«عمرة والعرس الثاني»... كوميديا سوداء لواقع اجتماعي مرّ

«عمرة والعرس الثاني»... كوميديا سوداء لواقع اجتماعي مرّ

الفيلم الثاني للمخرج السعودي محمود صباغ في عرضه الأول بمهرجان لندن السينمائي
الثلاثاء - 6 صفر 1440 هـ - 16 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [ 14567]
لندن: عبير مشخص
«عمرة والعرس الثاني» عنوان الفيلم الجديد للمخرج السعودي محمود صباغ، الذي قوبل عرضه الأول في مهرجان لندن السينمائي بجمهور كثيف وصالة ممتلئة بسينما فيو بوسط لندن يوم السبت الماضي.

ويبدو فيلم الصباغ الثاني مختلفا عن فيلمه الأول «بركة يقابل بركة» سواء بطرحة الكوميدي الساخر أو بتناوله عدداً من الخيوط التي تلتئم فيما بينها لترسم صورة لمجتمع قاس مع المرأة متحيز للرجل.

الفيلم يدور حول شخصية «عمرة» والذي تؤديه ببراعة وخفة ظل شيماء الطيب رغم أنه أول تجربة لها في التمثيل. شخصية عمرة تعبر بشكل عام وساخر عن المرأة السعودية التقليدية، الزوجة المغلوبة على أمرها والتي يكاد ينحصر وجودها في المطبخ، نبدأ الفيلم معها وهي تعد أطباقا عامرة من الأرز والدجاج تسلمها لزوجها من وراء حاجز ليحملها لضيوفه. البداية مألوفة لكل امرأة سعودية، فهنا عالمها في المطبخ وهو مطبخ جميل في ألوانه وتكوينه، غير واقعي إلى حد كبير ولكنه «مملكتها» كما تقول لابنتها. يمضي بنا الفيلم لنتعرف على عائلة عمرة وبناتها ووالدتها المسنة. تعمل عمرة بشكل دائم، تخبز الكعك المحشو بالتمر لتبيعه في سوق المجمع السكني، ولكنها تبيع بسعر منخفض جدا لترضي زبوناتها اللواتي يستغللن طيبتها أو ربما ضعفها كما يتراءى لهن. الزوج الذي نراه في اللقطات الأولى يختفي عن الشاشة بشخصه ولكنه موجود دائما، الحديث يدور حول نيته الزواج من امرأة شابة جميلة سكنت مع عائلتها في المجمع حديثا، سيتزوج لأنه يريد أن ينجب ولدا. نيابة عنه تتحدث الحماة القاسية في كلامها وطباعها وأيضا الزاعقة دون سبب منطقي سوى ربما لتنميط شخصيتها المتسلطة على زوجة ابنها الضعيفة لصالح تعزيز مكانة ابنها في عالم الذكور.

معاناة عمرة الصامتة حتى الآن تزيد ونراها وهي تحاول مقاومة الوضع الجدي الذي يفرض عليها، لم يواجهها الزوج ولكنه يعرف أنه سيحصل على ما يريد، فهو الرجل الآمر والناهي حتى في غيابه. ومع مغامرات عمرة للوقوف بوجه مشروع الزواج الجديد يتطرق الفيلم لنماذج مختلفة في المجتمع، هناك المجتمع النسائي الذي يختصره المخرج في مجتمع ساكنات الحي السكني، واستعدادهن لقهر روح عمرة المقاومة. هناك الأجيال الجديدة ممثلة في بناتها، الكبرى التي تحمل سخطا كبيرا على مؤسسة الزواج، والابنة الوسطى التي تستسلم لإغراءات الإدمان وهناك الابنة الصغرى التي تنشغل بالموسيقى وبلعب البيانو. عائلة تبدو مفككة لأبعد درجة وأم تحاول المقاومة للمحافظة على منزل مفكك وزوج غائب وعلاقة عاطفية محتملة مع ساكن جديد في الحي مصيرها الفشل.

الفيلم رغم كمية الإحباط التي يصورها ينجح في أن يمرر رسالته عبر نبرة ساخرة سوداوية، وهو ما يؤكده المخرج محمود صباغ في حواره معي بعد انتهاء الفيلم.

- بين الخيال السحري والواقع

أبدأ حواري معه بالقول: «أحس أنك تريد أن تلقي الضوء على موضوع اجتماعي هام ولكن المحيط العام والمكان يبدو متخيلا، نحن هناك ولسنا هناك ولكنك في الوقت نفسه نجحت في وضع تلك الشخصيات الواقعية في هذا المحيط المتخيل، كيف فعلت ذلك؟» يجيبني قائلا: «لم يكن هدفي إخراج فيلم واقعي مر، ولم أهدف لتقديم فيلم يتحدث عن النساء بقالب نظري مغرق في التفاصيل الأنثروبولوجية. اخترت أن تدور الأحداث في مدينة متخيلة واستخدمت أساليب سينمائية غرائبية فيها واقعية سحرية، فالواقع هو أحيانا أقرب إلى العجائبي والغريب وهذا القصد. هناك قصد آخر هو أنني كنت أريد أن أمرر قضية ثقيلة في حياتنا الاجتماعية دون أن أكون مباشراً. المدينة كما تلاحظين متخيلة، البيوت متشابهة والخلفيات الاجتماعية واللهجات كلها حاضرة. أردت القول إنها قصة تمس كل بيت سعودي ولا تمس منطقة معينة فقط».

المرأة والسلطة الذكورية ملخص سريع لقصة الفيلم ولكن هناك تساؤل أطرحه على صباغ بخصوص ذلك، «أعرف أنك تتحدث في الفيلم عن السلطة الذكورية وعن الرجل، ولكن أهم رجل في قصتك وهو الزوج رأيناه في لقطات محدودة جدا، رغم وجود رجال آخرين ولكن غيابه ملحوظ فهل كنت تريد أن تستخدمه كرمز أو كمثل؟». يجيب صباغ قائلا: «كان مقصودا، الحضور الأبوي في الفيلم حاضر في كل مشهد، ولكن لا نراه أمامنا بالضرورة. الأب في الفيلم وظيفته تحتم عليه الغياب لشهور، وهذا الغياب هو السبب في تفكك العائلة كما نراها. في اللقطات القليلة له قصدت ألا أركز على وجهه. هنا يتحول العنصر الأبوي إلى آلة تتصرف بطريقة ميكانيكية أكثر من إنسان له أحاسيس ومشاعر والفكرة الأبوية موجودة في الفيلم عبر فكرة ضرورة إنجاب الولد».

أعلق بأن من مظاهر تفكك العائلة ما نلاحظه في الفيلم في أن البنات يتعاملن مع الأم والجدة بسخرية واستهزاء، يجيب صباغ قائلا: «نعم كل منهم يرمي بإحباطه على الأم وهناك أيضا نوع من عدم الاحترام مع الأم، أيضا قصدت من طريقة التعامل معها وعدم استخدام لقب (أمي). الإشارة للفجوة بين الأجيال، فالجيل الجديد أكثر ثقة ولكنها ثقة قد تنزلق إلى نوع من الوقاحة».

سواء في فيلمه الأول «بركة يقابل بركة» أو في «عمرة والعرس الثاني» نجد أنفسنا مسحورين بكاميرا محمود صباغ فهناك جماليات عالية في اختيار زوايا التصوير والكادرات، سواء في المناظر الداخلية أو في المناظر الخارجية، تعكس كاميرا صباغ جمالية فائقة وربما نوعاً من الشاعرية تتناقض مع الواقع المر الذي تعيشه شخصياته. كمثال لذلك أذكر له أن المطبخ التي تعتبره عمرة «مملكتها» جميل بالفعل، ألوانه مريحة جدا وتفاصيله بديعة ولكن أيضا غير واقعية. يقول: «بذلنا جهوداً خارقة في بناء الديكورات وتركيب المناظر، المطبخ تحديدا قمنا ببنائه بالكامل على أرض فناء وقامت بتنسيقه والإشراف على بنائه زينب المشاط خلف الكاميرا، مع إبراهيم خورمة وهو فنان أردني اشتغل على مستوى تصميم الديكورات. قصدت أن أقدم عوالم فيها بعد سحري ولكن في الوقت نفسه فيها البعد السينمائي الخالص. الفيلم كوميديا سوداء وهو جنس فيه عنصران مهمان، الأول أن الشخصيات القوية والحاضرة والعنصر الثاني أن تكون التصميمات مدروسة وشبه مهندسة لدرجة أننا عملنا لوحة ألوان للفيلم لا تلاحظينها كمشاهدة ولكن العين ستكون مرتاحة طوال الوقت فيه، اعتمدنا على لائحة بألوان الرمل المتدرج وألوان الزرع الأخضر وصولا إلى ألوان السماء الفاتحة ألوان الشتاء في الصحراء السعودية».

الشخصية الرئيسية في الفيلم لها جوانب مختلفة فهي شخصية ذات حضور طاغٍ ولها جاذبية خاصة، بشكل محير تبدو لنا كشخصية قوية ولكن بقدر ما هي قوية فهي ضعيفة، هناك قوة كامنة لا تخرجها لتنقذ نفسها وعائلتها وتقرر الاستسلام في النهاية لواقع مفروض عليها من المجتمع.

خلال الندوة التي عقدت بعد الفيلم أشار صباغ إلى أن فيلمه به لمحة نسوية، فشخصيته الرئيسية امرأة تحارب لإنقاذ حياتها وأسرتها، يقول صباغ موضحاً وجهة نظره «اللمحة النسوية في الفيلم ليس أنها ستجد إجابة حاسمة في حياتها وأنها ستجد الخلاص وأنها ستجد نهاية هوليوودية سعيدة»، (قد تكون ممثلة في الجار الوسيم والسيارة الفارهة والسعادة المرسومة، كما باح به أحد أحلامه)، «خلاص عمرة هو في رحلتها، دفعتها الظروف أن تعمل أشياء لم تكن لتعملها من قبل، فهذا كان مظهر قوة ما». أعلق بأنها استسلمت في النهاية رغم مقاومتها، ويجيب: «استسلمت لأن المجتمع غير متسامح وهي أيضا ضحية في تراتبيات اجتماعية أخرى».

صباغ يشير إلى أن طرحه في الفيلم «ساخر»، ويمتد ذلك حتى لشخصيات نساء ناشطات حاولن إقناع عمرة بأن يقمن بتبني قضيتها على المنابر، يضيف صباغ قائلا: «أنا سخرت من كل الأطراف التي تريد أن تقدم حلا يخدم المرأة ولكنها تمتهنها وتستغلها على مستويات مختلفة، في النهاية طرحي ساخر، مثل ما سخرت من (الشيخ) التقليدي ومن الخطاب القانوني والنسوي والمؤثرين في (السوشيال ميديا)، كل هؤلاء يريدون أن يأخذوا منها لا أن يعطوها».
المملكة المتحدة السعودية سينما مهرجان

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة