«ميكانيكيا سيارات» يستعدان لإعلان بنغازي إمارة إسلامية

قادا ألف مقاتل تابعين لـ«أنصار الشريعة» في الهجوم على معسكر الصاعقة

وسام بن حميد قائد ميليشيات دروع ليبيا في معسكر الصاعقة ببنغازي («الشرق الأوسط»)
وسام بن حميد قائد ميليشيات دروع ليبيا في معسكر الصاعقة ببنغازي («الشرق الأوسط»)
TT

«ميكانيكيا سيارات» يستعدان لإعلان بنغازي إمارة إسلامية

وسام بن حميد قائد ميليشيات دروع ليبيا في معسكر الصاعقة ببنغازي («الشرق الأوسط»)
وسام بن حميد قائد ميليشيات دروع ليبيا في معسكر الصاعقة ببنغازي («الشرق الأوسط»)

قد لا يخطر على بالك أن تتحول من مجرد ميكانيكي تعمل في ورشة لإصلاح السيارات، إلى رجل تتحكم في عشرات الملايين من الدولارات وعشرات الآلاف من البشر. هذا ما حدث مع اثنين على الأقل من أمراء الحرب في ليبيا، بمساعدة رجل ثالث كان داعية متشددا لكنه مغمور، تغيرت حياته أخيرا وأصبح يتأهب لإعلان مدينة بنغازي إمارة إسلامية، وذلك عقب الاستيلاء على معاقل رئيسة للخصم اللدود للمتشددين الإسلاميين في ليبيا، اللواء خليفة حفتر، في اليومين الماضيين.
وتختلط دوافع الخصومات الثأرية مع شعارات سياسية ودينية عامة، لدى القيادات التي تتحكم في واحد من أكبر التنظيمات المتشددة في هذه الدولة شاسعة المساحة وقليلة السكان والتي تعد من أغنى الدول الأفريقية في مجال النفط. وشارك نحو ألف مقاتل من التنظيم المعروف باسم «أنصار الشريعة» في شن هجوم منظم استمر لأكثر من أسبوعين، على معاقل لقوات حفتر، لكن الانتصار الكبير الذي حققه هذا التنظيم، وأصبح ملهما لمن يسميهم بعض السكان المحليين بـ«دواعش ليبيا» كان يتمثل في الاستيلاء على «معسكر الصاعقة» الذي تبلغ مساحته نحو عشرة كيلومترات مربعة في داخل بنغازي.

احتل تنظيم أنصار الشريعة «معسكر الصاعقة» الذي يعد نقطة ارتكاز رئيسة لقوات حفتر في المنطقة الشرقية من البلاد، بمساعدة ما يسمى بقوات «الدروع» الموالية لجماعة الإخوان المسلمين، وكتائب أخرى لإسلاميين متشددين، وذلك بعد أن وجه لها اللواء المتقاعد ضربات موجعة طوال الشهور الثلاثة الماضية. وحصلت «الشرق الأوسط» على معلومات تقول إن قوات الدروع بقيادة وسام بن حميد، وكتيبة أخرى يقودها شاب يدعى بوكا العريبي، جهزتا معدات ضخمة وأسلحة متطورة جرى نقلها من مدينة سرت إلى الضواحي الغربية من مدينة بنغازي خلال الأسابيع الماضية. ومن بين ما جرى نقله أيضا إلى هناك صواريخ غراد ومدافع الهاوزر، بهدف إسكات الهجمات التي كانت تقوم بها قوات حفتر انطلاقا من «معسكر الصاعقة».
ويوضح ناصر محمد، أحد جيران وسام بن حميد، ولديه معرفة سابقة ببوكا العريبي أيضا، أن بن حميد في العقد الرابع من العمر وهو أصلا من مدينة مصراتة وكان يعمل في ورشة لإصلاح السيارات في مدينة بنغازي قبل ثورة 17 فبراير (شباط) 2011 ضد حكم معمر القذافي. ويضيف أن «الورشة كانت تقع في منطقة الكويفي في بنغازي.. أما العريبي فكان يعمل في مجال تغيير زيوت السيارات بالمنطقة نفسها»، مشيرا إلى أن «كلمة بوكا يقصد بها الحفرة التي تقف فوقها السيارة أثناء تغيير الزيت»، وأنه لهذا السبب كان الرجل يلقب بهذا اللقب منذ ما قبل ثورة فبراير.
ووفقا للمعلومات فإنه حين بدأت أحداث فبراير ضد القذافي التحق بن حميد بالثورة، وقاتل في الصفوف الأولى وأظهر قدرة على العمل كقائد ميداني في المعارك التي خاضها الثوار ضد النظام السابق. وتحول سريعا إلى قائد متحمس وإلى «فارس»، لكنه مثله مثل بوكا العريبي، لم يكن قد شكل كتائب وميليشيات ذات شأن إلا بعد مقتل القذافي بعدة أشهر. وشارك الاثنان خلال أعوام 2012 و2013 وخلال هذه السنة أيضا، في تأمين مقار حكومية ورسمية وشن هجمات على خصوم الحكام الإسلاميين، في عدة مناطق أشهرها مدن بني وليد شرق طرابلس وسبها في الجنوب.
ولم يكن لهذين الرجلين، بن حميد والعريبي، علاقة وثيقة بقائد تنظيم «أنصار الشريعة» في بنغازي، المدعو محمد الزهاوي، إلا بعد أن تراجعت شعبية الإسلاميين في الشهور الماضية، وشعور الجهاديين والإخوان المسلمين بخطر حفتر في الشرق والكتائب العسكرية الموالية للدولة المدنية في منطقة غرب طرابلس، ومناطق أخرى. ويقول حسين عثمان، الضابط السابق في الجيش الليبي، إن الإسلاميين أصبحوا في الوقت الحالي جبهة واحدة، ولهذا تمكنوا من دخول معسكر الصاعقة في بنغازي، وبدأوا في الوقت الحالي يسعون لإعلان بنغازي إمارة إسلامية، بعد أن أصبحت مدينة درنة، المقر الرئيس لتنظيم «أنصار الشريعة» إمارة إسلامية منذ عدة أشهر. وتقع درنة إلى الشرق من بنغازي بنحو 300 كيلومتر، وتوجد مخاوف من أن يتجه التنظيم إلى دخول المدن التي تفصل بين بنغازي ودرنة.
ويضيف الضابط عثمان قائلا بعد أن لجأ إلى مدينة إمساعد القريبة من الحدود المصرية هربا من مقاتلي أنصار الشريعة: «أنا أتعجب من الصمت الدولي تجاه التطورات في ليبيا. لا أعرف لماذا هذا الصمت. أعتقد أن حفتر كان يأمل في الدعم الدولي حين دخل في المواجهة مع المتشددين. حتى أميركا قالت: إن القرار الدولي الخاص بحماية المدنيين انتهى العمل به، وليس لدينا ما يمكن أن نقوم به. كما أن حفتر كان معتمدا على دعم الشعب ودعم الجيران. مصر والجزائر ودعم غربي.. حفتر كان يأمل في هذا، وكان يأمل في وقوف الشعب معه على نطاق واسع، مثلما فعل المصريون مع الجيش في ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013 ضد حكم جماعة الإخوان بمصر، لكن يبدو أن حساباته كانت خطأ، لأن الإسلاميين معهم قوة إقليمية أكثر فاعلية مما معه».
ومن مدينة درنة يقول علي بوالدوير، وهو مسؤول محلي سابق، ويقيم حاليا في مدينة طبرق قرب حدود ليبيا مع مصر: «أنا شاهدت العرض الذي قام به أنصار الشريعة في درنة، وهو مطابق لعرض سابق قامت به داعش على حدود سوريا والعراق. وكان عرض درنة فيه أرتال بأعداد مخيفة من سيارات الدفع الرباعي والمدرعات. نفس العرض ونفس القوة التي ظهر بها تنظيم داعش في سوريا والعراق. هم الآن في أيديهم الأموال التي كان يخصصها لهم المؤتمر الوطني المنتهية ولايته. كل شهر يخصص لهم أموالا ضخمة.. بملايين الدولارات، بالإضافة إلى دعم من بعض الدول الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بنقل سلاح ثقيل لأنصار الشريعة في بنغازي. هذه الإمدادات وصلت لأنصار الشريعة بعد أن جرى إنزال هذه الشحنات في مطار سرت، ثم جرى نقلها بالطريق البري من سرت إلى بنغازي».
ويقول محمد سالم الأمين، وهو أحد أقارب قائد درع ليبيا، إن وسام بن حميد «كان لديه ثأر شخصي مع جماعة الصاعقة وجماعة أخرى في بنغازي، وذلك حين قام أبناء بنغازي منذ نحو سنة ونصف السنة، خاصة قبيلة البراغثة، أصحاب المنطقة التي كان يوجد فيها معسكر درع ليبيا، التابع لبن حميد، بمحاولة إخلاء المعسكر من قوات الدروع بالقوة. وجرى ذلك عقب الهجوم الذي شنه إسلاميون متشددون على مقر القنصلية الأميركية في بنغازي في سبتمبر (أيلول) عام 2012. ويضيف الأمين أن هذا المعسكر كان يوجد في منطقة الكويفي في بنغازي، وأن الكثيرين من رجال قبيلة البراغثة، مثل باقي أبناء بنغازي، كانوا يرون أن الثورة انتهت وأنه لم يعد هناك أي داع لوجود الدروع والتشكيلات المسلحة واحتلال المعسكرات والمنشآت العامة في المدينة.. «لكن بن حميد تمكن من الفرار من المعسكر، عند هجوم شباب بنغازي عليه في ذلك الوقت.. وبعد ذلك توجه متظاهرون غاضبون إلى بيت له موجود في المدينة وقاموا بحرقه».
ووفقا لرواية الأمين لم يتمكن المتظاهرون من الإمساك ببن حميد في ذلك الوقت. ويقول إنه في اليوم التالي من حرق منزله بعث بن حميد برسالة إلى رجل يدعى عز الدين الوكواك، بعد أن حمله مسؤولية الهجوم على المعسكر الذي كانت تقيم فيه ميليشياته (الدروع) والتحريض على حرق بيته. ويضيف الأمين أن «الوكواك معروف أنه من أعيان مدينة بنغازي، ولديه كتيبة أيضا، ويقف في الصف المعارض لهيمنة الإسلاميين على حكم البلاد. ورغم مرور أكثر من 18 شهرا على تلك الحادثة، فإن بن حميد يبدو أنه لم ينس ما تعرض له بيته وقواته في بنغازي».
ويضيف الأمين أن بن حميد قام منذ ذلك الوقت بالتحالف مع الشيخ الزهاوي قائد أنصار الشريعة في بنغازي وقام أيضا بدعمه دعما كبيرا، وواسعا، وحين بدأت عملية الكرامة بقيادة حفتر ضد الإسلاميين وأنصار الشريعة والدروع، شارك بن حميد في ترتيب أوضاع الإسلاميين في بنغازي وتأهيل العناصر للهجوم على المدينة وفي القلب منها معسكر الصاعقة. ودخل بن حميد المعسكر بالفعل مع الزهاوي، والتقطا صورا تذكارية فيه، وقال بن حميد إنه يقود الثوار لحماية ثورة 17 فبراير من حفتر الذي يريد أن يستولي عليها منهم، بينما تعهد الزهاوي بالعمل على تطبيق الشريعة في بنغازي وباقي البلاد. كما تتهم أنصار الشريعة ومن معها من ميليشيات وسائل الإعلام بمحاولة تشويه ما يقومون به من «حماية لليبيا من الاختطاف على أيدي العلمانيين وأنصار القذافي».
وتقول المعلومات إن هناك قادة كتائب أخرى شاركت في دعم أنصار الشريعة في محاولاتها لإتمام بسط السيطرة على بنغازي، وهي عملية ما زالت جارية حتى الآن، ومن المتوقع أن تمتد خلال اليومين القادمين إلى مطار بنغازي الدولي المعروف باسم «مطار بنينة». فبالإضافة إلى بن حميد والعريبي والزهاوي، هناك رجل يدعى بلعم لديه كتيبة أيضا، إلى جانب ميليشيا وكتائب أخرى مثل «17 فبراير» و«رأف الله السحاتي». وغالبية عناصر أنصار الشريعة ومن يناصرهم في الوقت الراهن من الشباب صغير السن. وحاول «بلعم» الدخول في حوار لوقف نزيف الدم بين الإسلاميين وخصومهم، لكن تصميمه على استبعاد حفتر من أي حوار، باعتبار أنه «رجل طاغية»، عرقل محاولات الحوار هذه.
وفي مقابلة مع موظف في الحكومة الليبية، يقول إن قادة الكتائب والميليشيات، أصبحوا مليونيرات.. «صاحب كل كتيبة يتقاضى عنها أموالا من المؤتمر الوطني (البرلمان المنتهية ولايته)، والكتيبة التي عددها ثلاثة آلاف تسجل كأنها خمسة عشر ألفا، ويتقاضى كل شهر أموالا عن تلك الأسماء الوهمية. ويبلغ راتب العنصر الواحد سواء في كتائب أنصار الشريعة أو الدروع أو غيرها من الكتائب الأخرى، من ألف وخمسمائة دينار حتى ثلاثة آلاف دينار. ويدخل جيبه كل شهر ملايين الدينارات من الهواء، بسبب تلك الأسماء الوهمية، وهم لا يمكن أن يتنازلوا عن تلك الملايين.. زيادة حدة القتال من جانب قادة الميليشيات والكتائب هدفها الحفاظ على ما يتقاضونه من رواتب، ولهذا يريدون تعطيل عمل البرلمان الجديد الذي جرى انتخابه أخيرا، وغالبية نوابه يعارضون هؤلاء الإسلاميين».
ويتابع قائلا إنه «حين بدأت عملية الكرامة زاد من كان راتبه ألف دينار في الشهر من عناصر تلك الكتائب والميليشيات، إلى ألفين.. ومن كان ألفا وخمسمائة أصبح ثلاثة آلاف. ومنذ انتهاء حكم القذافي أصبحت هذه المخصصات المالية للكتائب والميليشيات قانونا وعرفا معمولا به، وكل كتيبة أو ميليشيا لها ميزانيتها الخاصة التي لا توجد عليها أن نوع من أنواع المراجعة أو عما إذا كان عدد الملتحقين بها حقيقيا أم لا». وكانت تلك الكتائب تستخدم في حفظ الأمن والمؤسسات والحدود، بما فيها كتيبة أنصار الشريعة التي صنفتها الولايات المتحدة أخيرا كتنظيم إرهابي. وبرفض أمراء الحرب وجود جيش نظامي وشرطة قويين.
ويتركز تواجد «أنصار الشريعة» في بنغازي بقيادة الزهاوي، وفي درنة بقيادة رجل يدعى سفيان جومة، لكن درنة تعد بمثابة النواة، بعد أن أصبحت إمارة إسلامية على يد جومة، وهو سجين سابق في غوانتانامو، و«يجري حاليا فيها تطبيق ما يعدونه الشريعة الإسلامية من قطع رؤوس الخصوم وقطع أيدي السراق والجلد والرجم والشنق على أعمدة الشوارع وغيرها. ومن الصعب إمساك رجال الجيش لعناصر من أنصار الشريعة حتى لو جرى هدم بيت من بيوتهم فإن الجيش لا يجد داخله العنصر المطلوب، كما حدث في الشهور الأخيرة في بنغازي.. يختفون فجأة ويظهرون فجأة».
ويسيطر «أنصار الشريعة» في بنغازي منذ وقت طويل على الجانب الغربي من المدينة، وهو جانب تكثر فيه المسارات والطرق والموانئ التي تصل بين بنغازي ومصراتة التي تهيمن عليها جماعة الإخوان.. «حيث تقوم جماعة الإخوان والدروع بتموين وتغذية مقاتلي أنصار الشريعة بالمقاتلين والسلاح».. وينتمي غالبية «أنصار الشرعية» في بنغازي لمنطقة الليثي، ويتعرض المنتسبون الجدد لها من الشباب لغسل مخ من خلال تخصيص دعاة في الكثير من مساجد المدينة لهذا الغرض، و«كل من يدخل للصلاة بشكل عادي، يستقطبه الداعية ويبدأ في العمل على ضمه لأنصار الشريعة من خلال راتب شهري وحين يوافق تجري عملية تدريبه وتسليحه وتخصيص سيارة وأسلحة له وللمجموعة التي معه».
ويقول أحد المسؤولين الأمنيين إن عملية تجنيد الشباب كانت قد بدأت حين كان عمل «أنصار الشريعة» يقتصر في بنغازي على العمل الخيري وخدمة المجتمع وحفظ الأمن بتعليمات من المؤتمر الوطني وجماعة الإخوان التي كانت قد بدأت تهيمن على الحكم في طرابلس الغرب عقب مقتل القذافي.. وكان الآباء يحثون أولادهم على الالتحاق بـ«أنصار الشريعة» في المساجد، على أمل إصلاح أحوالهم بدلا من البطالة والتسكع في الطرقات، خاصة بعد أن بدأ يظهر على المنتسبين لها «النعمة والاستقرار المادي ومحبة المجتمع المحلي لهم، إلى أن بدأت الأمور تتغير مع كشف أنصار الشريعة عن وجهها وطموحاتها السياسية في الحكم والسلطة بطريقتها الخاصة بقيادة عدد من المتشددين».
وقام أحد أهالي بنغازي، من عائلة تسمى «عائلة النص»، بتفجير مسجد «الليثي القديم» في المدينة بعد أن علم أن «أنصار الشريعة» استخدمت هذا المسجد في غسل مخ وتجنيد شقيقه وإرساله إلى سوريا ومقتله هناك. «توجه الرجل إلى المسجد وألقى فيه قنبلة يدوية».
ويقع معسكر الصاعقة الذي دخلته عناصر «أنصار الشريعة» بمساعدة ميليشيات «الدروع»، قرب منطقة بوعطني الفقيرة في بنغازي. ويقول ميهوب النافع وهو ضابط في الشرطة الليبية في مدينة طبرق الهادئة في أقصى الشرق الليبي، إنه كان يعمل حتى السنة الماضية في شرطة بنغازي، وإن أهالي المدينة كانوا يرون أن معسكر الصاعقة يعد حجر الزاوية في التصدي للإسلاميين، وكانوا يقولون: إن الصاعقة ستفعل كذا وستتصدى لهم في المكان الفلاني، وكانت الأمور بالنسبة لأهالي بنغازي تتلخص في أن سقوط معسكر الصاعقة في أيدي أنصار الشريعة ضرب من المستحيل.
وحين هجم أنصار الشرعية على المعسكر أصبح بالإمكان أن ترى جثث جنود وضباط الصاعقة ملقاة داخل أسواره.. ويقدر عدد من قتلوا فيه ما بين 60 و70 جنديا وضابطا، إلا أن القيادات العسكرية التي تعمل مع حفتر أشاعت أخبارا قللت فيها من حجم تلك الخسائر، لكن الضابط ميهوب النافع مثله مثل كثير من الليبيين المصدومين، يعتقدون أن «مثل هذه الأقاويل التي يرددها أنصار حفتر محاولة منهم لرفع معنويات الجنود والأهالي في مدينة بنغازي وما حولها».
ويضيف الناقع: «أولا حفتر لم يكن مسيطرا على بنغازي بالكامل حتى نقول إن السيطرة ضاعت منه. كان هدفه إخراج أنصار الشريعة من داخل بنغازي، لكن هذا الهدف لم يتحقق بعد. وبالأمس تقهقرت قوات الصاعقة حتى منطقة الأبيار، نحو خمسين كيلومترا إلى الجنوب الشرقي من بنغازي. من المتوقع أن يتمكن أنصار الشريعة من القبض على حفتر، وإذا ألقوا القبض عليه فإنهم سيقومون بإعدامه بطريقة أكثر بشاعة من الطريقة التي جرى بها قتل القذافي».
وعلى الجانب الآخر أثار سقوط المعسكر الذعر في أوساط المنتسبين للصاعقة والذين يقدر عددهم بالآلاف، سواء في بنغازي أو في بعض المناطق الأخرى. والسبب وراء هذا الذعر، كما يقول أحد ضباط الجيش السابقين، من قبيلة البراعصة، أن أنصار الشريعة وميليشيات الدروع وغيرهم من المقاتلين الإسلاميين حصلوا على قوائم بأسماء المنتسبين للصاعقة. لكنه يضيف أن هذا تحصيل حاصل، لأن «أنصار الشريعة» يمتلكون منذ أشهر «منظومة تقنية» يقومون من خلالها بعمليات التنصت على الهواتف وجمع المعلومات، ويحتفظون في حواسبهم الإلكترونية بقوائم لأسماء المنتسبين لجيش حفتر والصاعقة الموالية له، ويرابطون بها على الطرقات لتوقيف من يظهر اسمه في الحاسوب، ومن ثم إعدامه.
ويتابع قائلا إنه في الفترة الأخيرة، قام أنصار الشريعة في بنغازي وفي درنة، بإعدام الكثير من المنتسبين للجيش وفقا لما لديهم من معلومات.. «وفي الأيام الماضية أوقفوا صديقي وهو جندي في الشرطة في بوابة الليثي، وقاموا بإعدامه. وإذا لم يجدوا اسمك في قوائم الجنود فإنهم يطلبون منك رفع بنطالك لأعلى حتى يروا إذا ما كانت هناك علامات على الجلد من ارتداء الجوارب الخشنة ذات الحزام المطاطي الخاصة برجال الشرطة والجيش. فإذا وجدوا علامة للحزام المطاطي ينزلونك من السيارة ويقومون بقطع رأسك دون تحقيق أو محاكمة.
ويضيف الضابط البرعصي: أحيانا يسألونك في بوابات أنصار الشريعة أسئلة مباشرة عن تعريفك العسكري، حتى لو لم تكن عسكريا، لأن مثل هذا السؤال سيفاجئك إذا كنت عسكريا، وستخرج بطاقة الهوية العسكرية بشكل لا إرادي، وهنا يتم ذبحك أيضا دون تفاهم. وأحيانا تعطي بوابة أنصار الشريعة أوامر للراكبين في سيارة من السيارات التي تضطر للمرور على بواباتهم.. أوامر من تلك التي لا يفهمها إلا العسكريون، فإذا استجاب أحد الركاب لمثل هذه الأوامر يدركون أنه عسكري، ويقومون بإعدامه.. وفي إحدى المرات، في بداية شهر رمضان، قتلوا أحد الجنود ثم فتشوا هاتفه المحمول، فوجدوا رقم أحد زملائه المطلوبين لأنصار الشريعة، وقاموا بمهاتفته وقالوا له إن صاحب الهاتف وقعت له حادثة وعليك أن تأتي له في المكان الفلاني وحين وصل قاموا بقتله على الفور وألقوا جثته بجوار جثة زميله.
ويقول هذا الضابط إن «أنصار الشريعة» لديها أحكام جاهزة منذ بداية «عملية الكرامة» بإعدام كل المنتسبين للصاعقة، و«جرى إعدام بعض المنتسبين بطريقة مستحدثة لم تقم بها حتى حركة داعش في العراق وسوريا، وتجري هذه العملية بواسطة إطلاق طلقة عيار 14.5 المضاد للطائرات المنخفضة، على رأس الجندي أو الضابط، فتزيله ولا يتبقى منه غير باقي الجثة». ويضيف: «جاءوا بجندي وقاموا بتكتيفه من يديه وقدميه، وكان المدفع محمولا على سيارة دفع رباعي، وصوبوا فوهة المدفع على رأس الجندي، وفجروه حتى لم يتبق منه إلا جزء صغير من بقايا العنق فوق كتفيه».
ويروي الضابط البرعصي تفاصيل أخرى عن طرق إعدام عناصر أنصار الشريعة لرجال الجيش والشرطة، لبث الرعب في القلوب لمنع الشباب من الالتحاق بقوات الجيش والشرطة وقوات حفتر. ويقول الضابط: نحروا عنق جندي بمنشار يعمل بالكهرباء خاص بقطع الأشجار.. ولديهم سيافون متخصصون في هذا الأمر.
وطوال الشهور الثلاثة الماضية أصبح سكان بنغازي يعثرون على جثث من دون رؤوس.. ويقول الضابط نفسه: «في كل يوم في بنغازي يمكن العثور على ما بين خمس جثث إلى سبع على الأقل، من دون رأس. ويوجد مكان اسمه الصفصفة جنوب المدينة، وأي ضحية ممن يجري قتله وقطع رأسه يقوم أنصار الشريعة بإلقاء جثته دون رأس في تلك المنطقة، وهي منطقة معروفة بأنها مكب عمومي للقمامة، ويذهب الأهالي للبحث عن جثث أبنائهم المختفين في تلك المنطقة. وكل يوم جثث جديدة دون رؤوس. هذه تفوق سلوكيات داعش».
ووفقا لروايات مسجلة حصلت عليها «الشرق الأوسط» من ضباط جيش ورجال أمن ليبيين، أصبح لدى «أنصار الشريعة» صواريخ مضادة للطائرات، وقاذفات كثيفة النيران يطلقون عليها «بي كي تي»، و«جاءهم دعم ضخم آخر من الأسلحة الحديثة، أضف إلى ذلك أنهم تدربوا تدريبات مستمرة منذ انتهاء أحداث الثورة ضد القذافي. كما أن عناصر أنصار الشريعة يبدو عليهم أنهم محترفون في القتال كأنهم ضباط جيش ولديهم تجهيزات تقنية كبيرة. كما أنهم يتقدمون في القتال ولا يتراجعون حتى لو تكبدوا خسائر كبيرة في الأرواح».



الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين باغتيال مسؤول تنموي بارز

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين باغتيال مسؤول تنموي بارز

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

اتهمت الحكومة اليمنية الجماعةَ الحوثية بالوقوف وراء اغتيال أحد أبرز المسؤولين التنمويين في البلاد، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً نظراً لمكانة الضحية ودوره في إدارة واحد من أهم البرامج التنموية التي عملت لعقود على دعم المجتمعات المحلية، والتخفيف من آثار الأزمات الإنسانية.

وجاءت هذه الاتهامات خلال مباحثات أجراها وزير الداخلية اليمني، اللواء الركن إبراهيم حيدان، مع سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، حيث استعرض الوزير مستجدات التحقيقات المتعلقة باغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قائد، والإجراءات التي نفَّذتها الأجهزة الأمنية منذ وقوع الحادثة. وفق ما ذكره الإعلام الرسمي.

وأكد الوزير اليمني أنَّ التحقيقات أسفرت عن ضبط عدد من المشتبه بهم، مشيراً إلى وجود أدلة قالت السلطات إنَّها تثبت تورُّط الحوثيين في التخطيط والتنفيذ للجريمة، في تطوُّر يضيف بُعداً جديداً إلى الاتهامات المتبادلة بين الحكومة والجماعة بشأن استهداف الكوادر المدنية والعاملين في المجالات الإنسانية والتنموية.

وبحسب وزارة الداخلية اليمنية، فإنَّ مسار التحقيقات قاد إلى نتائج وصفتها بالحاسمة، دفعتها إلى تحميل الحوثيين المسؤولية عن عملية الاغتيال التي استهدفت المسؤول التنموي البارز الذي كان يقود مؤسسةً لعبت دوراً محورياً في تنفيذ مشروعات تنموية وخدمية في مختلف المحافظات اليمنية.

وزير الداخلية اليمني إبراهيم حيدان (إعلام حكومي)

وأبلغ الوزير السفير الأوروبي أنَّ الأجهزة الأمنية تواصل استكمال إجراءات التحقيق وجمع الأدلة وملاحقة المتورطين، مؤكداً أنَّ الجريمة لا يمكن فصلها عن المناخ الأمني المُعقَّد الذي تعيشه البلاد منذ سنوات.

كما ربط حيدان بين هذه القضية، واستمرار الجماعة الحوثية في احتجاز عدد من موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الدولية، عادّاً أنَّ تلك الممارسات تعكس نهجاً متصاعداً في التضييق على العمل الإنساني والتنموي.

وتنظر الأوساط الحكومية إلى الحادثة بوصفها ضربةً موجعةً للجهود التنموية في اليمن، لا سيما أنَّ الصندوق الاجتماعي للتنمية يُعدُّ من أهم المؤسسات التي حافظت على نشاطها خلال سنوات الحرب، وأسهمت في توفير فرص العمل وتحسين الخدمات الأساسية في المناطق الأكثر احتياجاً.

تعاون أمني مع أوروبا

جاء ملف الاغتيال ضمن مباحثات أوسع تناولت التعاون الأمني بين اليمن والاتحاد الأوروبي، حيث أشاد وزير الداخلية بالدعم الذي يُقدِّمه الاتحاد الأوروبي للحكومة اليمنية، وبرامج بناء قدرات الأجهزة الأمنية.

وأكد حيدان تطلع وزارته إلى توسيع مجالات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في ملفات مكافحة الهجرة غير الشرعية والتحديات الأمنية العابرة للحدود، مشدداً على أهمية التنسيق المشترك لحماية المصالح المتبادلة وتعزيز الاستقرار.

من جانبه، جدَّد سفير الاتحاد الأوروبي دعم الاتحاد لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة باليمن، مؤكداً استمرار التعاون مع وزارة الداخلية في مختلف المجالات الأمنية بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار. بحسب ما نقله الإعلام الرسمي.

ويأتي هذا الدعم في وقت تسعى فيه الحكومة إلى حشد مزيد من المساندة الدولية لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية المتفاقمة، وسط استمرار الصراع وتراجع مستويات التمويل الدولي للبرامج الإغاثية والتنموية.

انتهاكات واسعة بحق الأطفال

بالتزامن مع الاتهامات الحكومية بشأن عملية الاغتيال، أصدرت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات تقريراً جديداً وثَّقت فيه ما قالت إنها «انتهاكات واسعة» ارتكبتها الجماعة الحوثية بحق الأطفال منذ بداية عام 2015 وحتى نهاية مارس (آذار) 2026.

ووفق التقرير، بلغ عدد الانتهاكات الموثقة نحو 29 ألفاً و891 حالة، شملت القتل، والإصابة، والاختطاف، والإخفاء القسري، والتعذيب، والاعتداءات الجنسية، والتجنيد القسري للأطفال.

وأشار التقرير الحقوقي إلى مقتل أكثر من 5 آلاف طفل وإصابة آلاف آخرين، فضلاً عن تهجير عشرات الآلاف وتشريدهم، بينما حُرم ملايين الأطفال من التعليم؛ نتيجة تداعيات الحرب وتحويل عدد من المدارس إلى مواقع عسكرية أو مراكز للتعبئة والتجنيد.

كما تحدَّث التقرير عن استمرار الحوثيين في تجنيد الأطفال وإشراكهم في العمليات القتالية، مؤكداً أنَّ هذه الممارسات تمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل، وداعياً المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات أكثر فاعلية لحماية الأطفال ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات.


السيولة المفقودة تربك الاقتصاد اليمني وتعمّق أزماته

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
TT

السيولة المفقودة تربك الاقتصاد اليمني وتعمّق أزماته

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)

بينما يُنظر إلى أزمة السيولة التي تواجه الحكومة اليمنية على أنها نقص في الأوراق النقدية، يرى خبراء اقتصاديون أن المستجد الأبرز يتمثل في اتساع الفجوة بين البنوك والسوق، مع استمرار تركز جزء كبير من السيولة خارج القنوات المصرفية الرسمية؛ الأمر الذي حدّ من فاعلية السياسات النقدية وأبقى الأزمة قائمة رغم الإجراءات الأخيرة للبنك المركزي.

وفي حين لم يعلن البنك المركزي اليمني، بشكل مباشر، عن قرارات لمعالجة الأزمة التي تواجه القطاع المصرفي وتلقي بآثار ثقيلة على الاقتصاد والسكان، فإن الإجراءات المتخذة من طرفه خلال الفترة الماضية، غير قادرة على إنهاء معاناة البنوك اليمنية في الحصول على الأوراق النقدية الكافية لإنجاز المعاملات اليومية.

ويرى الخبير الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي أن توصيف الأزمة بأنها نقص في النقد ليس دقيقاً بالكامل، موضحاً أن الأوراق النقدية لا تزال متوافرة في الأسواق ويتم تداولها خارج الجهاز المصرفي، في حين تكمن المشكلة الأساسية في عجز البنوك عن استقطاب هذه الأموال وإعادتها إلى الدورة المالية الرسمية.

ويوضح الآنسي لـ«الشرق الأوسط» أن القيود التنظيمية وآليات العمل التقليدية التي ما زالت تحكم القطاع المصرفي تقلص جاذبية البنوك وتجعلها أقل قدرة على المنافسة مقارنة بشركات الصرافة.

تتصاعد المخاوف اليمنية من تأثيرات أزمات المنطقة على مستويات المعيشة (رويترز)

وتفرض البنوك حدوداً منخفضة على التحويلات وساعات عمل محدودة، في حين توفر شركات الصرافة خدمات أكثر مرونة وسرعة؛ الأمر الذي دفع شريحة واسعة من الأفراد والتجار إلى الابتعاد عن التعامل المصرفي التقليدي، وفقاً للآنسي.

وشهد الناتج المحلي الإجمالي في اليمن انكماشاً حاداً ومستمراً خلال العقد الممتد من 2015 إلى 2025 (عقد الانقلاب الحوثي والحرب)، بانكماش وصل إلى نحو 43 في المائة، ووصل إجمالي الخسائر التراكمية للاقتصاد اليمني إلى أكثر من 126 مليار دولار، كما تنقل بيانات البنك الدولي ووزارة التخطيط والتعاون الدولي اليمنية.

أزمة بنيوية

خلال الأسابيع الماضية، أجرى البنك المركزي اليمني اجتماعات مكثفة مع البنوك المحلية وبرنامج الغذاء العالمي، وسط مخاوف من تأثيرات عميقة للنزاعات في المنطقة على الأمن الغذائي في البلاد، وعدم القدرة على توفير السلع الأساسية للسكان.

ويرى عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن المشكلة تتجاوز الأدوات الفنية للبنك المركزي إلى بنية مؤسسية أكثر تعقيداً؛ إذ تفتقر السلطات النقدية إلى أدوات مالية جاذبة يمكن أن تستقطب السيولة المكتنزة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي ذات العوائد المناسبة، فضلاً عن تأثير الانقسام النقدي والمؤسسي الذي فرضته الحرب وأدى إلى تشظي المنظومة المالية وإضعاف مركزية القرار النقدي.

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» استبعد المساجدي وجود تأثير مباشر لممارسات الجماعة الحوثية في هذه الأزمة التي تواجهها مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، إلا أنه نبّه إلى وقوع تأثير بنيوي لإقدام الجماعة على خلق اقتصاد موازٍ يعتمد على التعاملات غير المصرفية ويعيد إنتاج سلوكيات مالية مضطربة، ودفع السياسة النقدية إلى العمل في بيئة غير مكتملة السيطرة.

وتتهم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، الحوثيين بضرب واستهداف الاقتصاد اليمني وموارد الدولة، والاعتداء على موانئ تصدير النفط والتهديد وإيقاف حركة تصدير الوقود والغاز؛ ما أدى إلى حرمان السكان من أهم مصادر الإيرادات والمرتبات والخدمات الأساسية.

من جانبه، يربط الخبير الاقتصادي اليمني عبد السلام الأثوري أزمة السيولة بحالة تفكك أوسع طالت مؤسسات الدولة وآليات إدارة الموارد العامة. ويشير إلى أن جزءاً من الأموال المتداولة يتسرب خارج الدورة الاقتصادية الرسمية عبر قنوات غير مصرفية، في حين تتجه مبالغ أخرى نحو المضاربة بالعملات الأجنبية أو التحويل إلى الخارج؛ الأمر الذي يفاقم اختلالات السوق النقدية.

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بتدمير الاقتصاد واستهداف المنشآت الاقتصادية منذ بدء الحرب (أ.ب)

وطبقاً لما قاله الأثوري لـ«الشرق الأوسط»، فإن تراجع دور المؤسسات المالية الرسمية أدى إلى توسع الاقتصاد الموازي، حيث أصبحت شركات الصرافة تستحوذ على جزء كبير من السيولة وتوجهها نحو المضاربة والتحويلات الخارجية، كما عمّق الانقسام السياسي والنقدي تشظي المنظومة المالية؛ ما عطل الدورة النقدية وأحدث اختناقاً في السيولة، رغم وجود أموال كبيرة خارج الجهاز المصرفي.

إجراءات غير مجدية

على الرغم من الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي اليمني خلال الأشهر الماضية، بما في ذلك رفع أسعار الفائدة على الودائع، وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، وتنظيم عمليات الاستيراد، فإن المراقبين يرون أن تأثير هذه الإجراءات لا يزال محدوداً ما لم تترافق مع إصلاحات أعمق تعيد الثقة بالقطاع المصرفي وتنشط الدورة النقدية.

ويؤكد الآنسي أن رفع أسعار الفائدة قد لا يحقق النتائج المرجوة؛ لأن البنك المركزي لا يسيطر فعلياً إلا على جزء محدود من الكتلة النقدية، بينما تبقى النسبة الأكبر خارج النظام المصرفي، كما يدعو إلى مراجعة بعض السياسات المتعلقة بتمويل الواردات لتخفيف الضغط على السيولة المحلية.

وطالب بتعديل القرار الملزم للمستوردين بتوريد 100 في المائة من قيمة الاعتمادات بالعملة المحلية لتخفيف الضغط عليها، منوهاً إلى أن البنك المركزي لا يستطيع إلزام البنوك بتجاوز ما يُعرف بمركز العملة؛ لأن البنوك لا تملك حق تغيير أموال المودعين من عملة إلى أخرى إلا بطلبهم.

على الرغم من تحسن سعر الريال اليمني فإنه يعاني ضعف القدرة الشرائية (أ.ب)

ويسعى البنك المركزي إلى إلزام بعض البنوك بتوفير العملات الأجنبية، وضخها في الأسواق لتغطية العجز عن دفع الرواتب.

من جهته، يدعو الأثوري إلى إصلاح الرواتب من خلال تدقيق القوائم الوظيفية وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر، وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، ودمج جزء منها بالنظام المصرفي، والتحول للدفع الرقمي من خلال توسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد، ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة.

ومع استمرار اختناق السيولة رغم وجود كتل نقدية كبيرة خارج الجهاز المصرفي، تبدو الأزمة أقرب إلى أزمة توزيع وثقة وإدارة مالية منها إلى نقص فعلي في الأموال؛ وهو ما يجعل معالجتها مرهونة بإصلاحات مؤسسية أوسع تتجاوز الأدوات النقدية التقليدية.


«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
TT

«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)

فرضت الجماعة الحوثية أعباء مالية جديدة على السكان والتجار في مناطق سيطرتها، تحت مبررات مرتبطة بالتحضير لإحياء ما تسميها «ذكرى يوم الولاية»، في وقت تعيش فيه غالبية الأسر اليمنية أوضاعاً معيشية صعبة نتيجة الانهيار الاقتصادي المستمر وتداعيات الحرب الممتدة منذ سنوات.

وأكدت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة صعّدت خلال الأيام الماضية حملات التحصيل المالي في العاصمة المختطفة صنعاء وعدد من المناطق الخاضعة لسيطرتها، مستهدفةً التجار وأصحاب الشركات والمنشآت الاقتصادية، إلى جانب إلزام مؤسسات حكومية بالمساهمة في تمويل الأنشطة والفعاليات المرتبطة بالمناسبة ذات الطابع العقائدي.

وحسب المصادر، تُنفذ هذه الحملات عبر ضغوط مباشرة وغير مباشرة، تتراوح بين التهديد بفرض عقوبات إدارية أو مالية وبين التعرض لمضايقات متكررة من المشرفين الحوثيين، مما يدفع كثيرين إلى الامتثال خشية التعرض لإجراءات تعسفية قد تؤثر في أعمالهم أو مصادر دخلهم.

وأفاد شهود بانتشار فرق ميدانية تابعة للجماعة في عدد من الشوارع والأسواق والأحياء السكنية في صنعاء وضواحيها، حيث تتولى جمع ما تصفها الجماعة بـ«المساهمات» أو «التبرعات» لدعم فعاليات «يوم الولاية»، بينما يؤكد السكان أن تلك الأموال تُفرض عليهم بصورة إلزامية.

وتحدث تجار وسكان عن فرض مبالغ مالية متفاوتة حسب حجم النشاط التجاري أو طبيعة الجهة المستهدفة، فضلاً عن إلزام بعض أصحاب المحال التجارية بالمشاركة في الفعاليات والأنشطة التعبوية المصاحبة للمناسبة، بما في ذلك تعليق الشعارات واللافتات وتقديم دعم لوجستي أو مالي للحشود المنظمة.

ويرى مراقبون أن هذه الممارسات أصبحت جزءاً من سياسة متكررة تعتمدها الجماعة لتمويل أنشطتها العقائدية والإعلامية، مستفيدةً من ضعف الرقابة وغياب المؤسسات الرسمية القادرة على حماية القطاع الخاص أو الحد من عمليات الجباية التي تتكرر مع كل مناسبة دينية أو سياسية تتبناها الجماعة.

ويشير هؤلاء إلى أن المناسبات الحوثية تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى مواسم موسمية لفرض الإتاوات واستنزاف ما تبقى من السيولة المالية لدى المواطنين والتجار، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي وانكماش الأسواق وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

ازدياد الأعباء المعيشية

أعرب عدد من التجار اليمنيين عن استيائهم من تكرار فرض المساهمات المالية عليهم لمصلحة قادة الجماعة الحوثية، مؤكدين أن قدرتهم على الاستمرار في أعمالهم باتت مهدَّدة نتيجة تداخل عوامل عديدة، من بينها الركود الاقتصادي وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.

وقال أحد أصحاب المحال التجارية في صنعاء، فضّل استخدام اسم مستعار لأسباب أمنية، إن الجماعة تعود في كل مناسبة لفرض رسوم أو مساهمات جديدة، موضحاً أن الحركة التجارية تشهد تراجعاً كبيراً، في حين تزداد الالتزامات المالية المفروضة على التجار بشكل مستمر.

وأضاف أن رفض الدفع لم يعد خياراً متاحاً للكثيرين، نظراً لما قد يترتب عليه من زيارات متكررة للمشرفين الحوثيين أو مضايقات قد تعطِّل النشاط التجاري وتؤثر في سير العمل.

ولا تقتصر الشكاوى على التجار، إذ يقول موظفون في القطاع الحكومي إنهم يتعرضون أيضاً لضغوط للمساهمة في تمويل بعض الفعاليات، رغم استمرار أزمة الرواتب التي تعاني منها شريحة واسعة من الموظفين منذ سنوات.

في السياق ذاته، تؤكد أسر يمنية أن ازدياد الجبايات يفاقم معاناتها اليومية في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية والدوائية والخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل توفير الاحتياجات الضرورية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

تكلفة اقتصادية مرتفعة

تُعد مناسبة ما يسمى «يوم الولاية» من أبرز المناسبات التي تحرص الجماعة الحوثية على إحيائها سنوياً، حيث تنظم خلالها فعاليات جماهيرية واسعة وحملات دعائية وإعلامية مكثفة، تتطلب إنفاقاً مالياً كبيراً.

ويؤكد منتقدون للجماعة أن جزءاً كبيراً من هذه النفقات يجري توفيره عبر جبايات تُفرض على المواطنين والقطاع الخاص تحت مسميات مختلفة، في وقت تشهد فيه مناطق سيطرة الحوثيين تراجعاً حاداً في النشاط الاقتصادي وضعفاً في فرص العمل ومصادر الدخل.

ويُحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذه السياسات يؤدي إلى تعميق حالة الركود الاقتصادي، وإضعاف قدرة القطاع الخاص على الاستمرار، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على الأسعار وفرص التوظيف ومستويات المعيشة.

ويرى هؤلاء أن أي تعافٍ اقتصادي محتمل سيظل محدوداً ما دامت الأنشطة التجارية والاستثمارية تواجه بيئة غير مستقرة تتسم بفرض القيود والإتاوات والتدخلات المتكررة في عمل الأسواق.

ويزعم الحوثيون أن «يوم الولاية» هو اليوم الذي عهد فيه الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قبل وفاته بالولاية لعلي بن أبي طالب ولمن ينتسبون إلى ذريته من بعده، والذي يوافق الثامن عشر من شهر ذي الحجة كل عام، وهو ما يعني -حسب عقيدتهم- الأحقية الدينية والسياسية لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في الحكم والسلطة استناداً إلى مزاعم انتسابه إلى ذرية علي بن أبي طالب.

الطوارئ الغذائية

بالتوازي مع هذه التطورات، أطلقت منظمات دولية تحذيرات جديدة بشأن مستقبل الأمن الغذائي في اليمن، متوقعةً استمرار الأوضاع الحرجة في عدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة الحوثية خلال الأشهر المقبلة.

وأفادت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة بأن مستويات الطوارئ الغذائية، المصنفة ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، مرشحة للاستمرار حتى نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل في محافظات الحديدة وحجة وتعز الواقعة تحت سيطرة الجماعة، بينما تسود حالة الأزمة الغذائية في معظم المناطق الأخرى الخاضعة لها.

وأرجع التقرير استمرار الأزمة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها تدهور بيئة الأعمال، وفرض قيود على الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، وتراجع فرص كسب الدخل، إلى جانب استمرار تداعيات الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية العامة.

وتوقعت الشبكة أن يؤدي استمرار هذه الظروف إلى مزيد من التراجع في القدرة الشرائية للأسر اليمنية واتساع فجوات الاستهلاك الغذائي، مما سيدفع أعداداً أكبر من السكان إلى تبني آليات تكيف قاسية وغير مستدامة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، الأمر الذي يُنذر بإطالة أمد الأزمة الإنسانية في واحدة من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي.