يوميات الإنقاذ في المتوسط... بين إغاثة المصابين وانتشال الجثث

مشاهد رصدتها «الشرق الأوسط» من سفينة تحولت إلى رمز لأزمة الهجرة الأوروبية

جانب من عملية إنقاذ الشهر الماضي (كيني كاربوف - «إس أو إس ميديتيراني»)
جانب من عملية إنقاذ الشهر الماضي (كيني كاربوف - «إس أو إس ميديتيراني»)
TT

يوميات الإنقاذ في المتوسط... بين إغاثة المصابين وانتشال الجثث

جانب من عملية إنقاذ الشهر الماضي (كيني كاربوف - «إس أو إس ميديتيراني»)
جانب من عملية إنقاذ الشهر الماضي (كيني كاربوف - «إس أو إس ميديتيراني»)

صندوقان، أحدهما أحمر والآخر على يمينه أزرق يلخّصان أزمة الهجرة عبر المتوسط. الأول يحمل مئات سترات النجاة والبطانيات، والآخر مثل هذا العدد من أكياس يُغلّف فيها الموتى، ويُضاعف عددها لعزل روائح الجثث عن الناجين. ينتشر مئات المهاجرين على متن سفينة خشبية، النساء والأطفال في غرف خاصة، والرجال مفصولون عنهم في جانب آخر. 630 سيدة وشاباً وعجوزاً وطفلاً شاهدوا الموت ونجوا منه، اختلطوا ببضعة منقذين، بينهم بحارة محترفون وممرضات و«قابلة» وطبيب. قضوا 48 ساعة على سفينة الإنقاذ «أكواريوس»، التابعة لمنظمتي «إس أو إس ميديتيراني» و«أطباء بلا حدود» لإغاثة المهاجرين، في انتظار موافقة أحد الموانئ الآمنة على استقبالهم. مع انخفاض مؤونات الماء والغذاء، تزايدت الضغوط على السلطات الأوروبية، واستمرت الحكومة الإيطالية في رفضها رسو السفينة التي غادرت من شواطئ كتانيا، لتعلن مدريد استعدادها لاستقبال السفينة في موانئ فالينسيا. تعالت أصوات الاستنكار من ضفتي المتوسط، وتساءل الكثيرون عما آلت إليه «أوروبا القيم». تحوّلت «أكواريس» منذ ذلك الوقت إلى رمز على حقبة جديدة تعيشها أوروبا، حيث طفت الخلافات على السطح وبدا السباق على تسجيل نقاط سياسية قصيرة المدى أهم من إنقاذ أرواح يائسة من الغرق. زارت «الشرق الأوسط» سفينة «أكواريوس» الراسية في ميناء مارسيليا التجاري، وقضت يوماً برفقة أفراد من فريق الإنقاذ الذي أشرف على إيصال الآلاف إلى بر الأمان.
وفيما يلي نبذة عن قصص هؤلاء، والتحديات التي يواجهونها خلال إنقاذ مهاجرين غير شرعيين وطالبي لجوء من الغرق.
«أكواريوس» هو اسمها، و«سيدة البحار» لقبها. بنتها البحرية الألمانية في سبعينات القرن الماضي لمرافقة قوارب الصيد وتمريض الصيادين، ثم استخدمت لتزويد سفن التنقيب عن الألماس في أعماق البحر بالوقود، إلى أن تحولت إلى إحدى أشهر سفن «البحث والإنقاذ» في البحر المتوسط.
أطلقت «أكواريوس» عملياتها في فبراير (شباط) 2016، بتشغيل مشترك من «إس أو إس» و«أطباء بلا حدود»، وقامت بـ234 عملية إنقاذ، شكّلت نحو 20 في المائة من إجمالي عمليات الإغاثة التي أجرتها منظمات غير حكومية، و6.4 في المائة من إجمالي العمليات منذ عام 2016. تبلغ كلفة يوم واحد في البحر نحو 11 ألف يورو (12.8 ألف دولار)، وتعتمد السفينة على مساهمات طوعية لتغطية 90 في المائة من عملياتها، وعلى فريق من عشرات البحارة والمنقذين المحترفين، بينهم متطوعون وآخرون يتسلمون رواتب. قد يبدو هذا المبلغ مرتفعاً، لكنه يخجل أمام عدد المهاجرين واللاجئين الذين أنقذتهم «أكواريوس» خلال السنتين ونصف السنة التي قادت فيها عملياتها، ويشمل 29318 شخصاً بين السواحل الليبية والإيطالية، بينهم 9 آلاف و75 شخصاً نُقلوا إلى السفينة من مراكب إنقاذ أخرى.
كليمان منقذ فرنسي في منتصف العشرينات اكتفى بتعريف اسمه الأول، ودفعه سبب وجود «أكواريوس» في ميناء مرسيليا إلى التساؤل: «ما الذي نفعله هنا؟ نحن لا نسهم في إنقاذ الأرواح من هنا».
إحباط كليمان، البحار الشاب الذي التحق بالسفينة منذ الشهور الأولى من انطلاق عملياتها الإنسانية، يتقاسمه معظم طاقم «أكواريوس» التي أُجبرت على ملازمة ميناء مرسيليا الفرنسي منذ 29 يونيو (حزيران) الماضي بعد أن رفضت كل من إيطاليا ومالطا استقبالها. لكن كليمان استدرك بتفاؤل: «نستغل هذه الفترة لتحديث معدّاتنا، وإضافة أخرى كنا بحاجة إليها»، استعدادا لاستئناف عمليات الإنقاذ خلال أيام.
- رحلة حياة أو موت
عملت «أكواريوس» منذ انطلاق مهمتها عن كثب مع مركز تنسيق الإنقاذ البحري الإيطالي، الذي كان يزوّدها بإحداثيات المراكب المطاطية أو زوارق المهاجرين في عرض البحر، قبل أن تتخذ الحكومة الإيطالية الجديدة قرار وقف هذا التنسيق في الأسابيع الماضية.
وبالإضافة إلى الإحداثيات، يساهم جميع أفراد طاقم «أكواريوس» في عمليات «مسح» بالرادار البحري، وبالعين المجردة لمدة ساعة ونصف الساعة يوميا.
يستحضر كليمان تفاصيل عمليات البحث والإنقاذ التي يشارك فيها بشكل دوري. «مفتاح نجاح أي عملية إنقاذ في عرض البحر هو الحفاظ على هدوء الركاب، التحدي واضح: تهدئتهم أو سقوطهم في البحر الواحد تلو الآخر واحتمال الموت غرقا». فبمجرد أن يبدأ أحد المهاجرين، على المراكب المكتظة غالبا وغير المؤهلة للإبحار، في التوتر، يليه جميع الركاب ويبدأون في القفز في المياه العميقة والباردة، حتى وإن كانوا غير قادرين على السباحة. هذا إن لم يفقد القارب توازنه وينقلب على ركابه. ويقول كليمان إنه يتم إرسال «وسيط ثقافي» أولا يتحدّث ويهدّئ الركاب، قبل أن نوزّع عليهم سترات نجاة. وتستمر عمليات الإنقاذ في هذه الحالات نحو ساعة ونصف الساعة، لكنها قد تأخذ فترة أطول بكثير ما يرفع احتمال الموت غرقا أو بانخفاض درجة حرارة الجسم.
التحدي الكبير الثاني في عمليات الإنقاذ هو احتراق الركاب بخليط من الوقود ومياه البحر الحارقة. تحمل مراكب المهاجرين عادة خزاناً صغيراً أو اثنين من الوقود، الذي يتسرّب في المركب ويختلط بالمياه المالحة ليتحول إلى خليط حارق. ويشرح كليمان أن هذه الإصابة هي الأكثر شيوعا في عمليات الإنقاذ، وتصيب الركاب بدرجات متفاوتة. ويوضح: «إن تسرب الوقود في المركب والمهاجرون جالسون على متنه أو أطرافه، يحترق الجزء السفلي من أجسامهم. أما إن أصيبت ذراعهم، فينبغي على المنقذين توخي الحذر عند جرّهم إلى الأعلى لتفادي اقتلاع الجلد». ولا يُفلت المنقذون من احتمال الاحتراق عند إتمام عمليات الإنقاذ.
ويشرح كليمان أنه بمجرد نقل المهاجرين على متن السفينة، يغسل المصابون أجسامهم بالماء البارد والصابون، ويُعالج أسوؤهم بالأدوية والضمادات. كما يتعرض الأطفال الذي يستنشقون البنزين لفترة طويلة إلى حالات إغماء في البحر، ما يعقّد عملية إنقاذهم.
أما الحالة الطبية الشائعة الأخرى التي يعاني منها المهاجرون هي انخفاض درجات حرارة الجسم إلى مستويات خطيرة، تؤدي في الحالات المتقدمة إلى توقف نبضات القلب. ويُعِدّ طاقم الإنقاذ «بطانيات» خاصة وأكواب شاي ساخن يوزّع على جميع المهاجرين لاستعادة دراجة حرارة الجسم الطبيعية. وتشمل أنواع الإصابات الأخرى أطرافاً مكسورة وإصابات بالرصاص يتعرض لها في حالات نادرة بعض أفواج المهاجرين عند مغادرة السواحل الليبية.
- ولادة «معجزة»
بابتسامة عريضة تروي أموان، القابلة من ساحل العاج، مشاركتها في إحدى عمليات الإنقاذ الأخيرة عند السواحل الليبية، التي شهدت ولادة ناجحة على متن السفينة.
فعند إنقاذ ركاب القوارب، الذين يشملون في المتوسط 10 في المائة من النساء وبين 30 و40 في المائة من القاصرين، 80 في المائة منهم غير مرافقين، تُفصل النساء والأطفال تحت سن الـ14 عن الرجال، ويوضعون في «ملاجئ» خاصة. ويوزّع على جميع من تم إنقاذهم عدّة صغيرة، بها بطانيات إضافية وعصير وقنينة ماء، وملابس داخلية نظيفة و«بسكويتاً» مغذّياً.
تهتم أموان بجميع النساء والأطفال الموزعين بين غرفتين متوسطتي الحجم، تتخلل جدرانها لافتات مكتوبة باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية توفّر رقماً هاتفياً يساعد في دعم ضحايا العنف الجنسي، وتدعو إلى احترام الجميع وتفادي العنصرية. «وعادة ما تنام النساء وباقي المهاجرين لساعات طويلة بمجرد الوصول إلى السفينة. والسبب هو الإنهاك»، وفق كليمان.
فتحت أموان، التي عملت أكثر من ثلاثة عقود في المجال الإنساني، صناديق خشبية رتّبت في داخلها «حفاضات» للأطفال وملابس داخلية حسب الحجم، ومعدّات تمريض أخرى. أشرفت الممرضة، التي تفحص جميع النساء والأطفال، على ولادة سادس طفل على متن «أكواريوس» منذ انطلاق عملياتها. سُمّي الطفل «معجزة»، واحتفى فيه الإعلام الدولي في مايو (أيار) الماضي، بقدر ما احتفى به المهاجرون الناجون بالرقص والغناء.
لم تُخفِ أموان كمّ الصعاب التي تواجهها على متن السفينة وحجم معاناة النساء اللائي مرّ أغلبهنّ بمحن يصعب توصيفها، خصوصاً الحوامل منهن اللواتي تعرّضن لحوادث اغتصاب. لكنها استعادت ابتسامتها، وقالت بتفاؤل إن «عملية الولادة مفرحة. فبعد عدة ساعات من المعاناة ونتيجة مجهولة، تُنسيك صرخة المولود الأولى، وابتسامة الأم كل التعب». وأضافت أنه رغم كل المعاناة، انتهى بنا الأمر خلال مهمة الإنقاذ الأخيرة إلى الرقص ببهجة.
تقدّم السفينة المساعدات الأولية لركابها، فهي تشمل «عيادتين» متواضعتين للنساء الحوامل أو المصابين، أو المهاجرين الذين هم بحاجة إلى محلول ملحي، لكنها غير مؤهلة لإجراء عمليات أو استخراج الرصاصات. ويوضح المنقذ كليمان أنه في الحالات الخطرة جدّاً التي لا تحتمل الانتظار، يتم الاتصال بمراكز تنسيق الإنقاذ لنقل المرضى بمروحية. وفي الحالات الأقل جدية، توزّع أدوية حسب الحاجة. وعادة ما يطالب المهاجرون بأدوية رغم عدم حاجتهم لها، فيوزّع عليهم أكواب ماء بسكر، «ما يفي بالغرض في غالب الأحيان».
يتلقى المهاجرون وجبتين في اليوم. الأولى عبارة عن خبز وشاي وبسكويت مغذٍّ، والثانية يضاف إليها كميات من الأرز. وفي حالات نادرة، مثل الأخيرة التي وجدت «أكواريوس» نفسها عالقة في المتوسط، يتم التنسيق مع أقرب الموانئ (إيطاليا ومالطا) لتزويد السفينة بمزيد من الغذاء، يشمل فواكه وخضراوات أحياناً.
يوميات الإنقاذ في المتوسط... بين إغاثة المصابين وانتشال الجثث

- وقف التنسيق الإيطالي
«المسؤولية الأولى لأي سفينة في البحر، مهما كانت طبيعتها، هي إنقاذ المستضعفين وإيصالهم إلى بر الأمان. إنها مسؤولية مشتركة بين السفن ومراكز تنسيق الإنقاذ».
من «كبينته» المغطّاة بخرائط الملاحة البحرية وصور مبهجة من عمليات إنقاذ ناجحة، كرّس نيكو ستالا، ثلاثة أرباع ساعة لم تتوقف خلالها المقاطعات لـ«الشرق الأوسط»، استعرض خلالها التحديات الجديدة التي أصبحت تواجه العاملين في مجال الإنقاذ قبالة السواحل الأوروبية.
بدأ ستالا مسيرته مع «أكواريوس» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بحاراً ومنقذاً، ليتولى بعدها تنسيق جميع عمليات البحث والإنقاذ في مارس (آذار) 2017. ويشمل نشاطه اليومي توزيع المهام على طاقم السفينة الذي يشمل نحو 17 جنسية، كما يقود جلّ عمليات الإنقاذ.
وكان وقع الرحلة الأخيرة على متن «أكواريوس» قاسياً بشكل خاص على ستالا. فبالإضافة إلى التحديات التي ترافق عمليات الإنقاذ عادة، يجد البحار الإيطالي صعوبة بالغة في تقبّل قرار حكومة بلاده قطع التنسيق عن سفن الإنقاذ ومطالبتها المنقذين السماح لخفر السواحل الليبية إعادة المهاجرين إلى أراضيها «قسراً». ووصف وزير الداخلية الإيطالي الجديد ماتيو سالفيني، الذي تسلَّم منصبه بعد تشكيل حكومة ائتلافية بين حزب «الرابطة» وحركة «خمسة نجوم»، السفينة بـ«سيارة أجرة» للمهاجرين غير الشرعيين، ورفض استقبالها في موانئ صقلية.
في المقابل، استحضر ستالا السلاسة التي كانت تجري بها عمليات الإنقاذ قبل يونيو الماضي، بالقول: «كانت لدينا علاقة وثيقة بمركز التنسيق في روما، ولطالما اعتبرت إيطاليا سفينة (أكواريوس) جزءاً أساسياً من عمليات الإنقاذ. عندما كنا نتلقى رسالة استغاثة من مركز التنسيق، كانت أقرب سفينة لمكان المركب تسخّر القدرات المتاحة لها، لتنفيذ عملية إنقاذ في أقصر وأفضل ظرف زمني ممكن».
وأدان ستالا «التعليمات» التي تلقتها السفن بالابتعاد عن المراكب بحاجة إلى الإغاثة، «في انتظار وصول خفر السواحل الليبية». واعتبر أن هذا القرار منافٍ لجميع القوانين الدولية وأعراف البحر. «ما نراه في سياسة الدعم الأوروبي لعمليات البحث والإنقاذ الليبية في المياه الدولية يخدم تشديد مراقبة الحدود الأوروبية، على حساب إنقاذ المستضعفين وحقهم في الوصول إلى مكان آمن». واعتبر أن سياسة «الإعادة القسرية» منافية لقوانين اللجوء الدولية. وقد أُدينت إيطاليا في عام 2009 من طرف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لممارستها سياسة «الإعادة القسرية»، بعدما اعترضت قوارب لاجئين ومهاجرين في المياه الدولية وأعادتهم إلى ليبيا. وواصل: «ما تقوم به إيطاليا اليوم هو إعادة قسرية «بالوكالة»، وهو ما يتعارض مع حق الأشخاص في النزول في منطقة آمنة»، مشيراً إلى أن ليبيا تعاني اليوم من نزاع مسلح.
كما لفت إلى أن الحملة التي شهدتها أوروبا حديثاً ضد منظمات الإنقاذ، ورفض الموانئ الإيطالية والمالطية وغيرها من السلطات الأوروبية استقبال السفن، أدّيا إلى ارتفاع نسبة الوفيات في المتوسط، لافتاً إلى أن شهر يونيو سجّل أعلى مستوى وفيات في البحر منذ سنوات رغم انخفاض عدد الوافدين إلى إيطاليا بأكثر من 70 في المائة مقارنة مع 2017.
- توسيع صلاحيات خفر السواحل الليبي
تعترض «إس أو إس ميديتيراني»، مثل غيرها من منظمات الإنقاذ، على تسلُّم خفر السواحل الليبية مهمات الإنقاذ على المياه الدولية لعدة أسباب، وفق البحار الإيطالي. أهمها أنه ليس مؤهلاً للقيام بعمليات البحث والإنقاذ، ولا يرقى أسطوله لمستوى سفن الإنقاذ المتخصصة، «فهو لا يملك سوى زورقي دورية أو ثلاث في مساحة تصل إلى 150 ميلاً بحريّاً». وقد تبرعت إيطاليا في 2017 لليبيا بأربع زوارق دورية، لا يُسيّر إلا اثنان منهما في الوقت نفسه، وفق ستالا. فضلاً عن ذلك، يقول إن «أساليب ومعدّات الإنقاذ التي يستخدمونها غير مناسبة لإنجاز عمليات إنقاذ واسعة» لعشرات، وأحياناً مئات الأشخاص.
أما السبب الثالث، فيتعلق بالأوضاع في ليبيا نفسها. ويرى ستالا أن «هؤلاء الأشخاص (نسبة إلى المهاجرين) يهربون من ليبيا التي تشهد أحد أسوأ الظروف الإنسانية التي يعرفها العالم»، ولعل ذلك يبرّر سبب تفضيل المهاجرين المجازفة بحياتهم ومواصلة الإبحار رغم تحذيرات خفر السواحل الليبية، على العودة إلى ليبيا. ويقول إنه شهد بنفسه من على متن «أكواريوس» زورقاً ليبياً يطارد قارباً مطاطياً مكتظّاً بالمهاجرين في عرض البحر، لافتاً إلى وجود تقارير حول أخذ عملية «المطاردة» منحى عنيفاً أحياناً.
وانتقد ستالا كذلك «مراكز الاستقبال» في ليبيا، وقال إنها لا توفّر عملية تسجيل المهاجرين، وبالتالي يستحيل متابعة أوضاعهم أو معرفة مصيرهم.
ويحظى موقف ستالا ومنظمته بإجماع بين المنظمات غير الحكومية ووكالات أممية، وحتى لدى بعض المسؤولين الأوروبيين. وذكرت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الأسبوع الماضي، أن «عرقلة الاتحاد الأوروبي لعمليات الإنقاذ غير الحكومية وتسليم المسؤولية إلى خفر السواحل الليبي هي وصفة لخسائر أكبر في الأرواح في البحر الأبيض المتوسط، ودورة مستمرة من الانتهاكات للأشخاص العالقين في ليبيا».
وقالت جوديث سندرلاند، مديرة مشاركة لقسم أوروبا وآسيا الوسطى بـ«هيومن رايتس ووتش»، الأربعاء الماضي في بيان، إن «جهود الاتحاد الأوروبي لمنع عمليات الإنقاذ والتردد بشأن أماكن إنزال الأشخاص الذين تم إنقاذهم، مدفوعة بنهج إيطاليا المتشدد ومقاربتها القاسية، تؤدي إلى مزيد من الوفيات في البحر، ومعاناة أكبر في ليبيا».
بدورها، دعت منظمة أطباء بلا حدود الإغاثية الدولية، إلى وضع حد لـ«الاحتجاز التعسفي للاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في ليبيا»، معتبرةً أن «الأوضاع في مراكز الاحتجاز المكتظة أصلاً، تزداد سوءاً بعد الزيادة الهائلة في عدد الأشخاص الذين تم اعتراضهم في البحر الأبيض المتوسط ويتم استقدامهم إلى ليبيا من قبل خفر السواحل الليبي المدعوم من الاتحاد الأوروبي».
وقد تمّت إعادة ما لا يقل عن 11 ألف شخص إلى ليبيا من قوارب غير صالحة للإبحار في البحر المتوسط حتى الآن هذا العام وفقاً لـ«أطباء بلا حدود»، وتحدث عمليات الاعتراض في المياه الدولية بين إيطاليا ومالطا وليبيا بشكل يومي تقريباً.
وذكرت كارلين كليجير، مديرة برنامج الطوارئ في منظمة «أطباء بلا حدود» أنه «لا ينبغي نقل الأشخاص الذين لم يمضِ وقت طويل على معاناتهم من حياة مؤلمة وأوشكوا على الموت في البحر، إلى نظام احتجاز تعسفي مؤذٍ وقائم على الاستغلال. لقد عانى الكثيرون بالفعل من مستويات خطيرة من العنف والاستغلال في ليبيا، وأثناء الرحلات المروعة من بلدانهم الأصلية. وهنالك ضحايا للعنف الجنسي والاتجار والتعذيب وسوء المعاملة. ومن بين الفئات الضعيفة أطفال (في بعض الأحيان من دون أحد الوالدين أو وصي)، أو نساء حوامل أو مرضعات، أو كبار السن، أو أشخاص من ذوي الإعاقات العقلية، أو أشخاص يعانون من ظروف صحية خطيرة».
- عودة إلى البحر دون ضمانات
وفي «الجانب المشرق من المتوسط»، ترددت مخاوف مراراً حول مصير المهاجرين غير الشرعيين الذين نجحت «أكواريوس» في إنقاذهم. ففي كثير من الأحيان، لا يكون الحلم الأوروبي مطابقاً لما كان يتصوَّرُه آلاف الحالمين بحياة كريمة وآمنة. «كثيراً ما نصطدم بحقيقة أن الرحلة الشاقة والمحفوفة بالمخاطر التي أسهمنا في إنهائها، لم تكن سوى بداية عملية طويلة ومؤلمة لكثيرين»، جملة تكررت في مختلف أرجاء السفينة وخارجها.
ويقول جوليان، سائق تاكسي يصطحب ركابه «الشرعيين» من وإلى مطار مرسيليا: «يتوافد الأفارقة والمغاربة إلى سواحل أوروبا، ويكتظون في ضواحي مدنها، ويشغلون وظائف تعيسة لا تضمن العيش الكريم، فيما يحترف بعضهم الجريمة. لو علموا بما ينتظرهم هنا، لما فكّروا بالمجيء».
لكن الصورة ليست دائماً قاتمة. يتذكّر ستالا، وهو جالس في مكتبه برفقة زميلين بحارين، قصة ثاني عملية إنقاذ يقوم بها على متن «أكواريوس»، ويقول: «وصلتني أخيراً رسالة من أحد الشباب الذي نجا من إحدى أصعب عمليات الإنقاذ. غرق مركب مطاطي وسقط العشرات في البحر. انتشلنا خمس جثث، بينهم ولد صغير نجحنا في إعادته إلى الحياة. كانت المرة الأولى التي أنتشل فيها جثثاً، وأُغلّفها في أكياس. لكن رسالة هذا الولد المتحدّر من غينيا أبهجتني. فهو اليوم في إيطاليا، بتعلّم اللغة ومنخرط في برنامج اندماج».
أصبحت سياسات الهجرة تحتل المراتب الأولى في أجندات الحكومات الأوروبية. ومع مرور كل يوم نسمع فيها أخباراً تفيد بغرق العشرات في مياه المتوسط، تزداد الضغوط على البلدان الأصلية لتحسين أوضاعها الاقتصادية وتوفير ظروف أفضل لشبابها، فيما تشدد الحكومات الأوروبية حراسة حدودها على حساب قواعد وقيم «التضام الأوروبي».
في خضمِّ هذا الجدل، تستعد «أكواريوس» للعودة إلى البحر بعد أيام، جاهلةً من سيسمح برسوّها واستقبال الناجين على متنها.


مقالات ذات صلة

الرئيس التونسي يدعو لـ«مراجعة الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي

شمال افريقيا الرئيس التونسي طالب بدعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم (موقع الرئاسة)

الرئيس التونسي يدعو لـ«مراجعة الشراكة» مع الاتحاد الأوروبي

دعا الرئيس التونسي قيس سعيد إلى مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ودعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم.

«الشرق الأوسط» (تونس)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تتحدث بينما يستمع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا خلال مؤتمر صحافي في نهاية اجتماع رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي في بروكسل بلجيكا 20 مارس 2026 (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يستعد لمواجهة أزمة هجرة مع استمرار الحرب في إيران

مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، صرّح زعماء الاتحاد الأوروبي بأنهم لا يريدون التعرّض لمفاجأة بواسطة أزمة هجرة محتملة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شمال افريقيا عدد من المهاجرين الأفارقة في قابس التونسية (أ.ف.ب)

منظمات تونسية تطالب برفض الدعوى بحق مناهضين للعنصرية

دعا محامو الدفاع عن الناشطة التونسية المناهضة للعنصرية، سعدية مصباح، وعدد من المنظمات الحقوقية إلى رفض الدعوى بحقّها، خلال جلسة محاكمتها.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا من لقاء سابق بين الرئيسين الجزائري والفرنسي (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر تحتفل بذكرى اتفاقات الاستقلال بـ«نكهة» تجريم الاستعمار

احتفلت الجزائر، اليوم (الخميس)، بمرور 64 سنة على بدء تنفيذ «اتفاقات إيفيان»، التي وضعت حداً لـ132 عاماً من الاحتلال الفرنسي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا المنفي مع عدد من ممثلي مجموعة مسار برلين (المجلس الرئاسي)

المنفي يبحث مع «مجموعة العمل الدولية» سبل إنهاء الأزمة الليبية

أكد محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، أهمية استمرار التنسيق مع الشركاء الدوليين، في إطار مخرجات «مسار برلين»، بما يدعم الجهود الرامية لتوحيد المؤسسات.

خالد محمود (القاهرة)

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني