قصة المشاركة المجهولة لـ2.5 مليون مسلم في الحرب العالمية الأولى

أئمة شاركوا في الحرب لأداء الصلاة... وطباخون متخصصون أعدّوا للجنود الطعام الحلال

لقطة للجنود المسلمين المشاركين في الحرب من موقع مؤسسة "الأبطال المنسيون" (الشرق الأوسط)
لقطة للجنود المسلمين المشاركين في الحرب من موقع مؤسسة "الأبطال المنسيون" (الشرق الأوسط)
TT

قصة المشاركة المجهولة لـ2.5 مليون مسلم في الحرب العالمية الأولى

لقطة للجنود المسلمين المشاركين في الحرب من موقع مؤسسة "الأبطال المنسيون" (الشرق الأوسط)
لقطة للجنود المسلمين المشاركين في الحرب من موقع مؤسسة "الأبطال المنسيون" (الشرق الأوسط)

مع إحياء العالم وأوروبا ذكرى مرور مئوية انتهاء الحرب العالمية الأولى، يلتفت المؤرخون والمهتمون بسجلات أولى الحروب العالمية إلى جانب مضيء لكنه قلّما حظي بالاهتمام والرصد الكافي حول الدور الذي لعبه نحو مليوني ونصف المليون مسلم قطعوا المسافة من بلادهم التي تغلب عليها الأجواء الدافئة إلى قلب صقيع أوروبا للمشاركة في معارك الحرب العالمية الأولى.
ورصدت وسائل إعلام بريطانية عدة من بينها صحيفة «الغارديان» البريطانية، أجواء «المشاركة المجهولة والمظلومة» لملايين المسلمين ضمن صفوف قوات دول التحالف، فتسرد في تقريرها كيف تكيّف مسلمو الحرب العالمية الأولى بموجبات دينهم ومتطلبات عاداتهم مع أجواء القتال وسط الجيوش الزاحفة من كل بلدان العالم.
يوضح التقرير أن مسلمي الحرب العالمية الأولى دخلوا الخنادق ومعهم أئمة كان واجبهم تقدم المصلين من الجنود والعمال المسلمين خمس مرات يومياً، وتلقين القتلى منهم الشهادتين قبل الوفاة، وجاء إدماج الجنود المسلمين وفقاً لسلسلة من القواعد التي تم وضعها بمراعاة دينهم الحنيف، وبالتوازن مع متطلبات وقت الحرب، فوفقاً للبيان الصادر عن القيادة العليا للقوات الفرنسية والخاص بتنظيم مسألة صلاة المسلمين في أوقات المواجهات القتالية، «إن كان القتال على أشدّه، وإن كان الفرد المسلم لا يملك لحظة هدوء لأداء الصلاة، فيمكنه الاكتفاء بتحريك رأسه وجذعه». ويضيف البيان: «أما في حالات توفر لحظات الهدوء، فيمكن للمسلم أداء صلاته كاملة».
ويشير التقرير الصحافي إلى صور أخرى من حياة المسلمين من قوات التحالف في ميادين قتال الحرب العالمية الأولى. فقد كان يتم إعداد الوجبات «الحلال» للمسلمين، على يد طباخين متخصصين جاءوا إلى ميدان القتال تحديداً من أجل هذه المهمة، وعندما كان مخزون العقاقير والمستلزمات الطبية ينفد، كانت تتم الاستعانة بالجنود والعمال المسلمين الذين زادوا فوق إسهامهم بإسهام جديد، فكانوا لا يبخلون بخبرات اكتسبوها وصحبتهم من بلاد الشرق في مجال الطب البديل والعلاج بالأعشاب، ويتقدمون بالمساعدة للجميع أياً كانت عقيدتهم. ويحكي كيف قام بعض الجنود المسلمين بتلقين رفاقهم في القتال أغانيهم الشعبية، عندما كانت تحين لحظة مواتية بين موجات القتال.

مقابر المسلمين
لكن تضحيات الجنود المسلمين تفوق كل ما سبق، ففي مقابر «نوتردام دي لوريت» العسكرية، والتي تضم مقابر 40 ألف جندي فرنسي سقطوا على الجبهة الغربية خلال الحرب، تبرز مقابر الجنود المسلمين بشواهدها التي تحمل نقوشاً إسلامية ووضعيتها في اتجاه الشرق نحو مدينة مكة. فقد تم تصميم هذه الشواهد بأيدي الرسام الفرنسي إيتينيه دينيت، الذي اعتنق الإسلام عام 1908.
وكانت «نوتردام دي لويت» قد استقبلت زواراً مسلمين أغلبهم من بريطانيا جاءوا قبل موعد إحياء الذكرى السنوية لتوقيع هدنة كومبين وإنهاء الحرب العالمية الأولى، لتقديم الاحترام والدعاء أمام شواهد قبور الجنود المسلمين والمنحدرين من دول شمال أفريقيا. وتعد تلك الزيارة جزءاً من ثمار المشروع الفارق للمؤسسة المعروفة باسم «الأبطال المنسيين 14 - 19»، والتي وثّقت ولأول مرة إسهامات وبطولات الأفراد المسلمين الذين قاتلوا وعملوا لصالح قوات التحالف خلال الحرب العالمية الأولى. ويشير رقم «19» في اسم المؤسسة إلى النزاع الذي تسبب فيه الوجود العسكري الفرنسي في سوريا عام 1919 بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.
وكان الباحثون قد أنفقوا ست سنوات في فحص ودراسة أرشيف المستندات العسكرية، والدبلوماسية، بخلاف عدد من المستندات الشخصية، ومن بينها مذكرات وخطابات. وشملت عملية البحث العملاقة هذه 19 دولة، وانتهت إلى الاطلاع على أكثر من 850 ألف مستند باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والفارسية، والأوردو، والروسية، والألمانية، والعربية. ويضاف إلى هذا كله تفحص المئات من الصور الفوتوغرافية. وتأكد إثر هذا المجهود الضخم أن نحو 2.5 مليون مسلم قد خدموا بين صفوف قوات التحالف سواء كجنود أو كعمال، وذلك في أول مرة يتم تحديد هذا الرقم.

وثائق منسية
قامت هذه المؤسسة على أيدي البلجيكي لوك فيرير (55 عاماً)، الذي عثر على مذكرات جده الأكبر في علية المنزل، والتي كانت تحكي عن وقائع الحرب العالمية الأولى، وأشار خلالها إلى من سمّاهم «المحمديين» الذين قابلهم داخل خنادق الحرب. ومأخوذاً بما اكتشفه، انتقل فيرير إلى كتب التاريخ بحثاً عن أي معلومات إضافية، ولكنه وجد أقل القليل. فبدأ في إعداد بحثه الخاص، والذي كانت مرحلته الأولى من سجلات الحرب الفرنسية والبلجيكية، ليكتشف أن هناك قصة كبيرة لم يتم سردها من قبل، حتى إنه أصبح منهمكاً بهذه القصة وهذا البحث إلى حد تخلّيه عن وظيفته بقطاع هندسة الطيران، وأنشأ مؤسسته الجديدة عام 2012، وكرس حياته لتوثيق دور المسلمين الذين انخرطوا في الحرب.
وانتهى بحث فيرير إلى اكتشاف أن مسلمي الحرب العالمية الأولى جاءوا من دول أفريقيا، والهند، ودول الشرق الأوسط والشرق الأقصى، ومن روسيا، وحتى من أميركا، وإن كانت خلفياتهم المتنوعة لافتة للانتباه، إلا أن الأمر الذي كان له صدى حقيقي لدى فيرير وفريقه، هي قصص قتال وموت هؤلاء المسلمين جنباً إلى جنب مع نظرائهم من المسيحيين واليهود الأوروبيين، ويرى هذا الفريق أن التعرف على مثل هذا التاريخ قد يساعد في تجاوز الكثير من أزمات أوروبا في الوقت الحاضر.
فتشير المستندات التي تم اكتشافها خلال عملية البحث إلى مواقف اضطر خلالها الأئمة المسلمون، والقساوسة المسيحيون، والحاخامات اليهود، إلى تعلم مراسم الدفن والصلوات الخاصة بديانة بعضهم البعض، حتى يمكنهم دفن قتلى الحرب وسط أجواء الصراع العسكري. وتكشف تقارير اقتسام الجنود المسلمين طعامهم مع المدنيين الجوعى. فيما أعرب ضباط فرنسيون وبلجيكيون وكنديون عن دهشتهم إزاء معاملتهم الإنسانية لأسرى الحرب من الألمان. وعند سؤالهم عن السر وراء هذا السلوك، اقتبس الجنود المسلمين من القرآن وتعاليم الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) حول أصول التعامل مع مقاتلي العدو في ساحات القتال.
وينقل تقرير «الغارديان» تعليق فيرير، وهو ليس مسلماً: «إن أفكار اليمين المتطرف والعداء للإسلام تتصاعد عبر دول أوروبا. ومشروعنا يقوم على جعل الشعوب عبر القارة تدرك أن بيننا تاريخاً مشتركاً. وهذا لا علاقة له بالسياسة أو الأدبيات الاستعمارية. فنحن وببساطة نقدم الحقائق، لأن هذه القصة تحتاج أوروبا بأسرها إلى التعرف عليها». ويضيف: «يتم تصوير المسلمين على أنهم العدو القابع بالداخل، وأنهم وافدون جدد لم يقدموا أي إسهام قيّم إلى أوروبا، ولكن يمكننا توضيح أنهم ضحّوا بحياتهم من أجل أوروبا الحرة، وساعدوا في جعلها ما هي عليه الآن، وأن لهم الحق في الوجود هنا».
ومن ضمن المهام الرئيسية لمؤسسة فيرير، نشر اكتشافاتها بين الشباب الأوروبي، بهدف أن يساعد ذلك الأجيال المستقبلية على فهم الجاليات المسلمة التي تعيش بينهم بشكل أفضل. كما أن هذه المهام تتضمن تنظيم جولات في ميادين القتال، التي تمت تسميتها «تجربة المسلمين في الحرب العالمية الأولى»، والتي يتم تنظيمها بالتعاون مع شركة «أنجيليا» السياحية، وهي شركة متخصصة في تنظيم رحالات لأطفال المدارس البريطانية إلى المواقع التاريخية لساحات القتال.
وبالإضافة إلى زيارة ما كانت مواقع للخنادق خلال فترات الحرب، والنصب التذكارية، ومقابر ضحايا الحرب وقتلاها، وسماع القصص الإنسانية التي تجسدها هذه المواقع، فإن الجولة تتضمن أيضاً زيارة مسجد «البدر» في مدينة «أميان» الواقعة شمال فرنسا، لسماع مقدمة حول أبحاث المؤسسة، يليها تقديم وجبة تقليدية من وجبات دول شمال أفريقيا، كما تتم دعوة غير المسلمين من المشاركين في الجولة إلى متابعة صلاة العشاء بالمسجد.
ويقول يوسف تشامبرز، من أمانة «الإرث الإسلامي» التي تتعاون مع مؤسسة فيرير في بريطانيا: «نعمل على تأسيس جسور، وليس هناك سبيل أفضل لذلك من المشاركة في الطعام والتعارف». ويضيف موضحاً: «عملنا يستهدف جميع المجتمعات والأعمار، ولكن تحديداً الفئات الأصغر سناً. نريد أن يعلم الناس حول هذا التاريخ، لأننا نريد أن يدرك كل بريطاني وأوروبي أن المسلمين كانوا من أبطال الحرب العالمية الأولى أيضاً».

المجهولون
وقد نجح عمل المؤسسة في جذب أنظار خبراء الحرب العالمية الأولى، ما مهّد إلى مثول فيرير أمام أساتذة التاريخ بجامعة هارفارد، وتقديمه تقريراً حول مجهود مؤسسته لمنظمة الأمم المتحدة. وأصدر هذا العام كتابه «الذين سقطوا مجهولين The Un known Fallen» والذي يتضمن مقتطفات من المستندات والصور التي تم التوصل إليها خلال رحلة البحث.
ولعل أكثر ما يمكن أن يأسر قلوب الساعين وراء الحقيقة سماع ما توصل إليه فيرير من خطابات كتبها مسلمو الحرب العالمية الأولى إلى أسرهم، حيث شاركوهم مخاوفهم ويقينهم، وتحديداً الخطاب الذي كتبه جندي جزائري كان مركزه بالخنادق حول «نوتردام دي لوريت»، والذي بعثه عام 1916، كاتباً فيه: «أقسم بالله وبكل ما نعتبره مقدساً، أنني لن أتوقف عن الصلاة، ولن أهجر ديني، حتى وإن هاجمتني محن أكثر سوءاً مما وجدت فيه نفسي».
ويبدو أن عمل فيرير ومؤسسته قد بدأ بالفعل في تحقيق الأثر المرجوّ، إذ ينقل تقرير «الغارديان» عن طيبة شوكات (25 عاماً) من شرق لندن، رأيها: «عندما تستمع إلى هذه الشهادات الشخصية، تدرك ما مر به هؤلاء الرجال. تجربة الجنود الأوروبيين خلال الحرب العالمية الأولى تم توثيقها باستفاضة من جانب الشعراء وغيرهم من الكتاب، ولكننا لا نعلم شيئاً عن حياة المسلمين وغيرهم من الجنود الذين وفدوا من الدول المستعمرة في حينها. وذلك يجب أن يتغير».

مسلمو الحرب العالمية الأولى بالأرقام:
الجنود المسلمون:
400 ألف هندي (الجيش الهندي البريطاني).
200 ألف جزائري.
100 ألف تونسي.
40 ألف مغربي.
100 ألف من غرب أفريقيا.
5 آلاف صومالي وليبي (الجيش الفرنسي).
5 آلاف أميركي مسلم.
1,3 مليون روسي مسلم.
العمال المسلمون:
100 ألف مصري.
35 ألف صيني مسلم.
130 ألفاً من شمال أفريقيا.
200 ألف من أفريقيا جنوب الصحراء.
40 ألف هندي.


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق سفينة مستشفى تغرق في ساعة وقطعها تنجو بعد قرن (أ.ف.ب)

قطع نادرة من شقيقة «تايتانيك» تخرج من «قبرها» البحري بعد 109 أعوام

تمكّن غوّاصون من استرجاع قطع أثرية من سفينة «بريتانيك»، الشقيقة لسفينة «تايتانيك» المشؤومة، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من قرن على غرقها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا موقع «يونيفيل» في قرية مركبا بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان (رويترز)

مَن سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟

من سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟... تساءل المحلل الأميركي جيمس هولمز عما إذا كان القانون الدولي ما زال سارياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية من النادر أن تتكرر في تاريخ كأس العالم قصة مشابهة لما حدث بنهائي 1954 (ذا أثلتيك)

​كيف فازت ألمانيا الغربية بكأس العالم 1954؟

من النادر أن تتكرر في تاريخ كأس العالم قصة مشابهة لما حدث بنهائي 1954

The Athletic (برلين)
يوميات الشرق «رسالة حب من الماضي»... زجاجة تحمل حنين 66 عاماً تجرفها الأمواج إلى شاطئ بولندي

«رسالة حب من الماضي»... زجاجة تحمل حنين 66 عاماً تجرفها الأمواج إلى شاطئ بولندي

عثر صبيان في العاشرة من عمرهما على كنز عاطفي نادر: رسالة حب مكتوبة بخط اليد، محفوظة داخل زجاجة، يعود تاريخها إلى عام 1959.

«الشرق الأوسط» (غدانسك )

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
TT

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، أنه أجرى «مكالمة طويلة» مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، في أوّل اتّصال بينهما منذ الإطاحة بنيكولاس مادورو.

وقال ترمب لصحافيين في المكتب البيضوي «أجرينا مكالمة ممتازة اليوم، وهي شخص رائع»، مستطردا «ناقشنا أموراً كثيرة وأظنّ أننا نتفاهم جيّداً مع فنزويلا». ومن جانبها قالت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ‌إنها أجرت ‌مكالمة ‌هاتفية ⁠طويلة ​ومثمرة ‌ولائقة مع الرئيس الأميركي ناقشا فيها ⁠خططا ثنائية ‌لصالح ‍البلدين.

تزامناً، خاطب الرئيس الفنزولي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو، مواطنيه من سجن في الولايات المتحدة وحثهم على دعم رودريغيز.

وقال نجل مادورو، نيكولاس مادورو غويرا، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الرسمية الفنزويلية (أيه في إن) إن: «الرسالة التي تلقيناها تقول: ثقوا في ديلسي وفريقها، وثقوا بنا». ووصف غويرا، مادورو وزوجته سيليا فلوريس بأنهما متماسكان جدا وقويان، ويتمتعان بضمير حي وثقة بالله والشعب الفنزويلي.

وكانت قوات خاصة أمريكية قد اعتقلت مادورو وفلوريس في كاراكاس في 3 يناير (كانون الثاني) ونقلتهما إلى نيويورك، وهناك، من المقرر أن يمثلا للمحاكمة بتهم مزعومة تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وعقب ذلك أدت رودريغيز، التي كانت سابقا نائبة الرئيس في ظل حكم مادورو، اليمين كرئيسة مؤقتة للدولة.

وأدانت رودريغيز بشدة العملية الأميركية واستمرت في الإشارة إلى أن مادورو باعتباره الرئيس الشرعي لفنزويلا، وعرضت أيضا على الولايات المتحدة إجراء محادثات حول تعاون محتمل.

وأفرجت رودريغيز عن عدد من السجناء السياسيين في الأيام الأخيرة، وترغب في الاستمرار بذلك.


هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

تكتسي غرينلاند أهمية حقيقية بالنسبة للدفاع الصاروخي الأميركي، ولكن لدى واشنطن خيارات أخرى لبناء الدرع الصاروخي أو «القبة الذهبية» كما سماها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من دون الحاجة إلى الاستحواذ على الجزيرة القطبية التي أكد أنّها «حيوية» للأمن الأميركي.

ما هي قدرات الدفاع الصاروخي الأميركي؟

يتألّف نظام الدفاع الصاروخي الباليستي الأميركي من أقمار صناعية وشبكة رادارات إنذار مبكر لرصد الصواريخ وتتبعها. وتتموضع هذه الأنظمة، في مواقع تشمل جزر الوشيان (المحيط الهادئ) وألاسكا وبريطانيا العظمى وغرينلاند.

ويمكن للولايات المتحدة أيضاً الاعتماد على رادارات سفن إيجيس المجهّزة بقدرات مضادة للصواريخ. كما يمكنها الاعتماد على الرادارات الموجودة في ديفيسيلو في رومانيا، وريدزيكوفو في بولندا.

وتملك واشنطن أنواعاً عديدة من الصواريخ الاعتراضية، بما في ذلك 44 صاروخاً من طراز «جي بي آي» (GBI) المنتشرة في كاليفورنيا وألاسكا.

ووفقاً لإتيان ماركوز، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS)، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال نشر هذه الصواريخ إلى «مواجهة أي تهديد قادم من القارة الآسيوية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ «صوامع صواريخ (جي بي آي) ليست في وضع جيد لاعتراض أي تهديد قادم من روسيا».

وأوضح ماركوز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنّ نشر صواريخ «جي بي آي» لن يكون مرجّحاً في مواجهة تهديد من الشرق، إذ يمكن نشرها بدلاً من ذلك في شمال شرقي الولايات المتحدة.

ورأى أنّه إذا كان هدف ترمب وضع رادارات وصواريخ اعتراضية «في المكان المناسب»، فإنّ السبب المعلن وراء ضم غرينلاند ليس إلا «ذريعة»، موضحاً أنّ «هناك بعضاً من هذه الصواريخ في بولندا ورومانيا، لذا فإنّ هذه الحجة غير مقنعة».

فضلاً عن ذلك، تملك الولايات المتحدة على متن مدمّرتها من طراز «إيجيس»، وأيضاً في بولندا ورومانيا، صواريخ «إس إم-3» (SM-3) المصمّمة لاعتراض الرؤوس الحربية النووية في الفضاء بمجرّد انفصالها عن الصاروخ، بينما يمكن لنظام «ثاد» الأميركي اعتراض الرؤوس الحربية خلال المرحلة النهائية في طبقات الغلاف الجوي المرتفعة.

ما هو مشروع القبة الذهبية؟

فور توليّه منصبه، أعلن الرئيس ترمب عن مشروع القبة الذهبية، الذي يهدف إلى حماية الأراضي الأميركية من جميع أنواع الصواريخ. ويعتزم الرئيس الأميركي تخصيص 175 مليار دولار لإنشاء نظام تشغيلي بحلول نهاية ولايته، وهو طموح يعدّه العديد من الخبراء غير واقعي في غضون هذه الفترة الزمنية.

ووفقاً لتقديرات تود هاريسون من معهد «أميركان إنتربرايز» (American Enterprise Institute)، سيكلّف المشروع نحو تريليون دولار على مدى 20 عاماً وما يصل إلى 3.6 تريليون دولار لدرع أكثر فاعلية.

ويتمثّل الابتكار الرئيسي المخطط له، في نشر أسطول من الأقمار الصناعية الاعتراضية في مدار أرضي منخفض، معدّة لتخرج من مدارها لتصطدم بالصاروخ المستهدف.

وقال إتيان ماركوز إنّه «في حال الفشل، يجب أن تكون هناك خيارات إطلاق أخرى»، مشيراً إلى أنّ «الولايات المتحدة ستقوم أيضاً بتحسين» قدراتها الصاروخية والاعتراضية براً وبحراً.

لماذا غرينلاند؟

وفيما أوضح أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُطلق على الولايات المتحدة ستمر فوق القطب الشمالي، فقد أشار إلى ضرورة امتلاك رادارات للكشف عنها وقدرات اعتراضية. ويملك الجيش الأميركي حالياً أنظمة رادار في قاعدته في بيتوفيك في شمال غربي غرينلاند.

وفي ما يتعلق بعمليات الرصد، فقد قال ماركوز إنّه «من المفيد دائماً وجود رادارات في غرينلاند» لتتبع الصواريخ في الفضاء، لكنّه أشار إلى أنّ «أهميتها ستتضاءل تدريجياً»، موضحاً أنّ «الولايات المتحدة تنشر حالياً أقماراً صناعية في مدار أرضي منخفض (HBTSS)، خصوصاً لتتبّع الصواريخ خلال تحليقها خارج الغلاف الجوي».

علاوة على ذلك، فإن اتفاقيات الدفاع الحالية بين الولايات المتحدة وغرينلاند والدنمارك تسمح لواشنطن بالقيام بالكثير.

وقالت ميكا بلوجيون ميريد، الباحثة في الجغرافيا السياسية القطبية، لوكالة «فرانس برس»، إنّ «بإمكان الولايات المتحدة وضع موارد تقنية ومادية وبشرية في غرينلاند من دون قيود. بل يمكنها أيضاً أن تعيد تموضع مواردها النووية إذا أرادت. ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية هي ضرورة إبلاغ السلطات في الدنمارك وغرينلاند واستشارتها».

وأضافت: «إذا رفض الدنماركيون مشروعاً بعد استشارتهم، وقامت الولايات المتحدة بتنفيذه من جانب واحد، فقد يُفسر ذلك على أنه انتهاك للسيادة الدنماركية، وسيؤدي إلى تصعيد دبلوماسي وسياسي. لذا، لا تملك الدنمارك حقّ النقض بالمعنى القانوني للكلمة، ولكن في الواقع، فإنّ ما تفعله الولايات المتحدة في غرينلاند يتطلب اتفاقاً سياسياً».


وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

انتهى الاجتماع الذي عقده نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مع لارس لوك راسموسن وزير خارجية الدنمارك وفيفيان موتزفيلدت وزيرة خارجية غرينلاند، صباح الأربعاء بالبيت الأبيض، دون التوصل إلى اتفاق وسط إصرار من جانب الرئيس دونالد ترمب على الاستيلاء على الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت التاج الدنماركي، وإصرار أكثر دبلوماسية من الجانبين الدنماركي والغرينلاندي على حماية السيادة ورفض التهديدات الأميركية والتأكيد أن الجزيرة ليست للبيع وأن سكانها يفضلون البقاء جزءاً من المملكة الدنماركية بدلاً من الانضمام إلى الولايات المتحدة.

وعقب الاجتماع، لمّح الرئيس الأميركي إلى إمكانية التوصّل إلى حلّ بشأن غرينلاند. وقال ترمب في تصريحات للإعلام من المكتب البيضاوي إن «العلاقة جيّدة جدّا مع الدنمارك» التي تتبع لها غرينلاند، وأضاف «أظنّ أننا سنتوصل إلى شيء ما».

وحاول كل من فانس وروبيو عرض خيارات متنوعة بما في ذلك استثمارات اقتصادية، فيما كرر مسؤولا الدنمارك وغرينلاند رفضهما لهذه الإغراءات الأميركية. وتجنباً للتصعيد قدم الجانب الدنماركي مقترحات بتعزيز التعاون وإنشاء مجموعة عمل بين كافة الأطراف بما يمنع انفجار أزمة داخل حلف الناتو.

وصرحت فيفيان موتزفيلدت، وزيرة خارجية غرينلاند، للصحافيين بعد الاجتماع بأن الوفد أظهر «الحدود الواضحة للسيادة»، مضيفة أن «من مصلحة الجميع العثور على الطريق الصحيح». وشددت موتزفيلدت على رفض نوك (عاصمة غرينلاند) أي تنازل عن سيادتها كإقليم ذاتي الحكم تابع للدنمارك، مؤكدة أن الاجتماع كان خطوة لتجنب التصعيد.

تهدئة التصعيد

من جانبه قال لوك راسموسن وزير الخارجية الدنماركي للصحافيين، إنه يأمل أن يساعد الاجتماع بشأن غرينلاند في البيت الأبيض حكومات الدول الثلاث على تهدئة حدة الحوار الدبلوماسي بعد تبادل الانتقادات اللاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: «هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من الجلوس على مستوى سياسي رفيع لمناقشة الأمر، ونأمل في خفض درجة الحرارة الدبلوماسية بعد تبادل الاتهامات على وسائل التواصل».

وأضاف أن سبب طلب الدنمارك وغرينلاند عقد الاجتماع هو إضفاء مزيد من الدقة على المناقشة، وقال: «من المفيد بدء المناقشات على مستوى عالٍ»، واصفاً الاجتماع بأنه «صريح وبناء»، وأقر بوجود «خلاف أساسي وقال: «اتفقنا ألا نتفق».

وأشار لوك راسموسن إلى أن الولايات المتحدة قلصت وجودها العسكري في غرينلاند بعد الحرب الباردة، عندما كانت تمتلك عدة قواعد وآلاف الجنود في الجزيرة. الآن، لا تملك الولايات المتحدة سوى قاعدة واحدة هناك. كما أشار إلى اتفاقية تعود إلى حقبة الحرب الباردة تمنح الجيش الأميركي حق الوصول الواسع إلى غرينلاند، والتي قال إنها ستسمح للولايات المتحدة بتحقيق جميع أهدافها العسكرية.

متظاهرون خلال مظاهرة تحت شعار «غرينلاند ملك لشعب غرينلاند» في نوك... غرينلاند في 15 مارس 2025. وقال رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن في 14 يناير 2026 إن الوقت الحالي «ليس مناسباً» للحديث عن استقلال الجزيرة القطبية الشمالية في المستقبل وتعريض حقها في تقرير المصير للخطر... في ظل تصاعد تهديدات الرئيس الأميركي ترمب بالسيطرة عليها (أ.ف.ب)

وفي إجابته عن أسئلة الصحافيين حول الأوضاع الأمنية ومطامع روسيا والصين التي يحذر منها الرئيس ترمب قال راسموسن: «نتشارك معه، إلى حد ما، في مخاوفه. هناك بالتأكيد وضع أمني جديد في القطب الشمالي والشمال الأقصى». لكنه رفض أي فكرة لبيع الجزيرة.

وأوضح وزير الخارجية الدنماركي أن الاتفاقية المبرمة بين بلاده والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمنح الجيش الأميركي «وصولاً واسعاً» لجزيرة غرينلاند، قائلاً إنها كافية لتحقيق جميع الأهداف العسكرية. وأوضح أنه اقترح تشكيل «مجموعة عمل عالية المستوى» لمناقشة أمن غرينلاند – قد تجتمع في أسابيع – يمكن أن يكون بوابة لتفادي الأزمة.

وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت تتحدث في مؤتمر صحافي عُقد في سفارة الدنمارك يوم الأربعاء الموافق 14 يناير 2026 في واشنطن (أ.ب)

كاريكاتير البيت الأبيض

ونشر البيت الأبيض كاريكاتيراً على منصة «إكس» أثناء الاجتماع، يظهر زلاجتي كلاب تحملان علم غرينلاند أمام طريقين في تل ثلجي. طريق يؤدي إلى علم أميركي يغطي الشمس فوق البيت الأبيض، والآخر إلى برق خلف أعلام روسية وصينية. لا وجود لطريق يؤدي إلى الدنمارك! في إشارة إلى موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب واستراتيجيته في تصوير مستقبل غرينلاند كخيار بين «الأمان الأميركي» و«التهديد الشرقي»، في حملة نفسية من واشنطن لتصوير الدنمارك كـ«غائبة» عن المعادلة، مما يضغط على غرينلاند للانفصال عن كوبنهاغن.

غير مقبول

واستبق الرئيس ترمب هذا الاجتماع ونشر في وقت مبكر صباح الأربعاء تغريدة على منصة «تروث سوشيال» قال فيها إن أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند سيكون «غير مقبول».

وأضاف ترمب: «تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها حيوية لمشروع القبة الذهبية الذي نبنيه. يجب أن يقود حلف الناتو الطريق لنا للحصول عليها. إذا لم نفعل ذلك، فستفعل روسيا أو الصين، وهذا لن يحدث!». وتابع: «عسكرياً، من دون القوة الهائلة للولايات المتحدة، التي بنيتُ جزءاً كبيراً منها خلال فترة ولايتي الأولى، وأعمل الآن على رفعها إلى مستوى جديد وأعلى، لن يكون حلف الناتو قوة فعالة أو رادعة - على الإطلاق! إنهم يعرفون ذلك، وأنا أيضاً أعرف ذلك». وشدد موجهاً حديثه لدول حلف الناتو: «حلف الناتو يصبح أكثر قوة وفعالية بكثير مع وجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة، وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول».

تحركات عسكرية أوروبية

وقد حشد حلفاء الدنمارك في حلف الناتو - الدول الأوروبية الكبرى بالإضافة إلى كندا - دعمهم لها هذا الأسبوع ببيانات تؤكد مجدداً أن «الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران بشأن المسائل المتعلقة بعلاقاتهما»، وشددوا على أنهم حريصون مثل الولايات المتحدة على أمن القطب الشمالي، وقالوا إنه يجب تحقيق ذلك بشكل جماعي من قبل الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، كما دعوا إلى «التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود».

غادر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض بعد اجتماع مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت في واشنطن العاصمة في 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وحذر مفوض الدفاع الأوروبي أندريا كوبيليوس من أن «الاستيلاء العسكري الأميركي على غرينلاند سيكون نهاية الناتو»، واقترح تعزيز الدعم الأوروبي لغرينلاند، بما في ذلك نشر قوات وبنية تحتية عسكرية مثل سفن حربية وأنظمة مضادة للطائرات من دون طيار، إذا طلبت الدنمارك ذلك. فيما أعلنت السويد إرسال ضباط عسكريين إلى غرينلاند، كجزء من تعزيز الوجود العسكري في الجزيرة التابعة للدنمارك، واكد رئيس الوزراء السويدي اولوف كريسترسون أن الضباط السويديين وصلوا إلى غرينلاند كجزء من مجموعة من عدة دول حليفة للمشاركة في تمارين عملية القطب الشمالي بناءً على طلب رسمي من كوبنهاغن.

ويقول المحللون إن السويد، كعضو جديد في الناتو، وبهذه التحركات ترسل رسالة واضحة للإدارة الأميركية بأن أوروبا لن تترك الدنمارك وحدها، وأن منطقة القطب الشمالي ليست ملعباً أميركياً حصرياً، على أمل أن يدفع ذلك الرئيس ترمب إلى إعادة حساباته.