ماكرون وترمب يسعيان لطي صفحة الخلاف بشأن بناء جيش أوروبي

علاقتهما الشخصية قوية وخلافاتهما عميقة وحقيقة

ماكرون وترمب سعيا أمس إلى «ترطيب الأجواء» (أ.ب)
ماكرون وترمب سعيا أمس إلى «ترطيب الأجواء» (أ.ب)
TT

ماكرون وترمب يسعيان لطي صفحة الخلاف بشأن بناء جيش أوروبي

ماكرون وترمب سعيا أمس إلى «ترطيب الأجواء» (أ.ب)
ماكرون وترمب سعيا أمس إلى «ترطيب الأجواء» (أ.ب)

لم يكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بادي الارتياح عندما نزل من سيارته المصفحة في باحة القصر الرئاسي الفرنسي نحو الساعة الحادية عشرة، وقد اصطف الحرس الجمهوري لتأدية التحية له. كذلك كان معقود الحاجبين داخل القصر وهو إلى جانب الرئيس إيمانويل ماكرون الذي ما انفك يلامسه، كلما سنحت له الفرصة، إن عندما استقبله في الخارج لدى نزوله من السيارة ووقوفه أمام المصورين، أو في الصالون الرئاسي الذي يغلب عليه اللون الذهبي.
وبعكس ما عودنا عليه هذان الرئيسان لدى لقاءاتهما السابقة، أكانت في باريس الصيف الماضي عندما جاء ترمب ضيف شرف لحضور العرض العسكري بمناسبة العيد الوطني الفرنسي، أو في واشنطن لدى زيارة الدولة التي قام بها ماكرون في الربيع إلى العاصمة الأميركية، أو لقاءاتهما في عواصم ومدن أخرى، فبين هذين الرجلين، رغم العلاقات الشخصية القوية، خلافات حقيقية وعميقة تبدأ بملف البيئة ولا تنتهي مع التباعد بشأن الملف النووي الإيراني، حيث إن باريس تقود الفريق الأوروبي الرافض والمناهض لسياسة ترمب وللخروج من الاتفاق النووي وفرض عقوبات على طهران.
جوهر «العتب» الأميركي هذه المرة مختلف وسببه تصريحات أدلى بها الرئيس الفرنسي في مقابلة إذاعية يوم الثلاثاء الماضي، وفيها أشار إلى التهديدات التي تحوم فوض أوروبا وحاجتها إلى بناء «جيش قوي حقيقي» للدفاع عن أمنها. وفي تصريحات ماكرون وردت جملة أثارت حنق ترمب، الذي لم يتردد في الرد عليها قبل هبوط طائرته في مطار أورلي. قال ماكرون: «لن نستطيع توفير الحماية لأوروبا إذا لم نبن جيشاً أوروبياً حقيقياً»، مضيفاً أنه «يتعين علينا أن نحمي أنفسنا إزاء الصين وروسيا وحتى الولايات المتحدة الأميركية». واستطرد ماكرون، بصدد التهديد الثالث، مشيراً إلى عزم إدارة ترمب الخروج من معاهدة نزع الصواريخ النووية متوسطة المدى المبرمة في ثمانينات القرن الماضي مع الاتحاد السوفياتي، بحجة أن روسيا لم تعد تلتزم بها. وجاء رد ترمب عنيفاً، إذ اعتبر تصريحات ماكرون «مهينة جداً» لبلاده. وجاء في تغريدة لترمب مساء الجمعة ما حرفيته: «الرئيس ماكرون أشار إلى أنه يتعين على أوروبا أن تبني جيشها الخاص من أجل أن تحمي نفسها من الولايات المتحدة والصين وروسيا». وزاد في تغريدته: «هذا شيء مهين جداً، وربما يتعين على أوروبا أولاً أن تدفع ما يتوجب عليها للحلف الأطلسي الذي تموله الولايات المتحدة بنسبة كبيرة».
حقيقة الأمر أن جملة ماكرون موضع الخلاف أُخرجت من سياقها، بحيث إنها فهمت أن الولايات المتحدة «تهدد» أوروبا، وهي في ذلك في صف الصين أو روسيا، وهو بالطبع ما لم يعنه ماكرون. وخطأ القصر الرئاسي أنه لم يسارع إلى تصحيح الخطأ، وتوضيح المقصود من كلام الرئيس الفرنسي الذي أكثر من تصريحاته الخاصة بالداخل والخارج في الأسبوع المنتهي. ولم يستفق مستشارو الرئيس من غفوتهم إلا بعد ظهر أمس، أي بعد أن حصل ما قد حصل من توتر فرنسي ــ أميركي فاض عن الموضوعات الخلافية المعروفة، والمشار إليها سابقاً.
كان هم ماكرون، الذي لم يأت بجديد بشأن الدفاع الأوروبي وسبق أن شدد عليه في أكثر من مناسبة أشهرها خطابه في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي في جامعة السوربون، أن يبدد سوء الفهم مع ترمب بأن يعاود التقرب منه حسياً (جسدياً) وسياسياً منذ الكلمات الأولى التي قالها داخل القصر، وقبل بداية جلسة المحادثات من قسمين: مغلق ثم مع الوزراء والمستشارين. وذهب ماكرون بعد الترحيب الحار بضيفه الأميركي والإشارة إلى «الصداقة التقليدية» بين البلدين، التي هي «الأقدم في العالم»، إلى تبني جزء من مطالب ترمب الخاصة بدفع الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف الأطلسي إلى زيادة مساهماتها المالية وهي «لازمة» في كافة خطب ترمب عن الحلف. وقال ماكرون: «أشاطر الرئيس ترمب رأيه في أنه يتعين على أوروبا أن تتقاسم أعباء الدفاع (داخل الحلف الأطلسي)». وأضاف لاحقاً: «ليس من العدل أن يكون أمن أوروبا من مسؤولية الولايات المتحدة وحدها... وأعتقد أنه علينا تعزيز إمكانات أوروبا ودفاعها بحيث نكون قادرين على تحمل جزء كبير من الأعباء كما قال الرئيس ترمب». ولم يتأخر الأخير عن الإشادة بطرح ماكرون، مضيفاً أن بلاده «تريد أوروبا قوية وهذا مهم للغاية». لكنه استدرك بالإشارة إلى أنه يتعين عليها أن تكون «مقاربتها عادلة»، وتتقاسم الأعباء، لأن أميركا لا تستطيع كل شيء، و«أقررنا ميزانية (دفاعية) من 750 مليار دولار... نحن نقوم بجهود، وعلى الكثير من الدول القيام بجهود أيضاً». وتطالب واشنطن بأن تكرس الدول الأوروبية 2 في المائة من دخلها الخام للمسائل الدفاعية، وهو غير متوفر في الوقت الحاضر. والخلاصة أن ماكرون وترمب سعيا إلى «ترطيب الأجواء»، حيث قام كل منهما بخطوة تجاه الآخر: الأول من خلال «تبني» مطالب الرئيس الأميركي، والثاني من خلال التأكيد على «علاقة الصداقة» التي تربطهما والتعاون بينهما بشأن الكثير من «الملفات»، ومنها سوريا والإرهاب، متلافياً الإشارة إلى الملفين الإيراني أو المناخي، أو نزعة واشنطن إلى اتخاذ قرارات أحادية وفرضها على شركائها.
كان ترمب المسؤول الوحيد الذي استقبله ماكرون أمس على انفراد، وكرَّمه مع زوجته بغداء رسمي في قصر الإليزيه، إضافة إلى حضوره حفل العشاء مساء في متحف «أورسي» وغداءً موسعاً اليوم مع كبار الضيوف الآخرين في القصر الرئاسي. وأشارت مصادر فرنسية إلى أن باريس وواشنطن، رغم اختلافهما بشأن الكثير من الملفات، «راغبتان في العمل معاً». وفي كلمته التي سبقت المباحثات، أشار ماكرون إلى الملف السوري وجديده أن العاصمتين تتبنيان اليوم، وفق هذه المصادر، المقاربة نفسها، لا بل إن ترمب كلف ماكرون أن يكون «الناطق» باسمه في القمة الرباعية التي جرت في إسطنبول حول سوريا أواخر الشهر الماضي، التي ضمت روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا. وترى باريس في «انخراط» واشنطن في الملف السوري «ضمانة» لعدم تفرد روسيا وإيران به، كما ترى في «الأهداف» الأميركية من بقاء قواتها ميدانياً (دحر «داعش» واحتواء النفوذ الإيراني المباشر أو بالواسطة والوصول إلى حل سياسي مقبول) تطابقاً مع الرؤية الفرنسية. وتتفق العاصمتان أن لا مشاركة في إعادة إعمار سوريا من غير «انتقال سياسي» لم يحدد أحد مضامينه بدقة. وكانت مواضيع محاربة الإرهاب وحرب اليمن والتجارة وأفريقيا والتعاون العسكري حاضرة أمس على طاولة المحادثات. ورسمياً، لم تكن لترمب لقاءات ثنائية أخرى، ويفترض أن يلتقي الرئيس التركي اليوم «إذا سنحت الفرصة» وفق الرئاسة التركية. أما اللقاء الموعود مع الرئيس بوتين، فيبدو أنه سيتحول إلى لقاء «جانبي» عرضي، لأن الرئيسين سيكونان معاً في احتفال مئوية انتهاء الحرب العالمية الأولى تحت «قوس النصر» صباحاً، كما في غداء الإليزيه. ولن يشارك ترمب في «منتدى السلام» بعكس الرئيس الروسي والكثير من القادة الحاضرين.


مقالات ذات صلة

بعد توقيف الأمير أندرو... ما أكبر الفضائح الملكية في التاريخ البريطاني؟

أوروبا الملكة البريطانية إليزابيث الثانية تلوّح بيدها من شرفة قصر باكنغهام محاطة بابنيها الأمير تشارلز أمير ويلز (على اليسار) والأمير أندرو دوق يورك (على اليمين) عقب عرض عيد ميلاد الملكة في وسط لندن يوم 15 يونيو 2013 (أ.ف.ب)

بعد توقيف الأمير أندرو... ما أكبر الفضائح الملكية في التاريخ البريطاني؟

ليس توقيف الأمير أندرو، المرة الأولى التي تمرّ فيها النسخة الحالية من الملكية البريطانية، أسرة وندسور، بأزمة خلال القرن الماضي تهدّد مستقبل المؤسسة العريقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق زجاجة تحتوي على رسائل بداخلها في كوندينغوب بأستراليا (أ.ب)

بعد 100 عام... العثور على رسائل في زجاجة من جنديين خاضا الحرب العالمية الأولى

عُثر على رسائل في زجاجة كتبها جنديان أستراليان عام 1916، بعد أكثر من قرن، على الساحل الجنوبي الغربي للبلاد.

«الشرق الأوسط» (كانبيرا)
يوميات الشرق سفينة مستشفى تغرق في ساعة وقطعها تنجو بعد قرن (أ.ف.ب)

قطع نادرة من شقيقة «تايتانيك» تخرج من «قبرها» البحري بعد 109 أعوام

تمكّن غوّاصون من استرجاع قطع أثرية من سفينة «بريتانيك»، الشقيقة لسفينة «تايتانيك» المشؤومة، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من قرن على غرقها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا موقع «يونيفيل» في قرية مركبا بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان (رويترز)

مَن سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟

من سوف يدافع عن النظام العالمي الليبرالي؟... تساءل المحلل الأميركي جيمس هولمز عما إذا كان القانون الدولي ما زال سارياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية من النادر أن تتكرر في تاريخ كأس العالم قصة مشابهة لما حدث بنهائي 1954 (ذا أثلتيك)

​كيف فازت ألمانيا الغربية بكأس العالم 1954؟

من النادر أن تتكرر في تاريخ كأس العالم قصة مشابهة لما حدث بنهائي 1954

The Athletic (برلين)

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».