شبل... بيان مبكّر من أجل إسلام تنويري

الباحث الجزائري يقدم سبعة وعشرين مقترحاً لإصلاح الأوضاع

مالك شبل
مالك شبل
TT

شبل... بيان مبكّر من أجل إسلام تنويري

مالك شبل
مالك شبل

بداية سوف أطرح هذا السؤال: ماذا سيبقى من مالك شبل الذي رحل مبكراً قبل الأوان (63 سنة فقط)؟ والجواب: تبقى مؤلفاته، وهي عديدة وغنية. ثم يبقى بالأخص هذا المصطلح الذي شهره أو اشتهر به: إسلام الأنوار أو إسلام التنوير. وقد كرس له كتاباً كاملاً هو: «بيان من أجل إسلام الأنوار».
وللقيام بذلك ينخرط مالك شبل في دراسة طويلة عريضة عن الموضوع تتجاوز المائتي صفحة. وهو يبتدئ كتابه بمقدمة عامة تحمل العنوان التالي: هل إسلام التنوير شيءٌ ممكنٌ يا تُرى؟ بمعنى آخر إذا كنا قد فهمناه جيداً: هل يمكن أن ينتصر الفهم التنويري للإسلام على الفهم الإخوانجي الداعشي الظلامي السائد حالياً؟ والجواب هو بالطبع بالإيجاب. فمن دون انتصار إسلام الأنوار على إسلام الإخوان لن تقوم للعرب قائمة ولن يحظوا بأي احترام على مسرح التاريخ بين الأمم.
ثم يقدم الباحث الجزائري بعدئذ سبعة وعشرين مقترحاً لإصلاح الأوضاع داخل العالم الإسلامي. وأول مقترح يقدمه هو ضرورة بلورة تفسير جديد للنصوص الإسلامية المقدسة من قرآن كريم وحديث نبوي شريف وكذلك كتب الفقه والتشريع والعقائد. ففي رأيه أن التفسير السائد حالياً حرفي جداً وسطحي وخاطئ في معظم الأحيان لأنه لا يهتم إلا بالقشور ولا يفهم جوهر الرسالة القرآنية أو الإسلامية. كما أنه أصبح قديماً بالياً لم يعد يقنع أحداً ولم يعد يخاطب العصر. ولذلك وجب على المثقفين وعلماء الأمة أن يقدموا تفسيراً علمياً جديداً يليق بالحداثة والعصر والقرن الحادي والعشرين. فنحن لا نستطيع أن نعيش إلى الأبد على تفسيرات قديمة، متحنطة، متكلسة، متحجرة، عفا عليها الزمن... نحن لا نستطيع أن نعيش إلى الأبد على فتاوى القتل والذبح والتكفير التي روّعت العالم.
أما المقترح الثاني الذي يقدمه شبل فيتلخص في العبارة التالية: تأكيد تفوق العقل على كل أشكال التصورات والاعتقادات الأخرى. فالعقل هو القاسم المشترك الأعظم بين البشر. أما المذاهب والعقائد فتبقى خصوصية ومحصورة في أتباعها فقط مهما اتسع نطاقها. أما على أرضية العقل فيلتقي الإنسان الإنجليزي والعربي والصيني والروسي، إلخ... وهذا ما اكتشفه أبو العلاء المعري قبل مالك شبل وكل فلاسفة الأنوار المعاصرين:
كذب الظن لا إمام سوى العقل
مشيراً في صبحه والمساء
والمقترح الثالث يقول بأن مفهوم الجهاد كما ينادي به المتطرفون الحاليون خاطئ تماماً وخارج على الفهم الصحيح للشرع الإسلامي. فالإسلام لم يقل في أي يوم من الأيام بمشروعية تفجير المباني والحافلات والمخازن والمقاهي وحصد المدنيين بشكل عشوائي كيفما اتفق بالمئات أو بالآلاف... لاحِظ ما فعلته ولا تزال تفعله الحركات الإخوانجية المختلفة في مشارق الأرض ومغاربها من سوريا إلى العراق إلى درنة في ليبيا... وهؤلاء يعتبرونهم ثواراً من أجل الحرية! تحية إلى درنة الجميلة الرائعة وهي تُحرر من براثنهم وإرهابهم وظلامياتهم في هذه اللحظة بالذات. وبالتالي فهذا الفهم الخاطئ للجهاد أو للحرب المقدسة في الإسلام ينبغي أن يتوقف فوراً لكي يحل محله فهم آخر جديد يتناسب مع الشرع والعقل والعصر. فالجهاد يكون أولاً من أجل تصحيح انحرافات النفس ونوازعها والتغلب على نواقصها. ثم بعدئذ يعني أو ينبغي أن يعني التنمية الشاملة والنهوض الحضاري وتخليص شعوبنا من مستنقع الأمية والجهل والفقر. هذا هو الجهاد العظيم الذي تحتاج إليه مجتمعاتنا العربية والإسلامية اليوم. هذا هو الجهاد الأكبر لا الأصغر. ولكن الجميع نسوه.
أما المقترح الرابع لصاحب «إسلام الأنوار» فيتمثل في ما يلي: منع صدور أي فتوى تشرّع الاغتيال والقتل والتفجيرات العمياء. فهذا شيء مضاد لروح الإسلام وللفهم الصحيح لرسالته وجوهره. وبالتالي فلا يحق لأي شيخ كائناً من كان أن يصدر فتوى دينية تحلل اغتيال هذا المثقف أو ذاك لمجرد أن كتاباته لم تعجبه... هذا شيء خطير يؤدي إلى انتشار الفوضى والفتنة والرعب في المجتمع. كما وينقلب بالعاقبة السيئة على الجميع. انظر الفتاوى التي كفّرت بعض روائع نجيب محفوظ أو حيدر حيدر أو سواهما. وانظر الفتوى التي أدت مباشرة إلى اغتيال المفكر المصري فرج فودة، إلخ... وهناك فتاوى أدهى وأخطر تدعو إلى تكفير طوائف بأسرها وإبادتها. وهي التي أشعلت الحروب الدموية في المشرق العربي مؤخراً ودمّرت النسيج الاجتماعي وجعلت التعايش مستحيلاً بين أبناء الوطن الواحد!
وهناك مقترحات أخرى عديدة لا نستطيع أن نتوقف عندها كلها من مثل: ضمان حرية الاعتقاد والضمير والتفكير في العالم الإسلامي. وكذلك احترام الآخر وعقائده سواء أكان هندوسياً أو صينياً كونفشيوسياً أو يهودياً أو بوذياً، إلخ. وكذلك ينبغي تحديث القانون المدني وقانون الأحوال الشخصية الخاص بالزواج، والطلاق، والإرث، إلخ... ينبغي احترام المرأة وإعطاؤها حقها كاملاً، فهي ليست ناقصة عقل أو دين كما توهمت العصور القديمة.
وفي ما يخص حرية المعتقد والضمير فيرى مالك شبل أنها ستكون أصعب مقترح يمكن فرضه على العالم الإسلامي. لماذا؟ لأن المحافظين والمتشددين يعتبرون أن حرية الاعتقاد تؤدي إلى الفوضى أو حتى الإلحاد. وبالتالي فينبغي تحريمها بشكل قاطع. ولكن الفكر الحديث يقول لنا: هذا غير صحيح، فالحرية الفكرية تعني التعددية العقائدية والمناظرات الخصبة بين أتباع المذاهب المختلفة. وهذا الشيء كان مقبولاًً سابقاً إبان العصر الذهبي للإسلام. انظر المناظرات الرائعة التي كانت تحصل في جلسات الخليفة العظيم المأمون والتي خلّدها مؤخراً أندريه ميكيل في كتاب ممتع بعنوان «محاورات بغداد»... وكنا قد استعرضناه سابقاً هنا على صفحات «الشرق الأوسط».
وأخيراً، هذه هي الثورة الكوبرنيكية -أو التنويرية- التي يدعونا إليها تيار إسلام الأنوار الذي يتجاوز مالك شبل بكثير. ينبغي العلم بأن عبد الوهاب المؤدب كان أكثر جرأة وقد ذهب في نقد الأصولية إلى أبعد منه بكثير. وقيل الأمر ذاته عن الفيلسوف عبد النور بيدار الذي جدد الفكر الإسلامي بشكل غير مسبوق مؤخراً من خلال عدة كتب مهمة فعلاً وتنويرية حقاً وينبغي أن تُترجم فوراً إلى العربية. وهناك آخرون حتماً لا تستطيع هذه العجالة أن تذكرهم كلهم للأسف الشديد... ولكن يبدو واضحاً أن باريس التي نوّرت أوروبا في القرن الثامن عشر هي التي ستنور العرب في القرن الحادي والعشرين. فـ«إسلام الأنوار» ظهر فيها ومنها سيشع على العالم العربي. ولكن لكي تنتصر الأنوار ينبغي على المجتمعات العربية أن تنفض غبار القرون الوسطى عن برامج التعليم الديني في كل المدارس والجامعات بل وحتى الفضائيات. كما ينبغي منع التيارات الإخوانجية الظلامية من بث أفكارها وسمومها في المدارس وكليات الشريعة والتعليم العام. لماذا؟ لأنها لم تعد ملائمة للعصر، ولأنها تزرع بذور الشقاق والفتنة الطائفية المذهبية بين تلامذة الوطن الواحد وهم على مقاعد الدرس. إنها طائفية تكفيرية على المكشوف. وهي التي دمرت المشرق العربي أو توشك أن تدمره من خلال فتاوى ابن تيمية التي أحياها مؤخراً يوسف القرضاوي على شاشات «الجزيرة» داعياً بشكل علني إلى ارتكاب الجريمة. هذا هو إسلام الظلام الذي يريد إسلام الأنوار استئصاله عن بكرة أبيه!
هل حقاً أن مالك شبل هو مخترع مصطلح: إسلام الأنوار؟
هذا ما كان يعتقده هو شخصياً. وهذا ما صرح به لجريدة «المساء» البلجيكية. ولكن يبدو أن المصطلح أقدم من ذلك. وربما كان قد ظهر في العربية أولاً قبل الفرنسية. وربما كان قد ظهر في مصر أو لبنان أو تونس أولاً للتعبير عن تيار تجديدي طويل عريض يريد أن يضع حداً للموجة الأصولية الطاغية. أقول ذلك وأنا أفكر بالمرحوم الدكتور محمد الشرفي الذي نشر كتاباً بعنوان «الإسلام والحرية»، وآخر بعنوان «معركتي من أجل الأنوار». وأعتقد أنه تمت ترجمة كل ذلك إلى اللغة العربية من قبل رابطة العقلانيين العرب التي أسسها الدكتور محمد عبد المطلب الهوني ووضع على رأسها أحد كبار التنويريين العرب في هذا العصر: الأستاذ جورج طرابيشي. ومن أبرز ممثلي هذا التيار المفكر التونسي الشهير العفيف الأخضر، ونصر حامد أبو زيد، وعبد المجيد الشرفي، ومحمد الحداد، ورجاء بن سلامة، وريتا فرج، وأحلام أكرم، وعشرات الآخرين من المثقفات والمثقفين العرب. والواقع أنه يصعب تحديد من هو أول مخترع لهذا المصطلح. وربما لم يكن ذلك مهماً جداً. المهم أنه أصبح شائعاً ويعبّر عن حاجة تاريخية ماسّة، وإلا لما نجح وانتشر على أوسع نطاق.
وما يدعم ذلك أن الدكتور مالك شبل نفسه يقول لنا ما معناه: ربط الإسلام بالأنوار ليس جديداً. إنه يندرج داخل ديناميكية فكرية بدأت في القرن التاسع عشر إبان عصر النهضة واستمرت حتى اليوم. وقد جسدها مفكرون إصلاحيون كثيرون. ولكنهم اتُّهموا بالهرطقة أو الزندقة من قبل الإخوان المسلمين ومن شاكلهم. انظروا هجوم الجماعة المتزمتة على طه حسين أو علي عبد الرازق أو عباس محمود العقاد أو سواهم. والآن تعود المناقشة إلى الساحة كأقوى ما يكون. وأصبح السؤال المطروح هو التالي: هل ينبغي تعديل الإسلام لكي يتماشى مع الحداثة أم تعديل الحداثة لكي تتماشى مع الإسلام؟ بمعنى آخر: هل ينبغي تحديث الإسلام أم أسلمة الحداثة؟ وأنا شخصياً أعتقد أنه ينبغي أن نأخذ من التراث أفضل ما فيه ومن الحداثة أفضل ما فيها ونصهرهما في بوتقة واحدة. ولكن القول سهل والفعل هو الصعب.
وأخيراً، فإن إسلام الأنوار وأضواء العقل كان موجوداً في العصر الذهبي. فهو الذي قدم للعالم علم الجبر والحساب وبيت الحكمة للمأمون والفلسفة والعلوم. وهو الذي قدم للبشرية بعضاً من أعظم الفلاسفة والمفكرين والأدباء والشعراء: كالكندي، والجاحظ، والفارابي، وابن سينا، والتوحيدي، والمتنبي، وأبي العلاء المعري، وبقية العباقرة الكبار. بهذا المعنى، فالتنوير العربي سبق التنوير الأوروبي بعدة قرون. وهو الذي علّم المسلمين احترام الآخر وهضم كل منجزات الحضارات السابقة وصهرها في بوتقة العروبة والإسلام بغية تشكيل حضارة عظيمة. وبالتالي فالإسلام هو دين النزعة الإنسانية ومكارم الأخلاق. إنه دين الأنوار الحضارية لا الظلمات التكفيرية الداعشية التي تبث الرعب والذعر في شتى أنحاء العالم.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».