«طقس بيروت» انطوائي في مسرحية عايدة صبرا

«طقس بيروت» انطوائي في مسرحية عايدة صبرا

على خشبة «مسرح مونو» حيث مقعد وحديقة
الخميس - 28 شهر ربيع الأول 1440 هـ - 06 ديسمبر 2018 مـ رقم العدد [ 14618]
رودريغ سليمان وإيلي نجم في مشهد من المسرحية
بيروت: سوسن الأبطح
تعود الفنانة عايدة صبرا إلى خشبة المسرح هذه المرة كمخرجة لعمل جديد، من دون أن نراها تؤدي دوراً تمثيلياً على الخشبة، بطريقتها الطريفة والجادة في وقت واحد، حيث تدير مسرحيتها «Meteo Beyrouth» أو «طقس بيروت» التي كتبت نصها، وتبدأ عروضها مساء اليوم وتستمر حتى السادس عشر من الشهر الحالي.
مقعد خشبي يجمعهما تكراراً من دون أن يتحدث أحدهما إلى الآخر، إلى أن يأخذ واحد منهما تلك المبادرة الجريئة ويسأل «شايف شو حلو الطقس اليوم؟». الطبيب البيطري رودريغ سليمان الذي تقدم في السن قليلاً، ومرّ بتجارب كثيرة وعسيرة، لكنّه لا يزال مصرّاً على الاستمرار ووضع الصّعاب وراء ظهره، والمصور الفوتوغرافي إيلي نجم الذي عاش طفولة قاسية خلال الحرب، ومن حينها وهو عالق هناك، غير قادر على تخطّي تلك المرحلة السوداء. الحوار بين الرجلين، يكاد يكون غير متسق. إنّه يشبه هذيانات متواترة، وكأنّما أحدهما لا يجيب الآخر بقدر ما يتكلّم فقط كي يتكلم. لعب على نهايات المقاطع لبناء جمل جديدة، ومحاولات تواصل تبقى متكسرة، حتى نكاد نسأل، هل نحن أمام حوار أم تصادم بين شخصين؟ فالحوار لا يفضي إلى شيء كثير. فهي أحاديث لا تخلو من الحذر والتوتر والضحك والشك والخوف والتروي والغضب.
الإحالة قوية في المسرحية إلى ما آلت إليه حال أهالي بيروت من غربة فيما بينهم وصعوبة في إعادة وصل ما انقطع. كل واحد من الشّخصين كان في انتظار الآخر ليبوح بمعاناته في مدينة أضنتها الحرب، وبدلت أحوال الناس ومعاشهم؟ ولكن ما الذي دفع بالمصور الفوتوغرافي إلى المبادرة في خوض مغامرة مجهولة النتائج؟ إنّه البحث عن أمل ما، حتى في أتفه الأمور. فهو في محاولة دائمة على الرّغم من الخيبات الكبيرة لفتح كوة في الجدار. هل نجح يا ترى؟
نفهم أنّ الحديقة التي يجلس فيها الشخصان، ويتكشف لنا اسماهما تدريجياً، ليست حديقة حقيقة، تماماً كما أن حوارهما الذي يبدو هلامياً، لعبة سينوغرافية تعتمد الفك والتركيب، لتصبح كل مكونات المكان قابلة للاختفاء والحضور. تقول عايدة صبرا «فكرة الجنينة ليست اعتباطية أيضاً. فهي افتراضية أكثر منها واقعية. فنحن لم نعد نملك رفاهية الحدائق أو العيش الكريم، ما بين النفايات والتلوث والمشكلات السياسية، فقدنا حقنا في بديهيات كثيرة. والمسرحية تحكي عن هذا اللاموجود في معاشنا».
ساعة وخمس دقائق يقضيها المتفرج أمام موضوعات متقطعة لكنها مرتبطة بخيط خفي. «هذا نوع من اللعب على الحوار» تقول عايدة صبرا، التي تفتح الحكاية عندها الباب على حكاية غيرها. فقد استغرقها النص سنة كاملة من الكتابة. «أخذت وقتي لأطور الشّخصيات، كي أحبك الموضوع. كنت أتوقف عند الجملة وأعيد كتابتها. حرصت أن ألتقط مشاهداتي بروية. أراقب ما يحدث حولي. أركّب فكرتي على مهل. كتبت بعيني مخرجة، وكأنني أرى المشاهد وأنا أسطر عباراتي». ثم إن عايدة صبرا متقنة، تشعر دائماً أن نقصاً ما يشوب عملها، وأنه محال أن يكتمل كما تريد له أن يكون. «لجأت إلى سيناريست صديق أقرأته ما كتبت. كنت بحاجة لرأي آخر». فهي لا تطرح نفسها كاتبة على الرّغم من تجربتها الطويلة في الكتابة للمسرح. يبقى الشك سيداً في الفنون، والحذر منجاة.
تقول صبرا عن الممثلين الذين تتقاسم معهما العمل: «قبضايات الشباب. فقد عملنا معاً وتحاورنا ونحن نركب الشخصيات على المسرح، وبتنا وحدة متناغمة، يفهم كل منا ما يريد الآخر».
جاءت الفكرة للفنانة عايدة صبرا من نص الفرنسي لوي كالافيرت «غني وثلاثة فقراء»، حين لفتها مشهدان من المسرحية، فقررت أن تبني عليهما مسرحيتها. عند كالافيرت يلتقي رجلان في مكان غير محدد الملامح بالصدفة، وكما يفعل الفرنسيون دائماً حين يلتقون ولا يجدون ما يتحدثون عنه، فإنّهم لا يرون غير الطقس مادة للحوار. وجدت صبرا أنّ الرجلين في لقائهما، حيث يبقى واحدهما غريباً عن الآخر، شبيهاً بما بات يعيشه الناس في بيروت. لم تكن أحوالنا كذلك، تقول عايدة صبرا: «العمل يتساءل عمّا فعلناه بأنفسنا، وعنا نحن الذين بتنا نلتقي ولا نتعاطى مع بعضنا البعض، كل منا منغلق على همومه ومشكلاته، والمسافة تكبر والهوة تتعمق».
لبنان المسرح

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة