خافيير سيركاس: لا يمكن فهم الأدب الإسباني من دون التراث العربي

روايته «جنود سلاميس» الأكثر انتشاراً ترجمت أخيراً إلى العربية

خافيير سيركاس
خافيير سيركاس
TT

خافيير سيركاس: لا يمكن فهم الأدب الإسباني من دون التراث العربي

خافيير سيركاس
خافيير سيركاس

الانطباع الأول الذي تكون لدي عن الكاتب الإسباني خافيير سيركاس هو أنه بحر من المعرفة، حيث تحمل كل إجابة من إجاباته تاريخ وتأملات عميقة تمثل الخيوط المحركة للأحداث في أعماله التي تشتهر بما تحمله من إسهامات تاريخية، وفلسفة، وقدر كبير من حسّ الدعابة. وأبدى سيركاس سعادته بالتحدث إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، خصوصا أن روايته الأكثر مبيعاً «جنود سلاميس» قد ترجمت أخيراً إلى العربية. هنا حوار معه:
> ترجمت روايتك «جنود سلاميس» أخيراً إلى العربية، وهي أكثر رواياتك انتشاراً. هل تعتقد أنها ستلقى استجابة مماثلة عند القارئ العربي ذي الثقافة المختلفة؟
- الأدب هو ما يجعل الخاص عاماً. ما يحدث لي أو لشخص ما في مكان ما هو ما يحدث لنا جميعاً. يتمتع الأدب، إذا كان حقيقياً، بهذه القدرة على الوصول إلى العالم أجمع. رواية «دون كيخوته» تثير اهتمام الجميع رغم أن الرجل الذي يفقد صوابه يوجد في لا مانشا، لكن هذا يعبر عنا جميعاً على نحو ما.
أنا سعيد للغاية بمعرفة أن هناك من يقرأ رواياتي التي تعبر عن ثقافة تبدو مختلفة تماماً، لكنها في الحقيقة ليست مختلفاً كثيراً، فنحن عرب وقد جئنا من هناك، وتلك أصولنا، وذاك تراثنا أيضاً. للأسف تم حرماننا من ذلك التراث نظراً للحديث طوال قرون عن إسبانيا التي تم بناؤها تحديداً من خلال ما يسمى بإعادة الغزو، وبسبب قرون طويلة أقام فيها العرب في إسبانيا، ثم تكونت إسبانيا من تمازج الأجناس مع العرب، وكان هناك يهود أيضاً، وتم سرقة ذلك التراث العربي بشكل ما لأنه يخبرنا قصة إسبانيا التي تم إسقاط ذلك التراث منها، ولم يبق سوى التراث المسيحي. إن هذا تزييف كامل للماضي لأن الثقافة الإسبانية مولودة من هذا الخليط الذي ظل باقياً.
تزخر اللغة الإسبانية بالتأثيرات العربية سواء في الطعام والأدب، حيث لا يمكن للمرء فهم الأدب الإسباني العظيم دون التراث العربي، في الشعر على سبيل المثال. العمارة أساسية أيضاً، فنحن بلد يتسم بالتعددية والتمازج مثلنا جميعاً، لكن يأتي ذلك التمازج في حالتنا من الثقافة العربية، ولم يتم استعادة ذلك حتى منتصف القرن الماضي. يتعلق الأمر بالاعتراف بالحقيقة وهي أننا من هناك.
> لماذا لم يتم الاعتراف بذلك؟
- السبب واضح ومؤكد وهو السلطة والسيطرة؛ السيطرة على الماضي والحاضر. لذا نحن كروائيين نشكك دوماً في هذه الرواية عن الماضي التي تمنحنا القوة والسيطرة، وينبغي علينا كمواطنين القيام بذلك أيضاً. تلك الرواية كانت للحكام الكاثوليك الذين طردوا العرب من إسبانيا، فهم من أرادوا ترسيخ تلك الرواية، التي تؤكد أنه ليست لنا علاقة بالعرب، وأنهم مختلفون عنّا، فنحن كاثوليك أوروبيون، وقد أرادوا جعل تلك الرواية ملائمة للحاضر حتى لو كان ذلك عبر التزييف.
تتناول رواية «المحتال» التي أقدمها هذه القضية، فليس إنريك ماركو، الذي يمثل نموذجاً واضحاً لذلك، فهو يخترع ماضياً لنفسه، عبارة عن ملحمة؛ ماضياً عاطفياً، وهو ما نفعله جميعاً في النهاية، خاصة من هم في السلطة، حين يتعلق الأمر بماضٍ سيء مليء بالحروب. لقد كذبنا فيما يتعلق بماضينا، وتخيلنا إسبانيا كاثوليكية خالصة غير «ملوثة» بالثقافات الأخرى، وهذا أمر كارثي لأن كل ما هو جيد في بلادي نتاج الديانات والثقافات واللغات المختلفة، لكن تم إخفاء ذلك عنا.
> هل للأدب العربي أثر على أعمالك؟
- التراث العربي متجذر بشدة في الأدب الكلاسيكي الإسباني كما روائع القرون الوسطى والعصر الذهبي. كان ثربانتس رجل على اتصال حقيقي بالثقافة العربية، وكتاب «الحب الفاضل» من الكتب الرئيسية والثورية في الأدب الإسباني التي لا يمكن فهمها دون الاتصال بالعرب، لكنني أجهل الأدب العربي المعاصر كثيراً.
> الحقائق والأكاذيب حاضرة دوماً في أعمالك. كيف يمكنك تحليل التوجه السائد الآن في «زمن الأخبار المكذوبة»؟
- لطالما كان الكذب حاضراً، ولطالما يلجأ كثير من السياسيين إلى الكذب في السياسة. ما يحدث حالياً مرتبط بتلك الحقيقة العالمية والأبدية، فالرجال والنساء يكذبون. ربما ما يحدث هو أن الحقيقة الأساسية في عصرنا هي سيطرة وسائل الإعلام بشكل يفوق الواقع ويتجاوزه. لا تعبر وسائل الإعلام عن الواقع فحسب، بل تصنعه. ما لا يوجد في وسائل الإعلام لا يوجد في واقع الأمر، حيث تزايد نفوذها، لذا أصبحت القدرة على نشر الأكاذيب أكبر من الإنسان، ويعني هذا أننا نعيش في عالم تحيطه الأكاذيب نظراً لقدرة وسائل الإعلام وتنوعها بشكل هائل. لم يعد على المرء إنشاء صحيفة وإنفاق الملايين لنشر الحقائق أو الأكاذيب، بل يكفي أن يكون لديك حساب على موقع الـ«فيسبوك». لقد ازدادت الأكاذيب قوة عن أي وقت مضى.
من الأمور التي اكتشفتها أثناء تأليفي لرواية «المحتال» هي أننا معشر البشر كثيراً ما نفضل الكذبة على الحقيقة لأنها أجمل، وأكثر رومانسية، ومجاملة، ولأن الحقيقة كثيراً ما تكون قبيحة، وقاسية، ومحزنة، ومعقدة.
وجود الصحافة ضروري أكثر من أي وقت مضى، لكنها لم تعد كافية لمعرفة الحقائق، فعليك تحليل وتفكيك الأكاذيب التي يتم نشرها مع الحقائق.
> أي من أعمالك ترشحه لقرائنا، إضافة لـ«جنود سلاميس»؟
- كانت رواية «جنود سلاميس» هي التي جعلتني كاتباً محترفاً. تبدو أعمالي وكأنها تتناول الماضي، لكنها دائماً ما تتحدث عن الحاضر. إنها تتحدث عن ماضٍ لم يحدث بعد. تتناول تلك الرواية قصة عالمية حدثت أثناء الحرب الأهلية الإسبانية، لكنني تحدثت عن قصص مماثلة في كثير من مناطق العالم. إنها قصة مجموعة من سجناء الفاشية الذين أطلق حرس الحدود الفرنسية النار عليهم في نهاية الحرب الأهلية الإسبانية المروعة الفظيعة. تمكّن أحدهم من الفرار من ذلك الإعدام الجماعي بمعجزة، والاختباء، وبينما يبحث عنه الجمهوريون لقتله، يجده أحدهم فجأة، ويصوب السلاح نحوه ليقتله، وبينما ينظر في عينيه يأتي صوت من جهة رفاقه يسأله عما إذا كان قد وجد السجين الهارب أم لا. وبينما يتطلع ذلك الشاب إليه، يجيب قائلا إنه لم يجد أحداً، ويخفض سلاحه، ويستدير مغادراً. روى ابن البطل هذه القصة لي وقد أذهلتني، وجعلتني أتساءل عن السبب الذي يدعو المرء إلى إنقاذ حياة عدو. يحقق رجل صحافي يدعى خافيير سيركاس في هذه القضية.
> من أين لك بفكرة المؤلف الذي يصبح بطل الرواية؟
- من الصحافة على ما أعتقد. لم أكن صحافياً، لكني بدأت أكتب روايات وأحداث تاريخية، وأدركت أنه بإمكاني استخدام ذلك. في كل الأحوال تعلمت تلك الطريقة في رواية «جنود سلاميس»، فقد كنت دوماً أؤلف روايات قريبة جداً من تجربتي الشخصية، لكن في تلك الرواية كنت بحاجة إلى الرجل الذي يدعى سيركاس، لأن كل الشخصيات كانت لها أسماء حقيقية، فقلت لنفسي إنه إذا كانوا جميعاً لهم أسماء حقيقية، فيجب أن يكون للراوي اسمه الحقيقي أيضاً، ويجب أن يكون خافيير سيركاس حتى لو لم يكن أنا.
> هل هناك اختلاف كبير؟
- نعم إنه قناع
> للاختفاء؟
- أو ربما لكشف الحقيقة. قد يحمل خافيير سيركاس في الرواية أكثر مما أحمله أنا شخصياً. إنه وسيلة وأداة للحكي. يظهر سيركاس الذي نتحدث عنه بعد ذلك في روايات أخرى لي بطرق مختلفة تماماً. على سبيل المثال يشبهني سيركاس في «المحتال» تماماً.
> ما هي كلمتك الإسبانية المفضلة؟
- لا. عليك تعلم قول كلمة لا.


مقالات ذات صلة

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

ثقافة وفنون دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
TT

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)

غيّب الموت، اليوم، الفنانة التشكيلية المصرية زينب السجيني عن عمرٍ ناهز 96 عاماً، لتطوي برحيلها صفحة فنانة كان حضورها ممتداً عبر سبعة عقود من العمل الإبداعي والأكاديمي، شكّلت خلالها رؤيتها الخاصة للمرأة والطفولة والبيئة الشعبية المصرية، ورسّخت مكانتها كواحدة من رائدات الفن التشكيلي في مصر والعالم العربي. وُلدت السجيني في القاهرة عام 1930، ونشأت بين أحياء الظاهر والحسين والجمالية، فحملت في تكوينها الأول ملامح المدينة القديمة، وحواريها، وعمارتها الإسلامية، وصُناعها الشعبيين الذين شكّلوا وجدانها البصري المبكر.

كانت الفنانة زينب السجيني تستعيد تلك السنوات بوضوح بالغ، قائلة، في حوار سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن طريق طفولتها في تلك الأحياء العتيقة بالقاهرة كان فصلاً مفتوحاً على الجمال والأصالة.

فحين كانت طفلة كانت تسير من حي الضاهر إلى الحسين؛ حيث يوجد بيت جدّها، وتمر على منطقة النحاسين، فترى صُناع الأواني، وتراقبهم وهم يغنّون أثناء العمل، ثم تمر على شارع المعز وترى عمارته الإسلامية، ووجوه الناس البسيطة التي كانت مصادر إلهام أولى سكنت الذاكرة ولم تغادرها، وفق قولها في حديثها السابق.

تلقّت الفنانة المصرية تعليمها في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، حيث حصلت على بكالوريوس قسم الزخرفة في عام 1956، ثم واصلت دراستها في المعهد العالي للتربية الفنية، قبل أن تنال درجة الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978، لتجمع بين الممارسة الفنية والتدريس، وتصبح لاحقاً أحد الأسماء المؤثرة في تشكيل وعي أجيال من الفنانين الشباب.

من أعمال الفنانة زينب السجيني (الشرق الأوسط)

وقد نعتْها الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، مؤكدة أن «مصر فقدت قيمة فنية وإنسانية نادرة، وصوتاً مُخلصاً للجمال»، مشيرة إلى أن الرحلة «أسهمت بعطائها الأكاديمي والفني في صياغة رؤية جمالية امتدت لأجيال متعاقبة».

كما وصف وزير الثقافة الأسبق الفنان فاروق حسني رحيلها بأنه «خسارة كبيرة للمشهد الفني»، مُستعيداً أثرها البارز في إثراء الحركة التشكيلية. ولم تكن «قاعة الزمالك للفن» بالنسبة للفنانة الراحلة مجرد مكان اعتاد عرض أعمالها على جدرانه، بل كانت جزءاً من تاريخها؛ فطوال 36 عاماً رافقت القاعة في محطاتها الكبرى، وقدمت عبرها أعمالاً صارت علامات في تاريخها المعاصر. وفق ما جاء في نعي القاعة لها.

وجاء فيه أيضاً: «كانت زينب السجيني قيمة فنية وإنسانية نادرة؛ حملت في أعمالها نبض الحياة وصدق التجربة، وامتد عطاؤها لأجيال من الفنانين، لقد تركت إرثاً خالداً سيبقى شاهداً على عمق تجربتها».

وقد ظل محوراً متكرراً في لقاءاتنا بقاعة الزمالك حيث كانت تقيم معارضها، سؤال الجمهور حول احتفائها بالمرأة والطفولة، وخلوّ أعمالها تقريباً من وجود الرجل.

وكانت تجيب دائماً بأن المرأة بالنسبة لها «مرآة الروح ومَخزن الحنان»، وأن تركيزها عليها «ليس موقفاً ضد الرجل بل هو انحياز للفطرة الإنسانية في أن الأم والطفلة هما جذور الحياة»، كاشفة عن رغبتها في دعم المرأة العربية التي كانت ترى أن «جانباً كبيراً من حقوقها مُهدَر».

رؤيتها للمرأة والطفولة انطلقت من الأوساط الشعبية (الشرق الأوسط)

وكانت تستعيد تأثير عمّها، النحات الكبير جمال السجيني، الذي تعلمت منه الصبر على تشكيل الوجوه الإنسانية، وزوجها الفنان عبد الرحمن النشار، الذي ظل مصدراً للدعم والإلهام. ارتبط مشروع زينب السجيني الفني بفكرة الأمومة بوصفها قيمة وجودية لا تخضع لزمن؛ فمنذ خمسينات القرن الماضي لا تكاد تخلو لوحة لها من حضور المرأة، أو الفتاة الصغيرة، في لحظات تتراوح بين اللعب وتصفيف الشعر والاستعداد للمدرسة والركض في الحارة، أو التنزه في الحدائق.

وكانت ترى أن سر عدم الملل من هذا العالم يعود إلى «قدرة اللوحات على دفع المتلقي إلى أعماق تلك الشخصيات النقية»، مؤكدة أن «الاختلاف في الانفعالات والملابس والألوان يجعل العوالم متجددة مهما تكررت ثيمة الأمومة في لوحاتها». وعن تكرار الرموز الشعبية مثل العروسة القماش والحمام والبيوت القديمة، وصفت هذه الثيمات بأنها «ليست رموزاً مبعثرة، بل هي نسيج متكامل يمثل مصر كما رأتها وانصهرت في داخلها». كانت زينب السجيني تؤمن بأن الفن استعادة للروح، وأن لحظة الإمساك بالفرشاة «هي محاولة لالتقاط جوهر الإنسان قبل ملامحه»، وربما لهذا السبب ظلّ عالمها الفني يحتفظ بقدر كبير من العفوية والحميمية، حتى في أكثر لحظاته شاعرية. برحيل زينب السجيني يفقد الفن التشكيلي واحدة من أبرز أصواته النسائية وأكثرها إخلاصاً للتجربة الإنسانية، لكنها تترك وراءها إرثاً غنياً من الأعمال، وهو إرث سيظل يؤكد أن الفن يمكنه، حين يكون صادقاً، أن يظل حياً رغم غياب أصحابه.


مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
TT

مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)

أكّد المركز السعودي للأرصاد، الثلاثاء، عدم وجود مؤشرات مناخية تدل على صيف مبكر في البلاد، لافتاً إلى تماشي الأنماط الجوية الحالية مع المعدلات الموسمية المعتادة، وفق ما تُظهره النماذج المناخية والتحليلات الحديثة.

وأوضح حسين القحطاني، المتحدث باسم المركز، أن التوقعات تشير إلى أن درجات الحرارة، اعتباراً من نهاية شهر أبريل (نيسان) الحالي، ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين متتاليين، يعقبها أسبوع تتقارب فيه درجات الحرارة مع معدلاتها الطبيعية على أغلب مناطق السعودية.

وأضاف القحطاني أن التوقعات الفصلية لصيف هذا العام - يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) وأغسطس (آب) - تُرجّح تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية على نطاق واسع بالسعودية، بفارق يتراوح بين 1.0 و2.0 درجة مئوية بمناطق الغرب والجنوب الغربي وأجزاء من الجنوب، فيما يُتوقع أن تكون الزيادة أقل من ذلك في بقية المناطق.

وبيّن المتحدث أن هذه التوقعات تأتي ضمن الدراسات المناخية الموسمية التي يجريها المركز بشكل دوري، مشيراً إلى أنه سيصدر تقريراً مناخياً مُفصَّلاً خلال الفترة المقبلة، يستعرض أبرز ملامح صيف هذا العام والتغيرات المتوقعة.

ودعا القحطاني الجميع إلى متابعة التحديثات الرسمية الصادرة عن المركز، لما لها من أهمية في الاستعداد المبكر والتعامل الأمثل مع المتغيرات المناخية.


«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
TT

«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)

منذ كان النفط لغزاً غامضاً، حتى تجلّى متلألئاً بدرجات الأخضر والذهبي والأزرق، شكّل اكتشافه رحلةً استثنائية بدأت مع فجر الحياة على هذا الكوكب. ومع مرور الزمن، تعمّق فهم الإنسان هذا المورد؛ فاكتشف أصوله، وتعرّف إلى خصائصه، حتى غدا جزءاً لا يتجزأ من الحياة المعاصرة.

ومن بابل إلى البحر الميت، وصولاً إلى آسيا وما بعدها، ظلّ النفط حاضراً في مسيرة الإنسان منذ أقدم الحضارات، راسخةً مكانته في تاريخ البشرية، من أعماق الأرض إلى أعلى مراكز القرار.

ومن قلب العاصمة الرياض، انطلق «متحف الذهب الأسود»، بتعاون بين وزارتي الثقافة والطاقة في السعودية، وبدعم من «برنامج جودة الحياة»، ليروي قصة النفط وتأثيراته العميقة في المجتمعات والبيئة، عبر سرد فني مبتكر يجسّد العلاقة بين الإنسان والنفط، منذ اكتشافه في مرحلة المادة الخام، وصولاً إلى انعكاساته المعاصرة على الحياة والاقتصاد والبيئة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان وعدد من الوزراء في جولة داخل «المتحف» (هيئة المتاحف)

وخلال حفل افتتاح «المتحف»، الذي يقع في مبنى أيقوني صمّمته المعمارية الراحلة زها حديد، داخل «مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك)» في الرياض، قال الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، إن هذا المتحف ثمرة تعاون بين منظومة الثقافة، ممثلةً في «هيئة المتاحف»، ومنظومة الطاقة، ممثلةً في «كابسارك»، ليقدّم «قراءة متكاملة لتاريخ البترول وتأثيره الممتد إلى مختلف جوانب الحياة».

من جهته، قال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة، في كلمته خلال الافتتاح، إن «متحف الذهب الأسود» يمثّل محطة مهمة في القطاع الفني والحوار الثقافي العالمي. وبصفته أول متحف دائم مخصّص للنفط والفن، فإنه «يوفّر مساحة استثنائية للتأمل الملهم والتفكير النقدي، والاحتفاء بالقوة التحويلية للثقافة في تشكيل فهمٍ أعمق للعالم».

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة في كلمته خلال الافتتاح (هيئة المتاحف)

قصة التحول العميق في التاريخ الإنساني

يُعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص يستكشف قصة التحوّل العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية، من خلال عدسة الفن الحديث والمعاصر وأشكال التعبير الإبداعي.

ويتكوّن المتحف من 4 أقسام رئيسية: اللقاء، والأحلام، والشكوك، والرؤى؛ تقود الزائر إلى فهم نشأة النفط، وتحولات استخدامه، وتعقيدات أثره، وما قد يحمله المستقبل من احتمالات.

ويتناول «المتحف» النفط من منظور إنساني وثقافي وفني، مقدّماً مجموعة دائمة تضم أكثر من 350 عملاً فنياً حديثاً ومعاصراً، أبدعها أكثر من 170 فناناً سعودياً وعالمياً بارزاً من أكثر من 30 دولة، من بينهم: منال الضويان، وأحمد ماطر، ومهند شونو، ومحمد الفرج، وأيمن زيداني، ودوغ أيتكن، وجيمي دورهام، ودينيس هوبر، وألفريدو جار، ورينو لايراك، وجورج صبرة، وباسكال مارثين تايو، وآندي واومان... إلى جانب آخرين.

يستكشف «المتحف» قصة التحول العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية (هيئة المتاحف)

كما يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى، وأعمالاً فوتوغرافية، ووثائق تاريخية تتيح للزوار استكشاف أثر النفط في تشكيل المجتمعات والاقتصادات وأنماط الحياة اليومية. ويتضمن أيضاً مشاهد غامرة، وإضاءة متقدمة، وأعمالاً تركيبية بصرية وسمعية، بما يشمل نموذجاً كبيراً للزمن الجيولوجي يصوّر نشأة النفط على مدى ملايين السنين.

ويستعرض المتحف أبرز المواقع التراثية النفطية في السعودية، حيث تُبرز قاعاته ومعارضه معالم وطنية مهمة، من بينها «بئر الدمام رقم 7 (بئر الخير)»، ودور الجيولوجي السعودي خميس بن رمثان، إضافة إلى مشاهد من مسيرتَي «أرامكو» و«أوبك»، وقصة حقل «الغوار».

من «اللقاء» إلى «الرؤى» عبر «الشكوك» و«الأحلام»

في جناح «اللقاء»؛ أولِ أقسام «المتحف»، تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة، إلى جانب رحلته من الجيولوجيا إلى المجتمع.

في جناح «اللقاء» تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة (هيئة المتاحف)

ويضم القسم عدداً من الأعمال التركيبية الرقمية الغامرة عن طحالب الدياتوم، ونموذجاً للمقياس الزمني الجيولوجي يوضّح تكوّن النفط ودور أشكال الحياة القديمة، كما يتضمن عروضاً أرشيفية تفاعلية عن استخدام الحضارات القديمة للنفط، بمن فيهم البابليون والرومان والمصريون القدماء.

وفي جناح «الأحلام»، يتحوّل النفط إلى مورد مرغوب يُغذّي تطلعات التقدّم والحداثة والوفرة؛ إذ يستكشف دوره في ابتكار مواد جديدة، وترسيخ ثقافة استهلاكية سائدة، وتعزيز سهولة الحياة الحديثة. كما يبرز كيف أصبحت المنتجات القائمة على النفط «خفية» لكنها أساسية في تفاصيل الحياة اليومية.

وعند الوصول إلى جناح «الشكوك»، يتجلّى الوعي المتنامي بتبعات استخدام النفط، وبالنزعة الاستهلاكية ومفارقة الاعتماد عليه؛ حيث يدعو هذا القسم إلى التفكير النقدي في تأثيراته على البيئة والمجتمع، ويربط بين الفن وحراك الناشطين والأبحاث متعددة التخصصات.

يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى وأعمالاً فوتوغرافية ووثائق تاريخية (هيئة المتاحف)

وأخيراً، يظهر جناح «الرؤى»، حيث تستشرف الأعمال الفنية في هذا القسم مستقبل الطاقة وعلاقة الإنسانية المستمرة بالنفط. ويشارك فيه فنانون وباحثون في بلورة تصوّرات متعددة لمستقبل الطاقة والمجتمع والاستدامة، مستخدمين الفن منصةً للنقاش بشأن تحوّل الطاقة.

وفي المعرض المؤقت الافتتاحي «عندما تتشكّل الطاقة»، الذي أُقيم بإشراف القيّم الفني كريستيان جانيكو وبمشاركة المجموعة الفرنسية «بي بي (BP)»، يُستكشف الحوار الديناميكي بين الفن والنفط والإنسان.

ومن خلال تركيبات فنية تستخدم حاويات ومضخات نفط، وتستحضر النفط بوصفه مادةً ورمزاً في آنٍ معاً، يمهّد هذا المعرض الطريق لسلسلة من المعارض المؤقتة التي ستواصل إثراء السردية المتجددة لـ«المتحف».

وترتبط تجربة القاعات والمعارض بوضوح بجوانب النفط الخفية وتأثيره في تيسير الحياة اليومية الحديثة؛ بدءاً من أنسجة الملابس، ووصولاً إلى مواد تغليف الطعام والأجهزة الطبية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended