يوميات الإنقاذ في المتوسط... بين إغاثة المصابين وانتشال الجثث

مشاهد رصدتها «الشرق الأوسط» من سفينة تحولت إلى رمز لأزمة الهجرة الأوروبية

جانب من عملية إنقاذ الشهر الماضي (كيني كاربوف - «إس أو إس ميديتيراني»)
جانب من عملية إنقاذ الشهر الماضي (كيني كاربوف - «إس أو إس ميديتيراني»)
TT

يوميات الإنقاذ في المتوسط... بين إغاثة المصابين وانتشال الجثث

جانب من عملية إنقاذ الشهر الماضي (كيني كاربوف - «إس أو إس ميديتيراني»)
جانب من عملية إنقاذ الشهر الماضي (كيني كاربوف - «إس أو إس ميديتيراني»)

صندوقان، أحدهما أحمر والآخر على يمينه أزرق يلخّصان أزمة الهجرة عبر المتوسط. الأول يحمل مئات سترات النجاة والبطانيات، والآخر مثل هذا العدد من أكياس يُغلّف فيها الموتى، ويُضاعف عددها لعزل روائح الجثث عن الناجين. ينتشر مئات المهاجرين على متن سفينة خشبية، النساء والأطفال في غرف خاصة، والرجال مفصولون عنهم في جانب آخر. 630 سيدة وشاباً وعجوزاً وطفلاً شاهدوا الموت ونجوا منه، اختلطوا ببضعة منقذين، بينهم بحارة محترفون وممرضات و«قابلة» وطبيب. قضوا 48 ساعة على سفينة الإنقاذ «أكواريوس»، التابعة لمنظمتي «إس أو إس ميديتيراني» و«أطباء بلا حدود» لإغاثة المهاجرين، في انتظار موافقة أحد الموانئ الآمنة على استقبالهم. مع انخفاض مؤونات الماء والغذاء، تزايدت الضغوط على السلطات الأوروبية، واستمرت الحكومة الإيطالية في رفضها رسو السفينة التي غادرت من شواطئ كتانيا، لتعلن مدريد استعدادها لاستقبال السفينة في موانئ فالينسيا. تعالت أصوات الاستنكار من ضفتي المتوسط، وتساءل الكثيرون عما آلت إليه «أوروبا القيم». تحوّلت «أكواريس» منذ ذلك الوقت إلى رمز على حقبة جديدة تعيشها أوروبا، حيث طفت الخلافات على السطح وبدا السباق على تسجيل نقاط سياسية قصيرة المدى أهم من إنقاذ أرواح يائسة من الغرق. زارت «الشرق الأوسط» سفينة «أكواريوس» الراسية في ميناء مارسيليا التجاري، وقضت يوماً برفقة أفراد من فريق الإنقاذ الذي أشرف على إيصال الآلاف إلى بر الأمان.
وفيما يلي نبذة عن قصص هؤلاء، والتحديات التي يواجهونها خلال إنقاذ مهاجرين غير شرعيين وطالبي لجوء من الغرق.
«أكواريوس» هو اسمها، و«سيدة البحار» لقبها. بنتها البحرية الألمانية في سبعينات القرن الماضي لمرافقة قوارب الصيد وتمريض الصيادين، ثم استخدمت لتزويد سفن التنقيب عن الألماس في أعماق البحر بالوقود، إلى أن تحولت إلى إحدى أشهر سفن «البحث والإنقاذ» في البحر المتوسط.
أطلقت «أكواريوس» عملياتها في فبراير (شباط) 2016، بتشغيل مشترك من «إس أو إس» و«أطباء بلا حدود»، وقامت بـ234 عملية إنقاذ، شكّلت نحو 20 في المائة من إجمالي عمليات الإغاثة التي أجرتها منظمات غير حكومية، و6.4 في المائة من إجمالي العمليات منذ عام 2016. تبلغ كلفة يوم واحد في البحر نحو 11 ألف يورو (12.8 ألف دولار)، وتعتمد السفينة على مساهمات طوعية لتغطية 90 في المائة من عملياتها، وعلى فريق من عشرات البحارة والمنقذين المحترفين، بينهم متطوعون وآخرون يتسلمون رواتب. قد يبدو هذا المبلغ مرتفعاً، لكنه يخجل أمام عدد المهاجرين واللاجئين الذين أنقذتهم «أكواريوس» خلال السنتين ونصف السنة التي قادت فيها عملياتها، ويشمل 29318 شخصاً بين السواحل الليبية والإيطالية، بينهم 9 آلاف و75 شخصاً نُقلوا إلى السفينة من مراكب إنقاذ أخرى.
كليمان منقذ فرنسي في منتصف العشرينات اكتفى بتعريف اسمه الأول، ودفعه سبب وجود «أكواريوس» في ميناء مرسيليا إلى التساؤل: «ما الذي نفعله هنا؟ نحن لا نسهم في إنقاذ الأرواح من هنا».
إحباط كليمان، البحار الشاب الذي التحق بالسفينة منذ الشهور الأولى من انطلاق عملياتها الإنسانية، يتقاسمه معظم طاقم «أكواريوس» التي أُجبرت على ملازمة ميناء مرسيليا الفرنسي منذ 29 يونيو (حزيران) الماضي بعد أن رفضت كل من إيطاليا ومالطا استقبالها. لكن كليمان استدرك بتفاؤل: «نستغل هذه الفترة لتحديث معدّاتنا، وإضافة أخرى كنا بحاجة إليها»، استعدادا لاستئناف عمليات الإنقاذ خلال أيام.
- رحلة حياة أو موت
عملت «أكواريوس» منذ انطلاق مهمتها عن كثب مع مركز تنسيق الإنقاذ البحري الإيطالي، الذي كان يزوّدها بإحداثيات المراكب المطاطية أو زوارق المهاجرين في عرض البحر، قبل أن تتخذ الحكومة الإيطالية الجديدة قرار وقف هذا التنسيق في الأسابيع الماضية.
وبالإضافة إلى الإحداثيات، يساهم جميع أفراد طاقم «أكواريوس» في عمليات «مسح» بالرادار البحري، وبالعين المجردة لمدة ساعة ونصف الساعة يوميا.
يستحضر كليمان تفاصيل عمليات البحث والإنقاذ التي يشارك فيها بشكل دوري. «مفتاح نجاح أي عملية إنقاذ في عرض البحر هو الحفاظ على هدوء الركاب، التحدي واضح: تهدئتهم أو سقوطهم في البحر الواحد تلو الآخر واحتمال الموت غرقا». فبمجرد أن يبدأ أحد المهاجرين، على المراكب المكتظة غالبا وغير المؤهلة للإبحار، في التوتر، يليه جميع الركاب ويبدأون في القفز في المياه العميقة والباردة، حتى وإن كانوا غير قادرين على السباحة. هذا إن لم يفقد القارب توازنه وينقلب على ركابه. ويقول كليمان إنه يتم إرسال «وسيط ثقافي» أولا يتحدّث ويهدّئ الركاب، قبل أن نوزّع عليهم سترات نجاة. وتستمر عمليات الإنقاذ في هذه الحالات نحو ساعة ونصف الساعة، لكنها قد تأخذ فترة أطول بكثير ما يرفع احتمال الموت غرقا أو بانخفاض درجة حرارة الجسم.
التحدي الكبير الثاني في عمليات الإنقاذ هو احتراق الركاب بخليط من الوقود ومياه البحر الحارقة. تحمل مراكب المهاجرين عادة خزاناً صغيراً أو اثنين من الوقود، الذي يتسرّب في المركب ويختلط بالمياه المالحة ليتحول إلى خليط حارق. ويشرح كليمان أن هذه الإصابة هي الأكثر شيوعا في عمليات الإنقاذ، وتصيب الركاب بدرجات متفاوتة. ويوضح: «إن تسرب الوقود في المركب والمهاجرون جالسون على متنه أو أطرافه، يحترق الجزء السفلي من أجسامهم. أما إن أصيبت ذراعهم، فينبغي على المنقذين توخي الحذر عند جرّهم إلى الأعلى لتفادي اقتلاع الجلد». ولا يُفلت المنقذون من احتمال الاحتراق عند إتمام عمليات الإنقاذ.
ويشرح كليمان أنه بمجرد نقل المهاجرين على متن السفينة، يغسل المصابون أجسامهم بالماء البارد والصابون، ويُعالج أسوؤهم بالأدوية والضمادات. كما يتعرض الأطفال الذي يستنشقون البنزين لفترة طويلة إلى حالات إغماء في البحر، ما يعقّد عملية إنقاذهم.
أما الحالة الطبية الشائعة الأخرى التي يعاني منها المهاجرون هي انخفاض درجات حرارة الجسم إلى مستويات خطيرة، تؤدي في الحالات المتقدمة إلى توقف نبضات القلب. ويُعِدّ طاقم الإنقاذ «بطانيات» خاصة وأكواب شاي ساخن يوزّع على جميع المهاجرين لاستعادة دراجة حرارة الجسم الطبيعية. وتشمل أنواع الإصابات الأخرى أطرافاً مكسورة وإصابات بالرصاص يتعرض لها في حالات نادرة بعض أفواج المهاجرين عند مغادرة السواحل الليبية.
- ولادة «معجزة»
بابتسامة عريضة تروي أموان، القابلة من ساحل العاج، مشاركتها في إحدى عمليات الإنقاذ الأخيرة عند السواحل الليبية، التي شهدت ولادة ناجحة على متن السفينة.
فعند إنقاذ ركاب القوارب، الذين يشملون في المتوسط 10 في المائة من النساء وبين 30 و40 في المائة من القاصرين، 80 في المائة منهم غير مرافقين، تُفصل النساء والأطفال تحت سن الـ14 عن الرجال، ويوضعون في «ملاجئ» خاصة. ويوزّع على جميع من تم إنقاذهم عدّة صغيرة، بها بطانيات إضافية وعصير وقنينة ماء، وملابس داخلية نظيفة و«بسكويتاً» مغذّياً.
تهتم أموان بجميع النساء والأطفال الموزعين بين غرفتين متوسطتي الحجم، تتخلل جدرانها لافتات مكتوبة باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية توفّر رقماً هاتفياً يساعد في دعم ضحايا العنف الجنسي، وتدعو إلى احترام الجميع وتفادي العنصرية. «وعادة ما تنام النساء وباقي المهاجرين لساعات طويلة بمجرد الوصول إلى السفينة. والسبب هو الإنهاك»، وفق كليمان.
فتحت أموان، التي عملت أكثر من ثلاثة عقود في المجال الإنساني، صناديق خشبية رتّبت في داخلها «حفاضات» للأطفال وملابس داخلية حسب الحجم، ومعدّات تمريض أخرى. أشرفت الممرضة، التي تفحص جميع النساء والأطفال، على ولادة سادس طفل على متن «أكواريوس» منذ انطلاق عملياتها. سُمّي الطفل «معجزة»، واحتفى فيه الإعلام الدولي في مايو (أيار) الماضي، بقدر ما احتفى به المهاجرون الناجون بالرقص والغناء.
لم تُخفِ أموان كمّ الصعاب التي تواجهها على متن السفينة وحجم معاناة النساء اللائي مرّ أغلبهنّ بمحن يصعب توصيفها، خصوصاً الحوامل منهن اللواتي تعرّضن لحوادث اغتصاب. لكنها استعادت ابتسامتها، وقالت بتفاؤل إن «عملية الولادة مفرحة. فبعد عدة ساعات من المعاناة ونتيجة مجهولة، تُنسيك صرخة المولود الأولى، وابتسامة الأم كل التعب». وأضافت أنه رغم كل المعاناة، انتهى بنا الأمر خلال مهمة الإنقاذ الأخيرة إلى الرقص ببهجة.
تقدّم السفينة المساعدات الأولية لركابها، فهي تشمل «عيادتين» متواضعتين للنساء الحوامل أو المصابين، أو المهاجرين الذين هم بحاجة إلى محلول ملحي، لكنها غير مؤهلة لإجراء عمليات أو استخراج الرصاصات. ويوضح المنقذ كليمان أنه في الحالات الخطرة جدّاً التي لا تحتمل الانتظار، يتم الاتصال بمراكز تنسيق الإنقاذ لنقل المرضى بمروحية. وفي الحالات الأقل جدية، توزّع أدوية حسب الحاجة. وعادة ما يطالب المهاجرون بأدوية رغم عدم حاجتهم لها، فيوزّع عليهم أكواب ماء بسكر، «ما يفي بالغرض في غالب الأحيان».
يتلقى المهاجرون وجبتين في اليوم. الأولى عبارة عن خبز وشاي وبسكويت مغذٍّ، والثانية يضاف إليها كميات من الأرز. وفي حالات نادرة، مثل الأخيرة التي وجدت «أكواريوس» نفسها عالقة في المتوسط، يتم التنسيق مع أقرب الموانئ (إيطاليا ومالطا) لتزويد السفينة بمزيد من الغذاء، يشمل فواكه وخضراوات أحياناً.
يوميات الإنقاذ في المتوسط... بين إغاثة المصابين وانتشال الجثث

- وقف التنسيق الإيطالي
«المسؤولية الأولى لأي سفينة في البحر، مهما كانت طبيعتها، هي إنقاذ المستضعفين وإيصالهم إلى بر الأمان. إنها مسؤولية مشتركة بين السفن ومراكز تنسيق الإنقاذ».
من «كبينته» المغطّاة بخرائط الملاحة البحرية وصور مبهجة من عمليات إنقاذ ناجحة، كرّس نيكو ستالا، ثلاثة أرباع ساعة لم تتوقف خلالها المقاطعات لـ«الشرق الأوسط»، استعرض خلالها التحديات الجديدة التي أصبحت تواجه العاملين في مجال الإنقاذ قبالة السواحل الأوروبية.
بدأ ستالا مسيرته مع «أكواريوس» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بحاراً ومنقذاً، ليتولى بعدها تنسيق جميع عمليات البحث والإنقاذ في مارس (آذار) 2017. ويشمل نشاطه اليومي توزيع المهام على طاقم السفينة الذي يشمل نحو 17 جنسية، كما يقود جلّ عمليات الإنقاذ.
وكان وقع الرحلة الأخيرة على متن «أكواريوس» قاسياً بشكل خاص على ستالا. فبالإضافة إلى التحديات التي ترافق عمليات الإنقاذ عادة، يجد البحار الإيطالي صعوبة بالغة في تقبّل قرار حكومة بلاده قطع التنسيق عن سفن الإنقاذ ومطالبتها المنقذين السماح لخفر السواحل الليبية إعادة المهاجرين إلى أراضيها «قسراً». ووصف وزير الداخلية الإيطالي الجديد ماتيو سالفيني، الذي تسلَّم منصبه بعد تشكيل حكومة ائتلافية بين حزب «الرابطة» وحركة «خمسة نجوم»، السفينة بـ«سيارة أجرة» للمهاجرين غير الشرعيين، ورفض استقبالها في موانئ صقلية.
في المقابل، استحضر ستالا السلاسة التي كانت تجري بها عمليات الإنقاذ قبل يونيو الماضي، بالقول: «كانت لدينا علاقة وثيقة بمركز التنسيق في روما، ولطالما اعتبرت إيطاليا سفينة (أكواريوس) جزءاً أساسياً من عمليات الإنقاذ. عندما كنا نتلقى رسالة استغاثة من مركز التنسيق، كانت أقرب سفينة لمكان المركب تسخّر القدرات المتاحة لها، لتنفيذ عملية إنقاذ في أقصر وأفضل ظرف زمني ممكن».
وأدان ستالا «التعليمات» التي تلقتها السفن بالابتعاد عن المراكب بحاجة إلى الإغاثة، «في انتظار وصول خفر السواحل الليبية». واعتبر أن هذا القرار منافٍ لجميع القوانين الدولية وأعراف البحر. «ما نراه في سياسة الدعم الأوروبي لعمليات البحث والإنقاذ الليبية في المياه الدولية يخدم تشديد مراقبة الحدود الأوروبية، على حساب إنقاذ المستضعفين وحقهم في الوصول إلى مكان آمن». واعتبر أن سياسة «الإعادة القسرية» منافية لقوانين اللجوء الدولية. وقد أُدينت إيطاليا في عام 2009 من طرف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لممارستها سياسة «الإعادة القسرية»، بعدما اعترضت قوارب لاجئين ومهاجرين في المياه الدولية وأعادتهم إلى ليبيا. وواصل: «ما تقوم به إيطاليا اليوم هو إعادة قسرية «بالوكالة»، وهو ما يتعارض مع حق الأشخاص في النزول في منطقة آمنة»، مشيراً إلى أن ليبيا تعاني اليوم من نزاع مسلح.
كما لفت إلى أن الحملة التي شهدتها أوروبا حديثاً ضد منظمات الإنقاذ، ورفض الموانئ الإيطالية والمالطية وغيرها من السلطات الأوروبية استقبال السفن، أدّيا إلى ارتفاع نسبة الوفيات في المتوسط، لافتاً إلى أن شهر يونيو سجّل أعلى مستوى وفيات في البحر منذ سنوات رغم انخفاض عدد الوافدين إلى إيطاليا بأكثر من 70 في المائة مقارنة مع 2017.
- توسيع صلاحيات خفر السواحل الليبي
تعترض «إس أو إس ميديتيراني»، مثل غيرها من منظمات الإنقاذ، على تسلُّم خفر السواحل الليبية مهمات الإنقاذ على المياه الدولية لعدة أسباب، وفق البحار الإيطالي. أهمها أنه ليس مؤهلاً للقيام بعمليات البحث والإنقاذ، ولا يرقى أسطوله لمستوى سفن الإنقاذ المتخصصة، «فهو لا يملك سوى زورقي دورية أو ثلاث في مساحة تصل إلى 150 ميلاً بحريّاً». وقد تبرعت إيطاليا في 2017 لليبيا بأربع زوارق دورية، لا يُسيّر إلا اثنان منهما في الوقت نفسه، وفق ستالا. فضلاً عن ذلك، يقول إن «أساليب ومعدّات الإنقاذ التي يستخدمونها غير مناسبة لإنجاز عمليات إنقاذ واسعة» لعشرات، وأحياناً مئات الأشخاص.
أما السبب الثالث، فيتعلق بالأوضاع في ليبيا نفسها. ويرى ستالا أن «هؤلاء الأشخاص (نسبة إلى المهاجرين) يهربون من ليبيا التي تشهد أحد أسوأ الظروف الإنسانية التي يعرفها العالم»، ولعل ذلك يبرّر سبب تفضيل المهاجرين المجازفة بحياتهم ومواصلة الإبحار رغم تحذيرات خفر السواحل الليبية، على العودة إلى ليبيا. ويقول إنه شهد بنفسه من على متن «أكواريوس» زورقاً ليبياً يطارد قارباً مطاطياً مكتظّاً بالمهاجرين في عرض البحر، لافتاً إلى وجود تقارير حول أخذ عملية «المطاردة» منحى عنيفاً أحياناً.
وانتقد ستالا كذلك «مراكز الاستقبال» في ليبيا، وقال إنها لا توفّر عملية تسجيل المهاجرين، وبالتالي يستحيل متابعة أوضاعهم أو معرفة مصيرهم.
ويحظى موقف ستالا ومنظمته بإجماع بين المنظمات غير الحكومية ووكالات أممية، وحتى لدى بعض المسؤولين الأوروبيين. وذكرت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الأسبوع الماضي، أن «عرقلة الاتحاد الأوروبي لعمليات الإنقاذ غير الحكومية وتسليم المسؤولية إلى خفر السواحل الليبي هي وصفة لخسائر أكبر في الأرواح في البحر الأبيض المتوسط، ودورة مستمرة من الانتهاكات للأشخاص العالقين في ليبيا».
وقالت جوديث سندرلاند، مديرة مشاركة لقسم أوروبا وآسيا الوسطى بـ«هيومن رايتس ووتش»، الأربعاء الماضي في بيان، إن «جهود الاتحاد الأوروبي لمنع عمليات الإنقاذ والتردد بشأن أماكن إنزال الأشخاص الذين تم إنقاذهم، مدفوعة بنهج إيطاليا المتشدد ومقاربتها القاسية، تؤدي إلى مزيد من الوفيات في البحر، ومعاناة أكبر في ليبيا».
بدورها، دعت منظمة أطباء بلا حدود الإغاثية الدولية، إلى وضع حد لـ«الاحتجاز التعسفي للاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في ليبيا»، معتبرةً أن «الأوضاع في مراكز الاحتجاز المكتظة أصلاً، تزداد سوءاً بعد الزيادة الهائلة في عدد الأشخاص الذين تم اعتراضهم في البحر الأبيض المتوسط ويتم استقدامهم إلى ليبيا من قبل خفر السواحل الليبي المدعوم من الاتحاد الأوروبي».
وقد تمّت إعادة ما لا يقل عن 11 ألف شخص إلى ليبيا من قوارب غير صالحة للإبحار في البحر المتوسط حتى الآن هذا العام وفقاً لـ«أطباء بلا حدود»، وتحدث عمليات الاعتراض في المياه الدولية بين إيطاليا ومالطا وليبيا بشكل يومي تقريباً.
وذكرت كارلين كليجير، مديرة برنامج الطوارئ في منظمة «أطباء بلا حدود» أنه «لا ينبغي نقل الأشخاص الذين لم يمضِ وقت طويل على معاناتهم من حياة مؤلمة وأوشكوا على الموت في البحر، إلى نظام احتجاز تعسفي مؤذٍ وقائم على الاستغلال. لقد عانى الكثيرون بالفعل من مستويات خطيرة من العنف والاستغلال في ليبيا، وأثناء الرحلات المروعة من بلدانهم الأصلية. وهنالك ضحايا للعنف الجنسي والاتجار والتعذيب وسوء المعاملة. ومن بين الفئات الضعيفة أطفال (في بعض الأحيان من دون أحد الوالدين أو وصي)، أو نساء حوامل أو مرضعات، أو كبار السن، أو أشخاص من ذوي الإعاقات العقلية، أو أشخاص يعانون من ظروف صحية خطيرة».
- عودة إلى البحر دون ضمانات
وفي «الجانب المشرق من المتوسط»، ترددت مخاوف مراراً حول مصير المهاجرين غير الشرعيين الذين نجحت «أكواريوس» في إنقاذهم. ففي كثير من الأحيان، لا يكون الحلم الأوروبي مطابقاً لما كان يتصوَّرُه آلاف الحالمين بحياة كريمة وآمنة. «كثيراً ما نصطدم بحقيقة أن الرحلة الشاقة والمحفوفة بالمخاطر التي أسهمنا في إنهائها، لم تكن سوى بداية عملية طويلة ومؤلمة لكثيرين»، جملة تكررت في مختلف أرجاء السفينة وخارجها.
ويقول جوليان، سائق تاكسي يصطحب ركابه «الشرعيين» من وإلى مطار مرسيليا: «يتوافد الأفارقة والمغاربة إلى سواحل أوروبا، ويكتظون في ضواحي مدنها، ويشغلون وظائف تعيسة لا تضمن العيش الكريم، فيما يحترف بعضهم الجريمة. لو علموا بما ينتظرهم هنا، لما فكّروا بالمجيء».
لكن الصورة ليست دائماً قاتمة. يتذكّر ستالا، وهو جالس في مكتبه برفقة زميلين بحارين، قصة ثاني عملية إنقاذ يقوم بها على متن «أكواريوس»، ويقول: «وصلتني أخيراً رسالة من أحد الشباب الذي نجا من إحدى أصعب عمليات الإنقاذ. غرق مركب مطاطي وسقط العشرات في البحر. انتشلنا خمس جثث، بينهم ولد صغير نجحنا في إعادته إلى الحياة. كانت المرة الأولى التي أنتشل فيها جثثاً، وأُغلّفها في أكياس. لكن رسالة هذا الولد المتحدّر من غينيا أبهجتني. فهو اليوم في إيطاليا، بتعلّم اللغة ومنخرط في برنامج اندماج».
أصبحت سياسات الهجرة تحتل المراتب الأولى في أجندات الحكومات الأوروبية. ومع مرور كل يوم نسمع فيها أخباراً تفيد بغرق العشرات في مياه المتوسط، تزداد الضغوط على البلدان الأصلية لتحسين أوضاعها الاقتصادية وتوفير ظروف أفضل لشبابها، فيما تشدد الحكومات الأوروبية حراسة حدودها على حساب قواعد وقيم «التضام الأوروبي».
في خضمِّ هذا الجدل، تستعد «أكواريوس» للعودة إلى البحر بعد أيام، جاهلةً من سيسمح برسوّها واستقبال الناجين على متنها.


مقالات ذات صلة

ظلوا لـ9 أيام في البحر... غرق 22 مهاجراً قبالة سواحل اليونان

أوروبا متطوعو «الصليب الأحمر» وفرق الإنقاذ يقفون بجوار قارب صيد يقل مهاجرين في ميناء باليوخورا عقب عملية إنقاذ قبالة جزيرة كريت (رويترز)

ظلوا لـ9 أيام في البحر... غرق 22 مهاجراً قبالة سواحل اليونان

لقي 22 مهاجراً مصرعهم بعدما بقوا 6 أيام عالقين في قاربهم المطاطي في البحر الأبيض المتوسط، عقب انطلاقهم من ليبيا، حسبما أفاد خفر السواحل اليوناني.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
الولايات المتحدة​ عملاء من دائرة الهجرة والجمارك (آيس) ينفّذون دوريات بمبنى الركاب بمطار جون إف كيندي الدولي في نيويورك (أ.ف.ب)

وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

اتجهت الأنظار إلى مجلس النواب الأميركي بعدما وافق مجلس الشيوخ على تمويل غالبية عمليات وزارة الأمن الداخلي، مستثنياً دائرة الهجرة والجمارك (آيس).

علي بردى (واشنطن)
أوروبا التصويت على المقترحات التشريعية خلال جلسة عامة للبرلمان الأوروبي في بروكسل (إ.ب.أ)

البرلمان الأوروبي يوافق على إنشاء مراكز لإرسال المهاجرين إلى خارج التكتل

مهّد المشرعون الأوروبيون الطريق أمام تشديد العقوبات على المهاجرين غير النظاميين مع إمكانية ترحيلهم إلى ما يسمى «مراكز العودة» خارج الاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شمال افريقيا وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

عبَّرت تونس عن تطلعها إلى دعم استثنائي من شركائها الأوروبيين، خصوصاً ألمانيا؛ لتجاوز العراقيل التي تحُول دون استرجاع الأموال المنهوبة.

«الشرق الأوسط» (تونس)
أفريقيا مهاجرون إثيوبيون يسيرون على شواطئ رأس العارة في اليمن بعد نزولهم من قارب... 26 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)

عدد قياسي من المهاجرين المفقودين في البحر الأحمر خلال 2025

أفادت «المنظمة الدولية للهجرة» التابعة للأمم المتحدة اليوم (الأربعاء) بمقتل أو فقدان أكثر من 900 مهاجر في البحر الأحمر خلال عام 2025.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».