواء صراع هويات مستعادة وحروب ثقافية تأخذ أبعاداً سياسية جارفة، صار فضاء تبتلعه الظلال ولا «سعيد» له، ما يلبث يتسطح ويخفت ويضمحل لمصلحة الجيل الجديد من المهيمنين الذين لا عيش لهم دون تعليبنا وتشطيرنا ووضعنا في مواجهات وجودية مع آخرين متخيلين، نراهم نقيضين وهم مثلنا ضحايا مهما اختلفت ألوانهم. فالرجل الذي كان في حياته جسراً ذا عقل وقلب يقوم بمهمة الوصل بين العوالم بكل الحب والتفهم والخيال، وحارساً نبيلاً للوعي الجمعي الإنساني من كل ذئاب المصالح وأبواق الإمبراطوريات، ترجل ومضى دون أن يتولى مكانه أحد.
أربعون عاماً على طبعة «الاستشراق» الأولى؛ أمر يستدعي الاحتفال ليس بصفة نوستالجية - مهما استحق الكتاب ومؤلفه التبجيل -، بقدر ما هي نقطة إعادة تمركز في مواجهة التنانين التي انفلتت تملأ هذي الأوقات المظلمة. احتفال كهذا يكون أقله بإعادة التوغل في قراءة النص الأصلي من جديد مع إسقاطه على تمظهرات «الاستشراق» المستعادة التي كنا نظن أن «سعيد» قضى عليها، لكنها تأبى أن تموت.



مايكل بي. جوردان يفوز بأوسكار أفضل ممثل... وجيسي باكلي أفضل ممثلة

مايكل بي. جوردان يتسلم جائزة الأوسكار لأفضل ممثل (رويترز)
مايكل بي. جوردان يتسلم جائزة الأوسكار لأفضل ممثل (رويترز)
TT

مايكل بي. جوردان يفوز بأوسكار أفضل ممثل... وجيسي باكلي أفضل ممثلة

مايكل بي. جوردان يتسلم جائزة الأوسكار لأفضل ممثل (رويترز)
مايكل بي. جوردان يتسلم جائزة الأوسكار لأفضل ممثل (رويترز)

فاز مايكل ​بي. جوردان، المرشح لأول مرة، بجائزة أوسكار أفضل ممثل، ‌اليوم (الاثنين)، عن ‌تجسيد ​دور ‌توأمين ⁠في ​فيلم «سينرز» الذي ⁠يمزج بين عدة أنواع فنية ويحكي قصة مصاصي ⁠دماء.

وكان المرشحون ‌الآخرون ‌لجائزة ​أفضل ‌ممثل هذا ‌العام هم تيموثي شالاميه عن فيلم «مارتي سوبريم»، وليوناردو ‌دي كابريو عن فيلم «وان باتل ⁠أفتر أناذر»، ⁠وإيثان هوك عن فيلم «بلو مون»، والبرازيلي واجنر مورا عن فيلم «ذا سيكريت إيجنت».

جيسي باكلي تحمل جائزتها (رويترز)

وفازت جيسي باكلي، بجائزة أوسكار أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» في حفل توزيع جوائز الأوسكار، لتصبح أول امرأة أيرلندية تفوز بهذه الجائزة.

كيران كولكين تسلم جائزة الأوسكار عن فئة أفضل ممثل في دور ثانوي نيابة عن شون بن (رويترز)

وفاز شون بن بجائزة الأوسكار عن فئة أفضل ممثل في دور ثانوي في فيلم «وان باتل أفتر أناذر»، وهو الفيلم الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار الثامن والتسعين.

وتنافس شون بن على هذه الجائزة مع بينيسيو ديل تورو عن دوره في «وان باتل أفتر أناذر»، وجايكوب إلوردي عن دوره في «فرانكنشتاين»، وديلروي ليندو عن دوره في «سينرز» وستيلان سكارسغارد عن دوره في «سنتيمنتل فاليو».

إيمي ماديغان محتفية بجائزتها (أ.ب)

بينما فازت إيمي ماديغان بجائزة الأوسكار عن فئة أفضل ممثلة في دور ثانوي في فيلم الرعب «ويبنز».

 

وتنافست ماديغان على هذه الجائزة مع الممثلات إيل فانينغ عن دورها في «سنتيمنتل فاليو» وإنغا إبسدوتر ليلياس عن دورها في الفيلم نفسه، وونمي موساكو عن دورها في «سينرز» وتيانا تايلور عن دورها في «وان باتل أفتر أناذرر».

ديفيد بورنستاين وبافيل تالانكين وهيلي فابر وألزبيتا كاراسكوفا بعد الحصول على أوسكار أفضل فيلم وثائقي طويل (رويترز)

وحصد فيلم «مستر نوبادي ​أجينيست بوتين»، الذي يتناول قصة مدرس روسي شاب يمارس مقاومة هادئة ضد الحرب الروسية على أوكرانيا، ‌جائزة الأوسكار لأفضل ‌فيلم ​وثائقي ‌طويل.

 

ويستخدم الفيلم، ⁠الذي أخرجه ديفيد بورنستاين وبافيل تالانكين، لقطات صورها تالانكين على مدى عامين ⁠لإظهار كيفية تلقين ‌الدولة الروسية ‌الطلاب رسائل ​مؤيدة ‌للحرب.

وكانت الأفلام الوثائقية الأخرى المرشحة هذا العام هي «كتينج ثرو روكس» و«ذا بيرفيكت نيبور» و«ذي ألاباما سولوشن» و«كام سي مي إن ذا ​جود ​لايت».

 

 

 

 

 

 

 


رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية

رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية
TT

رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية

رحيل حمد الجميح بعد مسيرة ثرية في عالم التجارة والصناعة السعودية

فقدت السعودية، الأحد، أحد أبرز رجالات الأعمال فيها، بوفاة الشيخ حمد بن عبد العزيز الجميح، الذي شكّل على مدى عقود أحد أعمدة القطاع الخاص في البلاد، وأسهم في بناء واحدة من أبرز المجموعات التجارية العائلية التي لعبت دوراً مهماً في تطور النشاط الاقتصادي فيها.

وينتمي الراحل إلى عائلة الجميح المعروفة بنشاطها التجاري الممتد منذ عقود، حيث تولّى رئاسة العائلة بعد رحيل المؤسسين، كما شغل مناصب قيادية في عدد من الشركات والمؤسسات التابعة للمجموعة، من بينها رئاسة مجلس إدارة شركة الجميح للسيارات وشركة الجميح للمشروبات، إضافة إلى توليه منصب نائب رئيس مجلس إدارة شركة الجميح القابضة، ورئاسة مجلس إدارة مؤسسة التطوير والتنمية في محافظة شقراء.

ولد الشيخ حمد الجميح في محافظة شقراء - وسط السعودية - عام 1931 (1350 هجرياً)، ونشأ في بيئة تجارية بسيطة في فترة كانت فيها الحركة الاقتصادية في المملكة في بداياتها. وقد عاصر مراحل التحول الكبرى التي شهدتها البلاد مروراً بمرحلة بناء الدولة الحديثة وتطور اقتصادها.

ويروي الراحل في أحاديثه عن بداياته أنه بدأ حياته العملية في سن مبكرة، حيث كان يجمع بين الدراسة والعمل في متجر العائلة، إذ كان يذهب إلى المدرسة صباحاً ثم يعمل في المتجر (الدكان) بعد الظهر لبيع الأقمشة والبضائع الأساسية مثل القهوة والهيل والسكر. وكان هذا التوازن بين التعليم والعمل، بحسب ما كان يذكر، مدرسة مبكرة في الانضباط والمسؤولية.

يقول الجميح في حديث سابق: «كانت قيم الأمانة والالتزام من أبرز ما تشكلت عليه شخصيتي منذ تلك السنوات»، مشيراً إلى أنه اعتاد منذ شبابه الحفاظ على أموال التجارة بدقة شديدة، حتى إنه كان يروي أن العائلة كانت تفصل تماماً بين المال الشخصي ومال البضاعة، وهو مبدأ ظل يؤكد أنه أساس النجاح في العمل التجاري.

ومع انتقال العائلة إلى الرياض واتساع النشاط التجاري، بدأت مرحلة جديدة في مسيرة الجميح، حيث شارك في تطوير أعمال العائلة وتوسيعها، لتصبح لاحقاً واحدة من أبرز المجموعات التجارية في المملكة. وأسهم في الحصول على عدد من الوكالات التجارية العالمية، وكان من أبرزها وكالة «بيبسي كولا» في المملكة، التي شكّلت نقطة تحول في مسيرة المجموعة، إلى جانب نشاطها في قطاع السيارات الذي تطور لاحقاً عبر شراكات مع شركات عالمية والتي من أهمها شركة «جنرال موتورز» الأميركية.

وقد شهدت المجموعة خلال تلك الفترة توسعاً كبيراً في أنشطتها، لتشمل مجالات متعددة من التجارة والصناعة والخدمات، معتمدة في نموها على السمعة التجارية والالتزام المهني، وهي القيم التي كان الجميح يحرص دائماً على ترسيخها داخل الشركة العائلية بحسب حديثه.

وعُرف الراحل باهتمامه بالعمل التنموي والاجتماعي، خصوصاً في مسقط رأسه محافظة شقراء، حيث دعم عدداً من المبادرات التنموية والخيرية، إيماناً منه بدور رجال الأعمال في خدمة المجتمع إلى جانب دورهم الاقتصادي.

ونعت شركة الجميح القابضة فقيدها في بيان رسمي، وبرحيل الشيخ حمد الجميح، تفقد الساحة الاقتصادية السعودية واحداً من رجال الأعمال الذين عاصروا بدايات النهضة الاقتصادية للمملكة، وأسهموا في بناء مؤسسات تجارية عائلية تحولت مع الزمن إلى كيانات اقتصادية مؤثرة في السوق السعودية.

 

 

 

 

 

 


توسعة الحرم المكي... رعاية سعودية وريادة في الابتكار المعماري

توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)
توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)
TT

توسعة الحرم المكي... رعاية سعودية وريادة في الابتكار المعماري

توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)
توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)

تجسد مشروعات التوسعة السعودية للحرمين الشريفين شاهداً على الدعم الكبير الذي توليه القيادة السعودية لخدمة ضيوف الرحمن، كما تعكس ريادة المؤسسات الأكاديمية السعودية في توظيف الابتكار لصناعة الحلول الواعية للتوقعات، مما يجعل التوسعة الثالثة نموذجاً عالمياً في «أنسنة» الفراغات المعمارية وتسخير الابتكار لخدمة ملايين الطائفين والركع السجود.

وقد سجَّلت جامعة الملك سعود حضوراً بارزاً في ذاكرة العمارة الإسلامية، بعد أن أصدرت الهيئة السعودية للملكية الفكرية 4 براءات فكرية لصالح الجامعة وفريق عملها، تتعلق بالفكرة التصميمية والأسس الهندسية لأكبر مشروع توسعة شهده المسجد الحرام في تاريخه.

ويأتي هذا الإصدار تتويجاً للتوجيه السامي الذي تبنى مقترح الجامعة قاعدةً للتوسعة الثالثة، في تجسيد لتكامل القرار القيادي مع الخبرة العلمية الوطنية. فمنذ اللحظة التي بارك فيها الملك عبد الله بن عبد العزيز هذه التصاميم في جدة عام 2008، انطلقت ورشة عمل وطنية كبرى قادها فريق فني رفيع من أساتذة الجامعات السعودية، حيث تلاقت الرؤى الأكاديمية مع الحلول التقنية لإنتاج مشروع معماري يوازن بين قدسية المكان ومتطلبات العصر.

وشمل تسجيل المصنفات الفنية للمشروع لدى الهيئة السعودية للملكية الفكرية أربعة عناصر رئيسة هي: تصميم مبنى التوسعة الثالثة للحرم المكي، وساحات الصلاة الشمالية، ومباني المداخل الشمالية، إضافة إلى التخطيط العام والامتداد المستقبلي للتوسعة.

لمحة مختصرة عن التصميم الأساس

التصميم الابتدائي لمبنى التوسعة السعودية الثالثة (جامعة الملك سعود)

يقوم التصميم الأساس للمشروع على 3 كتل حلقية مركزها الكعبة المشرفة، تتوسطها بوابة الملك عبد الله، وتفصل بينها مسارات إشعاعية تنطلق من مركز الكعبة المشرفة، مكشوفة للسماء، مع جسور تربط الكتل في الأدوار العلوية.

وترتكز فكرة التصميم، التي أعدها فريق عمل جامعة الملك سعود برئاسة عميد كلية العمارة والتخطيط آنذاك الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن سعد المقرن، على مجموعة من المبادئ أبرزها احترام مركزية الكعبة المشرفة، وإتاحة رؤيتها من أماكن الصلاة المفتوحة، إضافة إلى إبراز محاور الحركة الرئيسة المتجهة مباشرة نحوها.

وتحقق ذلك من خلال توظيف محاور إشعاعية مستقيمة تنطلق من مركز الكعبة وتتقاطع مع حلقات دائرية حولها، مما يقسِّم المشروع إلى قطاعات دائرية تشكل الكتل البنائية الرئيسة، وتشمل المبنى الرئيس الذي يتكون من ثلاثة أجزاء تقع بين أربعة محاور إشعاعية تمثل مسارات الحركة الأساسية.

كما يتضمن التصميم الأفنية الخارجية المفتوحة الواقعة شمال وجنوب المبنى الرئيس، والمصاطب المتدرجة ومباني المرافق الخدمية الواقعة شمال هذه الأفنية، إضافة إلى الساحات الخارجية المحيطة بالمشروع من الجهات الشرقية عند ساحة المسعى ومنطقة المروة، والغربية عند ساحة باب العمرة وشارع أم القرى.

وبناءً على دراسات فريق التطوير التابع لوزارة التعليم العالي، تم اقتراح تمييز الكتلة الوسطى التي تضم بوابة الملك عبد الله، وتطوير الفراغات الداخلية المفتوحة، وتحويل المسارات الإشعاعية المكشوفة إلى مسارات مغلقة في جميع الأدوار، إضافة إلى تطوير العلاقة مع مبنى الحرم القائم من جهة الكعبة المشرفة، طبقاً لرؤية جامعة الملك سعود في تحقيق الامتداد المستقبلي للمشروع.

والتزاماً بصلب التوجيه السامي الكريم، أُعدت المخططات النهائية ونُفّذت أعمال المشروع وفقاً للتصميم الأساس والمعتمد من المقام السامي وتطويراته.

التطوير المطور لمبنى التوسعة السعودية الثالثة (فريق تطوير المشروع)

رؤية مستقبلية للتوسعات

تجاوز المقترح الأساس الذي قدمته جامعة الملك سعود والمعتمد للتوسعة الثالثة للحرم المكي الشريف نطاق هذه المرحلة، ليطرح تصوراً أوسع يمثل رؤية مستقبلية لمشروعات توسعة الحرم. فقد اقترح إعادة تكرار وحدات الفكرة التصميمية الأساسية على مراحل تبدأ بامتداد الكتل الثلاثة لمبنى التوسعة باتجاه الكعبة المشرفة، ثم تكرار هذه الكتل أربع مرات باتجاه بوابتي الملك فهد والملك عبد العزيز، مع الالتزام بالفكرة التخطيطية والتصميمية للمرحلة الأولى، القائمة على المحاور الإشعاعية للحركة والقطاعات الحلقية للمباني، التي يختلف عمقها وفقاً للوضع العمراني القائم للمباني المحيطة بالحرم.

وتجسد هذه الرؤية مرونة الفكرة التصميمية وقدرتها على استيعاب التوسعات المستقبلية عند الحاجة، بما يحقق تناغماً وتكاملاً بين مراحل توسعة الحرم المختلفة والمشروعات المجاورة له.

الجامعات السعودية تتضامن لتطوير المقترح

مسقط أفقي لفكرة الأساس لمبنى التوسعة السعودية الثالثة (جامعة الملك سعود)

وجَّهت القيادة السعودية وزير التعليم العالي بتكوين فريق مهني عالي التأهيل لتطوير المقترح الأساس للتوسعة الثالثة للمسجد الحرام، مع منحه الصلاحية للاستعانة بالخبراء المحليين والدوليين من العالم الإسلامي وخارجه عند الحاجة.

وبناءً على ذلك، شكَّل وزير التعليم العالي فريقاً مختاراً من أساتذة الجامعات السعودية، ووفَّر لهم التسهيلات الإدارية والفنية، مع تفريغهم للعمل على تطوير التصاميم والإشراف على تنفيذ التوسعة السعودية الثالثة.

وتكوَّن الفريق الفني برئاسة البروفسور صالح بن حامد السيد من جامعة الملك سعود، في حين ترأس الفريق المعماري الدكتور سمير بن محمود زهر الليالي من جامعة الدمام (جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل حالياً)، وترأس الفريق الإنشائي البروفسور يوسف بن عبد الله السلوم من جامعة الملك سعود.

كما ترأس فريق الحركة والحشود البروفسور عبد الرحيم بن حمود الزهراني من جامعة الملك عبد العزيز، وفريق الكهروميكانيكا والمرافق الصحية الدكتور إبراهيم بن عمر حبيب الله من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، بينما ترأس فريق البيئة والاستدامة الدكتور خالد بن محمد الجماز من جامعة الملك سعود، إضافة إلى فرق استشارية داعمة جرى الاستعانة بها عند الحاجة، مع توفير الدعم اللوجيستي اللازم لعملها.

وعملت هذه الفرق بتناغم كبير وروح الفريق الواحد، تحت إشراف لجنة عليا ضمت وزير التعليم العالي والرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، إلى جانب الرئيس التنفيذي للشركة المنفذة.

وكانت «الشرق الأوسط» قد نشرت، عبر حلقات عدّة في عام 2023، القصة الكاملة لتصميم التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام.