واشنطن تعلن مقتل زعيم {طالبان ـ باكستان} الملا فضل الله

خلال غارة جوية أميركية بولاية كونار شرق أفغانستان

شريط فيديو دعائي بثته جماعة «تحريك طالبان» يظهر في الوسط زعيمها الملا فضل الله في مكان ما بالشريط الحدودي بين باكستان وأفغانستان عام 2014 (إ.ب.أ)
شريط فيديو دعائي بثته جماعة «تحريك طالبان» يظهر في الوسط زعيمها الملا فضل الله في مكان ما بالشريط الحدودي بين باكستان وأفغانستان عام 2014 (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تعلن مقتل زعيم {طالبان ـ باكستان} الملا فضل الله

شريط فيديو دعائي بثته جماعة «تحريك طالبان» يظهر في الوسط زعيمها الملا فضل الله في مكان ما بالشريط الحدودي بين باكستان وأفغانستان عام 2014 (إ.ب.أ)
شريط فيديو دعائي بثته جماعة «تحريك طالبان» يظهر في الوسط زعيمها الملا فضل الله في مكان ما بالشريط الحدودي بين باكستان وأفغانستان عام 2014 (إ.ب.أ)

أعلنت وزارة الدفاع الأميركية مقتل قائد كبير في حركة طالبان خلال غارة جوية أميركية في ولاية كونار شرقي أفغانستان، على الحدود مع باكستان. ولم يعلن مسؤولو «البنتاغون» اسم القائد الكبير، لكن وسائل إعلام أميركية رجحت أن يكون زعيم حركة طالبان الباكستانية، الملا فضل الله. وقال المتحدث باسم الجيش الأميركي، الليفتنانت كولونيل مارتن أودونيل، في بيان إن «القوات الأميركية شنت ضربة ضد الإرهاب مساء الأربعاء الماضي، في ولاية كونار قرب الحدود بين أفغانستان وباكستان استهدفت إرهابيا كبيرا في منظمة إرهابية». ولم يحدد المتحدث العسكري، اسم الهدف ولا المنظمة التي ينتمي إليها، لكنه أكد أن القوات الأميركية مستمرة في «الالتزام بوقف إطلاق النار»، الذي توصلت إليه كابل مع حركة طالبان أفغانستان. وأضاف المتحدث العسكري: «نواصل مع القوات الأفغانية وقوات حلف شمال الأطلسي الالتزام بوقف إطلاق النار من جانب أفغانستان مع حركة طالبان، وكما ذكرنا سابقا فإن وقف إطلاق النار لا يتضمن جهود الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب ضد (داعش) و(القاعدة) وغيرهما من الجماعات الإرهابية الإقليمية والدولية أو الحق الأصيل لدي القوات الأميركية والدولية للدفاع عن أنفسنا في حال تعرضنا للهجوم».
وشدد على أنه يأمل أن يؤدي وقف إطلاق النار إلى الحول والمضي قدما في المصالحة ونهائية دائمة للعمليات العدائية. وكان الرئيس الأفغاني أشرف غني قد أعلن وقفاً لإطلاق النار الأسبوع الماضي وبدأ سريانه بالفعل هذا الأسبوع حتى العشرين من يونيو (حزيران) الحالي واقترح تمديده لفترة أطول.
إلى ذلك قال مسؤول كبير في وزارة الدفاع الأفغانية أمس الجمعة إن الملا فضل الله زعيم جماعة طالبان الباكستانية قُتل في ضربة جوية أميركية أفغانية في أفغانستان قرب الحدود بين البلدين. وأكد مسؤول في قوة الدعم الحازم التي يقودها حلف شمال الأطلسي في أفغانستان مقتل فضل الله الأربعاء.
في المقابل، أكد محمد رادمنيش المتحدث باسم وزارة الدفاع الأفغانية مقتل الملا فضل الله زعيم حركة طالبان في عملية جوية مشتركة في منطقة ماراويرا الحدودية في إقليم كونار في التاسعة صباحاً يوم الخميس بتوقيت أفغانستان. ومن المتوقع أن يؤدي مقتل الملا فضل الله إلى تخفيف حدة العلاقات المتوترة بين إسلام آباد وواشنطن. وتسعى واشنطن لدفع باكستان لإقناع قادة طالبان - الذين يتخذون من الأراضي الباكستانية ملاذاً لهم - بفتح مفاوضات لإنهاء الحرب المستمرة منذ 17 عاماً في أفغانستان. وكانت وزارة الخارجية الأميركية أعلنت في مارس، عن مكافأة بقيمة 5 ملايين دولار، لمن يساعدها في الكشف عن مكان الملا فضل الله، الذي تحمّله واشنطن المسؤولية عن اعتداءات كثيرة أدمت باكستان وكان الملا فضل الله مسؤولاً عن إطلاق النار على ملالا يوسف زاي عام 2010 بسبب دعوتها لتعليم الفتيات والتي حصلت فيما بعد على جائزة نوبل للسلام. بالإضافة إلى محاولة تفجير سيارة مفخخة في ميدان تايمز سكوير في نيويورك في 2010.
وقد برز اسم الملا فضل الله كزعيم متشدد في منطقة وادي سوات شمال غربي العاصمة الباكستانية إسلام آباد، واشتهر على مدى عشر سنوات بسبب خطاباته النارية التي كان يتم بثها عبر قناة إذاعية منذ عام 2007، وروجت لحركة طالبان في المناطق القبلية على الحدود الباكستانية الأفغانية وتشير بعض التقارير إلى أن عدد عناصر طالبان باكستان يتراوح ما بين 30 و35 ألف مسلح معظمهم من خريجي المدارس الدينية.
وقد انتخبت حركة طالبان الباكستانية الملا فضل الله قائدا لها في عام 2013 خلفا للملا حكيم الله محسود زعيم الحركة الذي تم قتله في غارة جوية بطائرة دون طيار في عام 2013. وبحسب الخارجية الأميركية، فإن حركة طالبان باكستان تقيم «تحالفاً وثيقاً مع تنظيم القاعدة»، وقد درَّبت أيضاً فيصل شهزاد، الذي حاول تفجير سيارة مفخخة في ميدان «تايمز سكوير». وفي سبتمبر (أيلول) 2010 أعلنت واشنطن أدراج حركة طالبان على لائحة المنظمات الإرهابية. وفي 2014 تبنت الجماعة الإرهابية، هجوماً على مدرسة في بيشاور، أسفر عن مجزرة راح ضحيتها أكثر من 150 قتيلاً. وقال المتحدث باسم القوات الأميركية في أفغانستان اللفتنانت كولونيل مارتن أودونيل إن القوات الأميركية نفذت «ضربة ضد الإرهاب» استهدفت «قياديا كبيرا في منظمة إرهابية محددة». وقال أودونيل: «القوات الأميركية في أفغانستان وقوة الدعم الحازم التي يقودها حلف شمال الأطلسي تواصل الالتزام... بوقف إطلاق النار من جانب واحد المعلن من قبل (حكومة) أفغانستان مع طالبان الأفغانية».
وأعلنت الحكومة الأفغانية وقف إطلاق النار الأسبوع الماضي وبدأ سريانه هذا الأسبوع.
وقال أودونيل: «كما هو معلن من قبل لا يشمل وقف إطلاق النار جهود مكافحة الإرهاب الأميركية ضد (تنظيمي داعش والقاعدة) والجماعات الإرهابية الأخرى الإقليمية والدولية أو حق الولايات المتحدة والقوات الدولية الثابت في الدفاع عن النفس إذا هوجمنا، نأمل أن تؤدي هذه الهدنة إلى الحوار وإلى تحقيق تقدم في المصالحة ووقف دائم للأعمال القتالية».
وأعلن الرئيس الأفغاني أشرف غني وقفا لإطلاق النار يستمر إلى 20 يونيو، لكنه قال اليوم الجمعة إن وقف إطلاق النار يمكن تمديده.
ويمكن أن يحسن موت فضل الله العلاقات المتصدعة بين إسلام آباد وواشنطن حتى في الوقت الذي تطبق فيه أفغانستان وقفاً لإطلاق النار غير مسبوق مدته ثلاثة أيام مع طالبان الأفغانية وهي الحركة الأكبر.
وتعتبر باكستان صاحبة دور رئيسي في إقناع قادة طالبان الأفغانية، الذين تعتقد الولايات المتحدة أنهم يتخذون من باكستان مأوى لهم، ببدء مفاوضات لإنهاء الحرب المستمرة منذ 17 عاماً في أفغانستان. ولم يتسنَّ الحصول على تعليق من المتحدثين الحكوميين أو العسكريين في باكستان. وقال عضو في طالبان الباكستانية لـ«رويترز» عبر الهاتف أمس إن الجماعة تسعى للحصول على معلومات من أفغانستان التي يتمركز فيها حالياً معظم مقاتلي الجماعة. وظهر الملا فضل الله قائداً إسلامياً في وادي سوات شمال غربي العاصمة الأفغانية إسلام آباد منذ أكثر من عشر سنوات. وعرف باسم «الملا راديو» بسبب خطبه النارية التي يوجهها عبر محطة إذاعية.
وأثار سخط الباكستانيين بسبب هجوم 2014 على مدرسة يديرها الجيش في مدينة بيشاور، وهو الهجوم الذي قتل فيه رجال طالبان بالرصاص 132 تلميذاً على الأقل.
ويعتقد أيضاً أنه أمر بقتل ملالا يوسف زاي في 2012، وكانت في الخامسة عشر من عمرها بسبب دفاعها عن تعليم الفتيات.
وقبل عشر سنوات بدأت طالبان الباكستانية حربا هدفها إقامة نظام حكم يطبق تفسيرا متشددا للشريعة لكن معظم مقاتليها موجودون الآن في أفغانستان. وطالبان الباكستانية منفصلة عن طالبان الأفغانية التي حكمت البلاد لمدة خمس سنوات قبل الإطاحة بها خلال الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في 2001.
وتتهم واشنطن باكستان بإيواء طالبان الأفغانية وشبكة حقاني المتحالفة معها وتنفي إسلام آباد ذلك. وتقول باكستان إن طالبان الباكستانية تتخذ من أفغانستان مأوى لها.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».