مدير «مسام» لـ {الشرق الأوسط}: مشروع نزع الألغام إنساني يستهدف مناطق اليمن كافة

أكد أن 400 متخصص يتولون إزالة مليون لغم زرعتها الميليشيات

أسامة القصيبي
أسامة القصيبي
TT

مدير «مسام» لـ {الشرق الأوسط}: مشروع نزع الألغام إنساني يستهدف مناطق اليمن كافة

أسامة القصيبي
أسامة القصيبي

كشف أسامة القصيبي المدير العام للمشروع السعودي لنزع الألغام في اليمن (مسام)، أن أكثر من 400 متخصص يتولون تطهير الأراضي اليمنية من الألغام، مشدداً على أن هدف المشروع إنساني ويستهدف نزع الألغام في مناطق اليمن كافة.
وأوضح القصيبي في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن مدة المشروع الذي تبلغ تكلفته 40 مليون دولار هي عام واحد، على 5 مراحل تبدأ بالتجهيز والتدريب وإعداد الفرق الميدانية لنزع الألغام ثم انتشار الفرق التابعة له في الميدان ونقل الخبرة للكوادر اليمنية، مشيراً إلى أن المشروع ينفّذ بكوادر سعودية وخبرات عالمية.
ولفت إلى أن اليمن يعاني كثيراً من ألغام زرعتها الميليشيا الانقلابية الحوثية المدعومة من إيران التي تسببت بكارثة إنسانية، موضحاً أن تلك الميليشيا زرعت نحو مليون لغم في أنحاء متفرقة من اليمن.
القوى الانقلابية في اليمن التي دمّرت البنية التحتية إضافة إلى صناعة الألغام وزراعتها بطريقة عشوائية بطريقة غير مسبوقة تستهدف المدنيين العزل تسببت في إصابات مستديمة وخسائر بشرية كثيرة استهدفت النساء والأطفال وكبار السن، وغير ذلك من الأعمال المهددة للأمن والحياة، ولذلك يسعى المشروع إلى تطهير أراضي اليمن كافة من مخلفات الألغام والذخائر غير المنفجرة التي أودت بحياة آلاف الأطفال والنساء والشيوخ، على حد قول القصيبي.
وأشار إلى إعداد الكوادر التدريبية من الخبرات السعودية بمشاركة عالمية، وتأهيل كوادر عاملة في الداخل اليمني وتزويدها بمعدات وآليات حديثة للقيام بعملها.
وفيما يلي نص الحوار:
- ما هو مشروع «مسام»؟
- المشروع السعودي لنزع الألغام (مسام) مشروع إنساني يهدف إلى نزع الألغام في اليمن ويسعى إلى تطهير أراضيها كافة من مخلفات الألغام والذخائر غير المنفجرة التي أودت بحياة آلاف الأطفال والنساء والشيوخ.
- من يموّل المشروع؟
دعم السعودية لليمن كان ولا يزال في مقدمة أولويات المملكة عبر عقود من الزمن، تأكيداً على روابط الجوار، والدين، واللغة، والعلاقات الاجتماعية والأسرية بين الشعبين السعودي واليمني، ويتم تمويل المشروع من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية الذي يقوم بدور كبير لمساعدة اليمنيين، إذ قدّم 262 مشروعاً، تعدّت تكلفتها الإجمالية 1.6 مليار دولار، كما يقدم المركز في اليمن مشاريع الأمن الغذائي، والصحي، والإيوائي، والدعم المجتمعي، والتعليم وغيرها من البرامج الإغاثية المهمة والضرورية.
وتتمثل أهداف المشروع السعودي لنزع الألغام (مسام) في إزالة الألغام التي زرعتها الميليشيات بطرق عشوائية في الأراضي اليمنية، خصوصاً محافظات مأرب وعدن وصنعاء وتعز، ومساعدة الشعب اليمني في التغلب على المآسي الإنسانية الناجمة عن انتشار الألغام.
كما أشير هنا إلى أن مركز الأطراف الصناعية بمحافظة مأرب في اليمن يقوم بعمل إنساني مهم جداً، إذ ركّب 305 أطراف صناعية لأكثر من 195 ضحية تعرضت لبتر بأحد الأطراف بسبب الألغام، وهي التي تستهدف النساء والأطفال الذين يشكلون غالبية ضحايا الألغام، ويوفر المركز العلاج والتأهيل اللازم لعدد كبير من المصابين الذين تراوحت أعمارهم بين 12 و72 عاماً.
- هل لديكم أعداد تقريبية للألغام التي زرعتها الميليشيا الانقلابية؟
- مشروع نزع الألغام في اليمن مشروع يضاف إلى سجل الخير والعطاء للسعودية ممثلة بمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية تجاه الشعب اليمني.
وتشير الإحصائيات الأولية التي أفصح عنها مسؤولون يمنيون إلى أن الميليشيات الحوثية زرعت نحو مليون لغم في أنحاء متفرقة من اليمن، وتسببت من خلال الحرب التي أشعلتها ونتيجة نهبهم موارد الدولة في المناطق التي يسيطرون عليها بكارثة إنسانية كبيرة.
- منذ متى بدأ عمل المشروع؟
- الفرق الميدانية تعمل منذ وقت داخل اليمن وعلى الشريط الحدودي الذي يربط بين السعودية واليمن، وفي مأرب يوجد الفريق منذ شهرين لأجل بدء نزع الألغام التي زرعتها الميليشيا الانقلابية.
- ما خطط المشروع بشكل تفصيلي؟
- تم إعداد الكوادر التدريبية كافة من الخبرات السعودية بمشاركة عالمية، وتأهيل كوادر عاملة في الداخل اليمني وتزويدها بمعدات وآليات حديثة، وخطة العمليات وضعت للعمل داخل مأرب وحولها كونها المركز الرئيسي.
- ما دور المشروع بالنظر إلى وجود البرنامج الوطني اليمني لنزع الألغام؟
- يوجد تعاون وثيق بين المشروع السعودي لنزع الألغام والبرنامج الوطني اليمني، وكل مشروع يكمل الآخر في تنفيذ مهام نزع الألغام، والمشروع السعودي هو الجهة المسؤولة عن إصدار أوامر العمليات وعمليات الإزالة، وذلك أن السعودية هي الدولة المانحة، في حين أن البرنامج الوطني اليمني يقدم التعاون للمشروع السعودي لنزع الألغام كقيادة مشتركة.
- لم نشاهد أو نسمع في أوقات سابقة مثل هذا المشروع... هل يمكن إعطاؤنا تفاصيل أكثر؟
- المشروع السعودي لنزع الألغام (مسام) يعتبر الأول من نوعه، وتم وضع خطة للعمل تحت اسم خطة الطوارئ تبدأ خلال 3 شهور من إعلان المشروع، وتستهدف المناطق «عالية التأثير» التي تؤثر في المستوى الكبير على السكان والمجتمع المدني.
- ماذا يضمن المشروع للمواطن اليمني؟
- المشروع السعودي الإنساني والحيوي لنزع الألغام يخدم المواطن اليمني ويضمن له الأمن الحالي والأمان المستقبلي، ويعتبر واحداً من المشاريع التنموية التي تخدم المناطق والمحافظات اليمنية كافة.
- ما المحافظات التي يتم استهدافها في تلك المرحلة؟
- يشمل عمل المشروع السعودي لنزع الألغام (مسام) في مرحلته الأولى محافظات مأرب وعدن وتعز وصنعاء.
- قبل الدخول لأي مدينة يمنية، ما الأعمال التي يقوم بها المشروع؟
- يجري المشروع مسحاً ميدانياً من قبل الفرق المتخصصة من أجل البدء في المناطق التي تؤثر في السكان المحليين بشكل مباشر في بداية الأمر كالمدارس والبنى التحتية الأخرى والمزارع.
- هل هناك خطة عمل لإزالة الألغام التي زرعتها الميليشيا الانقلابية في المناطق الصحراوية؟
- بعد الانتهاء من عمليات نزع الألغام في المناطق عالية التأثير ستتم إزالة الألغام التي تمت زراعتها في المناطق الصحراوية.
- كم يبلغ عدد الفرق الموجودة لدى المشروع الوطني لنزع الألغام؟
- عدد الفرق الميدانية التي تنزع الألغام في اليمن 32 فريقاً، ومجموع الأفراد الذين يتخصصون في مجال نزع الألغام يبلغ أكثر من 400 شخص.
كما توجد فرق أخرى متخصصة تحت إدارة المشروع السعودي لنزع الألغام، للتدخل السريع وإبطال العبوات الناسفة، إضافة إلى مشاركة فرق إسناد تتخصص في مجال الكشف عن المتفجرات.
- ما الاستراتيجية التي يتم العمل بها؟ بمعنى آخر هل سيتم نزع الألغام في المناطق التي تستردها قوات الجيش الوطني اليمني والمقاومة الشعبية مسنودة من تحالف دعم الشرعية باليمن أم في مناطق محددة سلفاً؟
- تم وضع خطة عمل تحت اسم خطة الطوارئ التي تبدأ مع انطلاق المشروع بـ3 أشهر، ونعمل في المناطق التي يعتبرها المشروع بناء على الوقائع التي لمست على الأرض عالية التأثير في السكان والمجتمع المدني والبنى التحتية التي تعود ملكيتها للدولة اليمنية.
وهنا أؤكد أن المشروع الوطني الإنساني (مسام) يهدف لنزع الألغام في اليمن بشكل كامل وعدم التفرقة بين الأراضي اليمنية، سواء من الناحية المذهبية أو العرقية، وعمل المشروع في اليمن ينطلق من أهداف إنسانية بحتة وقائم على اتباع الأنظمة والأعراف والقوانين الدولية التي تهتم في الشأن الإنساني البحث، ولا ينظر مشروع «مسام» إلى الأوضاع التي تجري في اليمن.
- أفهم من حديثكم أن هناك مناطق أخرى سيتم استهدافها؟
- نعم التوجيهات التي ينطلق منها المركز هي خدمة اليمن بشكل كامل، وهذا ما يسعى إليه وسيتم.
- ما التحديات والصعوبات التي تواجه عمل مشروع «مسام»؟
- عملنا إنساني بالكامل، وعليه فإن المشروع له أهداف إنسانية والألغام تشكل تحدياً كبيراً على مستوى دول العالم، ومن بين تلك التحديات صعوبة التعامل مع الأرض والوصول إلى تلك المناطق.
- ما خطة العمل التي لدى المشروع في المناطق التي تخضع لسيطرة الميليشيا الحوثية؟
- سنعمل على تغطية أكبر منطقة جغرافية موجودة في اليمن، وهنا أشير إلى وجود خطة تم وضعها من قبل المشروع والفرق التي في صنعاء تحت إشرافنا مباشرة من المشروع، ولن توجد صعوبات في تخطي كل التحديات التي تواجه المشروع.


مقالات ذات صلة

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.