شبل... بيان مبكّر من أجل إسلام تنويري

الباحث الجزائري يقدم سبعة وعشرين مقترحاً لإصلاح الأوضاع

مالك شبل
مالك شبل
TT

شبل... بيان مبكّر من أجل إسلام تنويري

مالك شبل
مالك شبل

بداية سوف أطرح هذا السؤال: ماذا سيبقى من مالك شبل الذي رحل مبكراً قبل الأوان (63 سنة فقط)؟ والجواب: تبقى مؤلفاته، وهي عديدة وغنية. ثم يبقى بالأخص هذا المصطلح الذي شهره أو اشتهر به: إسلام الأنوار أو إسلام التنوير. وقد كرس له كتاباً كاملاً هو: «بيان من أجل إسلام الأنوار».
وللقيام بذلك ينخرط مالك شبل في دراسة طويلة عريضة عن الموضوع تتجاوز المائتي صفحة. وهو يبتدئ كتابه بمقدمة عامة تحمل العنوان التالي: هل إسلام التنوير شيءٌ ممكنٌ يا تُرى؟ بمعنى آخر إذا كنا قد فهمناه جيداً: هل يمكن أن ينتصر الفهم التنويري للإسلام على الفهم الإخوانجي الداعشي الظلامي السائد حالياً؟ والجواب هو بالطبع بالإيجاب. فمن دون انتصار إسلام الأنوار على إسلام الإخوان لن تقوم للعرب قائمة ولن يحظوا بأي احترام على مسرح التاريخ بين الأمم.
ثم يقدم الباحث الجزائري بعدئذ سبعة وعشرين مقترحاً لإصلاح الأوضاع داخل العالم الإسلامي. وأول مقترح يقدمه هو ضرورة بلورة تفسير جديد للنصوص الإسلامية المقدسة من قرآن كريم وحديث نبوي شريف وكذلك كتب الفقه والتشريع والعقائد. ففي رأيه أن التفسير السائد حالياً حرفي جداً وسطحي وخاطئ في معظم الأحيان لأنه لا يهتم إلا بالقشور ولا يفهم جوهر الرسالة القرآنية أو الإسلامية. كما أنه أصبح قديماً بالياً لم يعد يقنع أحداً ولم يعد يخاطب العصر. ولذلك وجب على المثقفين وعلماء الأمة أن يقدموا تفسيراً علمياً جديداً يليق بالحداثة والعصر والقرن الحادي والعشرين. فنحن لا نستطيع أن نعيش إلى الأبد على تفسيرات قديمة، متحنطة، متكلسة، متحجرة، عفا عليها الزمن... نحن لا نستطيع أن نعيش إلى الأبد على فتاوى القتل والذبح والتكفير التي روّعت العالم.
أما المقترح الثاني الذي يقدمه شبل فيتلخص في العبارة التالية: تأكيد تفوق العقل على كل أشكال التصورات والاعتقادات الأخرى. فالعقل هو القاسم المشترك الأعظم بين البشر. أما المذاهب والعقائد فتبقى خصوصية ومحصورة في أتباعها فقط مهما اتسع نطاقها. أما على أرضية العقل فيلتقي الإنسان الإنجليزي والعربي والصيني والروسي، إلخ... وهذا ما اكتشفه أبو العلاء المعري قبل مالك شبل وكل فلاسفة الأنوار المعاصرين:
كذب الظن لا إمام سوى العقل
مشيراً في صبحه والمساء
والمقترح الثالث يقول بأن مفهوم الجهاد كما ينادي به المتطرفون الحاليون خاطئ تماماً وخارج على الفهم الصحيح للشرع الإسلامي. فالإسلام لم يقل في أي يوم من الأيام بمشروعية تفجير المباني والحافلات والمخازن والمقاهي وحصد المدنيين بشكل عشوائي كيفما اتفق بالمئات أو بالآلاف... لاحِظ ما فعلته ولا تزال تفعله الحركات الإخوانجية المختلفة في مشارق الأرض ومغاربها من سوريا إلى العراق إلى درنة في ليبيا... وهؤلاء يعتبرونهم ثواراً من أجل الحرية! تحية إلى درنة الجميلة الرائعة وهي تُحرر من براثنهم وإرهابهم وظلامياتهم في هذه اللحظة بالذات. وبالتالي فهذا الفهم الخاطئ للجهاد أو للحرب المقدسة في الإسلام ينبغي أن يتوقف فوراً لكي يحل محله فهم آخر جديد يتناسب مع الشرع والعقل والعصر. فالجهاد يكون أولاً من أجل تصحيح انحرافات النفس ونوازعها والتغلب على نواقصها. ثم بعدئذ يعني أو ينبغي أن يعني التنمية الشاملة والنهوض الحضاري وتخليص شعوبنا من مستنقع الأمية والجهل والفقر. هذا هو الجهاد العظيم الذي تحتاج إليه مجتمعاتنا العربية والإسلامية اليوم. هذا هو الجهاد الأكبر لا الأصغر. ولكن الجميع نسوه.
أما المقترح الرابع لصاحب «إسلام الأنوار» فيتمثل في ما يلي: منع صدور أي فتوى تشرّع الاغتيال والقتل والتفجيرات العمياء. فهذا شيء مضاد لروح الإسلام وللفهم الصحيح لرسالته وجوهره. وبالتالي فلا يحق لأي شيخ كائناً من كان أن يصدر فتوى دينية تحلل اغتيال هذا المثقف أو ذاك لمجرد أن كتاباته لم تعجبه... هذا شيء خطير يؤدي إلى انتشار الفوضى والفتنة والرعب في المجتمع. كما وينقلب بالعاقبة السيئة على الجميع. انظر الفتاوى التي كفّرت بعض روائع نجيب محفوظ أو حيدر حيدر أو سواهما. وانظر الفتوى التي أدت مباشرة إلى اغتيال المفكر المصري فرج فودة، إلخ... وهناك فتاوى أدهى وأخطر تدعو إلى تكفير طوائف بأسرها وإبادتها. وهي التي أشعلت الحروب الدموية في المشرق العربي مؤخراً ودمّرت النسيج الاجتماعي وجعلت التعايش مستحيلاً بين أبناء الوطن الواحد!
وهناك مقترحات أخرى عديدة لا نستطيع أن نتوقف عندها كلها من مثل: ضمان حرية الاعتقاد والضمير والتفكير في العالم الإسلامي. وكذلك احترام الآخر وعقائده سواء أكان هندوسياً أو صينياً كونفشيوسياً أو يهودياً أو بوذياً، إلخ. وكذلك ينبغي تحديث القانون المدني وقانون الأحوال الشخصية الخاص بالزواج، والطلاق، والإرث، إلخ... ينبغي احترام المرأة وإعطاؤها حقها كاملاً، فهي ليست ناقصة عقل أو دين كما توهمت العصور القديمة.
وفي ما يخص حرية المعتقد والضمير فيرى مالك شبل أنها ستكون أصعب مقترح يمكن فرضه على العالم الإسلامي. لماذا؟ لأن المحافظين والمتشددين يعتبرون أن حرية الاعتقاد تؤدي إلى الفوضى أو حتى الإلحاد. وبالتالي فينبغي تحريمها بشكل قاطع. ولكن الفكر الحديث يقول لنا: هذا غير صحيح، فالحرية الفكرية تعني التعددية العقائدية والمناظرات الخصبة بين أتباع المذاهب المختلفة. وهذا الشيء كان مقبولاًً سابقاً إبان العصر الذهبي للإسلام. انظر المناظرات الرائعة التي كانت تحصل في جلسات الخليفة العظيم المأمون والتي خلّدها مؤخراً أندريه ميكيل في كتاب ممتع بعنوان «محاورات بغداد»... وكنا قد استعرضناه سابقاً هنا على صفحات «الشرق الأوسط».
وأخيراً، هذه هي الثورة الكوبرنيكية -أو التنويرية- التي يدعونا إليها تيار إسلام الأنوار الذي يتجاوز مالك شبل بكثير. ينبغي العلم بأن عبد الوهاب المؤدب كان أكثر جرأة وقد ذهب في نقد الأصولية إلى أبعد منه بكثير. وقيل الأمر ذاته عن الفيلسوف عبد النور بيدار الذي جدد الفكر الإسلامي بشكل غير مسبوق مؤخراً من خلال عدة كتب مهمة فعلاً وتنويرية حقاً وينبغي أن تُترجم فوراً إلى العربية. وهناك آخرون حتماً لا تستطيع هذه العجالة أن تذكرهم كلهم للأسف الشديد... ولكن يبدو واضحاً أن باريس التي نوّرت أوروبا في القرن الثامن عشر هي التي ستنور العرب في القرن الحادي والعشرين. فـ«إسلام الأنوار» ظهر فيها ومنها سيشع على العالم العربي. ولكن لكي تنتصر الأنوار ينبغي على المجتمعات العربية أن تنفض غبار القرون الوسطى عن برامج التعليم الديني في كل المدارس والجامعات بل وحتى الفضائيات. كما ينبغي منع التيارات الإخوانجية الظلامية من بث أفكارها وسمومها في المدارس وكليات الشريعة والتعليم العام. لماذا؟ لأنها لم تعد ملائمة للعصر، ولأنها تزرع بذور الشقاق والفتنة الطائفية المذهبية بين تلامذة الوطن الواحد وهم على مقاعد الدرس. إنها طائفية تكفيرية على المكشوف. وهي التي دمرت المشرق العربي أو توشك أن تدمره من خلال فتاوى ابن تيمية التي أحياها مؤخراً يوسف القرضاوي على شاشات «الجزيرة» داعياً بشكل علني إلى ارتكاب الجريمة. هذا هو إسلام الظلام الذي يريد إسلام الأنوار استئصاله عن بكرة أبيه!
هل حقاً أن مالك شبل هو مخترع مصطلح: إسلام الأنوار؟
هذا ما كان يعتقده هو شخصياً. وهذا ما صرح به لجريدة «المساء» البلجيكية. ولكن يبدو أن المصطلح أقدم من ذلك. وربما كان قد ظهر في العربية أولاً قبل الفرنسية. وربما كان قد ظهر في مصر أو لبنان أو تونس أولاً للتعبير عن تيار تجديدي طويل عريض يريد أن يضع حداً للموجة الأصولية الطاغية. أقول ذلك وأنا أفكر بالمرحوم الدكتور محمد الشرفي الذي نشر كتاباً بعنوان «الإسلام والحرية»، وآخر بعنوان «معركتي من أجل الأنوار». وأعتقد أنه تمت ترجمة كل ذلك إلى اللغة العربية من قبل رابطة العقلانيين العرب التي أسسها الدكتور محمد عبد المطلب الهوني ووضع على رأسها أحد كبار التنويريين العرب في هذا العصر: الأستاذ جورج طرابيشي. ومن أبرز ممثلي هذا التيار المفكر التونسي الشهير العفيف الأخضر، ونصر حامد أبو زيد، وعبد المجيد الشرفي، ومحمد الحداد، ورجاء بن سلامة، وريتا فرج، وأحلام أكرم، وعشرات الآخرين من المثقفات والمثقفين العرب. والواقع أنه يصعب تحديد من هو أول مخترع لهذا المصطلح. وربما لم يكن ذلك مهماً جداً. المهم أنه أصبح شائعاً ويعبّر عن حاجة تاريخية ماسّة، وإلا لما نجح وانتشر على أوسع نطاق.
وما يدعم ذلك أن الدكتور مالك شبل نفسه يقول لنا ما معناه: ربط الإسلام بالأنوار ليس جديداً. إنه يندرج داخل ديناميكية فكرية بدأت في القرن التاسع عشر إبان عصر النهضة واستمرت حتى اليوم. وقد جسدها مفكرون إصلاحيون كثيرون. ولكنهم اتُّهموا بالهرطقة أو الزندقة من قبل الإخوان المسلمين ومن شاكلهم. انظروا هجوم الجماعة المتزمتة على طه حسين أو علي عبد الرازق أو عباس محمود العقاد أو سواهم. والآن تعود المناقشة إلى الساحة كأقوى ما يكون. وأصبح السؤال المطروح هو التالي: هل ينبغي تعديل الإسلام لكي يتماشى مع الحداثة أم تعديل الحداثة لكي تتماشى مع الإسلام؟ بمعنى آخر: هل ينبغي تحديث الإسلام أم أسلمة الحداثة؟ وأنا شخصياً أعتقد أنه ينبغي أن نأخذ من التراث أفضل ما فيه ومن الحداثة أفضل ما فيها ونصهرهما في بوتقة واحدة. ولكن القول سهل والفعل هو الصعب.
وأخيراً، فإن إسلام الأنوار وأضواء العقل كان موجوداً في العصر الذهبي. فهو الذي قدم للعالم علم الجبر والحساب وبيت الحكمة للمأمون والفلسفة والعلوم. وهو الذي قدم للبشرية بعضاً من أعظم الفلاسفة والمفكرين والأدباء والشعراء: كالكندي، والجاحظ، والفارابي، وابن سينا، والتوحيدي، والمتنبي، وأبي العلاء المعري، وبقية العباقرة الكبار. بهذا المعنى، فالتنوير العربي سبق التنوير الأوروبي بعدة قرون. وهو الذي علّم المسلمين احترام الآخر وهضم كل منجزات الحضارات السابقة وصهرها في بوتقة العروبة والإسلام بغية تشكيل حضارة عظيمة. وبالتالي فالإسلام هو دين النزعة الإنسانية ومكارم الأخلاق. إنه دين الأنوار الحضارية لا الظلمات التكفيرية الداعشية التي تبث الرعب والذعر في شتى أنحاء العالم.



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.