معتز موسى...السياسي الإسلامي الخارج من الظل

الاقتصاد التحدي الأكبر لرئيس وزراء السودان الجديد

معتز موسى...السياسي الإسلامي الخارج من الظل
TT

معتز موسى...السياسي الإسلامي الخارج من الظل

معتز موسى...السياسي الإسلامي الخارج من الظل

قبل ساعات قليلة من الخطوة المفاجئة بتكليف معتز موسى بتشكيل الوزارة الجديدة في السودان، قال موسى إن أمامه 400 يوم عمل قبل موعد الانتخابات الرئاسية في 2020، يعمل خلالها بما سماه برنامج «صدمة» قصير الأجل، لمعالجة اختلالات الاقتصاد السوداني. والواقع أن الرجل القليل الكلام يتولى المسؤولية في بلد يعيش أوضاعاً اقتصادية مأزومة، إذ تجاوز معدل التضخم الـ60 في المائة، وتدهور سعر صرف الجنيه السوداني بشكل غير مسبوق، وسط ندرة في الوقود والسلع الرئيسية، وغلاء فاحش في الأسعار.
بمواجهة هذه الأزمات، فإن معتز موسى، وفق كثيرين، بحاجة لـ«عصا موسى لتلقف ثعابين وحبال السحرة» الذين سبقوه، فهل يفلح الرجل في الفترة القصيرة المتاحة بنهاية ولاية الرئيس عمر حسن البشير الحالية في 2020 في إعداد المسرح بأفعال تعيد التوازن لاقتصاد البلاد، بما يمهد الطريق له للحصول على دورة رئاسية «ثالثة»، يسعى حزبه من أجلها لتعديل الدستور، أم أن «الوقت انتهى»؟

كان الناس ينتظرون «وزارة موسى» ليتلمسوا الطريق إلى توجهات جديدة، لكن لدى الإعلان عنها، عشية الخميس، قال كثيرون «إنها شراب قديم في أباريق جديدة»، وإنها كانت «مجرد تنقلات» بين أفراد الطاقم الحاكم، وفقاً لتكهنات أطلقها مراقبون ومحللون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» قبل ساعات من إعلان الوزارة الجديدة.
وعلى الرغم من تسنّم معتز موسى، وهو سياسي معروف بتوجهاته الإسلامية الصريحة، عدداً من المناصب عقب تخرجه في كلية الدراسات الاقتصادية بجامعة الخرطوم 1989، فإنه ظل قابعاً في الظل. لكنه لفت الأنظار أول مرة خلال برنامج حواري تلفزيوني على إحدى الفضائيات المصرية. وعن هذه الإطلالة اللافتة، قال الصحافي ضياء الدين بلال، في مقال: «لا يوجد مقطع فيديو احتفى به مناصرو الحكومة ومعارضوها، على السواء، مثل الاحتفاء بذلك المقطع من حوار لميس الحديدي مع معتز موسى، وهو يردُّ على أسئلتها الاستفزازية والاستدراجية بثباتٍ وثقةٍ قلما تجود بهما حوارات المسؤولين. قُوَّة حجَّة مُعتز ألجمت لميس، وأعجبت السودانيين في كُلِّ مكان، فتناقلوها عبر وسائط التواصل الاجتماعي على أجنحة الفخر».
بلال رأى - بحسب المقال - أن موسى يعد من أكثر الوزراء مقدرةً على التعبير عن سياسته، والدفاع عنها بمنطقٍ قوي ولسانٍ مُبين، وأردف أنه تلقى رسالة من إعلامي بارز خلال تلك الفترة، فحواها: «هذا الوزير جديرٌ بتقلُّد منصب رئيس الوزراء»، وهو سقف يلامس أحلام الكثيرين؛ أن يستخدم الرجل «عصا موسى» في مواجهة الأزمة.
بيد أن عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، صديق يوسف، يذهب إلى القطع بعدم قدرة النظام، وليس الرجل، على مواجهة الأزمة، سواء استخدم عصا موسى أو استعان بسحرة سليمان، ومن ثم استطرد قائلاً: «حل الحكومة، وإعادة تشكيل الوزارة، ليس حلاً لمشكلة السودان». ورأى يوسف أن التغيير في الطاقم الحاكم ليس نتيجة حاجة عملية، بل تعبير عن «صراعات داخل الحزب الحاكم، وتوازنات يعرفونها هم». وبالتالي، لا قيمة لاختيار شخص أو إعفاء آخر. وتابع شارحاً: «ما لم تتغير السياسات، فلن يحدث جديد، سواء كان رئيس الوزراء معتز موسى أو بكري حسن صالح»، مضيفاً: «ما حدث لا يعني الشعب السوداني في شيء، بل يعبر عن صراعات ومصالح مراكز النفوذ».
في المقابل، فإن أسامة توفيق، القيادي الإسلامي المنشق عن الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني)، الذي سبق له أن عايش معتز موسى في أثناء توليه وظيفة «قنصل» في سفارة السودان في بون، بألمانيا الاتحادية، وكذلك إبان الحرب في جنوب السودان، التي كان أحد قادتها الميدانيين، وكان موسى أحد مقاتليها، يقول عن موسى خلال تلك الفترة: «إنه رجل متدين للغاية، وكان مكتبه مفتوحاً للسودانيين. ولقد استغل وجوده هناك (في بون) في تأهيل نفسه، إذ تعلم اللغة الألمانية وأجادها، وحصل على درجة الماجستير في السياسة الدولية»، ويضيف: «كان يسكن شقة صغيرة لا تليق بقنصل، ولا بزوجته هالة بنت رجل الأعمال الإسلامي الشهير الطيب النص»، ويستطرد: «كان يركب سيارة قديمة من طراز (مرسيدس)، ثمنها في حدود 600 دولار، وأشهد له بالنظافة ورفض استغلال النفوذ».
ويوضح توفيق أن موسى نقل بواسطة أسامة عبد الله، وزير الكهرباء والسدود الأسبق المثير للجدل، إلى إدارة السدود، مضيفاً: «كان أحد أبناء أسامة عبد الله. وخلال عمله في السدود، كنا نلتقي في المناسبات». ومن ثم، تنبأ توفيق لرئيس الوزراء الجديد بالفشل في مهمته، رغم الميزات الشخصية التي رواها عنه بقوله: «كتبت تغريدة بأن معتز مؤهل ونظيف، فرض عليه تحكيم مباراة في السنترليغ، بدار الرياضة أم درمان، في يوم عاصف وممطر»، ثم تابع موضحاً: «أن تشتغل مع الرئيس عمر البشير، فأنت فاشل من البداية... كل شيء سيسلم له كروشتة طبيب عليه تنفيذها، بما في ذلك روشتة أسماء الوزراء»، واستطرد: «اختياره لم يأت لكونه مؤهلاً، بل لأن الرئيس فقد الثقة في المؤتمر الوطني، فأصبح يستعين بأقاربه... ولهذا، لا أتوقع له النجاح، ليس لضعف فيه، بل لأنه سيكون مكبلاً».

- بطاقة شخصية
ولد معتز موسى عبد الله سالم، وهذا هو الاسم الكامل لرئيس الوزراء الجديد، في منطقة صراصر، التابعة لمحلية الحصاحيصا، بولاية الجزيرة، في وسط السودان، عام 1967. وتجمعه صلة رحم بالرئيس عمر حسن البشير، كما أنهما يتحدّران من منطقة واحدة. وقد تخرج في كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بجامعة الخرطوم 1989، بدرجة بكالوريوس الإدارة والمحاسبة. وفي عام تخرجه، حدث انقلاب 30 يونيو (حزيران) 1989، الذي جاء بالإسلاميين الذين ينتمي إليهم، وبالرئيس البشير، للحكم، وهو ما أتاح له التقلب في المناصب حتى عين رئيساً للوزارة، الأحد الماضي.
يقول زملاؤه في الجامعة إنه كان ملتزماً بوضوح بـ«الحركة الإسلامية» - التنظيم السياسي للإسلاميين السودانيين حينذاك - لكنه لم يكن يشارك في النشاط العلني و«أركان النقاش» التي كانت تعقد في الجامعة، أو العمل السياسي المباشر. وثمة مَن يقول إنه كان «رجل تنظيم»، بالإضافة إلى كونه طالباً جاداً ومجداً في التزامه الأكاديمي. ونقلت تقارير صحافية محلية أن موسى في تلك الفترة كان مواظباً على الوجود في «مسجد جامعة الخرطوم»، وهو مسجد عزيز على الإسلاميين السودانيين، ترعرع فيه نشاطهم الطلابي، بل والحزبي والسياسي، وكانوا يتوافدون للصلاة فيه من كل أنحاء الخرطوم، بمن في ذلك زعيمهم الراحل الدكتور حسن الترابي الذي كان يتردد عليه كثيراً.
وتوضح هذه التقارير أن موسى كان من كبار المعجبين بالترابي، لدرجة أنه كان يقلد طريقته في الحديث باللغتين العربية والإنجليزية، وأنه كان ملتزماً برياضة المشي التي كان يمارسها بصرامة، وفي الوقت نفسه كان يحتفظ بعلاقات جيدة مع زملائه الطلاب.

- حرب الجنوب
شارك موسى عقب تخرجه من الجامعة في الحرب الأهلية بجنوب السودان، ضمن كتائب «المجاهدين»، وخاض عدداً من المعارك. ووفق كلام أسامة توفيق: «التقيته هناك عندما كنت الآمر الفعلي للقوات التي كانت تقاتل في الجنوب». ولقد خسر موسى شقيقه أبا ذر في المعركة الشهيرة التي تعد من كبريات معارك الإسلاميين ضد التمرد الذي كانت تقوده «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بقيادة الراحل جون قرنق، وهي معركة «الميل 40». وبعد ذلك، أتاح له تخرّجه بالتزامن مع انقلاب الإسلاميين التقلّب في الوظائف؛ ذلك أنه في أعقاب التخرّج مباشرة عمل في «المركز القومي للإنتاج الإعلامي»، وهو المكان الذي تولى صناعة الدعاية الحربية، أو ما اصطلح الإسلاميون على تسميته «الجهاد».
ثم بعد العمل في «المركز القومي للإنتاج الإعلامي»، التحق موسى بالسلك الدبلوماسي، بداية في رئاسة وزارة الخارجية (1992 - 1994)، بوظيفة سكرتير ثالث، ثم ابتُعث قنصلاً إلى سفارة السودان في بون، عاصمة جمهورية ألمانيا الاتحادية (1994 - 1998). وبعيد عودته من ألمانيا، استعان به وزير الكهرباء والسدود في حينه، أسامة عبد الله، وكان موسى أحد تلاميذه. وهناك، تنقل بين عدد من الإدارات، إلى أن تولى منصب مدير الإدارة العامة وتمويل المشروعات (1998 - 2013).
وفي عام 2013، كلف معتز موسى بحقيبة وزير الري والكهرباء، وهي الحقيبة الوزارية التي ظل محتفظاً بها حتى تعيينه رئيساً للوزارة. وتعتبر إدارة العملية التفاوضية على ملف النزاع الثلاثي على «سد النهضة» واحدة من أهم الملفات التي تولاها. ويرى خبراء متابعون أنه أسهم في تقريب الشقة بين المصريين والإثيوبيين، على الرغم من السخط المصري المعلن حول إدارة السودان لسد النهضة، باعتباره «مهادناً لإثيوبيا على حساب مصر».
غير أن مراقباً، طلب التكتم على اسمه، أفاد بأن موسى «كان يدير ملف التفاوض على سد النهضة من وجهة نظر التناقضات السياسية بين النظامين المصري والسوداني»، وأن إدارته للملف «كانت تستهدف الضغط على مصر للحصول على تنازلات، خصوصاً في النزاع على مثلث حلايب».
مناقب الرجل ومثالبه ظلت محل جدل بين مقرظ ومنتقد. وفي هذا، وصفه نائب رئيس الوزراء السابق مبارك المهدي، في حديث لـ«الشرق الأوسط» قبل أشهر، بأنه من القلة النادرة التي كانت تدير ملفات وزاراتها بقدرات سياسية ومهارة تنفيذية عالية تؤهله لمنصبه. لكن مصدراً آخر قال للصحيفة: «إنه مطيع لرؤسائه، شديد على مرؤسيه، وهو سبب اختياره رئيساً للوزارة».

- منصب تشريفي
في أي حال، ومع تضارب الآراء بشأن شخص رئيس الوزراء السوداني الجديد، فإن رئيس تحرير صحيفة «التيار» المستقلة، عثمان ميرغني، بدا غير متفائل البتة، إذ قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً: «لا أعتقد أن بيد موسى ما يمكّنه من تغيير الأحوال، لأن منصب رئيس مجلس الوزراء منصب أقرب إلى المنصب التشريفي... ولا يعطي سلطات أصيلة لشاغله، والسلطة الأصيلة الوحيدة المتاحة له هي إدارة جلسات مجلس الوزراء»، وهذا باعتبار النظام الرئاسي السوداني يكرّس السلطة التنفيذية الفعلية بيد رئيس الجمهورية.
ووصف ميرغني الفترة المتبقية من عمر الدورة الرئاسية (400 يوم) بأنها قصيرة، تتخلها فترة الإعداد للانتخابات، التي ستكون فيها الحكومة شبه مشلولة، وهو ما لن يمكنه من تنفيذ أية برامج جديدة. لذلك، لن تتعدى هذه الفترة كونها فترة تكميلية للبرامج الموجودة. ويتابع: «والواقع أنه ليس هنالك برامج، بل هنالك أزمات! وفي مثل هذه الظروف، يصعب أن يكون هناك عمل يمكن أن يؤديه الرجل خلال هذه الفترة القصيرة».
ويشير ميرغني إلى «عوامل عرقلة إضافية» تواجه موسى، وتتمثل في ما سماه «الانشقاقات التي تجري بصمت أو بصخب داخل حزب المؤتمر الوطني، وحالة الاستقطاب داخله، بجانب القضايا الخارجية المحيطة بالسودان، التي تعتصره من زواياه جميعها، بما يشبه الحصار الاقتصادي إقليمياً ودولياً». ومن ثم، يقطع ميرغني بأن رئيس الوزراء الجديد «مهما كانت قدراته الشخصية، ومهما كان التعويل عليه، لا يملك سلطة أصيلة تمكنه من تنفيذ ما في ذهنه، لأنه محكوم بما هو موجود، والمطلوب منه تنفيذه فقط».
من جهة أخرى، ينقل المحلل السياسي محمد لطيف، مدير مؤسسة «طيبة برس»، عن موسى اعترافه بأن أمام وزارته جملة مهدِّدات سبق أن واجهت الوزارة السابقة، واعترافه أيضاً بهشاشة التشكيلة على أصعدة الإدارة والمتابعة والتقييم «ما جعل الناس تنظر للواقع بعدم ثقة، والمستقبل بشكوك كبيرة».
ويضيف لطيف، الذي تجمعه صلة مصاهرة بالرئيس البشير، وبالتالي رئيس الوزراء الجديد، أن معتز موسى أبلغه بأن المعالجة التي سيتبعها في إدارته للوزارة ستقوم على «تكريس مبدأ حسن الإدارة، وبوعي كامل ودراية بأي قضية من كل جوانبها، ووضع برنامج محدد الملامح والرؤى، وبإطار زمني للتنفيذ، وتوفير مقومات ومدخلات ذلك التنفيذ».
وختاماً، فإن السودانيين يأملون في أن ينتشل موسى النجاح من فك الصعاب، ويطعمهم المن والسلوى. إلا أنهم في المقابل يخشون أن يكون برنامج «علاج الصدمة» الذي أعلنه طامة كبرى جديدة تضاف إلى أزماتهم، ذلك أن تشكيل الوزارة التي أعلنت أخيراً، والطريقة التي أعلنت بها، دعمت الشكوك بأنه لن تقدم جديداً. وهذا ما ذكره محلل طلب إغفال اسمه، بقوله: «لو كنت مكانه، لتقدّمت على الفور باستقالتي. أظنها أمليت عليه لأن شخصاً غيره أعلنها، وليس من داخل مجلس الوزراء، بل من مباني الحزب الحاكم»!


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.