وسائل حديثة لإعادة إحياء الأبنية التاريخية

إضفاء الملامح العصرية بهدف الاقتصاد في الطاقة والحفاظ على البيئة

مبنى «إمباير ستايت» في نيويورك
مبنى «إمباير ستايت» في نيويورك
TT

وسائل حديثة لإعادة إحياء الأبنية التاريخية

مبنى «إمباير ستايت» في نيويورك
مبنى «إمباير ستايت» في نيويورك

تكتسب الأبنية التاريخية حول العالم شهرتها العظيمة بفعل صمود عمارتها أمام اختبار الزمن... ولكن ما الأسرار الكامنة بين واجهات هذه الأبنية العتيّة؟
- بنايات قديمة
يتطوّر التصميم والهندسة بسرعة، ويشمل هذا المباني الحديثة. إلا أن كثيرا من المباني المدنية - نحو نصف مساحة البنايات المكتبية في مدينة نيويورك بني قبل 1945 - أنشئت قبل ظهور مفاهيم كالاستدامة، وتغيّر المناخ، وحتى إعادة التدوير، مما يؤدي إلى مساهمتها في مزيد من الهدر وعدم الكفاءة.
ومع الدخول في مرحلة العصرنة، شهدت الأبنية التاريخية تحديثات شملت النوافذ ونظم الإضاءة والتركيبات الصحية وأنظمة التبريد والتدفئة الجديدة، مما سيساهم أخيراً في توفير أموال المالكين والمشغلين وحفظ الطاقة في وقت واحد.
تستهلك الأبنية نحو 73 في المائة من الطاقة الكهربائية في الولايات المتحدة، وتساهم بشكل غير مباشر في 38 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، أي بنسبة تفوق الانبعاثات الناتجة عن الصناعة ووسائل النقل. وللفوز بمعركتها في مواجهة تغيّر المناخ، تحتاج المدن إلى الاعتماد على أبنية أكثر فعالية على صعيد الطاقة.
- مباني نيويورك وباريس
تورد مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» الأميركية عددا من الأبنية التاريخية التي سلكت طريقاً صحيحة في هذا المجال، يترتب على الأبنية الأخرى سلوكها:
> مبنى «إمباير ستايت»: جذب مبنى «إمباير ستايت» أنظار مدينة نيويورك عندما كشف عن أضواء «ليد»، (الصمامات الثنائية الباعثة للضوء) البراقة التي اعتمدها عام 2012. لم يقد هذا التغيير في خيارات اللون إلى زيادة من 9 ألوان إلى مليون لون فحسب، بل ساهم أيضاً في انخفاض استهلاك المبنى من الكهرباء إلى الربع. وفي الوقت الذي جذب فيه عرض الأضواء الليلية هذا أنظار العالم، كان المبنى القديم على موعد مع تغيير قريب سيبرهن على إمكانية إدخال ناطحات السحب القديمة في عالم الحداثة.
احتاج ملاك البناء إلى التعامل مع شكوى مستمرة من 30 ألف موظف من العاملين في المكاتب: خلال فصل الصيف، كان التصميم الداخلي القديم يتسبب بأجواء تتراوح بين الحرّ الشديد والبرودة العادية. دعا الحلّ التقليدي المالكين إلى الاستعانة بمصادر برودة أقوى (مبدئياً، ستكون على شكل وحدات تكييف هوائية عملاقة) تصل تكلفتها إلى نحو 17 مليون دولار. ولكنّ الإدارة قرّرت الاستثمار في تحسينات تساهم في تخفيف استهلاك الطاقة، على أمل الحصول على نتيجة مرضية في نهاية العملية.
بعدما عمل فريق من الخبراء على تحليل المبنى، تمّ تقديم نحو 60 فكرة؛ اختيرت 8 من أهمّها وأكثرها عملية بعد عرضها بواسطة عروض المحاكاة بالكومبيوتر. تراوحت التحديثات بين مكونات التبريد والتدفئة والأضواء التي تنطفئ أوتوماتيكياً خلال النهار، وحواجز بسيطة تقي من الحرّ الذي تفرزه شبكات التبريد عبر الجدران.
خلال التحليل، تبيّن أنّ نوافذ المبنى ذات الطبقات المزدوجة تتسبب بكثير من الهدر أيضاً. ولكن بدل تغييرها، تمّت إزالتها، وتجديدها، وتركيبها ومن جديد بعد ساعات لتفادي التعطيل. وخلال ترميمها، أضاف الخبراء عليها طبقة ثالثة رقيقة تحتوي على نوع من الغاز، لتصبح هذه النوافذ اليوم «نوافذ خارقة» تخفف حرّ الصيف وهدر الشتاء إلى أكثر من النصف.
> برج إيفل: وهو البرج الأشهر في مدينة النور. ومع الإبقاء على السبب الأساسي لبناء هذا البرج الذي يعد رمزاً هندسياً عالمياً، تمّ تحديث برج إيفل في إطار عملية ترميم استمرت 4 سنوات انتهت عام 2015، وبلغت تكلفتها 28 مليون يورو (32 مليون دولار).
شهد الطابق الأول، على ارتفاع 187 قدما، بناء أو ترميم 3 أجنحة ضمّت مطعماً وصالة للمؤتمرات ومتجرا، وتمّ تركيب أكثر من مائة قدم مربّعة من الألواح الشمسية في أسقف الأجنحة، لتوليد الطاقة الكافية لتسخين نصف كمية المياه المستخدمة في هذا الطابق، بالإضافة إلى الاستعانة بأنابيب جديدة لجمع مياه الندى المتساقط وتوزيعها على الحمّامات، لتوفير المياه وتخفيف عبء العمل على المضخات. لعبت أضواء «ليد» دوراً في تخفيف استهلاك الكهرباء، وساهم تعزيز التزجيج المدعّم في الأقسام الزجاجية بتخفيف حرارة الشمس بنسبة 25 في المائة، بالإضافة إلى تقليص الحاجة إلى التكييف الهوائي خلال الصيف.
وإلى جانب توفير الطاقة، أصبح البرج اليوم يولّد قسماً من طاقته؛ إذ تشارك 17 قدما من التوربينات المصنوعة من الحديد المطاوع والمركّبة فوق مطعم الطابق الثاني في توليد الطاقة عبر الرياح. ويفيد ارتفاع الـ400 قدم في التقاط أفضل أنواع الرياح، وتدور المحاور العمودية لدواليب الهواء بمعزل عن اتجاه الرياح، لتولّد التوربينات نحو 10 آلاف كيلوواط/ ساعة من الكهرباء في السنة. صحيح أن إنتاج الطاقة هذا لا يشكّل إلا القليل من حاجة البرج للكهرباء، ولكنه يكفي لطابق أول فعّال على صعيد الطاقة.
- بين سيدني وبرلين
> دار سيدني للأوبرا: تعد الأشرعة المرتفعة فوق دار سيدني للأوبرا تحفة فنية من التصميم العضوي، المستوحى من الأجنحة وأشجار النخيل، والصدف البحري، ومعلماً يستمدّ من الطبيعة ما هو أبعد من الشكل الخارجي. ومنذ تدشينه عام 1973، يحصل نظام التبريد الهوائي في هذا المبنى على برودته من مياه البحر المجرورة من الميناء المحيط به، في إطار حلّ ريادي يقلّل استخدام المياه العذبة.
خلال العقد الماضي، عملت إدارة الدار على توسيع روح الاستدامة هذه في سائر أقسام المبنى وحتى المناسبات التي تقام فيه. فقد ساهم استبدال مصابيح «ليد» بأضواء الدار في تقليص استهلاك قاعة الحفلات للطاقة بنحو 75 في المائة، مما خفّف تكلفة الكهرباء السنوية بنحو 44.5 ألف دولار.
وعملت الإدارة أيضاً على تقليل المخلّفات الناتجة عن طاقم العاملين في الدار وزوار صالاتها ومطاعمها مع كلّ سنة. كما نمت أنواع المواد المعاد تدويرها من اثنين إلى ثمانية، مما أدّى إلى ارتفاع نسبة إعادة التدوير الإجمالية من 20 إلى 65 في المائة، على أمل أن تصل إلى 85 في المائة.
لم تكن جميع الحلول المعتمدة في الدار عالية التقنية. فبهدف إطالة حياة مواد البناء، عمد طاقم التنظيف فيها إلى استبدال المنظفات الطبيعية بالمنظفات الكيميائية، والتي ساهمت أيضاً في تحسين نوعية الهواء الداخلي. واستخدم بيكربونات الصودا مثلاً لغسل الإسمنت بينما اعتمد زيت الزيتون والكحول لتلميع البرونز.
> مبنى الرايخستاغ: إنّ عملية تحديث مبنى الرايخستاغ، المقرّ السابق والحالي للبرلمان الفيدرالي الألماني، كانت مشروعا عصرياً مهماّ جداً لألمانيا الحديثة. عند اكتمال عملية التحديث عام 1999، بات هذا المبنى المقام في القرن التاسع عشر أكثر من مجرّد دار للتشريع، وتحوّل إلى رمز يعد بمستقبل أفضل.
تعد القبّة الزجاجية، التي صُنفت تحفة فنية على صعيد الشكل والفعالية، العامل الأبرز في التصميم الذي قدّمه المعماري الرائد نورمان فوستر. يعمل مجسّم مخروطي من المرايا على عكس الضوء الطبيعي نحو الغرفة الموجودة أسفله، ما يقلّل الحاجة إلى الإضاءة الصناعية. تتولى سحابة آلية، تغذّيها ألواح شمسية موجودة على السطح، إدارة المجسم المخروطي بشكل يحجب الأشعة المباشرة، للتخلّص من وهج الشمس وخفض الحرارة.
وتعمل القبّة أيضاً على طرد الهواء الساخن من الأعلى دون مراوح. وفي الليل، ينعكس الضوء الصناعي المنبعث من المبنى إلى الخارج، على شكل «منارة».
يتميّز نظاما الطاقة والتبريد الهوائي للرايخستاغ بالابتكار وصداقتهما للبيئة. يتولّى مولّد كهربائي يعمل بالوقود الحيوي، إنتاج 80 في المائة من كهرباء المبنى، و90 في المائة من حرارته. تتلقّى فعالية هذا النظام الدعم من مضخة حرارية تعمل بالطاقة الحرارية الجوفية، وتطرد فائض الحرارة أو البرودة عبر دائرة من الأنابيب الموجودة تحت الأرض، الأمر الذي يساهم في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 94 في المائة.
يعد البناء عاملاً ضرورياً جداً لأهداف ألمانيا الطموحة في مجال الطاقة. تستهدف السياسة الحالية للبلاد تخفيض استهلاك الطاقة فيها بنسبة 50 في المائة بحلول عام 2050. وحتى ذلك الوقت، من المقرر أن تعمل المباني على خفض طلبها على الطاقة بنسبة 80 في المائة من خلال عمليات التجديد السريعة واستخدام المواد المتجدّدة.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل تعاني من تشوش ذهني؟ ربما يكون السبب جهازك الهضمي

هل تعاني من تشوش ذهني؟ ربما يكون السبب جهازك الهضمي
TT

هل تعاني من تشوش ذهني؟ ربما يكون السبب جهازك الهضمي

هل تعاني من تشوش ذهني؟ ربما يكون السبب جهازك الهضمي

الدكتور كايل ستالر طبيب مختص في أمراض الجهاز الهضمي، لذا؛ فقد يكون من المفاجئ ألا يشكو كثير من مرضاه الذين يراجعونه من مشكلات في المعدة فقط، بل من مشكلات في الدماغ أيضاً!

القولون العصبي وتشوش الذهن

قد تترافق «متلازمة القولون العصبي» وغيرها من اضطرابات الجهاز الهضمي، مع تشوش ذهني. فعلى سبيل المثال، قد يصف الأشخاص الذين يعانون الإمساك والانتفاخ «شعوراً بالثقل أو التعب الجسدي والنفسي»، كما يقول ستالر، الذي يعمل في «مستشفى ماساتشوستس العام» في بوسطن. ويضيف: «يتحدث كثير من مرضاي عن مشكلات مثل التعب، والتشوش الذهني، والشعور بالخمول».

«محور الأمعاء - الدماغ»

يحرز العلماء تقدماً في فهم كيفية تأثير المسار العصبي بين الدماغ والجهاز الهضمي على صحتنا العامة... يطلَق عليه اسم «محور الأمعاء - الدماغ (gut - brain axis)»، وقد ثبت أنه يلعب دوراً مهماً في دعم جهاز المناعة، والحد من القلق والاكتئاب، وتحسين عملية التمثيل الغذائي، والوقاية من الأمراض. كما أنه يؤثر على صفاء الذهن.

وقد سألنا العلماء والأطباء عن أهم ما تجب معرفته بشأن تأثير الأمعاء على صفاء الذهن:

* كيف يعمل «محور الأمعاء - الدماغ»؟

- توجد آلاف الألياف العصبية الممتدة من الدماغ إلى البطن، والمعروفة باسم «العصب المبهم»، وهو القناة الرئيسية لـ«محور الأمعاء - الدماغ». وبوصفه العصب الرئيسي في «الجهاز العصبي اللاودي»، فإنه يساعد الجسم على الراحة والهضم ومنع الالتهابات.

تنتقل الإشارات أيضاً بين الأمعاء والدماغ عبر هرمونات التوتر وخلايا المناعة. ومن الأهمية بمكان أن بكتيريا الأمعاء تُنتج نواقل كيميائية (تُسمى «النواقل العصبية») مثل السيروتونين والدوبامين و«حمض غاما - أمينوبيوتيريك (GABA)»، التي تؤثر على الجهاز العصبي. فعندما تدخل هذه النواقل مجرى الدم أو تُحفز «العصب المبهم»، فإنها تُساعد على تحسين المزاج، وزيادة الحافز، وتهدئة الجهاز العصبي.. ويحافظ هذا التواصل المستمر على توازن أجهزة الجسم.

مشكلات الجهاز الهضمي وتشوش الذهن

* كيف ترتبط مشكلات الجهاز الهضمي بتشوش الذهن؟

- يُعزى تشوش الذهن إلى «خلل في التواصل» بين الأمعاء والدماغ، كما أوضح جيرارد كلارك، أستاذ علم الأعصاب السلوكي في جامعة «كوليدج كورك» بآيرلندا، الذي يدرس تأثير بكتيريا الأمعاء على الدماغ والسلوك.

يرتبط بعض أسباب مشكلات الجهاز الهضمي بتشوش الذهن، بما في ذلك سوء التغذية، والتغيرات الهرمونية المصاحبة لانقطاع الطمث، والقلق، والعدوى.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يُسبب «خلل الجهاز العصبي اللاإرادي»، وهو مصطلح شامل لاضطرابات متنوعة تُصعّب على الجسم التحكم في معدل ضربات القلب وضغط الدم ودرجة الحرارة، مشكلات في الجهاز الهضمي وتشوش الذهن، كما ذكر ستالر.

لا يزال من غير الواضح تماماً كيف يؤدي خلل الجهاز الهضمي إلى تشوش الذهن. بالنسبة إلى بعض الأشخاص الذين يعانون مشكلات في الجهاز الهضمي، مثل «متلازمة القولون العصبي»، تصبح الأعصاب في الأمعاء أعلى حساسية. ومع إرسال الأمعاء إشارات استغاثة إلى الدماغ، تتفاقم هذه الإشارات.

«ميكروفون قرب مكبر صوت»

يقول ستالر: «الأمر أشبه بميكروفون موضوع بالقرب من مكبر صوت... إذ تنعكس الإشارات الضعيفة، وتتضخم، وسرعان ما تصبح طاغية». ويضيف أن هذا قد يجعل مشكلات مثل الغازات أو الانتفاخ مؤلمة للغاية، ومشتتة للانتباه في نهاية المطاف، وربما تؤدي إلى تشوش ذهني.

وقد وجدت دراسة، نُشرت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن أكثر من نصف المشاركين المائة فيها عانوا من تشوش ذهني مصحوب بـ«متلازمة القولون العصبي (Irritable bowel syndrome)» أو «شلل المعدة (gastroparesis)»، وهي حالة مزمنة تواجه فيها المعدة صعوبة في إفراغ محتوياتها إلى الأمعاء الدقيقة.

دور الميكروبيوم

يتكون ميكروبيوم الأمعاء من تريليونات من البكتيريا والفيروسات والفطريات التي تستوطن الجهاز الهضمي. ويساعد الميكروبيوم المتنوع على حمايتنا من الأمراض، وتقليل الالتهابات، وإنتاج وتنظيم النواقل العصبية التي تؤثر على مزاجنا ووظائف الدماغ.

وأوضح كلارك أن الإشارات الصادرة من ميكروباتنا قد تؤثر على كثير من مناطق الدماغ المرتبطة بالتشوش الذهني. وتشمل هذه المناطق «الحصين (hippocampus)»، المسؤول عن التعلم والذاكرة؛ وقشرة الفص الجبهي، المرتبطة باتخاذ القرارات ووضوح التفكير؛ واللوزة الدماغية، وهي المركز الرئيسي في الدماغ لمعالجة الخوف والقلق.

وأشار الخبراء إلى أن اختلال توازن الميكروبيوم قد يَحدث أحياناً نتيجة مشكلات تتعلق بالنظام الغذائي، أو التوتر، أو القلة في النوم وفي ممارسة الرياضة، أو الأدوية، أو انقطاع الطمث، أو العدوى، أو الالتهاب المزمن.

فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة

يُعدّ «فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة (SIBO)» أحد أنواع اختلال التوازن في الميكروبات المعوية؛ مما قد يُسبب الانتفاخ والإسهال. وفي دراسة صغيرة أُجريت عام 2018 على نحو 40 شخصاً، وجد الباحثون صلة بين تشوش الذهن وفرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة لدى المرضى الذين كانوا يتناولون البروبيوتيك. وقد تحسّنت أعراض المرضى بعد تناولهم المضادات الحيوية وتوقفهم عن تناول البروبيوتيك.

وقد حدث أنه بدلاً من أن تستوطن البروبيوتيك القولون، تجمّعت في الأمعاء الدقيقة وأنتجت كمية زائدة من «حمض اللاكتيك (D-lactic acid)»، الذي يصعب على جسم الإنسان استقلابه، كما أوضح الدكتور ساتيش راو، اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي وأستاذ الطب في جامعة «أوغوستا» بولاية جورجيا الأميركية، والمؤلف الرئيسي للدراسة. وأضاف: «عندما يتراكم هذا الحمض، فإن المرء يُصاب بتشوش الذهن».

البروبيوتيك... لا أدلة علمية لاستخدامه

يعتقد البعض أن تناول البروبيوتيك يُفيد في عملية الهضم، خصوصاً بعد تناول المضادات الحيوية. وبينما أظهرت الدراسات أن البروبيوتيك يُساعد في بعض الحالات، فإنه لا توجد حالياً أدلة علمية كافية تدعم استخدامه على نطاق واسع، وفقاً للخبراء.

تحسين صحة الأمعاء

* هل يُسهم تحسين صحة الأمعاء في تقليل التشوش الذهني؟

- ربما. لم يكتشف العلماء بعدُ طريقةً مُحددةً لعلاج التشوش الذهني عبر الأمعاء، ولكن العمل على الحفاظ على صحة الأمعاء يُمكن أن يُساعد على صفاء الذهن.

ولتحقيق ذلك، ينصح كلارك بتناول الأطعمة الصحية التي تُعزز صحة ميكروبات الأمعاء. وتعتمد هذه الميكروبات على الألياف مصدراً مهماً للعناصر الغذائية، لذا؛ يُنصح بتناول الأطعمة الغنية بالألياف، مثل الخضراوات والبقوليات والمكسرات والحبوب الكاملة. كما تفيد إضافةُ مزيد من الأطعمة المُخمرة إلى نظامك الغذائي، مثل الزبادي والكفير والملفوف المخلل والكيمتشي.

وتقترح ميغان ريهل، عالمة النفس بجامعة ميشيغان والمختصة في اضطرابات الجهاز الهضمي وغيرها من مشكلات الهضم، الحصول على قسطٍ كافٍ من النوم، وممارسة التمارين الرياضية المعتدلة، وتجربة «نظام غذائي صحي تدريجي»، على سبيل المثال، الحد من استهلاك الكافيين والكحول والأطعمة قليلة الألياف والمعالَجة.

كما أيد ستالر التغذية الجيدة قائلاً: «من المرجح أن تستمر الأنظمة الغذائية الصحية والنباتية في إظهار فوائدها وأن تصمد أمام اختبار الزمن على حساب الموضات التي تأتي وتذهب».

* خدمة «نيويورك تايمز»


استخدام الذكاء الاصطناعي لمدة 10 دقائق فقط يُضعف الأداء الفكري

استخدام الذكاء الاصطناعي لمدة 10 دقائق فقط يُضعف الأداء الفكري
TT

استخدام الذكاء الاصطناعي لمدة 10 دقائق فقط يُضعف الأداء الفكري

استخدام الذكاء الاصطناعي لمدة 10 دقائق فقط يُضعف الأداء الفكري

بينما يحذر منتقدو الذكاء الاصطناعي من أن آثاره طويلة المدى على الدماغ البشري لا تزال غير معروفة، كونه تقنية حديثة نسبياً، فإن دراسة جديدة تُظهر أن الذكاء الاصطناعي قد يكون خطيراً حتى على المدى القصير، حيث إن عشر دقائق فقط من استخدامه تؤدي إلى ضعف أداء الدماغ، كما كتب جود كريمر(*).

دراسة من 4 جامعات

أجرى باحثون من جامعة كارنيغي ميلون، وجامعة أكسفورد، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، دراسةً تحدّت المشاركين في حلّ مجموعة من مسائل الرياضيات القائمة على الكسور. وفيما طُلب من نصف المجموعة حلّ المسائل بأنفسهم، مُنح النصف الآخر إمكانية الوصول إلى مساعد ذكاء اصطناعي يعمل بنموذج «جي بي تي-5». إلا أن هذا المساعد أُوقف فجأةً ودون سابق إنذار في أثناء حلّ المسائل الثلاث الأخيرة من الاختبار.

نسبة حلول أعلى بدعم الذكاء الاصطناعي

على الرغم من أن نسبة حلّ الأسئلة لدى المشاركين الذين خضعوا للاختبار بمساعدة الذكاء الاصطناعي كانت أعلى من المجموعة الضابطة خلال معظم فترة التجربة، فإن هذه النسبة انخفضت بشكل حاد بمجرد إزالة الذكاء الاصطناعي.

وقف مساعد الذكاء الاصطناعي

لكن, وعندما عملت المجموعتان بشكل مستقل، انخفضت نسبة حلّ الأسئلة لدى المجموعة التي خضعت للاختبار بمساعدة الذكاء الاصطناعي بنحو 20 في المائة مقارنةً بالمجموعة الضابطة.

بالإضافة إلى ذلك، لوحظ ارتفاع ملحوظ في نسبة تخطي الأسئلة لدى المجموعة التي خضعت للاختبار بمساعدة الذكاء الاصطناعي بعد إزالة الذكاء الاصطناعي، حيث لجأت إلى التخلي عن المسائل... ضعف عدد مرات المجموعة الضابطة.

إعاقة الذكاء الاصطناعي للمهارات

هذا ولم يُتح للمشاركين الوصول إلى مساعديهم من الذكاء الاصطناعي إلا لمدة عشر دقائق تقريباً، مما يشير إلى أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، حتى لفترة قصيرة كهذه، قد أعاق قدرة الأفراد على الاعتماد على مهاراتهم الذاتية في حل المشكلات.

كما أجرى الباحثون تجربة لاحقة بنفس الصيغة لاختبار مهارات فهم المقروء، بدلاً من المهارات الرياضية. وكانت النتائج متطابقة إلى حد كبير، باستثناء أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي لم يمنح المجموعة التي خضعت للاختبار بمساعدة الذكاء الاصطناعي أي أفضلية في الجزء الأول من الاختبار.

طريقة استخدامك الذكاء الاصطناعي مهمة

على الرغم من أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي ثم فقدانه أدى إلى انخفاض معدلات حل المشكلات بشكل عام، فإن هناك تبايناً بين المجموعات التجريبية في الدراسة، وذلك تبعاً لكيفية استخدامهم لمساعدي الذكاء الاصطناعي.

طلب الحلول مباشرةً... خفض مستوى المهارات

شهد أولئك الذين طلبوا من الذكاء الاصطناعي حلولاً مباشرة أكبر انخفاض في معدل الحل وأكبر زيادة في معدل التخطي (بعد وقف مساعد الذكاء الاصطناعي). وكانت غالبية المشاركين في الدراسة ضمن هذه المجموعة، حيث أفاد 61 في المائة منهم بأنهم طلبوا من الذكاء الاصطناعي إجابات مباشرة عن أسئلة الاختبار.

طلب تلميحات للحلول... لم يخفض المهارات

أما أولئك الذين طلبوا من الذكاء الاصطناعي تلميحات أو توضيحات فقط، فلم يشهدوا نفس الانخفاض في معدل الحل، بل ظلوا على قدم المساواة مع المجموعة الضابطة.

يشير هذا إلى أن ليس كل أشكال استخدام الذكاء الاصطناعي ضارة بالقدرات الإدراكية. بل إن الاعتماد الكامل على مساعدة الذكاء الاصطناعي هو ما يُضعف قدرة الإنسان على حل المشكلات.

دراسات سابقة حول التدهور المعرفي

تتوافق نتائج هذه الدراسة مع الأبحاث السابقة التي ربطت استخدام الذكاء الاصطناعي بالتدهور المعرفي.

كانت دراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) لقياس نشاط الدماغ في أثناء كتابة المقالات، قد أظهرت أن الكتّاب الذين يعملون بشكل مستقل يتمتعون بترابط دماغي أعلى بكثير من الكتّاب الذين يستخدمون نماذج لغوية ضخمة والذين كان أداؤهم أقل على الصعيد العصبي واللغوي والسلوكي خلال فترة التجربة التي استمرت أربعة أشهر.

كما أشارت دراسات أخرى أُجريت على عاملين في مجالات مثل العمل المعرفي والطب، إلى أن أولئك الذين اعتمدوا على الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام أصبحوا أقل قدرة على إنجازها بأنفسهم دون مساعدة الذكاء الاصطناعي.

في ختام دراستهم، كتب مؤلفو الدراسة أن نتائجهم «تثير تساؤلات ملحة حول الآثار التراكمية للاستخدام اليومي للذكاء الاصطناعي على مثابرة الإنسان وقدرته على التفكير المنطقي».

* مجلة «فاست كومباني»

وأضافوا: «نحذر من أنه إذا تراكمت هذه الآثار مع الاستخدام المستمر للذكاء الاصطناعي، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية - المصممة فقط لتقديم المساعدة على المدى القصير - تُهدد بتقويض القدرات البشرية التي صُممت لدعمها».

* مجلة «فاست كومباني».


حين يتخرّج الطبيب… هل يفهم الخوارزمية أم يثق بها فقط؟

هل يفهم الطبيب الخوارزمية أم يكتفي باستعمالها؟
هل يفهم الطبيب الخوارزمية أم يكتفي باستعمالها؟
TT

حين يتخرّج الطبيب… هل يفهم الخوارزمية أم يثق بها فقط؟

هل يفهم الطبيب الخوارزمية أم يكتفي باستعمالها؟
هل يفهم الطبيب الخوارزمية أم يكتفي باستعمالها؟

في قاعة محاضرات بإحدى كليات الطب في العالم العربي، يجلس طلاب يتعلمون كيف يقرأون صورة أشعة، وكيف يميّزون بين الظلال الدقيقة التي قد تشير إلى مرض خفي.

هذا المشهد، الذي ظلّ لعقود جوهر التدريب الطبي، لم يعد كما كان. ففي الوقت نفسه، وفي مختبرات رقمية لا تُرى، تقرأ خوارزميات الذكاء الاصطناعي آلاف الصور خلال ثوانٍ، وتلتقط أنماطاً تتجاوز حدود الإدراك البشري.

هنا، لا يعود السؤال: مَن الأدق؟ بل يتغيّر السؤال إلى ما هو أعمق: ماذا نُعلّم الطبيب اليوم... ليبقى له دور غداً؟

هل تخرِّج الجامعات العربية أطباء لعصر الخوارزميات؟

فجوة صامتة في التعليم الطبي

في دراسة حديثة أُجريت في جامعة المجمعة في المملكة العربية السعودية ونُشرت في أبريل (نيسان) 2026، بقيادة الباحثة وداد العنزي، تبيّن أن نحو 80 في المائة من طلاب التخصصات الصحية لم يتلقّوا تعليماً رسمياً في الذكاء الاصطناعي ضمن مناهجهم الجامعية، وأن الغالبية تعتمد على مصادر غير رسمية -كالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي- لاكتساب هذه المعرفة. وهذه النتيجة لا تعكس مجرد نقص في المحتوى، بل تكشف عن فجوة بين ما يُدرَّس داخل القاعات، وما يُمارَس خارجها في بيئة طبية تتسارع فيها التقنيات.

فجوة عالمية

هذه الفجوة لا تبدو محلية فحسب، بل تنعكس أيضاً في الأدبيات العالمية الحديثة. ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة الطب الرقمي التفاعلي مع الطبيعة (npj Digital Medicine)، التابعة لمجموعة «نيتشر»، بقيادة الباحث واي شين، أُشير إلى أن ما يُعرف بـ«الوعي بالذكاء الاصطناعي» (AI literacy)، أي القدرة على فهم كيفية عمل النماذج وحدودها وتفسير مخرجاتها، يمثّل عاملاً مؤثراً في جودة التفاعل السريري مع الأنظمة الذكية. وأظهرت الدراسة أن الاستخدام المتزايد لهذه الأنظمة لا يقترن بالضرورة بفهمٍ كافٍ لآلياتها، مما قد يحدّ من القدرة على تقييم مخرجاتها أو التعامل النقدي معها في سياقات سريرية معقدة.

محدودية إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم

وتتقاطع هذه النتائج مع مراجعات تعليمية أوسع نُشرت في «مجلة التعليم الطبي بي إم سي» (BMC Medical Education)، التي تشير إلى أن إدماج تعليم الذكاء الاصطناعي في مناهج الكليات الصحية لا يزال محدوداً نسبياً على المستوى العالمي، مع تباين واضح بين المؤسسات والدول. ورغم اختلاف التقديرات بين الدراسات، فإن الاتجاه العام يُظهر أن نسبة محدودة فقط من كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة والتمريض قد أدرجت برامج تعليمية منظّمة في هذا المجال، مما يعكس فجوة مستمرة بين تسارع التطبيق السريري وبطء التكيّف التعليمي. وهنا تتضح المفارقة: ليست الفجوة بين العالم العربي والنماذج العالمية فجوة في توفر التقنية، بل في كيفية إدماجها تعليمياً.

تبني التطبيقات الذكية في السعودية

في المملكة العربية السعودية، التي تُعد من الدول المتقدمة عالمياً والأولى عربياً في تبنّي تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، يتسارع إدخال هذه التقنيات في المنظومة الصحية ضمن رؤية المملكة العربية السعودية 2030. لكن هذا التسارع يضع التعليم الطبي أمام اختبار حقيقي: هل تواكب المناهج هذا التحول، أم يظل الطبيب يتعلّم أدوات الأمس ليواجه تحديات الغد؟

من هنا، لا تعكس هذه الأرقام نقصاً في المحتوى التعليمي فحسب، بل تشير إلى تحوّل أعمق: انتقال الطب من معرفة ثابتة إلى منظومة تتغير في الزمن الحقيقي. ولم يعد التعليم الطبي قائماً على نقل المعرفة؛ تشخيصاً وعلاجاً وبروتوكولات، بقدر ما أصبح مطالباً بتعليم ما هو أصعب: كيف يفكّر النظام الذكي، وكيف يُفهم، وكيف يُساءل؟

بين الاستخدام... والفهم

الطبيب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي... أم الطبيب الذي يفهمه؟ في كثير من المناهج الطبية اليوم، يُدرَّب الطالب على استخدام الأدوات، لكنه لا يُدرَّب بالقدر نفسه على مساءلتها. يتعلّم كيف يُدخِل البيانات وكيف يقرأ النتائج، دون أن يتوقّف عند السؤال الأهم: كيف صُنعت هذه النتيجة، وعلى أي أساس بُنيت؟

هذا الخلل يكشف عن فرق جوهري في تكوين الطبيب. فهناك من يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة جاهزة يُعتمد على مخرجاتها، وهناك من يتعامل معه بوصفه منظومة يمكن فهمها وتحليلها ونقدها. الفارق بينهما ليس في القدرة على الاستخدام، بل في مستوى الوعي.

هذا الوعي لا يتطلّب تعلّم البرمجة، بقدر ما يتطلّب فهماً لكيفية تدريب النماذج، وإدراكاً لحدودها، وقدرة على تمييز الحالات التي قد تخطئ فيها، أو تقدّم فيها توصيات لا تنطبق على السياق السريري للمريض. وهو ما يمنح الطبيب القدرة على اتخاذ قرار مستقل، حتى في ظل توصية خوارزمية تبدو دقيقة أو مقنعة.

في المقابل، ورغم أن العالم لم يصل بعد إلى نموذج تعليمي متكامل لهذا التحوّل، فإن ملامحه بدأت تتشكّل. فقد شرعت جامعات دولية بإدماج مفاهيم الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته ضمن مناهج الطب، في محاولة لإعداد جيل لا يكتفي باستخدام التقنية، بل يمتلك القدرة على فهمها والتعامل معها بوعي.

ومع ذلك، لا يزال الإيقاع غير متوازن: التقنية تتقدّم بوتيرة متسارعة، فيما يحاول التعليم الطبي اللحاق بها.

حين يتخرج الطبيب هل يفهم الخوارزمية أم يثق بها فقط؟

ماذا يجب أن نُعلّم؟

إذا كان الهدف لم يعد يقتصر على تخريج طبيب يستخدم الذكاء الاصطناعي، بل طبيب يفهمه، فإن السؤال لم يعد: هل نضيف مادة دراسية جديدة؟ بل: ماذا نُعلّم تحديداً؟

الجواب لا يكمن في تعليم البرمجة بقدر ما يكمن في بناء فهم سريري-خوارزمي متكامل. أي أن يتعلّم الطالب كيف تُبنى النماذج، وكيف تتأثر جودة نتائجها بطبيعة البيانات التي تُدرَّب عليها، وكيف يمكن أن تنحاز أو تُخطئ في سياقات معينة. كما يتطلب ذلك فهم الفرق بين الارتباط والسببية، وإدراك أن دقة الخوارزمية لا تعني بالضرورة صلاحيتها لكل حالة سريرية.

ويشمل هذا التحول أيضاً إدماج أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ضمن صميم التعليم الطبي، لا بوصفها مادة نظرية مستقلة، بل كجزء من عملية اتخاذ القرار السريري: متى يمكن الوثوق بالنظام؟ ومتى ينبغي تجاوزه؟ ومن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ؟

بهذا المعنى، لا يعود الذكاء الاصطناعي موضوعاً يُضاف إلى المنهج، بل يتحوّل إلى إطار تفكير يُبنى عليه.

العالم العربي: فرصة لا تُعوَّض

في خضمّ هذه التحولات، تبرز أمام العالم العربي فرصة نادرة -ليس فقط لمواكبة التغيير، بل لإعادة بناء التعليم الطبي من جذوره. وفي المملكة العربية السعودية، حيث يتسارع التحول الصحي ضمن «رؤية السعودية 2030»، لا يبدو السؤال اليوم: كيف نعدّل المناهج القائمة؟ بل: كيف نعيد تصميمها بالكامل لعصر مختلف في أدواته وتحدياته؟

فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تقدّم الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل فيما قد نغفله ونحن ندرّس الأطباء. الخطر ليس أن تصبح الخوارزميات أكثر دقة، بل أن يتخرّج طبيب لا يعرف متى قد تخطئ، ولا كيف يتعامل مع حدودها.

في الماضي، كان الطبيب يُعرَّف بما يعرفه من معلومات. أما اليوم، فسيُعرَّف بقدرته على الفهم، وبقدرته على طرح السؤال الصحيح، وبمساحة الشك التي يحتفظ بها أمام أي توصية خوارزمية.

بهذا المعنى، لن يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، لكنه سيعيد تعريف دوره... وحدود قراره.