«داعش» وراء القضبان

سجون أوروبا ساحة القتال الأخيرة في المعركة ضد الإرهاب

سجن بلجيكا يضم وحدات حبس انفرادي  خاصة للتعامل مع السجناء المتطرفين
سجن بلجيكا يضم وحدات حبس انفرادي خاصة للتعامل مع السجناء المتطرفين
TT

«داعش» وراء القضبان

سجن بلجيكا يضم وحدات حبس انفرادي  خاصة للتعامل مع السجناء المتطرفين
سجن بلجيكا يضم وحدات حبس انفرادي خاصة للتعامل مع السجناء المتطرفين

حدث لبنجامين هيرمان، اللص المدان الذي كان سجينا قبل بضعة أشهر من تنفيذه لهجوم قاتل، شكل من أشكال التحول، فقد تحول المراهق الأبيض، الذي كان يسكن إحدى الضواحي، وكان كاثوليكيا حين دخل السجن للمرة الأولى، في نهاية شهر مايو (أيار) إلى متطرف سيقتل لاحقًا ثلاثة أشخاص في غضون ساعات قليلة عقب إطلاق سراحه في إطار برنامج إطلاق السراح للعودة إلى العمل.
طعن هيرمان شرطيتين طعنا مميتا خلال هجوم دام لساعة في مدينة لييج ببلجيكا، ثم استخدم مسدسا كان معهما في قتل سائق دراجة نارية كان مارا بالقرب من المكان. وأمسك برهينة، وأصاب شرطيين آخرين، وهو يهتف «الله أكبر» قبل قتله بالنيران في مواجهة مع الشرطة. ومع تكشف الحقائق المتعلقة بعمليات القتل تلك، جاء في أحد التفاصيل الخاصة بسيرته: لقد خضع هيرمان، وهو ابن لأسرة بلجيكية من الطبقة المتوسطة تتحدث الفرنسية، لتأثير مجموعة من الإسلاميين المتطرفين الذين كانوا رفاقه في السجن. في بلد تعامل بعدوانية ووضع المتطرفين وراء القضبان كوسيلة لمكافحة الإرهاب، أثار ذلك الهجوم مخاوف من أن يؤدي نهج الشرطة في بلجيكا إلى نتائج عكسية من خلال توفير التربة الخصبة للتطرف، ونمو أجيال جديدة من الإرهابيين المحتملين.
قال توماس رينارد، الخبير في شؤون الإرهاب ببلجيكا، والباحث في «معهد إيغمونت الملكي» للعلاقات الدولية في بروكسل: «لم يكن يتم إلقاء القبض على هذا العدد الكبير من الأشخاص على خلفية اتهامات تتعلق بالإرهاب، ولم نشهد من قبل هذا العدد الهائل من الشباب في السجون معا. إننا نسهّل قيامهم بعملية التجنيد وذلك بإتاحة فرصة التجمع أمامهم. إن هذا الأمر سوف يستمر لمدة طويلة».
وتعد السجون في أنحاء أوروبا هي ساحة القتال الأخيرة في المعركة دائمة التطور ضد الإرهاب.
وقد شهدت الدول الغربية منذ خمسة أعوام انضمام الآلاف من مواطنيها إلى صفوف تنظيم داعش أو جماعات متطرفة أخرى في كل من العراق وسوريا.
وبدأ المئات منهم في العودة منذ عام 2016، لكن كان الوضع والمناخ في أوطانهم قد تغير، فقد بدأت الدول الأوروبية، التي أصابها الفزع من الهجمات الإرهابية، وتفاقم أزمة اللاجئين منذ عام 2016، تتخذ موقفًا صارما تجاه العائدين، وتسنّ قوانين صارمة قاسية تقضي بتوجيه تهم جنائية وأحكام بالسجن بحق أي شخص سافر إلى الشرق الأوسط، أو سعى لدعم جماعات متطرفة في الخارج. الجدير بالذكر أنه حتى عام 2016 كان يتم السماح لكثير من العائدين بالعودة للوطن إذا لم يكن هناك دليل على مشاركتهم في قتال أو أعمال إرهابية.
وانخفض عدد القتلى في هجمات إرهابية في أوروبا منذ تطبيق تلك السياسات، لكن يواجه المسؤولون الأوروبيون حاليا مشكلة جديدة وهي كيف يمكن الحيلولة دون تحول السجون إلى مراكز تدريب وتجنيد للإرهابيين المستقبليين. ويجرّب مسؤولو تنفيذ القانون من بلجيكا وهولندا إلى ألمانيا وفرنسا طرقا مختلفة لحل المشكلة تتضمن تطبيق برامج إعادة تعليم، وحبس انفرادي شبه تام لأكثر السجناء المتطرفين. تمثل تلك المحاولات سباقا مع الزمن، حيث سيستعيد كثير من العائدين المسجونين حريتهم في غضون أقل من عامين. وقال مسؤول بلجيكي يساعد في الإشراف على علاج السجناء المتطرفين في تلك السجون الكبرى في البلاد: «لقد اقتربوا من نهاية مدتهم، وليس أمامنا خيار سوى الإفراج عنهم». تحدث المسؤول، مثل كثيرين غيره ممن تم إجراء مقابلة معهم، شريطة عدم ذكر اسمه خوفا من استهداف السجناء السابقين له.
وأضاف المسؤول: «قد يصبح بعضهم قنابل بشرية».
ويعد سجن «إيتر»، وهو مبنى محاط بالأسوار وشديد التأمين يقع في جنوب غربي بروكسل، واحدا من السجون ذات السمعة الأسوأ، التي ضمّت ذات يوم القاتل والمتحرش بالأطفال المدان مارك دوترو، فضلا عن مجموعة من المجرمين. وشهد السجن في عام 2007 عملية هروب مذهلة قام بها نور الدين بن علال، الملقب بـ«ملك الهروب» في بلجيكا، الذي استغل سقوط مروحية على أرض السجن لتشتيت الانتباه مما سمح له بالهروب.
يشتهر سجن «إيتر» اليوم بأنه واحد من سجنين في بلجيكا يضمّان وحدات حبس انفرادي خاصة للتعامل مع السجناء المتطرفين الأكثر تطرفا في البلاد. تضم الوحدة، التي يطلق عليها اسم «دي ريديكس»، رجالا يراهم المسؤولون البلجيكيون خطرين بشكل خاص. ووصل عدد المحتجزين في «دي ريديكس» بسجن «إيتر» حتى الشهر الماضي إلى 13.
يتم السماح للمحتجزين في تلك الوحدة بلقاء السجناء الآخرين داخل وحدة الحبس الانفرادي فقط خلال ساعات محددة وتحت إشراف ورقابة دقيقة. يمثل الحبس الانفرادي العنصر الأساسي للنهج الجديد الذي تتبناه حكومة بلجيكا في التعامل مع السجناء المتطرفين. قد لا يستطيع مسؤولو السجن إخراج الأفكار المتطرفة من رؤوس السجناء، لكنهم على الأقل يستطيعون منعهم من نشر تلك الأفكار بين الآخرين.
ليس كل السجناء في «دي ريديكس» مدانين بتهم تتعلق بالإرهاب، أو حتى لديهم تاريخ من أعمال العنف، لكن يُعرف عنهم تمتعهم بشخصيات لها تأثير وحضور، وقدرة على جذب الآخرين نحو قضية الإسلام المتطرف، لذا هناك خشية منهم. كان سجناء تلك الوحدة خلال جولة أخيرة داخل المنشأة يجلسون في زنازين حبس انفرادي، أو كانوا يحملون أبسطة يوغا زرقاء متجهين نحو باحة التمرينات الرياضية ليستخدموها كسجاجيد مؤقتة للصلاة. كان بعضهم يرتدي بناطيل السجن ذات الأساور التي تعلو الكاحل تماشيا مع طريقة ملبس المتطرفين.
كان هناك سجناء في كثير من الزنازين يرسمون على الجدران والنوافذ من بين تلك الرسوم اسم «بلقاسم» في إشارة إلى فؤاد بلقاسم، مؤسس الجماعة المتطرفة «شريعة فور بلجيكا». ويقضي بلقاسم حكما مدته 12 عاما في سجن آخر داخل بلجيكا. وقد سافر كثير ممن جندهم إلى سوريا وانضموا إلى تنظيم داعش.
يتم السماح للسجناء بالذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية، وباحة التمرينات الرياضية، ولهم حرية ممارسة عقائدهم الدينية كما يحلو لهم، كما يشارك بعض السجناء في صفوف تعليم زراعة في حديقة السجن. وقالت فاليري ليبرون، رئيسة سجن «إيتر» البالغة من العمر 49 عاما والباحثة في علم الإجرام: «في كل مرة نضعهم مع باقي السجناء ينخرطون في أنشطة تجنيد. يصحبون الإمام، ويدفعون الآخرين نحو الصلاة، وتغيير سلوكهم». مع ذلك يقضى السجناء جلّ وقتهم في زنازين صغيرة مجهزة بسرير خشبي، وحمام، وحوض غسيل. يوجد في الزنازين حامل على الجدران يوضع فوقه جهاز تلفزيون إذا كان السجين يرغب في ذلك، ويستطيع دفع رسوم شهرية.
نظر ضابط داخل حقيبة رياضية خاصة بأحد السجناء، ونحى جانبا سبحة وسجادة، حيث يتم اعتبارهما مقبولين بالنسبة للمسلم، لكنه توقف برهة بعد ذلك لتصفح نسخة من القرآن. وقال: «لدينا قرآن هنا، وهو أمر لا يمثل مشكلة إطلاقًا» مشيرا إلى سياسة السجن، لكنه أضاف قائلا: «مع ذلك فهذه نسخة محظورة، لذا لن نسمح بدخولها». وتحتوي تلك النسخة على تعليقات خاصة «بالتشدد». كذلك تم مصادرة أسطوانة مدمجة لأنها تحتوي على خطب لرجل دين يعتبره مسؤولو السجن متطرفا، بحسب ما أوضح المسؤول. وأضاف المسؤول قائلا: «يشير هذا إلى أن السجين ربما يكون قد تعرض لعملية تحول نحو النهج المتطرف. علينا مراقبته جيدا، ومراقبة اتصالاته ومعارفه، وما يقرأ، ومحاولة الحصول على أكبر قدر من المعلومات عنه».
* خدمة «واشنطن بوست»


مقالات ذات صلة

لندن: الإفراج بكفالة عن بريطاني - إيراني أُوقف في قضية قاعدة فيرفورد

أوروبا الشرطة البريطانية تنتشر مع استمرار وجود حواجز الطرق بالقرب من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني فيرفورد (رويترز)

لندن: الإفراج بكفالة عن بريطاني - إيراني أُوقف في قضية قاعدة فيرفورد

أُخلي سبيل رجل يحمل الجنسيتين البريطانية والإيرانية بكفالة، بعد أن كان قد اعتُقل للاشتباه في تحضيره لأعمال إرهابية على صلة بحادثة وقعت بقاعدة «فيرفورد» الجوية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الخليج طائرة «فلاي دبي» (رويترز)

من هو همام الهمامي الذي حاول تنفيذ عملية إرهابية على طائرة «فلاي دبي»؟

نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مصادر مطّلعة أن مساعد الطيار في شركة «فلاي دبي»، الذي طعن قائده مُنع في وقت سابق من الطيران في سلطنة عُمان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا عناصر من الشرطة البريطانية (رويترز)

بريطانيا: اتهام إيرانيين بالتخطيط لمؤامرة إرهابية تستهدف الجالية اليهودية

قالت الشرطة البريطانية، الجمعة، إنها وجهت تهمة إلى رجلين بالتمهيد لارتكاب أعمال إرهابية تستهدف الجالية اليهودية في شمال إنجلترا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أفراد من الشرطة الألمانية (د.ب.أ)

ألمانيا: تحقيق بشأن تورط ألماني وسوريَّيْن اثنين في التخطيط لهجوم «إرهابي»

عقب تلقيها معلومات استخباراتية بشأن 3 رجال من ولاية شمال الراين - ويستفاليا، تواصل الشرطة في أكبر ولاية ألمانية تعداداً للسكان تحقيقاتها حول هؤلاء الأشخاص.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا قاعدة «فيرفورد» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني (إ.ب.أ) p-circle

«استهداف قاعدة فيرفورد البريطانية»... ماذا حدث؟ وماذا وجدت الشرطة؟

ألقت الشرطة البريطانية القبض على شخص يحمل الجنسيتين البريطانية والإيرانية، للاشتباه في التخطيط لأعمال إرهابية في إطار التحقيق المرتبط بالهجوم على قاعدة جوية.

«الشرق الأوسط» (لندن )

مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
TT

مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)

في اليمن، لا ينتهي الخطر بالنسبة للأطفال بانحسار صوت القصف أو مغادرة مناطق القتال. فالألغام الأرضية الحوثية ومخلَّفات الحرب غير المنفجرة تظل كامنة في الطرقات والمنازل ومحيط التجمعات السكانية، لتحوِّل الحياة اليومية إلى رحلة محفوفة بالمخاطر.

ومع تجدد القتال في غرب البلاد، تجد آلاف العائلات نفسها مضطرة إلى الفرار، بينما يواجه الأطفال مخاطر جديدة لا تتوقف عند النزوح وفقدان الأمان والتعليم؛ بل تمتد إلى خطر قد يكون مختبئاً تحت أقدامهم.

وبعد 11 عاماً من الحرب التي أشعلها انقلاب الحوثيين على الحكومة المعترف بها دولياً، يواجه الأطفال في اليمن مجدداً بعضاً من أعنف موجات القتال منذ سنوات؛ حيث أدت الاشتباكات المتجددة في محافظتَي تعز والحديدة، غربَي البلاد، إلى نزوح نحو 18500 شخص خلال 72 ساعة فقط، ما أجبر عائلات على ترك منازلها، وأدى إلى تعطُّل تعليم الأطفال وتفاقم احتياجات الأسر النازحة.

مخيَّم للنازحين من هجمات الحوثيين في مديرية جبل حبشي بتعز (إعلام محلي)

وترى منظمة «وور تشايلد» الدولية، أن المخاطر التي تهدد الأطفال في اليمن تتجاوز القتل والإصابات الناجمة عن القتال المباشر. فقد سُجِّل مقتل عدد أكبر من الأطفال جرَّاء الألغام الأرضية ومخلفات الحرب غير المنفجرة، خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 مقارنة بعام 2025 كله، في مؤشر مقلق على حجم المخاطر التي يواجهها الأطفال في حياتهم اليومية.

حاجة للمساعدات

وتشير المنظمة الدولية إلى أن أكثر من 12.2 مليون طفل في أنحاء اليمن يحتاجون بصورة عاجلة إلى المساعدات الإنسانية. وفي ظل التصعيد الأخير، تعمل المنظمة على تقييم آثاره والاستجابة للاحتياجات العاجلة للأطفال والأسر المتضررة، بما يشمل توفير المستلزمات الأساسية، ودعم رفاهية الأطفال وحمايتهم، ومساعدتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وحتى الآن، وزَّعت المنظمة 400 حزمة إغاثية تضمنت مواد أساسية، مثل الفرش والأغطية ومعدات الطهي ومستلزمات النظافة الشخصية. إلا أن حجم الاحتياجات يزداد مع استمرار فرار مزيد من العائلات من مناطق العنف بحثاً عن مكان أكثر أماناً.

بدورها، أفادت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» بأن التغير السريع في خطوط المواجهة، إلى جانب قيود التنقل وتعطل شبكات الاتصالات، أجبر عائلات على مغادرة منازلها في وقت قصير، وغالباً من دون أن تتمكن من اصطحاب سوى القليل من ممتلكاتها الأساسية، أو من دون أي ممتلكات على الإطلاق.

أرقام مختلفة

وعزت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» الاختلافات بين أرقام النازحين الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة وصندوق الأمم المتحدة للسكان والوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، إلى اختلاف فترات إعداد التقارير، والنطاق الجغرافي الذي تغطيه كل جهة، ومنهجيات جمع البيانات المستخدمة.

وأوضحت أن آلية «تتبع النزوح السريع» التابعة للمنظمة الدولية للهجرة توفر رصداً سريعاً وجزئياً لحالات النزوح، بينما تجمع الوحدة الحكومية لإدارة المخيمات بيانات التسجيل الواردة من المحافظات المتضررة. ولذلك، ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بوصفها بيانات مكملة بعضها لبعض، وليست أرقاماً يمكن مقارنتها بصورة مباشرة.

أطفال فارُّون من التصعيد في غرب محافظة تعز (الأمم المتحدة)

كما أن بيانات النزوح السريع تحتاج إلى التحقق المستمر، نظراً إلى استمرار تغيُّر حركة السكان وتبدل أماكن وجود الأسر النازحة.

وبالإضافة إلى حالات النزوح التي ترصدها مجموعات البيانات الخارجية المتاحة، تشير عمليات الرصد والمعلومات التشغيلية الخاصة بفروع جمعية «الهلال الأحمر اليمني» إلى أن آثار التصعيد تمتد جغرافياً إلى نطاق أوسع.

وقد حددت الجمعية الاحتياجات الحالية للاستجابة في محافظات تعز والضالع والحديدة والجوف ومأرب وصعدة ولحج.

كما حُددت محافظات عمران وذمار وعدن بوصفها مناطق مواجهة، أو مناطق استقبال ووجهات مؤكدة لتحركات السكان، ما دفع الجمعية إلى حشد موارد الاستجابة وتوجيهها نحو نقاط استقبال النازحين.

وفي أحدث تقاريرها، أكدت الجمعية أن هذه الملاحظات الميدانية تخضع لعمليات تحقق مستمرة، في ظل عدم استقرار حركة السكان، وعدم توفر تغطية شاملة حتى الآن لجميع المواقع المتضررة ضمن مجموعات بيانات النزوح المتاحة.

وحذَّرت الجمعية من أن استمرار هذه التحركات يزيد الضغط على القدرات المحدودة أصلاً في مجالات الإيواء والمياه والصحة والخدمات الأساسية، سواء في المناطق المتضررة من القتال أو في مناطق استقبال النازحين.


الحوثيون يلاحقون سكان صنعاء على خلفية معارك تعز

بالتزامن مع التصعيد العسكري يُشدد الحوثيون الرقابة على السكان في صنعاء (أ.ف.ب)
بالتزامن مع التصعيد العسكري يُشدد الحوثيون الرقابة على السكان في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يلاحقون سكان صنعاء على خلفية معارك تعز

بالتزامن مع التصعيد العسكري يُشدد الحوثيون الرقابة على السكان في صنعاء (أ.ف.ب)
بالتزامن مع التصعيد العسكري يُشدد الحوثيون الرقابة على السكان في صنعاء (أ.ف.ب)

بالتزامن مع تصاعد المواجهات العسكرية في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن) كثَّفت الجماعة الحوثية حملات الملاحقة والاعتقال في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، مستهدفة مواطنين تتهمهم بتأييد القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في تعز، أو التعبير عن مواقف رافضة للتصعيد العسكري الذي تشهده المحافظة.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، إن مسلحين حوثيين نفَّذوا خلال الأيام الأخيرة عمليات مداهمة واستدعاء في عدد من أحياء صنعاء، بحثاً عن أشخاص تتهمهم الجماعة بالتعاطف مع القوات الحكومية والمقاومة في تعز.

وأضافت المصادر أن الحملة شملت مداهمة منازل واستدعاء أشخاص وتوقيف آخرين في الطرقات وأماكن عملهم، قبل اقتياد عدد منهم إلى جهات أمنية تابعة للجماعة، وسط مخاوف أسرهم من استمرار احتجازهم وعدم الكشف عن أماكن وجودهم أو التهم الموجهة إليهم.

حملة حوثية سابقة استهدفت سكاناً في إحدى المناطق اليمنية (إكس)

وحسب المصادر، جاءت الاعتقالات على خلفية مواقف شخصية ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تتناول التطورات الميدانية في تعز، أو تنتقد التصعيد العسكري الحوثي، إلى جانب اتهامات لبعض السكان بإبداء التعاطف مع القوات الحكومية والمقاومة الشعبية.

عائلات تبحث عن أبنائها

وكشفت أسر بعض المختطفين الجدد في صنعاء عن محاولات متكررة لمعرفة أماكن احتجاز ذويها، الذين قالت إن مسلحي الجماعة اعتقلوهم خلال اليومين الماضيين من مناطق متفرقة في العاصمة، وسط خشية من نقلهم بين مواقع احتجاز مختلفة أو إبقائهم بمعزل عن أسرهم.

وأوضحت الأسر أن أبناءها لم يكونوا طرفاً في القتال، وأن توقيفهم جاء نتيجة مواقف أو منشورات تتناول الأحداث في تعز. كما تخشى عائلات أخرى في صنعاء من أن تؤدي التطورات العسكرية المتسارعة في المحافظة إلى توسيع دائرة الاشتباه داخل صنعاء؛ خصوصاً مع تشدد الجماعة في التعامل مع المنشورات والتعليقات التي تتناول سير المعارك أو خسائرها.

سعي الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبَّدهم مئات القتلى والجرحى (إعلام عسكري)

ويقول «عصام»، قريب أحد المختطفين، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسرته فوجئت باقتياد قريبه من وسط حي الأصبحي في مديرية السبعين بصنعاء، بعد اتهامه بالتعاطف مع القوات الحكومية في تعز، مؤكداً أن العائلة تحاول منذ ذلك الوقت معرفة مكان احتجازه.

وفي حالة أخرى، أوضحت أسرة أحد السكان في حي الحصبة بمديرية الثورة شمال صنعاء، أن قريبها لم يكن مقاتلاً، وأن ما أثار غضب الحوثيين -حسب الأسرة- كان تفاعله مع أخبار المعارك في تعز، ومشاركته منشورات تتحدث عن تطورات المواجهات.

مراقبة إلكترونية

وحسب المصادر المحلية، كثفت الجماعة خلال الأيام الأخيرة إجراءات المراقبة داخل صنعاء، بما في ذلك متابعة نشاط السكان على مواقع التواصل الاجتماعي، ورصد المنشورات والتعليقات ذات الصلة بالمعارك والتطورات العسكرية في تعز.

وتقول المصادر إن أجهزة الجماعة الحوثية تعتمد كذلك على شبكة من العناصر والمخبرين لمتابعة تحركات السكان، وجمع المعلومات عن الأشخاص الذين يُشتبه في تعاطفهم مع القوات الحكومية أو المقاومة الشعبية.

ولا تقتصر المخاوف -وفق المصادر- على الأشخاص الذين يشاركون بصورة مباشرة في القتال؛ إذ تقول إن مجرد التعبير عن موقف مؤيد للقوات الحكومية أو التعاطف مع المقاومة الشعبية في تعز قد يثير الشبهات لدى أجهزة الحوثيين.

عدد الفارِّين من الهجمات الحوثية الأخيرة تجاوز 200 ألف يمني (أ.ب)

وتأتي هذه التحركات بعد حملات أمنية سابقة شهدتها صنعاء ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، واستهدفت ناشطين وإعلاميين ووجاهات اجتماعية، وفق تقارير حقوقية وإعلامية.

وكانت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» قد أعلنت توثيق 1033 جريمة وانتهاكاً قالت إن الجماعة الحوثية ارتكبتها خلال الفترة من 3 إلى 27 سبتمبر (أيلول)، بالتزامن مع التصعيد العسكري، وشملت حالات قتل واختطاف وإخفاء قسري ومداهمة منازل.


مصر تنسق مع إريتريا والسودان والصومال بشأن اضطرابات «القرن الأفريقي»

لقاء ثنائي السبت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس إريتريا آسياس أفورقي عشية قمة تشاورية رباعية في العلمين ستجمع أيضاً قائدي السودان والصومال (الرئاسة المصرية)
لقاء ثنائي السبت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس إريتريا آسياس أفورقي عشية قمة تشاورية رباعية في العلمين ستجمع أيضاً قائدي السودان والصومال (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تنسق مع إريتريا والسودان والصومال بشأن اضطرابات «القرن الأفريقي»

لقاء ثنائي السبت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس إريتريا آسياس أفورقي عشية قمة تشاورية رباعية في العلمين ستجمع أيضاً قائدي السودان والصومال (الرئاسة المصرية)
لقاء ثنائي السبت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس إريتريا آسياس أفورقي عشية قمة تشاورية رباعية في العلمين ستجمع أيضاً قائدي السودان والصومال (الرئاسة المصرية)

تستضيف مدينة العلمين المصرية بالساحل الشمالي، الأحد، «قمة رباعية» تجمع زعماء مصر وإريتريا والسودان والصومال، على هامش اجتماعات «منتدى العلمين - أفريقيا»، وذلك للتنسيق بشأن التطورات الأمنية في منطقة «القرن الأفريقي».

وقالت الرئاسة المصرية، في بيان، السبت، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي سيشارك في «قمة العلمين التشاورية»، التي ستجمع أيضاً قادة إريتريا آسياس أفورقي، والسودان الفريق عبد الفتاح البرهان، والصومال حسن شيخ محمود، مشيرة إلى أن «القمة تأتي في إطار التشاور والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك».

وتأتي القمة في وقت تشهد فيه منطقة القرن الأفريقي تطورات أمنية متصاعدة مرتبطة بالصراعات في إثيوبيا وتأثيراتها على دول الجوار.

وعشية انعقاد القمة، أجرى الرئيس المصري لقاءات ثنائية مع رئيسي إريتريا والصومال، على هامش «منتدى العلمين - أفريقيا»، وناقش معهما «التطورات الإقليمية خصوصاً في القرن الأفريقي»، حسب الرئاسة المصرية.

الرئيس المصري في مشاورات موسعة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بالعلمين (الرئاسة المصرية)

وخلال لقائه الرئيس الإريتري، أكد السيسي «دعم بلاده الكامل لأمن واستقرار إريتريا، واحترام سيادتها ووحدة وسلامة أراضيها»، وشدد على «رفض بلاده القاطع لأي انتهاك لسيادة الدول أو مساس بوحدتها الإقليمية، بما يخالف مبادئ القانون الدولي، والنظام التأسيسي للاتحاد الأفريقي».

وحسب الرئاسة المصرية، أكد السيسي «حرص بلاده على مواصلة التنسيق والتشاور مع إريتريا، بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في تعزيز الاستقرار في القرن الأفريقي، ودعم جهود تسوية الأزمات بالوسائل السلمية، وتعزيز التعاون لتحقيق أمن واستقرار البحر الأحمر».

الرسالة نفسها أكدها الرئيس المصري، خلال لقائه مع نظيره الصومالي، وشدد على «ثوابت مواقف القاهرة الداعمة لسيادة الصومال ووحدة وسلامة أراضيه، ودعم مؤسساته الوطنية»، ودعا السيسي إلى «تعزيز التوافق الوطني بين مختلف المكونات الصومالية، بما يدعم وحدة الدولة ويحافظ على استقرارها ويجنبها التحديات الأمنية».

وتركز القمة الرباعية التشاورية في العلمين على تطورات الأوضاع في القرن الأفريقي، وتداعيات الصراع المسلح الداخلي في إثيوبيا على دول الجوار، وفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير صلاح حليمة، الذي قال إن «قمة العلمين تأتي لتأكيد تضامن الدول الأربع بشأن التهديدات التي تشهدها تلك المنطقة، وتعزيز التنسيق لصون استقرارها».

ويرى حليمة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القمة ستركز على التحديات التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي، خصوصاً ما يتعلق بالتصرفات الأحادية في نهر النيل، وتأثيرها على الأمن المائي المصري، ومحاولات دول، منها إثيوبيا، الحصول على منفذ بحري بالبحر الأحمر»، مشيراً إلى أن «القاهرة تستهدف تعزيز التنسيق مع تلك الدول، لضمان ضبط النفس وعدم التصعيد، واحتواء الصراعات القائمة، على أساس المواثيق والقوانين الدولية».

وأكد الرئيس الإريتري، خلال لقائه مع الرئيس المصري، «وجود توافق كبير بين القاهرة وبلاده بشأن التطورات الإقليمية، لا سيما ما يتعلق بضرورة احترام سيادة الدول ووحدتها الإقليمية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية»، حسب الرئاسة المصرية.

ويأتي اجتماع العلمين الرباعي في توقيت مهم تواجه فيه المنطقة تحديات بالممرات البحرية، وفق مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير حسام عيسى، وقال إن «الاجتماع يجب أن يخرج برسالة واضحة، ضد أي محاولات لإشعال الوضع بمنطقة لا تحتمل مزيداً من الصراعات الإقليمية أو الداخلية»، مشيراً إلى أن «عدم الاستقرار لا يؤثر فقط على أطراف الصراع، ولكن يمتد للمحيط الجغرافي وأيضاً الدولي».

ويؤكد عيسى، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «اجتماعات الرئيس المصري مع قادة إريتريا والصومال والسودان، ليست موجهة ضد أحد»، لكنها تستهدف «التنسيق والتشاور لحماية سلامة تلك الدول الإقليمية، والتصدي لتحركات أي كيانات انفصالية بالمنطقة»، وقال إن التطورات الأخيرة في إثيوبيا وفي جنوب البحر الأحمر، «تستدعي التنسيق المستمر بين القاهرة وهذه الدول».