هذا ما سيحدث لكوكب الأرض حال اندلاع حرب نووية عالمية

علماء يقولون إن تبعاتها ستؤدي لفناء البشرية جوعاً وبرداً

علماء أميركيون وضعوا سيناريو اندلاع حرب نووية بين بلدهم وكوريا الشمالية (أ.ب)
علماء أميركيون وضعوا سيناريو اندلاع حرب نووية بين بلدهم وكوريا الشمالية (أ.ب)
TT

هذا ما سيحدث لكوكب الأرض حال اندلاع حرب نووية عالمية

علماء أميركيون وضعوا سيناريو اندلاع حرب نووية بين بلدهم وكوريا الشمالية (أ.ب)
علماء أميركيون وضعوا سيناريو اندلاع حرب نووية بين بلدهم وكوريا الشمالية (أ.ب)

بمرور 100 عام على نهاية الحرب العالمية الأولى، وبعد تزايد التوتر الدولي مؤخرا إثر قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى مع روسيا والتي تم توقيعها عام 1987، زاد الجدل حول إمكانية تسبب فسخ المعاهدة التاريخية في إطلاق سباق نووي دولي والتمهيد لمواجهة نووية في المستقبل.
موقع «Vox» الأميركي قدّم صورة لما سيكون عليه حال العالم إذا وقع السيناريو الأسوأ واندلعت الحرب النووية سواء بين دولتين أو في صورة حرب عالمية كبرى تكرر ما حدث خلال الحربين العالميتين السابقتين، وأجاب على أسئلة تتعلق بإمكانية فناء البشرية بسبب ما يمكن أن تفعله بنا الأسلحة الفتاكة.
وتشير التقديرات الفنية إلى التأكيد على أن أي مواجهة نووية سوف تتسبب في معاناة إنسانية حادة وعلى مستوى واسع لم يتم رصده منذ عهد الحرب العالمية الثانية. بل ومن المؤكد أيضا أن التكنولوجيا النووية تطورت كثيرا منذ ذلك الحين ومن المرجح أن يفوق حجم الخسائر والدمار الناتج عن الضربة النووية المستقبلية ما شهدته سنوات الحروب العالمية السابقة بمراحل.

* قنبلة في واشنطن
ولإدراك حجم كارثة استخدام قنبلة نووية في منطقة تعج بالمدنيين أعد مؤرخ الشؤون النووية أليكس ويليرستين تصورا افتراضيا لسقوط قنبلة نووية على العاصمة الأميركية واشنطن، واستخدم في تصوره القنبلة التي أجرت عليها سلطات كوريا الشمالية تجربة في سبتمبر (أيلول) 2017 وتبلغ قوتها التدميرية نحو 140 كيلوطن.
وأسفر التصور الافتراضي عن مقتل 220 ألف شخص وإصابة 450 ألف آخرين وذلك باستخدام قنبلة نووية منفردة واستهداف موقع واحد لا غير، ويلاحظ أن هجوم الولايات المتحدة النووي المزدوج على موقعي هيروشيما وناجازاكي خلال الحرب العالمية الثانية أسفر عن مقتل 200 ألف شخص.
ومن المرجح في حالة قيام قوة نووية مثل كوريا الشمالية بإطلاق هجوم نووي ضد الولايات المتحدة، فإنها لن تكتفي بقنبلة واحدة تستهدف موقعا منفردا، بل في الأغلب سيشمل الهجوم الكوري عدة قنابل ويضرب عدة مواقع داخل العاصمة واشنطن، بالإضافة إلى مدينة نيويورك، والساحل الغربي، مع توقعات بأن تكون القواعد العسكرية الأميركية في غوام وهاواي ضمن الأهداف.
ويتوقع ويليرستين أن تخلف الضربة النووية وراءها ما يعرف بـ«سحابة الفطر»، والتي ستمتد من مركز الضربة وإلى مساحة 1. 2 ميل مربع.
وستتلقى هذه المنطقة القدر الأكبر من الإشعاع الناتج عن الضربة النووية، ومن دون توفير تدخل طبي فوري، فإن منطقة «السحابة» ستشهد معدل وفيات يتراوح بين 50 و90 في المائة من السكان نتيجة للآثار الأولية والحادة للضربة، وستقع حالات الوفاة على مدار ساعات إلى أسابيع من وقوع الضربة.
ويعتبر الموت تسمما بالإشعاع النووي من أكثر سبل الموت بشاعة، ومن بين أعراضه: الإحساس بالغثيان والقيء المستمر، والنزيف الدموي بشكل مستمر، والإصابة بالإسهال الذي سيكون دمويا في الأغلب، فضلا عن الاحتراق الشديد للجلد إلى حد تساقط طبقة الجلد للإنسان المصاب فيما ما زال على قيد الحياة.
أما الوضع خارج نطاق ذروة التفجير بالاتجاه إلى نطاق تالٍ يمتد على مساحة 17 ميلا مربعا، فمن المنتظر أن تحدث ترددات الضربة النووية الكثير من الدمار وتسوية المباني بالأرض، وبالطبع قتل كل من يكون على مقربة، خاصة أن الأنقاض والنيران ستنتشران في كل مكان.

* ومضات الضوء الباهر
أما النطاق الجغرافي الثالث للضربة والذي سيمتد على مسافة تتجاوز 33 ميلا مربعا، فسيصاب كل من يتواجد فيه بحروق من الدرجة الثالثة، ويوضح بريان تون العالم والخبير بالكوارث النووية لدى جامعة «كولورادو بولدر» أن المتواجدين في هذا النطاق ستطاردهم «ومضات من الضوء الباهر» والذي سيمتد على بعد أميال، ويمكنه إشعال حرائق إذا ما اتصل بأجسام سريعة الاشتعال مثل أوراق وأغصان الشجر والملابس، وإصابة الأفراد بحروق، وفي هذا الحال، فالمصابون لن يشعروا بآلام شديدة لأن الحريق سيقتل أعصاب المصاب، وبعض المصابين سوف يعانون من تشوهات شديدة، فضلا عن تعثرهم في استخدام بعض أطرافهم وسيكون مصير البعض الآخر أكثر مأساوية إذ ستتطلب حالتهم بتر الأطراف المصابة.
ويمتد النطاق الأكبر والأبعد عن ذروة الضربة النووية على مساحة 134 ميلا مربعا، حيث يظل الأفراد عرضة للموت أو على الأقل التعرض للإصابة، وستتسبب الضربة في تدمير نوافذ المنازل في هذا النطاق.
كما أن الرياح ستلعب دورا في نقل المواد والأجسام الملوثة بالإشعاع النووي، والتي ستسقط في مواقع بعيدة عن الضربة النووية وتصيب عددا من الناس يصعب حصره بالأمراض المختلفة.
ووفقا للعلماء والخبراء في المجال النووي، التبعات المترتبة على توجيه ضربة نووية ستفوق كل ما جاءت به أفلام الرعب والكوارث التي أنتجتها السينما العالمية، والتي يعتبرها العلماء «متفائلة» في توقعاتها بالنسبة لمرحلة ما بعد المواجهة العسكرية النووية.
ويرى آلان روبوك، أستاذ العلوم البيئية لدى جامعة «راتجيرز»، والذي قضى سنوات في دراسة النتائج المحتملة للحروب النووية، أن أسوأ النتائج بعيدة المدى لنشوب مثل هذه المواجهات تكمن في «الدخان الأسود»، بالإضافة للغبار والجزيئات المختلفة التي سيحملها الهواء بعد أن تفرزها الضربة النووية.
ففي حالة الحرب النووية، سيتم استهداف المدن والمناطق الصناعية، بما سيؤدي إلى انبعاث كميات هائلة من الأدخنة نتيجة لاحتراق هذه المناطق، وستصعد هذه الأدخنة إلى طبقة الغلاف الجوي «سترانوسفير» المحيطة بكوكب الأرض، حيث ستبقى لسنوات في حال عدم تدخل الأمطار لغسلها، وبتمددها من منطقة إلى أخرى حول العالم إثر ارتفاع درجات حرارتها، ستنجح هذه الأدخنة في حجب أشعة الشمس عن القسم الأكبر من كوكب الأرض، وبالتالي، فالعالم سيشهد درجات حرارة بالغة التدني ومعدلات ترسيب متراجعة، بما سيقلص الإنتاج الزراعي حول العالم، ويمهد لانتشار المجاعة خلال سنوات قليلة.
تحديد الأثر المترتب على الحرب النووية يعتمد في الأساس على حجم انبعاثات الدخان الأسود، فوفقا للعلماء، انبعاث ما يتراوح بين خمسة إلى خمسين مليون طن من الأدخنة السوداء سيتسبب فيما يعرف علميا بـ«الخريف النووي». ولكن انبعاث ما يتراوح بين 50 إلى 150 مليون طن من الأدخنة سوف يتسبب في «الشتاء النووي»، وفي حالة تطبيق سيناريو «الشتاء النووي»، فإن العالم روبوك يرجح أن جميع من على الأرض سوف يلقوا حتفهم.

* الخريف النووي
وقوع سيناريو «الخريف النووي» لا يحتاج أكثر من مواجهة بين قوتين نوويتين في حجم الهند وباكستان، واللتين تملكان 140 و150 رأس نووي بالترتيب، فالمواجهة بين الدولتين وتفجير كل منهما نحو 50 قنبلة نووية في حجم التي تم استخدامها ضد هيروشيما اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية سوف ينتج عنه قدرا هائلا من الأدخنة السوداء تتراوح بين خمسة إلى ستة أطنان، وستفصل الشمس عن الأرض حتى أن درجات الحرارة ستنخفض إلى معدلات العصر الجليدي الأصغر والذي ساد خلال الفترة بين القرنين الرابع عشر إلى التاسع عشر، بما سيقلص فترة استزراع المحاصيل المختلفة، ويهدد واردات الغذاء العالمية.
وسيتراجع إنتاج كل من الولايات المتحدة والصين من المحاصيل الزراعية الأساسية مثل الذرة والقمح بمعدل بين 20 إلى 40 في المائة خلال السنوات الخمسة الأولى عقب نشوب المواجهة النووية، ويتوقع العلماء روبوك وتون أن تستمر حالة التراجع في درجات الحرارة لعقد كامل في أفضل تقدير، مما يجعل درجات الحرارة أقل من أي مرحلة سابقة في تاريخ الأرض خلال الألف عام الأخيرة.
ويتوقع إيرا هيلفاند مدير «مجلس أطباء ضد الحرب النووية من أجل المسؤولية الاجتماعية» أن تتسبب هذه الاضطرابات حتى وإن دامت لهذه الفترة المحدودة، وفقا لتعبيره، في الدفع بنحو ملياري شخص إلى حافة المجاعة، على أن يتركز أغلبهم في جنوب شرقي آسيا، وأميركا اللاتينية، وشمال أميركا، بالإضافة إلى أوروبا. ولكنه أوضح «أن موت ملياري شخص لن يكون نهاية البشرية، ولكنه سيكون للحضارة المعاصرة كما نعرفها».
ويمكن للتبعات أن تصبح أكثر سوءا، فتراجع المتوفر من المواد الغذائية سوف يقفز بالأسعار، وبالطبع ستقع مواجهات وحتى حروب على مستوى العالم حول الموارد المتوفرة، ويمكن أن تتدهور الأوضاع أكثر فأكثر بحيث تقع حرب نووية ثانية في محاولة من الدول للسيطرة على مزيد من موارد الغذاء والمياه، قد يبدو هذا سيناريو مخيفا، لكن الأمور ممكن أن تتحول إلى ما هو أكثر رعبا.

* الشتاء النووي
سيناريو نهاية العالم في حالة الحرب النووية هو ما يعرف بـ«الشتاء النووي»، ولكن حتى يتحقق هذا السيناريو، فيتوجب ذلك مواجهة بين أكبر قوتين نوويتين في العالم وهما الولايات المتحدة وروسيا اللاتي تملكان 6450 و6850 رأسا نووية بالترتيب، ووقوع سيناريو «الشتاء النووي»، يتطلب إطلاق أميركا وروسيا ألفي رأس نووية من كل جانب لتستهدف مدنا وأهدافا رئيسية، وكل دولة ستحاول إسقاط الأخرى ومعهما سيسقط الجانب الأعظم من الإنسانية.
في حالة سيناريو «الشتاء النووي»، ووفقا لروبوك وغيره من العلماء، فإن نحو 150 مليون طن من الدخان الأسود سوف ينتج عن احتراق المدن ومختلف المناطق التي ستشملها المواجهات. وسوف تنتشر هذه الأدخنة إلى مختلف مناطق الأرض خلال فترة لا تتجاوز الأسابيع القليلة. وستهبط درجات حرارة الأرض إلى أكثر من ست درجات تحت الصفر وذلك خلال أول سنة عقب نشوب الحرب، لتزيد درجة الحرارة إلى ما أدنى من أربع درجات تحت الصفر لفترة عقد كامل وذلك في المتوسط.
وسيعاني نصف الكرة الشمالي من درجات حرارة بالغة البرودة، لكن مختلف قطاعات العالم ستتأثر بالظاهرة، ووفقا لتقديرات العلماء، فإن ذلك سيكون بمثابة تحول مناخي غير مسبوق في تاريخ البشرية سواء من حيث سرعتها أو نطاقها، كما أن معدلات الترسيب العالمي سوف تتراجع بنسبة 45 في المائة، ومع درجات الحرارة شديدة الانخفاض، تقريبا لن تنجح أي محاولات لزراعة المحاصيل، بما يضمن أن من لم يقضِ نحبه إثر المواجهة النووية، سوف يموت من الجوع، وحتى وإذا لم تجرِ الأمور على هذا النحو، فإن اهتراء طبقة الأوزون، أحد الأثار الجانبية للحرب النووية، سيسمح بتسرب كميات كبيرة من الأشعة فوق البنفسجية إلى سطح الأرض، وسوف يضر ذلك تقريبا بجميع المنظومات البيئية وسيجعل من الصعب بالنسبة للإنسان التواجد في الطبيعة.
ولكن بعض الخبراء يعارضون نظريات روبوك وزملائه، ففي عام 1990. أكد العلماء الخمسة الذين وضعوا تعبير «الشتاء النووي»، ومن بينهم الدكتور ريتشارد بي. توركو، أستاذ علم المناخ بجامعة كاليفورنيا، مبالغتهم في تقدير الأثار المترتبة على وقوع حرب نووية، وأن وقوع مثل هذه الحرب لن يتسبب في القضاء على الجنس البشري، وفي فبراير (شباط) العام الجاري 2018، قام العالم جون رايزنير ومعه مجموعة من الخبراء بالتأكيد في دراسة تمت بتكليف من الحكومة الأميركية بالتأكيد على أن تأثير الأدخنة السوداء سيكون سلبيا، ولكنه ليس بالسوء الذي توقعه روبوك وفريقه.
ولكن تبقى حقيقة أساسية أن نشوب حرب نووية سوف يؤثر بشكل مؤكد على حياة مئات الملايين أو المليارات من البشر، والذين لن يكونوا بالضرورة متواجدين بشكل مباشر بساحة المواجهة النووية، فآثارها ستصيب كل من هم على كوكب الأرض، ولذلك لا يريد البعض المجازفة بنشوب مثل هذه الحرب، ويبذلون كل ما هو متاح من أجل ذلك.


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق سفينة مستشفى تغرق في ساعة وقطعها تنجو بعد قرن (أ.ف.ب)

قطع نادرة من شقيقة «تايتانيك» تخرج من «قبرها» البحري بعد 109 أعوام

تمكّن غوّاصون من استرجاع قطع أثرية من سفينة «بريتانيك»، الشقيقة لسفينة «تايتانيك» المشؤومة، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من قرن على غرقها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا موقع «يونيفيل» في قرية مركبا بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان (رويترز)

مَن سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟

من سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟... تساءل المحلل الأميركي جيمس هولمز عما إذا كان القانون الدولي ما زال سارياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية من النادر أن تتكرر في تاريخ كأس العالم قصة مشابهة لما حدث بنهائي 1954 (ذا أثلتيك)

​كيف فازت ألمانيا الغربية بكأس العالم 1954؟

من النادر أن تتكرر في تاريخ كأس العالم قصة مشابهة لما حدث بنهائي 1954

The Athletic (برلين)
يوميات الشرق «رسالة حب من الماضي»... زجاجة تحمل حنين 66 عاماً تجرفها الأمواج إلى شاطئ بولندي

«رسالة حب من الماضي»... زجاجة تحمل حنين 66 عاماً تجرفها الأمواج إلى شاطئ بولندي

عثر صبيان في العاشرة من عمرهما على كنز عاطفي نادر: رسالة حب مكتوبة بخط اليد، محفوظة داخل زجاجة، يعود تاريخها إلى عام 1959.

«الشرق الأوسط» (غدانسك )

ما دور غرينلاند في الدفاع النووي و«القبة الذهبية» التي يعتزم ترمب بناءها؟

منازل مضاءة على طول الساحل مع بزوغ ضوء الصباح الباكر فوق التلال المغطاة بالثلوج في نوك بغرينلاند 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)
منازل مضاءة على طول الساحل مع بزوغ ضوء الصباح الباكر فوق التلال المغطاة بالثلوج في نوك بغرينلاند 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

ما دور غرينلاند في الدفاع النووي و«القبة الذهبية» التي يعتزم ترمب بناءها؟

منازل مضاءة على طول الساحل مع بزوغ ضوء الصباح الباكر فوق التلال المغطاة بالثلوج في نوك بغرينلاند 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)
منازل مضاءة على طول الساحل مع بزوغ ضوء الصباح الباكر فوق التلال المغطاة بالثلوج في نوك بغرينلاند 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)

في حرب نووية افتراضية تشمل روسيا والصين والولايات المتحدة، ستكون جزيرة غرينلاند في قلب المعركة.

تُعدّ الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة القطبية الشمالية - الواقعة ضمن مسارات الصواريخ النووية الصينية والروسية التي قد تسلكها في طريقها لتدمير أهداف في الولايات المتحدة، والعكس صحيح - أحد الأسباب التي استشهد بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في حملته المثيرة للجدل لانتزاع السيطرة على غرينلاند من الدنمارك، مما أثار قلق سكان غرينلاند وحلفائهم الأوروبيين على حد سواء، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

يزعم ترمب أن ملكية الولايات المتحدة لغرينلاند ضرورية لـ«القبة الذهبية»، وهي منظومة دفاع صاروخي بمليارات الدولارات، يقول إنها ستكون جاهزة للعمل قبل انتهاء ولايته في عام 2029.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» السبت: «بسبب القبة الذهبية، وأنظمة الأسلحة الحديثة، الهجومية والدفاعية على حد سواء، فإن الحاجة إلى الاستحواذ عليها (غرينلاند) بالغة الأهمية». أدى ذلك إلى أسبوع آخر متقلب بشأن الإقليم الدنماركي شبه المستقل، حيث ضغط ترمب مجدداً من أجل سيادته الأميركية على الجزيرة قبل أن يتراجع ظاهرياً، معلناً يوم الأربعاء «إطاراً لاتفاق مستقبلي» بشأن أمن القطب الشمالي، وهو اتفاق قد لا تكون له الكلمة الأخيرة في هذا الملف.

فيما يلي نظرة فاحصة على موقع غرينلاند عند مفترق طرق للدفاع النووي.

مسارات صواريخ ICBM

تميل صواريخ ICBM، التي قد يطلقها الخصوم النوويون بعضهم على بعض إذا ما وصل الأمر إلى ذلك، إلى اتخاذ أقصر مسار مباشر في مسار باليستي إلى الفضاء ثم الهبوط من صوامعها أو منصات إطلاقها إلى أهدافها. وأقصر مسارات الطيران من الصين أو روسيا إلى الولايات المتحدة - والعكس - ستمر عبر منطقة القطب الشمالي وبالتالي احتمال كبير أن تمر فوق غرينلاند.

على سبيل المثال، ستحلّق صواريخ توبول إم الروسية، التي تُطلق من مجمع صوامع تاتيشيفو جنوب شرقي موسكو، عالياً فوق غرينلاند إذا تم توجيهها نحو قوة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات الأميركية المكونة من 400 صاروخ مينيوتمان 3، والمتمركزة في قاعدة مينوت الجوية في ولاية داكوتا الشمالية الأميركية، وقاعدة مالمستروم الجوية في ولاية مونتانا، وقاعدة وارن الجوية في ولاية وايومنغ.

كما يمكن لصواريخ دونغ فنغ 31 الصينية، إذا أُطلقت من حقول صوامع جديدة تقول وزارة الحرب الأميركية إنها بُنيت في الصين، أن تحلّق فوق غرينلاند إذا استهدفت الساحل الشرقي للولايات المتحدة.

وقال ترمب يوم الأربعاء، في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: «إذا اندلعت حرب، فسوف يجري جزء كبير من العمليات على تلك البقعة الجليدية. تخيّلوا الأمر: ستحلّق تلك الصواريخ فوق قلب البلاد مباشرة».

قاعدة بيتوفيك الفضائية

تعمل مجموعة من رادارات الإنذار المبكر بعيدة المدى كعيون البنتاغون في مواجهة أي هجوم صاروخي. وتقع أقصى هذه الرادارات شمالاً في غرينلاند، في قاعدة بيتوفيك الفضائية. يمكّن موقع هذه القاعدة فوق الدائرة القطبية الشمالية، وفي منتصف المسافة تقريباً بين واشنطن وموسكو، من مراقبة منطقة القطب الشمالي عبر رادارها، وصولاً إلى روسيا، ورصد المسارات المحتملة للصواريخ الصينية الموجّهة نحو الولايات المتحدة.

يقول بافيل بودفيغ، المحلل المقيم في جنيف والمتخصص في الترسانة النووية الروسية: «هذا (الموقع) يمنح الولايات المتحدة مزيداً من الوقت للتفكير في الخطوة التالية. غرينلاند موقع مثالي لذلك».

يرى الخبراء ثغرات في حجج ترمب الأمنية التي يتبنّاها لضم غرينلاند. ففي معرض حديثه عن «القبة الذهبية» في دافوس، قال ترمب إن الولايات المتحدة بحاجة إلى امتلاك هذه الجزيرة للدفاع عنها.

وقال: «لا يمكن الدفاع عنها باستئجارها».

لكن خبراء الدفاع يجدون صعوبة في فهم هذا المنطق، نظراً لأن الولايات المتحدة تُدير عملياتها في قاعدة بيتوفيك في غرينلاند منذ عقود دون امتلاك الجزيرة.

يشير إتيان ماركوز، الخبير الفرنسي في مجال الدفاع النووي، إلى أن ترمب لم يتحدث قط عن حاجته للسيطرة على المملكة المتحدة (بريطانيا)، رغم أنها، مثل غرينلاند، تلعب دوراً مهماً في منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية.

أجهزة استشعار فضائية بدل غرينلاند

يخدم رادار الإنذار المبكر، الذي تشغله القوات الجوية الملكية البريطانية في فايلينغديلز شمال إنجلترا، حكومتي المملكة المتحدة والولايات المتحدة، حيث يقوم بمسح المنطقة بحثاً عن الصواريخ الآتية من روسيا وغيرها، وصولاً إلى القطب الشمالي. وشعار الوحدة العسكرية هناك هو «فيجيلاموس» (Vigilamus)، وهي عبارة لاتينية تعني «نحن نراقب».

يمكن أن يشمل نظام «القبة الذهبية» متعدد الطبقات الذي تصوّره ترمب أجهزة استشعار فضائية لكشف الصواريخ. ويقول ماركوز، وهو خبير سابق في الدفاع النووي بوزارة الدفاع الفرنسية، ويعمل حالياً في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية في باريس، إن هذه الأجهزة قد تقلل من حاجة الولايات المتحدة إلى محطة الرادار الموجودة في غرينلاند.

وأضاف ماركوز: «ادعاء ترمب بأنّ غرينلاند حيوية لنظام القبة الذهبية، وبالتالي ضرورة غزوها، أو بالأحرى الاستيلاء عليها، هو ادعاء خاطئ لعدة أسباب».

وأوضح: «أحد هذه الأسباب هو وجود رادار في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، ولا علم لي بوجود أيّ نيّة لغزو المملكة المتحدة. والأهم من ذلك، وجود أجهزة استشعار جديدة قيد الاختبار والنشر، والتي ستُقلّل في الواقع من أهمية غرينلاند».

صواريخ اعتراضية ضمن نظام القبة الذهبية

نظراً لموقعها، يُمكن أن تكون غرينلاند موقعاً مناسباً لنشر صواريخ اعتراضية ضمن نظام القبة الذهبية، لمحاولة تدمير الرؤوس الحربية قبل وصولها إلى الولايات المتحدة.

وكتب ترمب في منشوره الأسبوع الماضي: «لا يُمكن لهذا النظام شديد التعقيد أن يعمل بأقصى طاقته وكفاءته إلا إذا كانت هذه الأرض (أي غرينلاند) مُدرجة فيه».

لكن الولايات المتحدة لديها بالفعل حق الوصول إلى غرينلاند بموجب اتفاقية دفاعية أُبرمت عام 1951. قبل أن يُصعّد ترمب الضغط على الإقليم والدنمارك التي يتبعها الإقليم، كان من المرجح أن يقبلا بسهولة أي طلب عسكري أميركي لتوسيع الوجود العسكري هناك، وفقاً لخبراء. كانت أميركا تمتلك سابقاً قواعد ومنشآت متعددة، لكنها تخلّت عنها لاحقاً، ولم يتبقَّ سوى قاعدة بيتوفيك.

قال ماركوز: «كانت الدنمارك الحليف الأكثر امتثالاً للولايات المتحدة. أما الآن، فالوضع مختلف تماماً. لا أعرف ما إذا كان سيتم منح التفويض، لكن على أي حال، في السابق، كانت الإجابة دائماً (من الدنمارك): نعم»، للطلبات العسكرية الأميركية.


برّاك يؤكد دعم واشنطن القوي لاتفاق وقف إطلاق النار بين «قسد» والحكومة السورية

المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك (رويترز)
المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك (رويترز)
TT

برّاك يؤكد دعم واشنطن القوي لاتفاق وقف إطلاق النار بين «قسد» والحكومة السورية

المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك (رويترز)
المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك (رويترز)

قال المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك اليوم (الخميس) إنه أكد مجدداً لقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي، أن الولايات المتحدة تدعم بقوة اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة و«قسد»، والذي تم التوصل إليه في 18 يناير (كانون الثاني) الحالي.

وقال برّاك في منشور على منصة «إكس»: «أكدت الولايات المتحدة مجدداً دعمها القوي والتزامها بتعزيز عملية الدمج الموضحة في اتفاق 18 يناير بين (قوات سوريا الديمقراطية) والحكومة السورية».

وأضاف أن الخطوة الأولى الضرورية هي الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، في إطار عملية بناء الثقة من جميع الأطراف من أجل الاستقرار الدائم.

ونقلت «الوكالة العربية السورية للأنباء» عن مصدر بوزارة الخارجية القول اليوم إن جميع الخيارات مفتوحة؛ من الحل السياسي إلى الحل الأمني إلى العسكري... حال انهيار اتفاق وقف إطلاق النار.

وتبادلت الحكومة السورية و«قسد» الاتهامات اليوم؛ إذ اتهمت «قوات سوريا الديمقراطية» القوات التابعة للحكومة بقصف سجن الأقطان في شمال الرقة بالأسلحة الثقيلة «بالتزامن مع حصار محيط السجن بالدبابات والعناصر»، وبقطع المياه عن مدينة عين العرب (كوباني)، وقالت إنه «ليس مجرد اعتداء عسكري، بل جريمة حرب مكتملة الأركان». لكن وزارة الطاقة السورية نفت ذلك، وقالت إن انقطاعها يعود لأعطال فنية نتيجة أضرار لحقت بإحدى المحطات في السابق جراء اعتداءات قوات «قسد» على البنية التحتية للطاقة في المنطقة.


نائب رئيس وزراء غرينلاند: لن نتخلى عن بلدنا لآخرين

نائب رئيس وزراء غرينلاند ميوتي إيغيدي خلال مؤتمر صحافي في مدينة نوك بغرينلاند 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
نائب رئيس وزراء غرينلاند ميوتي إيغيدي خلال مؤتمر صحافي في مدينة نوك بغرينلاند 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

نائب رئيس وزراء غرينلاند: لن نتخلى عن بلدنا لآخرين

نائب رئيس وزراء غرينلاند ميوتي إيغيدي خلال مؤتمر صحافي في مدينة نوك بغرينلاند 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
نائب رئيس وزراء غرينلاند ميوتي إيغيدي خلال مؤتمر صحافي في مدينة نوك بغرينلاند 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أكّد نائب رئيس وزراء غرينلاند، اليوم (الخميس)، أن أيّ محاولة «للتخلّي عن بلدنا لآخرين» هي «غير مقبولة»، غداة إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب إطار اتفاق حول الجزيرة مع حلف شمال الأطلسي (ناتو)، حسبما أفادت به «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكتب ميوتي إيغيدي في منشور على «فيسبوك»: «أيّاً كانت الضغوط الممارَسة من الآخرين، فإن بلدنا لن يتمّ التخلّي عنه ولن يكون موضع مزايدات على مستقبلنا».

وأضاف: «من غير المقبول محاولة التخلّي عن بلدنا لآخرين. فهذا بلدنا ونحن من يحدّد مستقبله».

وغرينلاند جزيرة في القطب الشمالي تابعة للدنمارك وتتمتع بحكم ذاتي.

وبعد محادثات بين الأمين العام للناتو والرئيس ترمب، أمس (الأربعاء)، في دافوس على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي، تراجع ترمب عن تهديداته بالاستيلاء على غرينلاند بالقوّة، معلناً التوصّل إلى «إطار» لاتفاق حول الجزيرة يلبّي رغباته.

وأفاد مصدر مطّلع على المناقشات في دافوس «وكالة الصحافة الفرنسية»، اليوم، بأن الولايات المتحدة والدنمارك ستعيدان التفاوض على اتفاق الدفاع بينهما في شأن غرينلاند الذي وُقّع عام 1951.

وقال إيغيدي: «هذا هو البلد الذي ورثناه من أجدادنا، ولنا أن ننقله إلى أحفادنا».

ومن المرتقب أن يعقد رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريديريك نيلسن، الذي لم يعلّق بعد على آخر التطوّرات، مؤتمراً صحافياً في عاصمة الجزيرة، نوك، عند الساعة 16:00 بتوقيت غرينتش.