الخميني... قائد سياسي أم مجرد «آية الله» آخر؟

معضلات سياسية ودينية أخرت صدور سيرته 40 عاماً

صورة أرشيفية للخميني متوسطاً أنصاره خلال إلقائه خطاباً في طهران (غيتي)
صورة أرشيفية للخميني متوسطاً أنصاره خلال إلقائه خطاباً في طهران (غيتي)
TT

الخميني... قائد سياسي أم مجرد «آية الله» آخر؟

صورة أرشيفية للخميني متوسطاً أنصاره خلال إلقائه خطاباً في طهران (غيتي)
صورة أرشيفية للخميني متوسطاً أنصاره خلال إلقائه خطاباً في طهران (غيتي)

للوهلة الأولى، ربما يبدو من المثير للدهشة أنه بعد 40 عاماً على صعود آية الله روح الله الخميني كعنصر رئيسي بالساحة السياسية الإيرانية، تظهر اليوم فقط سيرة ذاتية رسمية له بالأسواق طرحتها السلطات الرسمية في طهران.
ومع هذا، فإن دراسة هذا الكتاب الضخم تكشف أن هذا التأخير ربما جاء نتيجة عجز المؤسسة الحاكمة عن الوصول لإجماع بخصوص نمط الصورة التاريخية التي يتعين الترويج لها بالنسبة لرجل الدين المثير للجدل.
ومن شأن طرح الخميني باعتباره مجرد آية الله آخر، حتى وإن كان لقب «العظمى» مرتبطاً بلقبه، فإن هذا سيضعه في زمرة المئات من رجال الدين الآخرين الذين حملوا اللقب ذاته على امتداد الأعوام الـ200 الأخيرة، باعتبار أن مثل هذه الألقاب أصبحت رائجة في صفوف رجال الدين.
على الجانب الآخر، فإن طرح صورة الخميني باعتباره قائداً سياسياً، دور اضطلع به بالفعل خلال العقد الأخير من حياته الممتدة، سيقوض الادعاء السائد بين أتباعه بأنه كان شخصاً «مقدساً»، وبالتالي فوق السياسة.
وينطوي تصوير الخميني باعتباره قائداً للحكومة على معضلة مشابهة، خصوصاً أن العقد الذي تمتع خلاله بسلطة إعدامات جماعية وحرب مكلفة في مواجهة العراق وفساد ممنهج بدأ بمصادرة ما يقرب من ربع مليون شركة ومنزل خاص من قبل الملالي الثوريين وحلفائهم.
أما وعود الخميني للإيرانيين فسرعان ما انهارت على نحو يدحض أي ادعاء بنجاحه قائداً للحكومة. وكان الخميني قد أعلن ذات وقت أنه: «لن نجعلكم تزدهرون في حياتكم الدنيوية فحسب، وإنما كذلك الروحية. أنتم بحاجة للحياة الروحية، لكنهم جردونا منها. إننا لن نوفر لكم فقط خدمات مياه وكهرباء مجانية ونبني لكم منازل ونوفر مواصلات مجانية للطبقات المحتاجة، وإنما سنعمل كذلك على الارتقاء بكم كبشر».
بالنسبة للمؤلف الذي وضع هذه السيرة الذاتية، فقد اختار صورة مختلفة تتوافق على نحو أفضل مع الأسلوب الذي ينظر به أتباع الخميني إليه، أي باعتباره شخصية محورية داخل طائفة دينية جديدة، التي رغم أنها استوحت إلهامها من المذهب الشيعي فإنها تجاوزته في عدد من الجوانب المهمة.
يقسم المؤلف هدايت الله بهبودي الكتاب إلى ثمانية أقسام كبيرة و18 فصلاً.
يتناول القسم الأول سرداً تفصيلياً للخلفية الأسرية للخميني يسلط الضوء على جذوره المنتمية لمنطقة ريفية في إيران، حيث لم يطرأ تغيير يذكر على الأفكار السائدة هناك منذ تولي الأسرة الصفوية مقاليد الحكم بالبلاد في القرن الـ16.
وكشف بهبودي أنه منذ وقت مبكر أبدى الخميني الشاب رغبة حثيثة في فعل شيء مختلف. ولكونه رجل أفعال بطبيعته سيطرت عليه الرغبة في فعل شيء داخل منطقة ريفية تحمل اسم خميني، حيث لا يوجد شيء سوى نمط حياة ثابت يتكرر يومياً منذ قرون. في تلك الأيام، بل وربما على مدار حياته، وجد الخميني نفسه في مواجهة الملل والرتابة. وقد راودته الرغبة في أن ينجز أشياء، وأن يكون محور الأشياء من حوله. ومع هذا فإنه باعتباره رجل دين كان لزاماً عليه التحلي بالهدوء وقراءة الكتب ومحاولة إحصاء النعم والشكر عليها.
ويستحق المجهود الذي قدمه بهبودي في هذا الجزء من الكتاب الشكر، نظراً لعدم توافر سوى القليل من الأدلة الموثقة بشأن الحياة المبكرة للخميني.
ومع هذا، أخفق مؤلف هذه السيرة الذاتية في الإشارة إلى حدث بالغ الأهمية: صعود رضا شاه بهلوي إلى عرش البلاد، الملك الذي حاول تحديث إيران، وفي خضم ذلك خلق فرصاً غير مسبوقة أمام أسر مثل تلك التي ينتمي إليها الخميني كي تتطلع نحو حياة أفضل في المستقبل.
وفي هذا الإطار حظي الخميني الشاب بفرصة خوض دراسات دينية في البداية بمدينة آراك القريبة، وفي وقت لاحق بمدينة قم.
ويتناول الجزء الثاني من الكتاب ما يقرب من أربعة عقود من حياة الخميني كرجل دين، ودراسته، ثم تدريسه لاحقاً العلوم الدينية. وحرص المؤلف على المبادرة إلى تحديث موقف الخميني كرجل دين على نحو يتعارض مع حقائق مذكورة في عديد من الكتب والشهادات. الحقيقة أن الخميني لم يصل قط إلى رأس السلطة داخل الهيكل الشيعي التقليدي. ولم يكن الخميني قط سوى رجل من الدرجة الثانية.
أما القسم الثالث فيتناول مغامرات الخميني بعالمي الفلسفة والشعر دون نتائج إيجابية. واليوم ربما لم يتبق شيء من محاولات الخميني خوض مجال الفلسفة، وربما يكون ذلك نتيجة لرغبة ورثته في عدم فضح جهله بالفلسفة. بالنسبة للشعر، يبدو أن الخميني سعى للدخول في مواجهة مع شعراء كبار مثل مولوي وحافظ لكنه عاد بهزيمة مذلة. ولإدراكه أنه شاعر متوسط المستوى، حرص الخميني على إبقاء قصائده سراً في حياته. وبعد وفاته بدأ نشر أشعاره التي جاء مستواها مثيراً للحرج.
في القسم الرابع من الكتاب، نجد أن الخميني يتحول شيئاً فشيئاً إلى ناشط سياسي. فبمرور الوقت أصبح منبهراً بجماعة «فدائيي الإسلام» التي تعد بمثابة النسخة الشيعية من «الإخوان المسلمين»، وزعيمها صاحب الشخصية الكاريزمية محمد نواب صفوي. ونظراً لعشقه المستمر للأفعال، حظي الخميني ببعض اللحظات المثيرة في حياته الأولى بفضل «فدائيي الإسلام»، فقد وفر غطاءً من الفتوى لسلسلة من الاغتيالات السياسية مع إقدام أتباع نواب صفوي على اغتيال الكاتب أحمد كرسوي الذي كان معارضاً لرجال الدين ووزير التعليم أحمد زنغنه ووزير شؤون المحاكم عبد الحسين الزاهر وأخيراً رئيس الوزراء حاج علي رازم آرا.
ويتناول القسم الخامس ظهور الخميني كمنتقد بارز للشاه وقائد للمعارضة ضد عدد من الإصلاحات مثل توزيع الأراضي بين فقراء الفلاحين، ومنح حق التصويت للمرأة، وسيطرة الدولة على ممتلكات الأوقاف، وبالتالي حرمان الملالي من مصدر كبير للدخل.
ويرسم القسم السادس ملامح حياة الخميني في المنفى، في البداية بمنتجع بتركيا ثم في النجف بالعراق. والمؤسف أن بهبودي يكاد يكون قد تجاهل تماماً النشاطات السياسية المحمومة للخميني هناك، بما في ذلك عقد اجتماعات وتحالفات مع زعيم حزب «توده» الشيوعي، رضا رادمنش، والرئيس السابق للشرطة السرية في عهد الشاه الجنرال تيمور بختيار، ناهيك عن عدد من القيادات الفلسطينية بينهم ياسر عرفات.
ويتناول القسم السابع الأحداث التي أطلق عليها «الثورة الإسلامية». وقد استمرت الأحداث المحورية أربعة شهور فقط كان خلالها الخميني في المنفى بباريس. واتسمت هذه الفترة بثماني مظاهرات ضخمة وسلسلة من الإضرابات ضد الشاه بهدف إقناعه بالرحيل عن البلاد دون قتال.
أما القسم الأخير فيتناول ظهور الجماعة الموالية للخميني، التي تحولت على امتداد العقود الأربعة الماضية إلى ما يشبه طائفة دينية جديدة.
فقد نال الخميني لقب «الإمام»، وهو لقب يرى الشيعة أنه يقتصر على ابن عم النبي محمد وزوج ابنته، علي بن أبي طالب و11 من نسله. وتضم العطلات الرسمية في إيران 12 إجازة ترتبط بالخميني وإجراءات اتخذها، بينما يرتبط يومان فقط بعلي نفسه. كما غيرت الجمهورية الإسلامية المناهج الدراسية عما كانت عليه في عهد الشاه من خلال اقتطاع ساعة من الوقت المخصص لتدريس اللغة العربية والشريعة، وتخصيصها بدلاً من ذلك لدراسة أقوال وأفعال الخميني.
ويوجد ضريح خاص للخميني بني بتكلفة ضخمة وبتصميم مبهر. ويطرح حفيد الخميني، حسن، وهو رجل دين، نفسه باعتباره حارس الأضرحة «المقدسة» في مشهد وقم والنجف وكربلاء. ويجري تنظيم رحلات حج بانتظام إلى ضريح «الإمام» قرب طهران، غالباً على نفقة الحكومة. وظهرت صور الإمام الخميني على الكثير من الأشجار والتلال بمختلف أرجاء البلاد، بحيث يمكن رؤيتها من الطائرة. ويحرص كبار المسؤولين، بما في ذلك «المرشد الأعلى» الحالي علي خامنئي، على اقتباس مقولات للخميني باستمرار لتعزيز مواقفهم وحماية أنفسهم من النقد.
بوجه عام يعتبر كتاب بهبودي إضافة قيمة تفيد في فهم أسلوب تفكير النخبة الحاكمة الحالية داخل طهران، باعتبارهم أشبه بمذهب ديني جديد، وهم يبتعدون بمرور الوقت عن المفاهيم السياسية المتفق عليها على نطاق واسع. وبالتأكيد يبقى التعامل مع نخبة سياسية أسهل من التعامل مع طائفة دينية. وهنا تحديداً يكمن لب المشكلة المتعلقة بالتعامل مع الجمهورية الإسلامية في صورتها الراهنة.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً