مدونة موضة مصرية تهزم السرطان ثلاث مرات لتبحث عن جمال الروح والمظهر

مدونة موضة مصرية تهزم السرطان ثلاث مرات لتبحث عن جمال الروح والمظهر

ياسمين يسري: واجهت نظرات المجتمع بقوة وصبر
الخميس - 28 شوال 1439 هـ - 12 يوليو 2018 مـ رقم العدد [ 14471]
القاهرة: إيمان مبروك
عندما تتصفّح المدونة الخاصة بها أو حسابها على «إنستغرام»، ستشعر بأن هناك روحاً تدفعك للبهجة، ويتبادر إلى ذهنك أن هذه الفتاة تعيش حياة مترفة، وخالية من الأزمات والفشل وخيبة الأمل، وإذا حالفك الحظ وقرأت تعليقات الصور ستدرك أنك أمام تجربة غنية لشابة صغيرة تشع طاقة، إنها مدوّنة الموضة المصرية ياسمين يسري.
كنت أتابع ياسمين بصفتها مدونة لها خط وطابع مختلف، تنسق ألواناً متعددة معاً لأن منظرها الأول للموضة هي أن تبدو الفتاة المُبهجة التي تشعّ بالحياة. لم أكن أعرف أن وراء هذه البهجة قصة مؤلمة وقاسية وملهمة في الوقت نفسه، واجهت صاحبتها تحديات مرض من أشرس الأمراض، وأكثرها قسوة أنه قرر أن يعاندها مرات عدة، وكلما تتماسك لتهزمه، يبني نفسه ويعود ليكسرها. إنها حرب ضارية، واجهت خلالها الشابة الثلاثينية ياسمين يسري مرض السرطان بأقصى قوة ورضا وعناد.
تروي ياسمين لـ«الشرق الأوسط» حكايتها مع السرطان، «كنت فتاة مدللة لأسرة ميسورة الحال تعيش في دولة الإمارات، كل ما أفكر فيه هو كيف أحافظ على قوامي، وماذا سأختار من صيحات موضة العام، عدت إلى مصر في المرحلة الجامعية، كل من حولي كان يراني شخصية متعالية ومدللة، لكنّني لم أكن قد تعودت التعامل مع البيئة المصرية بعد. تنقلت بعدها بين وظائف عدة، فأنا شخصية تعشق المغامرة ولا أكترث للبقاء في وظيفة للحصول على راتب من دون أن تلمس بداخلي شيئاً، حتى جاءت وظيفة الأحلام، وبدأت أجهز أوراق تعييني ومنها تقرير طبي عن حالتي، وعلى ما يبدو، أنها لم تكن وظيفة الأحلام كما كنت أظن، فسرعان ما تحوّل الحلم إلى كابوس، شابة في السادسة والعشرين تواجه مرض سرطان الغدد الليمفاوية في أربع مناطق بالجسم، في الرئة والحوض والمعدة والرقبة، وبعد أن كنت أعد نفسي لمنصب جديد ذهبت بي الحياة إلى سرير في مستشفى وجرعات قوية من العلاج الكيماوي».
وسط الصدمات ربما لا نعي ماذا نقول أو كيف نتصرف، فأول ما ورد بخاطر ياسمين بعدما عرفت بالأمر هو أن ترفض وجود أي شخص بجانبها، تريد أن تواجه قدرها وحدها، وبالطبع ما بقي غير الأهل، أما الأصدقاء وحياة الصخب فحان الوقت لتنفض ويظهر في الأفق أشخاص يرفضون البقاء داخل دائرة هذا الشخص المريض، بعضهم يقول «ما ذنبي لأعيش بالقرب من شخص يواجه الموت؟». وتضيف ياسمين «كنت أرى في عيون المقربين، بعيداً عن أسرتي بالطبع، أنه لا محالة من أن تموت الشابة العشرينية، ولا سيما أنه منذ أعوام عدة، وتحديداً في 2007، لم يكن هناك الوعي المجتمعي بالمرض وبفرص الشفاء كما هو الآن، ربما تسببت الأعمال الدرامية في تغيير ثقافة التعامل مع مريض السرطان».
مثل أي فتاة في مقتبل العمر، أول ما فكرت فيه ياسمين هو شعرها الذي ستفقده بالكامل، لكنها قررت أن تواجه الأمر أيّاً كانت صعوباته، وتقول «لم أكن أمتلك حرية القرار، لكن كان بداخلي شيء متمسك بالحياة، دفعني للتعايش والبحث عن حلول، فأنا أرى بريق حياتي يظهر من بعيد ويستحق أن أحارب لأصل إليه».
«خلال رحلة علاجي، لم أكن أحارب المرض فقط، بل كنت أحارب المجتمع الذي يحبطني ربما أكثر من الخلايا السرطانية»، هكذا تقول ياسمين عن نظرة المجتمع لمريض السرطان وعن حجم المضايقات التي كانت تتعرّض لها بسبب ارتداء الشعر المستعار، وتكمل «كنت أسمع همهمة الفتيات المقترنة بنظرة سخرية، لكن في داخلي قوة أكبر من سطحية هذه التصرفات، حتى أنني كنت أذهب وأتحدث مع من يسخر من شكلي، وأكشف له أنني مريضة، ليس لأستعطفه، لكن لأعلّم المجتمع درساً في الإنسانية وتقبل الآخر».
مرّت المرحلة الأولى من العلاج، بقي من بقي وسقط من سقط، وبدأت الحياة تعود تدريجياً لياسمين، أبلغها الطبيب أنها هزمت المرض ويمكنها أن تعود إلى حياتها، لم تكذّب خبراً، عادت ياسمين تبحث بين من تبقوا حولها لتبدأ من جديد، وبكلمات قريبة من كلمات الشاعر أمير طعيمة «ساعات حلاوة الدنيا تطلع من قلب الجرح»، تقول ياسمين «تجربتي علمتني أن أرى بريق الحياة يخرج من الظّلام. صحيح أن العلاج الكيماوي أفقدني شَعري، لكنه ساعدني في تجديد خلايا جسمي، وعاد شعري لينمو مرة أخرى بمظهر أجمل من السابق»، لكن على ما يبدو فإن المرض لا يزال يعاندها، ويحاول أن يثبت أنها الأضعف. أشهر قليلة واكتشفت ياسمين أن المرض عاد من جديد بالقوة نفسها. رفضت العلاج؛ فهي لا ترغب في أن تفقد شعرها وأن تظل حبيسة السرير داخل مستشفى يتوقف فيه نبض الحياة؛ لذا، قررت أن تخوض طريقة أخرى في العلاج، وهي الإشعاع الذري الذي لم يساعدها على الشفاء، لكنه كان سبباً رئيساً في مقابلة حالات مختلفة من مرضى السرطان، بينهم أشخاص يشعون بهجة ساعدوها على أن تواجه مرضها، وهنا مرت الشابة التي كانت في العشرينات من عمرها وقتذاك، بتجربة أكثر مرارة ودرس جديد في الحياة بعد أن قرّر طبيبها المعالج أن تتلقّى العلاج داخل مستشفى حكومي، وأصبح لا يوجد أمامها سوى أن تقبل؛ فحياتها أصبحت في خطر، وتقول: «كانت هذه التجربة بمثابة درس جديد في الحياة، فأنا الفتاة المدللة التي تتلقّى العلاج في أرقى المستشفيات، عليّ أن أقبل البقاء داخل مستشفى حكومي ووسط مستويات اجتماعية لا تشبهني، لكنّني شعرت في هذه اللحظة بأننا جميعاً أمام المرض سواء، وأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكسر بداخلي أي تعالٍ أو غرور».
انتهت المرحلة الثانية من المرض وعادت ياسمين من جديد وهزمت المرض، وقامت بإجراء جراحة زرع نخاع أبلغها الطبيب أنها ستقيها من المرض لمدة خمس سنوات على الأقل، وتقول «قررت للمرة الثانية البحث عن وظيفة جديدة، وأكرمني الله بالعمل في واحدة من أكبر شركات العقاقير، وسرعان ما حقّقت نجاحات لم يتصوّرها المحيطون، لكن ها هي الحياة تصدمني من جديد، فبعد عامين فقط عاد المرض مرة أخرى وأصبحت مضطرة إلى إجراء جراحة زرع نخاع مرة أخرى».
وبين صدمات وأيام شديدة القسوة، وسقطات صحية كادت أن تودي بحياة ياسمين، كتب لها الله أن تعيش للمرة الثالثة بروح صافية وعقل رصين وتجربة غنية وملامح أصغر من عمرها الحقيقي؛ فساعدها زرع النخاع على تجديد الخلايا وتجديد حياتها، وها هي امرأة جميلة متزوجة من شاب يقدر ويحترم تجربة الآخرين، والمفارقة أنها قرّرت أن تعمل مدونة موضة لتبحث مع الفتيات عن الجمال والأناقة والبهجة. ياسمين يسري لا تُعلّم متابعاتها كيف يخترنّ ملابسهن فقط، بل كيف يبتسمن للحياة مهما كانت قسوتها.
مصر

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة