مذكرات شريف بسيوني الحلقة (6): واجهنا في يوغوسلافيا مصاعب سياسية.. واكتشفنا 151 مقبرة جماعية

خضنا في البحرين تجربة تحقيق فريدة في ظل تأييد الملك وتعاون وزير داخليته

مع الدكتور بطرس غالي حينما كان أمينا عاما للأمم المتحدة وكان بسيوني وقتها رئيسا للجنة تقصي الحقائق في يوغوسلافيا
مع الدكتور بطرس غالي حينما كان أمينا عاما للأمم المتحدة وكان بسيوني وقتها رئيسا للجنة تقصي الحقائق في يوغوسلافيا
TT

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (6): واجهنا في يوغوسلافيا مصاعب سياسية.. واكتشفنا 151 مقبرة جماعية

مع الدكتور بطرس غالي حينما كان أمينا عاما للأمم المتحدة وكان بسيوني وقتها رئيسا للجنة تقصي الحقائق في يوغوسلافيا
مع الدكتور بطرس غالي حينما كان أمينا عاما للأمم المتحدة وكان بسيوني وقتها رئيسا للجنة تقصي الحقائق في يوغوسلافيا

في حديثه عن دوره في لجنة تقصي الحقائق حول جرائم الحرب في يوغوسلافيا، قال شريف بسيوني، إن العمل في اللجنة كان صعبا في بدايته؛ فقد كان لفرنسا وإنجلترا قوات هناك، لكنها كانت محدودة، ولم تزود بدبابات أو أسلحة ثقيلة؛ فكانت تقريبا رهينة لصربيا، وفي الوقت نفسه، كان الاتحاد الأوروبي قد وضع شخصا إنجليزيا اسمه لورد أوين، للتفاوض في موضوع السلم. وكان أوين معترضا في البداية، على اللجنة؛ على أساس أنها ربما تعوق عمله في المفاوضات. لكني ل م أكن أرى في ذلك مشكلة، إذا أبلغ الشخص الذي يقوم بالمفاوضات من يتفاوضهم ان باستطاعته التفاوض على السلام لكنه لا يضمن لهم ما ستخرج به اللجنة، ويفصل بين الموضوعين، ويبلغهم أن عليهم تحمل أية مسؤولية جنائية إن وجدت. ينطبق هذا ايضا على اللجنة إن كانت ستعمل بأمانة ومن دون الإعلان عن نتائج ما تتوصل إليه. أثناء فترة عملي، لم أطلق تصريحات صحافية، وكان كل ما نقوم به يحفظ، ولم أكن أعلن عن مسؤولية أي كان حتى انتهاء التحقيقات، إذ ولا يجوز القيام بعمل دعائي أثناء التحقيق، فإذا ضمنت هذا، فلا خطورة على المفاوضات.
في البداية، كانت هناك مخاوف، خاصة من بريطانيا التي كانت تؤيد أوين في ذلك، ثم انضم إليه سايروس فانس، الذي كان مطمئنا إليّ من أيام حكومة كارتر والمفاوضات مع مصر وفكرة كامب ديفيد، في حين أن أوين لم يكن وقتها يشعر بذلك. في هذه الحلقة، يروي بسيوني التفاصيل:
كانت اللعبة السياسية صعبة جدا، ولم أكن معتادا عليها. فعندما اتصل بي مكتب الدكتور بطرس غالي وطلب - إن كنت موافقا - أن أترأس اللجنة، وافقت. كنت متيقنا من أني سأترأسها، لكن فيما، بعد أزحت من رئاسة اللجنة في البداية، ووضعوا شخصا هولنديا عمره 70 سنة في رئاستها، ولم يكن له إقبال على التنقل ميدانيا، خصوصا أن الحرب كانت قائمة. وجرى هذا بإيحاء من الجانب الإنجليزي الذي كان يستند إلى نائب الإدارة القانونية في هيئة الأمم. وعزز هذا أنه عقب انتهاء عمل اللجنة ووضع تقريرها أمام مجلس الأمن، طلب مجلس الأمن من أمينه العام بطرس غالي أن يرشح من سيكون المدعي العام في محكمة يوغوسلافيا. فأرسل بطرس غالي خطابا إلى مجلس الأمن يقول فيه: لا أستطيع أن أرشح أي شخص آخر لهذا العمل، غير الدكتور شريف بسيوني، ولن أرشح غيره.
فاجتمع مجلس الأمن واتصلت بي مادلين أولبرايت وكانت سفيرة في المجلس، وقالت إن إنجلترا قامت بحملة ضدي، وأن صحيفة «نيويورك تايمز» نشرت في صفحتها الأولى، أن السفير البريطاني وقتها، ديفيد هاناي، صرح لمراسل الصحيفة، أن بريطانيا لا تستطيع أن تقبل أن يكون عربيا مسلما في منصب المدعي العام، لأنه سيكون منحازا للضحايا المسلمين في البوسنة ضد الصرب. وكأن انحياز المدعي العام للضحية خطأ، في حين أنه يطلب من المدعي العام أن يكون منحازا للضحية في العادة. فنشب صراع كبير في مجلس الأمن. وأسفر التصويت على المسألة عن سبعة أصوات ضد سبعة. كانت أميركا إلى جانبي، بينما امتنعت البرازيل عن التصويت، لسبب لا أعلمه حتى الآن، فلم أحصل على الأصوات الثمانية المطلوبة. ونجحت بريطانيا في منع تعييني. ثم عادوا إلي، سواء بريطانيا أو فرنسا أو أميركا على مستوى عال جدا، مستوى الوزراء، وقالوا إنهم يريدون تعييني قاضيا للمحكمة الجنائية ليوغوسلافيا، أو في وظيفة أخرى، فقلت لهم أنا لا أسعى إلى أي وظائف.
كنت مستعدا لدور المدعي العام لأني كنت أرى فيه استكمالا لعملي، على أساس أني من قمت بالتحقيق. مصر وقفت وقفة صارمة، خصوصا من خلال عمرو موسى الذي كان وزيرا للخارجية، وقد أيدته الدول العربية في حينه، لكن موقفها لم يكن كافيا.
وقد انتخبوا شخصا آخر من فنزويلا، من دون أن يعلموا أنه لم يكن على استعداد لشغل هذه الوظيفة. فقد كانت له وظيفة أخرى في فنزويلا، ولم يكن مستعدا للتخلي عنها، فبقي المكان شاغرا لمدة ثمانية أشهر، وفيما بعد عين شخص آخر، متخصص في القانون التجاري.
عمل يوغوسلافيا كان صعبا جدا. تصور أن مجلس الأمن ينشئ مثل هذه اللجنة لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، بصلاحيات كاملة وشاملة، وحين تعقد أول اجتماع لها، تكتشف أن لا ميزانية لها. كانت الميزانية صفرا. وكنا لا نستطيع أن نتحرك أو ننتقل إلى الميدان. ولا نستطيع تعيين موظفين. كان الغرض هو أن يوهم مجلس الأمن الدولي العالم، بأن هناك لجنة للتقصي من دون أن يوفر لها الإمكانيات. بدأت أطلب من اللجنة أن تعينني مسؤولا عن جمع الأدلة، وتم لي ذلك. ذهبت إلى الجامعة التي أدرس فيها، وطلبت منهم مكانا فأعطوني مكتبا. ثم طلبت أن يسمح لي بطلب متطوعين، فسمح لي. قمت بإنشاء قاعدة بيانات في جامعة ديبول في شيكاغو، عملوا فيها طوال سنتين. كان 141 محاميا وطالب حقوق يعملون معي مجانا كمتطوعين. واستطعت أخذ معونة من «ماك آرثر فاونديشن» و«أوبن سوسايتي فاند». وعلى الرغم من هذا لم نتمكن من العمل. وخلال سنتين، لم يقدم مجلس الأمن أو الجمعية العامة ميزانية للتحقيق، ولا حتى فلسا واحدا أو مليما. كانت الميزانية مجرد رواتب لموظفي هيئة الأمم الذين يعملون معي، وبقية الأموال جمعتها بنفسي. ولكي أتمكن من التحقيق، ذهبت خلال الحرب 35 مرة على مدى عامين، في مهمات ميدانية، اكتشفنا فيها 151 مقبرة جماعية، وقمنا بأكبر تحقيق في التاريخ عن الاغتصاب. أنا شخصيا حققت مع مجموعة من 33 امرأة لأني اخترت النساء فقط للتحقيق. حققنا مع 223 امرأة اغتصبت. وأخذنا أقوال 575 امرأة اغتصبت أيضا. واستطعنا الحصول على معلومات عن 4200 حالة اغتصاب. معنى هذا أن هناك - إحصائيا - 20 ألف امرأة اغتصبت، وكان هذا جزءا من سياسة التطهير العرقي، بالإضافة إلى تهجير كل أهل البوسنة المسلمين من هذه المناطق كي يقطنها الصرب. وفي الوقت نفسه، كان هناك بعض الانتهاكات من الجانب الكرواتي، وأخرى من جانب الصرب ضد الكروات. مقر اللجنة كان في جنيف، وقاعدة البيانات في شيكاغو، ولكي لا تبقى أية معلومات ميدانية، كنا نبعث كل المعلومات لشيكاغو في نهاية اليوم.
كنا بحاجة إلى قوات مسلحة. وحين كنا نقوم بالبحث حول المقابر الجماعية، كنا نستند دائما إلى هولندا التي كانت تساعدنا دائما عبر قواتها المسلحة في عمليات الحفر، كما كنا نعتمد على قوات النرويج وكندا. وصراحة لم نجد أي مساعدة من أي دولة عربية إلا الأردن الذي كانت له قوات في يوغوسلافيا، وكذلك مصر التي كان لها قوات أمن في سراييفو. وقد تعاونت قوات الأمن الأردنية والمصرية معنا تعاونا كاملا، وكان دورهما هاما وملموسا. وهذا ليس مجرد كلام، وسأذكر مثالا على هذا التعاون؛ ففي إحدى المرات خلال موسم رمضان، وكان قائد الوحدة المصرية في سراييفو قد طلب من ضباطه وجنوده أن يتبرعوا بمأكولات من أجل رمضان؛ فتبرعت الكتيبة بكاملها، بنصف دخلها لإطعام الفقراء في سراييفو. وكان يأتي ما بين 100- 200 شخص عند المغيب، ووقت السحور للأكل. ورأيت هذا بنفسي.
أما كتيبة الأردن فكانت في كرواتيا. وأتذكر أني عندما كنت أقوم بالحفر هناك، عثرنا وعلى مقبرة فيها 19 شخصا. قلت ماذا سنفعل بهم؟ وكان ذلك في وسط كرواتيا. فكرت كيف أنقلهم. كانت الإمكانية الوحيدة أن نقوم بحفر مقبرة تضم 19 قبرا. وأقمت حواجز بين المقابر. وطلبت من الكتيبة الأردنية أن تبعث بجنود، وهم من تولوا حفر المقابر لوضع جثث الصرب فيها. ووضعنا حتى الصليب على رأس كل واحد من القبور. وأذكر أنني عندما عدت إلى جنيف، قابلت شخصا يعمل على رأس وزارة العدل، وقال إنه سمع بما قمت به، وأبدى تأثره لقيام مسلمين بذلك.
وأذكر قصة إنسانية أخرى للكتيبة الأردنية مهمة جدا، وهي أن مدينة صربية مجاورة كانت قد هدمت تماما، وقد عثروا فيها على امرأة في السبعينات من عمرها، تمكنوا من انتشالها من تحت أنقاض بيتها، ولم يكن قد تبقى غيرها بعد أن فر كل ابناء القرية. أعادوا بناء جزء من بيت المرأة. وراحت الكتيبة الأردنية تزودها يوميا بالأكل، ويزورها الطبيب مرة كل الأسبوع.
العمل الذي قمنا به كان هائلا، وأرغم مجلس الأمن على إنشاء هذه المحكمة الخاصة بيوغسلافيا، وكانت تلك نقطة البداية والانطلاق، ولكن واجهتها صعوبات بيروقراطية وأخرى مالية.
في البحرين، كان الوضع مختلفا؛ حيث حصلت على تأييد من ملك البحرين، فتح لي أبوابا. وعملت من جانبي مع الناس بأمانة وإخلاص.
كانت تجربة البحرين فريدة من نوعها. فحين دعاني الملك لكي أترأس اللجنة، طلبت من الملك - طبعا بكل أدب واحترام - أن تكون هناك قواعد معينة للعمل. وعرضت عليه قواعد لاستقلال اللجنة، ومنها أن أختار بنفسي كل أعضائها، وأن تكون الأبواب مفتوحة لي، وأن تكون مصادر التمويل حرة وبلا قيود.
وصراحة، وافق الملك ومن دون أي شروط. فكانت النتيجة. قلت للملك منذ البداية، إنني إذا رأيت شيئا غير سليم أريد إمكانية أن آتي إليك مباشرة ومن دون أي حاجز بيننا، وتقبل ملك البحرين هذا الأمر بصدر رحب، فقلت له إنني حر تماما ولي سندك، فقال: نعم.
مضى التقرير وجمعت فريقي وبدأت العمل. وفي إحدى الليالي، وكان طاقمي يتكون من نحو 40 شخصا، اخترت خمسة منهم، وكانت الساعة تقترب من الواحدة بعد منتصف الليل، وأبلغتهم أن لا يناموا ليلتها؛ لأننا سنخرج في زيارة ميدانية. الساعة الواحدة ليلا، اتصلت بهم، نزل الخمسة، ومضينا في ثلاث سيارات. كان في البحرين وقتها ثلاثة سجون. ذهبنا إلى السجن الأول، وطرقت الباب. خرج لي ضابط أو عسكري نقرابة الساعة الثانية صباحا. قال تفضل. عرفته بنفسي، وقائلا إنني الدكتور شريف بسيوني رئيس لجنة التقصي. فقال بما معناه ما الذي تريده؟ فقلت أريد تفتيش السجن. قال: ما الذي تعنيه؟ قلت افتح يا أخي. فتح الباب. أتى الضابط ومدير السجن، وتناولنا الشاي بكل أدب، واستفسرا عما أريد. قلت لهما: جئت لأفتش، وعندما أفتش لا أريد أيا منكما معي. وقلت للمدير: أمامك خياران: إما أن أدخل أو سأتصل بهاتفي بالملك شخصيا وسيوقظونه من النوم والأمر حينها بينك وبينه.
فتحوا لي الباب. دخلت وأخرجت المساجين. وبدأت بسؤالهم عن أسمائهم وأسباب وجودهم في السجن، وكلما كنت أجد أناسا وقع تعسف ضدهم في السجن أكلم وزير الداخلية الذي كان متعاونا جدا.
وحتى حينما كنت أعلم عن وجود مظاهرات، كنت أرسل أناسا ليشاهدوا كيفية تعامل الشرطة مع المتظاهرين في الميدان نفسه. كنا نذهب حتى لأقسام الشرطة الصغيرة ليلا، لنرى كيفية التعامل مع الناس، وأيضا في السجون الكبيرة مثل السجن العسكري، كنا نتحرك بكل حرية مرة واثنتين وثلاثا. وشخصيا زرت كل سجين ثلاث مرات بالطاقم الذي يعمل معي، وأخذنا أقوالهم بكل حرية، فمن دون شك كان التعاون كاملا ومثمرا.
* اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق

* أنشئت اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق في 29 يونيو (حزيران) 2011 في مملكة البحرين، طبقا للقرار الملكي رقم 28 الذي أصدره الملك حمد بن عيسى آل خليفة. وعلى الرغم أن العادة جرت بأن تُنشأ لجان تقصي الحقائق بتفويض من الأمم المتحدة، فقد كانت اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق لجنة وطنية. وبعد مشاورات للمستشارين القانونيين للملك حمد بن عيسى آل خليفة، مع العديد من الهيئات الإقليمية والدولية، وشخصيات دولية رفيعة المستوى، رشح البروفسور بسيوني لتولي رئاسة اللجنة. ورشح البروفسور بسيوني أربع شخصيات أخرى هم، الخبير القانوني فيليب كيرش (الكندي البلجيكي الأصل)، الرئيس السابق للمحكمة الجنائية الدولية، الدكتورة بدرية عبد الله العوضي (الكويت)، البروفسور السير نايغل رودلي سيمون (المملكة المتحدة) والدكتورة مهانوش ارسنجاني (إيران).
وقد تولت اللجنة مهمة التحقيق وإعداد تقارير عن الأحداث والنتائج المترتبة على تلك الأحداث التي وقعت في البحرين خلال شهر فبراير (شباط) 2011. وقُبيل قبوله منصب رئيس اللجنة، عقد البروفسور بسيوني اجتماعا مع الملك حمد بن عيسى آل خليفة، سلمه خلاله قائمة بما اعتبره عناصر جوهرية ينبغي توافرها في التفويض الملكي لإنشاء اللجنة، خاصة فيما يتعلق بالتأكيد على استقلاليتها، وقدرتها على إنجاز المهمة الموكلة إليها. وقد كان الملك حمد متعاونا لأقصى درجة، حيث نص القرار الملكي رقم 28 الذي أصدره في 29 يونيو (حزيران) 2011 بوضوح على الشروط كافة اللازمة لضمان استقلالية ونزاهة عمل اللجنة. وقد مُنح رئيس اللجنة مسؤولية اختيار طاقم التحقيق والإدارة الذي سيعمل معه، وكذلك مهمة تطوير طرق عمل اللجنة.
ضم طاقم عمل اللجنة 51 شخصا عملوا في فترات مختلفة. توزع طاقم العمل كالتالي: 12 محققا، 12 مساعدا للمحققين، 5 إداريين، 4 مساعدين إداريين، 18 مستشارا فنيا وعلميا. وخلال الفترة من يونيو (حزيران) 2011 إلى أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، تلقت اللجنة 8110 شكاوى وبيانات عن انتهاكات حقوق إنسان واقعة ضمن نطاق عملها. كما قامت اللجنة بعمل 65 زيارة ميدانية أولية وعقدت 48 اجتماعا أوليا مع مختلف الجهات الحكومية والتي أعقبتها بالعديد من زيارات المتابعة. وأصدرت اللجنة مئات الصفحات من التقارير والإجابات على العديد من التساؤلات. كما تلقت اللجنة تقارير ومعلومات من منظمات داخل وخارج البلاد تمثل كافة الأطياف السياسية. عملت اللجنة معتمدة على ميزانيتها المستقلة من دون أية عوائق، واحتفظت بسجلاتها. كما أصدرت تقريرها الخاص الذي نشر في وسائل الإعلام العامة. وقد وضعت الحكومة الكثير من توصيات التقرير حيز التنفيذ. وُصفت هذه اللجنة بأنها ربما تكون لجنة تقصي الحقائق الأكثر نجاحا على الإطلاق التي تجري إدارتها في إطار وطني خلال صراع داخلي قائم. وقد استفادت اللجنة من الدعم الكامل الذي جرى توفيره لها بواسطة الملك حمد ومجلس الوزراء.
تضمن التقرير الذي قدمته اللجنة في احتفالية عامة يوم 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، عددا من التوصيات التي تعهد الملك والحكومة بتنفيذها. وجرى بالفعل تنفيذ الكثير من تلك التوصيات. وتواصل حكومة مملكة البحرين جهودها في هذا الشأن لتحسين نوعية العدالة.
* لجنة التحقيق في جرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة

* تسبب الصراع في يوغوسلافيا في أزمة أخلاقية بين الأوروبيين، وامتد ذلك التأثير بعض الشيء ليصل إلى الولايات المتحدة الأميركية. بدأت الممارسات الممقوتة والمذمومة للتطهير العرقي والاغتصاب الممنهج بصورة علنية. وأثناء فترة حملته الرئاسية، حث المرشح بل كلينتون على التدخل العسكري في يوغوسلافيا السابقة، بيد أن الجيش الأميركي وحلف الناتو لم يستحسنا هذا الأمر. وبعد انتخابه، واجه الرئيس كلينتون مشكلة الوفاء بوعود حملته الانتخابية التي يتعذر تحقيقها. فكرت مادلين أولبرايت، سفيرته في الأمم المتحدة والتي شغلت فيما بعد منصب وزيرة الخارجية، في تأسيس لجنة تحقيق على غرار لجنة جرائم الحرب بالأمم المتحدة التي أُسست في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وبعد جدل كبير في مجلس الأمن، استطاعت السفيرة أولبرايت، في ضوء دعم المملكة المتحدة، استصدار قرار من مجلس الأمن بإنشاء لجنة خبراء.
كانت هذه هي المرة الأولى، منذ انتهاء الملاحقات القضائية الخاصة بالحرب العالمية الثانية، التي يتم فيها إنشاء لجنة دولية من هذا القبيل. بيد أن معارضة روسيا، التي كانت داعمة لصربيا، ظلت كما هي. والأهم من ذلك، أن المملكة المتحدة والأعضاء الآخرين بمجلس الأمن كانوا قلقين من تأثير تلك اللجنة على جهود الاتحاد الأوروبي الممثلة في اللورد ديفيد أوين وممثل الأمم المتحدة، وزير الخارجية السابق سايروس فانس، اللذين جرى تفويضهما لإنجاز مسألة وقف الأعمال العدائية ووقف إطلاق النار. كانت هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها الأمم المتحدة صراعا بين السعي نحو تحقيق تسوية سياسية وتحقيق العدالة. واتخذ ردها شكل عمل بيروقراطي ماكر وقف حجر عثرة أمام عمل اللجنة، تمثل في عدم توفير العاملين والموارد. فلم تحصل اللجنة على أي ميزانية لإجراء تحقيقاتها.
اُختير أعضاء اللجنة من قبل الأمين العام للأمم المتحدة بعد مشاورات واسعة مع أعضاء مجلس الأمن، وتشكلت من فيرتس كالشوفين (هولندا) بوصفه رئيس اللجنة، وشريف بسيوني (مصر) وويليام فينريك (كندا) وكيبا مباي (السنغال) وتوركال أوبسال (النرويج).
أثناء تلك الفترة، تم تعيين البروفسور بسيوني مقررا للجنة لتجميع الحقائق وتحليلها، حيث كانت تلك الوظيفة هي المهمة الأساسية للجنة. وفي 19 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1993، قام الأمين العام بتعيين البروفسور بسيوني رئيسا للجنة.
وتعرضت اللجنة لعوائق إدارية وتعقيدات عطلت عملها، مما اضطرها تحت رئاسة البروفسور بسيوني إلى زيادة تمويلها، الذي تحصل عليه من معهد المجتمع المفتوح ومؤسسة «ماك آرثر»، والمساعدات الحكومية. الأهم من ذلك، أن اللجنة حصلت على كثير من الموظفين من حكومات عديدة (مثل: هولندا والنرويج وكندا). ولولا حصول اللجنة على مساعدات من تلك الحكومات، والتبرعات المالية الخاصة من الحكومات والمتطوعين أيضا، لما استطاعت إنجاز مهمتها المخولة بها على الإطلاق. وبسب هذه الإسهامات، استطاعت اللجنة القيام بـ32 مهمة ميدانية لتوثيق سياسة التطهير العرقي وممارسة الاغتصاب الممنهج. وقد كان ذلك التحقيق هو أول تحقيق في التاريخ يركز على الاغتصاب كأداة مستخدمة في الحرب.
ومما ساعد على عمل اللجنة أيضا حصولها على دعم من المعهد الدولي لحقوق الإنسان بجامعة دي بول، الذي وفر لها قاعدة البيانات. ووفرت الجامعة مكانا لعملها مجانا، كما قام المعهد بجلب واستخدام محامين صغار السن وطلاب دارسين للقانون لإدخال البيانات وتحليل البيانات المدخلة. وكان يوجد أربع كومبيوترات مخصصة يتم التعامل معها من قبل عدد 12 مدخلا لقواعد البيانات من المحامين صغار السن والطلاب المتطوعين الدارسين للقانون، وذلك تحت إشراف محامين حديثي السن والذين لا يُشرفون على عملية إدخال البيانات فحسب، ولكن أيضا الربط بين تلك البيانات والتقارير التي يُجرى إعدادها أسبوعيا بشأن القضايا المختلفة من الانتهاكات التي ارتكبها 6 أطراف متحاربة و86 منظمة شبه عسكرية تم تحديدها في أوائل عام 1993. وكان العمل الخاص بقاعدة البيانات متواصلا على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، حيث يجري تحديث المعلومات والتحليلات والتقارير بشكل منتظم. وتم تقديم كل ذلك إلى أعضاء اللجنة لإجراء مراجعاتهم الدورية. وقد جرى الاعتراف بجهود وإسهامات المعهد الدولي لحقوق الإنسان في خطاب مرسل من قبل الأمين العام للأمم المتحدة.
تباين عدد أفراد البعثات الميدانية، البالغ عددها 32 بعثة، حيث تراوح العدد من ثمانية أشخاص كحد أدنى إلى ما يزيد على 80 شخصا. وكان الغرض من هذه البعثات هو القدرة على جلب واستخدام موظفين مساهمين من الحكومات والذين سيكونون ضمن بعثة لفترة زمنية قصيرة نسبيا. وبالنسبة للتحقيق في حوادث الاغتصاب، كانت هناك 33 امرأة، منهن 22 امرأة متطوعة. وقد شكلن 11 فريقا قوام كل فريق ثلاث عضوات يترأسهن امرأة لديها خبرة في مجال الدعاوى القضائية، بجانب طبيبة نفسية أو عالمة نفس، وذلك من أجل تقليل الضرر النفسي إلى أقل حد ممكن، وتجنب احتمالية التسبب في تكرار الصدمة العاطفية للضحية التي تجرى مقابلة معها، في حين تكون الثالثة مترجمة. وقد تلقت هذه الفرق بيانات موجزة موسعة بشأن كيفية إجراء هذه التحقيقات، ولا سيما بهدف تجنب معاودة إصابة الضحايا بالصدمة العاطفية. وبشكل إجمالي، جرت مقابلات مع 223 ضحية ممن تعرضن للاغتصاب، كما جرى الحصول على 575 تصريحا مشفوعا بالقسم من ضحايا عمليات الاغتصاب الأخريات، بالإضافة إلى تجميع معلومات بشأن حالات يُقدر عددها بنحو 4200 حالة. ويعتبر ذلك التحقيق، حتى وقتنا الحالي، هو أكبر تحقيق تم إجراؤه في التاريخ بشأن حالات الاغتصاب. وللأسف، لم يؤد هذا التحقيق إلا إلى ملاحقة قضائية واحدة من قبل المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة الخاصة بجرائم الحرب. بيد أن ذلك الأمر قد أدى إلى إثارة رد فعل عالمي جعل المجتمع الدولي أكثر دراية بتلك الجريمة المفزعة لجرائم الحرب والحاجة إلى منع وقوعها مرة أخرى. ومما يؤسف له أن يتكرر الأمر ذاته أثناء النزاعات والصراعات التي اندلعت في رواندا أو سيراليون أو دارفور أو جمهورية الكونغو الديمقراطية في الفترة ما بين عامي 1994 و2013.
أجرت اللجنة أيضا تحقيقا حول المقابر الجماعية، محددةً 151 مقبرة من تلك المقابر، من بينها المقبرة التي ارتكبت فيها أفظع الأعمال الشنيعة والواقعة بالقرب من مدينة فوكوفار، حيث يُعتقد أن 214 شخصا قد قُتلوا هناك من مسافة قريبة في منطقة زراعية مهجورة تسمى أوفكارا. وقد تم اقتياد جميع هؤلاء الأشخاص من مستشفى فوكوفار في يومي 20 و21 نوفمبر 1991، بما في ذلك المصابون والمرضى والموظفون، من قبل ميليشيات الصرب، وعلى مرأى ومسمع ضباط الجيش الصربي، وعلى مرأى ومسمع من مسؤولي الأمم المتحدة ليجري تنفيذ أكثر الأعمال وحشية. وصار هذا الحادث معروفا باسم مذبحة فوكوفار. كانت اللجنة هي أول من اكتشف المقابر الجماعية وبدأت عملية فتح القبور وإخراج الجثث وإجراء تحاليل الطب الشرعي على الجثث التي أطلق عليها النار من قبل ميليشيات صربية مغمورة عُرفت باسم «نمور أركان». وفي وقت لاحق، أصبحت المعلومات التي تم الحصول عليها من قبل اللجنة هي الأساس لتحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة، التي استخدمت بعضا من خبراء الطب الشرعي باللجنة. وقد جرى العمل في أوفكارا، مثلما كان الحال في المقابر الجماعية الأخرى، بفضل دعم هولندا التي وفرت 65 شخصا عسكريا من سلاح المهندسين ليأخذوا على عاتقهم مسؤولية فتح المقابر واستخراج الجثث. وأسهمت هولندا أيضا في توفير الدعم المالي للتحقيق في حالات الاغتصاب بعد التغلب على العديد من الصعوبات التي اختلقها زاكلين من مكتب المستشار القانوني للأمم المتحدة، والذي سعى مرة أخرى إلى وضع العراقيل بدهاء أمام عمل اللجنة. يعد تقرير اللجنة هو الأطول في تاريخ مجلس الأمن، حيث يتألف من 3500 صفحة، بالإضافة إلى وجود 76000 مستندا مرفقا، ومقاطع فيديو مدتها مئات الساعات، وآلاف الصور، حيث تم منحها جميعا للمدعي بالمحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة الخاصة بجرائم الحرب. انتهى عمل اللجنة بموجب مرسوم إداري. ولم يتخذ مجلس الأمن على الإطلاق أي قرار لإنهاء عمل اللجنة، وكان القرار متخذا من قبل مكتب المستشار القانوني ذاته، بيد أنه من المؤكد أن ذلك القرار كان بتوجيه القوى الرئيسة في المجلس. وكان ذلك بسبب عمل اللجنة والسجل الحافل الاستدلالي المعتمد على الحقائق الذي صدر عنها بما أدى إلى قيام مجلس الأمن بتأسيس المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة الخاصة بجرائم الحرب.
اعتبارا من 24 يوليو (تموز) 2013، قامت المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة بمقاضاة 161 فردا، وليس هناك أي هارب. ومن بين هذا العدد أدين 69 شخصا، وبرئ 18 وأحيل 13 شخصا إلى سلطة قضاء وطنية، كما سحب 20 اتهاما من قبل المدعي، في حين تُوفي 16 متهما قبل تحويلهم إلى المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة أو قبل انتهاء محاكماتهم. هناك 25 حالة من إجراءات التقاضي قيد النظر: حيث يخضع حاليا أربعة متهمين للمحاكمة، ويمثل 21 متهما أمام هيئة الاستئناف.
تعد المحكمة من الهيئات القضائية التي حققت معدلا عاليا من التميز القضائي والعدالة. وستنتهي مهام المحكمة بحلول عام 2014. مما لا ريب فيه أن المحكمة الجنائية الدولية قد أسهمت بصورة لافتة في مجال العدالة الجنائية الدولية. وسيظهر إسهام المحكمة في تحقيق المصالحة بين الأطراف المتحاربة في يوغوسلافيا السابقة في المستقبل، حيث إن الأجيال التالية لتلك الأجيال التي كانت موجودة في الصراع قد يكون لها قرارا بشأن المحكمة يختلف عن رأي الذين عاشوا خلال فترة النزاع.
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (5)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (4)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (2)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1)



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.