استئناس العزلة روائياً

المصرية سمر نور في روايتها «السِّت»

سمر نور
سمر نور
TT

استئناس العزلة روائياً

سمر نور
سمر نور

تتكئ الكاتبة سمر نور في روايتها «الست»، على العزلة، وتتخذ منها طريقاً لاكتشاف الذات، واضعةً بطلتها في فضاء مراوِغ تتسع فيه المسافة بين الأنا والآخر والعالم، حيث تحاول البطلة إعادة ترتيب علاقتها بالمجتمع والبشر بإرادة حرة مستقلة، بعيداً عن أقنعة التكيف والتصالح الزائف مع المتناقضات، وما يفرضه الإرث الاجتماعي، الذي يستهجن أن تنفرد المرأة بذاتها في حياة خاصة، لا يشاركها فيها الرجل.
على مدار 92 صفحة، هي قماشة الرواية الصادرة حديثاً عن دار «العين»، تنحاز البطلة لعزلتها، تتفنن في استئناسها وترويضها بشتى الطرق، حريصة على ألا تتحول إلى غربة، لا تتمكن من العيش مع نفسها في ظلالها، وملامسة وجودها والكشف عن مساحات المهمَّش المنسيّ، المسكوت عنه، في رحلتها مع الآخر والحياة.
يتم كل هذا بأناقة مخيلة وبصيرة فنية خصبة، ويسهم ضمير الأنا المتكلمة في تنويع حركة المونولوج من الداخل إلى الخارج بسلاسة وتلقائية، فالتفكير في العزلة مجرد وعاء خاص للذات تلجأ إليه في لحظة خطرة، كما يعزز من فكرة الاختلاء بالذات، ليمكنها التحاور بحرية وحيوية مع نفسها دونما حواجز، لكنه لا يلغي الآخر أو ينفيه، بل يعمق من النظر إليه، ويوسع من خطى المشترك الإنساني معه.
يمثل عنوان الرواية المستوحى من صورة أم كلثوم، الموسومة في الوجدان الشعبي بـ«الست» أولى عتبات استئناس العزلة. فالذات تعثر في ظلال صوتها العبقري على «ونسة» خاصة، تكسر بها فراغها الرخو، مستعيدة في رذاذه أصوات الماضي والحاضر، الأحلام والذكريات، في حياة بطلة وحيدة على مشارف الأربعين اختارت العزلة ملاذاً لذاتها من شرور العالم ووحشيته، ليس بحثاً عن حياة بديلة أو موازية، إنما محاولة للإمساك بزمن مخاتل هارب وراء الأشياء.
في حيِّز مكاني ضيق، مجرد شقة بسيطة بحي شعبي، تختبر البطلة عزلتها، تلملم خيوطها، وتروضها في أبسط نثريات الحياة ومفرداتها العادية اليومية، وتشدها أحياناً إلى تخوم أبعد، أشبه بالقفز إلى المجهول الغامض، عبر رحلات خاطفة بالصحراء، في محاولة لتقصي حركة النجوم في الليالي المقمرة، بل لمسها تحت سماء مكشوفة، وهو ما يمكن أن أطلق عليه «الوجود بالحلم».
هناك توظيف لطاقة الحلم، في كثير من فصول الرواية، فهو ينسرب من جراب الماضي والحاضر، ويقف كنقطة ضوء في آخر النفق، ويشكل مفاتيح الحل لفواصل وعقد سمجة سميكة، خصوصاً بين تعارضات الروح والجسد، والواقع والخيال. لا يبلغ الحلم ذروته بالشطح والنزق فحسب، أو بالتعالق في فانتازيا معادة ومستهلكة، بل بإمكانية تحققه، وتوسيعه لأفق ومسام الكتابة. فكما أن الكتابة فعل وجود، هي أيضاً فعل حلم بالضرورة.
تفصح الكاتبة عن ذلك في جمل وعبارات نصية دالة، تطالعنا في نسيج الرواية، منها على سبيل المثال: «أعيش الحياة التي تموج بداخلي، ولن تسكن إلا إذا توقفت عن الكتابة»، أو «فإن لم أعش بطريقتي فلا معنى لما أكتبه»، أو «أرغب في التعود على الحياة داخل فراغ يخصني وأملأه بما أحبه». بل إن الحبيب المجهول، يتحول تحت وطأة مراوغات الحلم بالوجود إلى «كائن الصدفة»، العابر المقيم، كغبار عاطفي قديم في سقف الذاكرة والنسيان معا. أو يتراءى في هيئة رجل نحيف أسمر يصطاد على حافة بحيرة، كما في طقوس قراءة الفنجان (ص34 و44).
يتسع الحيِّز المكاني الضيق لترويض العزلة، واكتشاف منحنيات نموها وذبولها، فتبدو كأنها ترحال دائم في الطبيعية، وفي مغارة الذات، فنبتة الظل «البوتس» تختصر هذا المشهد بقوة، حين تذبل وتحترق أوراقها وأغصانها، مخلِّفةً ما يُشبِه المرثية لدفء أصبح مفتَقَداً ليس بحكم عوامل الطبيعة وتحولات التربة، وإنما بحكم خطى الزمن الغليظة، التي تفتح المغارة من جديد للوحش القابع في هواجس الماضي والحاضر معاً، الذي يبدو في أحيان كثيرة، قريناً للعزلة، يجب مراودته، حتى لا تخسر الذات معركتها مع حلمها وواقعها الجديد، بل تخرج منها على الأقل في حالة من التعادل، فالوحش هنا، في الداخل والخارج معاً.
لا يبتعد كثيراً عن هذه المشهد «رجل المول» الذي تراقبه الذات الساردة، وهي تكتب من مقعدها بـ«الكافيه»، رجل كهل أدمن الجلوس بمقعده المفضل، منذ أن يفتح «المول» ويغادره مع موعد الإغلاق... هذا الرجل بملابسه الأنيقة البسيطة أصبح يعرفه الجميع ويألفون حضوره، «يستند على رجال الأمن حتى دكته المفضلة، ويتطوعون بشراء ما يحتاج إليه من وقت لآخر إلى أن يحين موعد انصراف الموظفين، يقوم بصعوبة من مكانه، ولا يطلب مساعدة أحد، لا يتحدث كثيراً، لكن حين تسأل عنه أيّاً من المترددين على المكان سيقول عنه جملة واحدة: إنه رجل وحيد يستأنس بنا».
يفتتح هذه الرجل الذي يرفض العزلة، والبقاء بمفرده بالبيت بعد انصراف ابنته المدرسة للعمل، يفتتح عالم الرواية، وتنغلق عليه صفحاتها الأخيرة، ملوحاً للبطلة، وكما تقول: «اليوم، رآني، وهو متجه إلى سيارة ابنته، لوح لي مبتسماً، فلوحتُ لهما، له وللوحش الذي رافقه من (باب المول) حتى باب سيارة ابنته».
رمزيّاً يمثل «رجل المول» حجراً صغيراً في لعبة نظائر العزلة وتحولاتها الاجتماعية والإنسانية، يتعانق معه حجر آخر يمثله جار البطلة المسن العجوز ببسمته السمجة التي تنفر منها في البداية وتغلق الباب في وجهه، ثم تتعاطف معه بعد أن تتعرف عليه. وكما تقول: «لم يكن من يقف أمامي جار متطفل أتجنبه، بل رجل وحيد يستأنس بي».
نعم، نحن أمام لعبة بينها ملامح مشتركة من الوحدة والفقد والحرمان، لكنها بالنسبة للبطلة فعل اختيار محض وطريقة حياة، بينما يعيشها الآخرون بحكم وطأة الظروف الاجتماعية القاسية أيضاً.
اللافت هنا أن مدارات هذه اللعبة تعشق نقائضها وأضدادها أيضا، فشخصية سمير المهاجر صاحب البطلة الحميم الأقرب إلى نفسها، ورغم مرارة شعوره بالغربة يمثل إحدى هذه النقائض بقوة؛ فهو لا يخشى الوحدة التي تحدثه عنها بل يسخر منها أحياناً، لذلك تنتظر رسائله على «الشات» كأنها عاصفة صغيرة تزيح ما علق بالروح والجسد من غبار مكابدات ترويض العزلة، ومحاولة استئناسها.
على سلم العم فتحي النقاش، وهو يعيد طلاء جدران الشقة، وفي حوارات متقطعة معه، يتحدث عن حياته وواقع أسرته الاجتماعي المضطرب، وكأنه صورة مصغرة من واقع المجتمع، بينما تعري البطلة (الكاتبة) الساردة دخائل عزلتها، وتنكشف حمولتها النفسية في غمرة الألوان، التي تصبح مرادفاً لنظرتها لذاتها والحياة من حولها، هنا تستدعي فان جوخ، في لوحته «سماء لا نهائية»، فهر تنفر من اللون الأبيض بكل ظلاله، وتنحاز إلى الأزرق لونها المفضل، وإلى ألوان الصحراء بصفرتها الذهبية المتوهجة، غرفة النوم بلون أزرق سماوي، الصالة باللونين الأصفر والأزرق الأقرب إلى ألوان البحر.
لا تنفصل صداقة اللون عن صداقة الحياة الني تنشدها وتحلم بها، في هذه الحيز البسيط الذي يشكل غزوتها الوحيدة الجسور، تحت راية الاستقلال عن الأسرة، التي لم يبق فيها سوى حنان الأم المتلعثم بعد موت الأب عروة صداقتها وألفتها مع نفسها والحياة.
وإذا كانت لعبة استئناس العزلة تفترض اليقظة التامة، فإنها أيضاً تفترض النسيان أحياناً، فللأشياء دائما صورة شبحية، تكمن تحت قشرة اللاوعي لكنها تطل في لحظات فارقة، شديدة الحساسة مخلفة ربكة مجنونة في فضاء الذات والواقع معاً، فلا بأس إذن من مشاكسات العزلة في ألاعيب مغوية، تتساوي فيها الحقيقة أحياناً بظلالها... من هذه الألاعيب تبدو حكاية القطة التي أدمنت الجلوس أمام باب الشقة، وكأنه بيتها الخاص، وكذلك حكاية نسيان المفتاح في باب الشقة، ومع تكرارها، تلجأ البطلة إلى حلول أشبه بطقوس الخرافة الشعبية، أو لعبة القط والفأر، حين تتوهم أن ثمة فأراً يعبث في كائنات المطبخ، بل إن ما يحدثه من فوضى متوهمة يصل إلى مسامع الأصدقاء على شبكات التواصل الاجتماعي في أقصى بقاع الأرض، والبحث عن أحسن طريقة علمية لقتل فأر، بعيداً عن نوازع الانتقام والتشفي. لكن ليس ثمة فار. إنه مجرد صدى لاصطدام مخلفات يلقيها الجيران على أرضية «مَنوَر» العمارة.
تضفي هذه المشاغبات على الرواية روحاً مرحة، وتجعلنا أمام لغة سردية سلسة قادرة على الضحك، واصطياده ليس فقط من مفارقات الحياة والواقع، بل من المقدرة على جعله يمشي فينا بحيوية ودفء.



مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
TT

مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري، مصطفى غريب، إن مشاركته في الدراما الرمضانية بمسلسل «هي كيميا» جاءت في اللحظات الأخيرة، وبعدما كاد أن يغيب عن هذا العام، لعدم وجود فكرة أو تجربة مناسبة للدراما.

وأضاف غريب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل جاء بالمصادفة بعد لقاء مع المؤلف مهند طارق، الذي أخبره بأن لديه مشروع مسلسل مكتوب منه ما يقرب من نصف عدد الحلقات، وطلب منه الاطلاع عليه، وبعد قراءة الحلقات اتصل بالمنتج، وناقشوا الأمر معاً، وتحمسوا لتقديم المشروع لطرافة فكرته، وانطلقت التحضيرات بالتزامن مع كتابة الحلقات.

ويصف مصطفى غريب قرار الموافقة على المسلسل بأنه كان من أسرع القرارات في مسيرته، «لكنه لم يكن قراراً متسرعاً، فالبحث عن نص مكتوب بشكل شبه مكتمل كان بالنسبة لي عاملاً حاسماً، خصوصاً في ظل طبيعة الإنتاج التلفزيوني، التي قد تنطوي أحياناً على مخاطرة عندما يُبنى المشروع على حلقة أو حلقتين فقط».

وعن أسباب حماسه لـ«هي كيميا»، يوضح مصطفى أنه لا يتعامل مع العمل بمنطق المنافسة أو الرهانات، ولا يشغله تصنيف نفسه أو غيره داخل قوالب جاهزة، فبالنسبة له، المسألة الأساسية هي أن يخرج العمل في صورة جيدة، وأن يكون صادقاً مع نفسه ومع الجمهور، مؤكداً أنه لا يدخل أي تجربة وهو يفكر في السباق الرمضاني، أو في مقارنة نفسه بأعمال أخرى، بقدر ما يركز على سؤال واحد، هل المسلسل سيقدم شيئاً حقيقياً للناس أم لا؟

وفي ما يتعلق بتحضيره للشخصية، يوضح غريب: «طريقتي لا تختلف كثيراً من عمل إلى آخر، فأنا أبدأ دائماً بقراءة السيناريو بهدوء، محاولاً فهم ملامح الشخصية، كما كُتبت على الورق، ثم البحث عما يمكن إضافته إليها من تفاصيل، سواء على مستوى السلوك أو الشكل أو الإيقاع، وذلك بالتعاون مع المخرج والمؤلف»، مؤكداً أن بناء الشخصية لا يعتمد فقط على ما هو مكتوب، بل أيضاً على ما يمكن استنباطه «بين السطور».

الملصق الترويجي للمسلسل (حسابه على فيسبوك)

وحول الكوميديا والارتجال، يوضح مصطفى غريب أن العمل الكوميدي بطبيعته يفتح المجال للاجتهاد والتجريب، لكن ذلك لا يحدث بشكل عشوائي، فهناك دائماً أساس مكتوب يُبنى عليه، ثم تأتي اللمسات الإضافية خلال القراءة أو في أثناء التصوير، أو حتى في الأيام التي لا يكون فيها تصوير، حين يعود الممثل إلى الورق ليقترح أفكاراً أو بدائل، مؤكداً أن بعض اللحظات تولد في لحظتها أمام الكاميرا، بينما تحتاج لحظات أخرى إلى تفكير مسبق، وكل ذلك يمر في النهاية عبر رؤية المخرج.

ويثني الممثل المصري على التعاون مع المخرج إسلام خيري، الذي وصفه بأنه «يتمتع بنظرة شاملة للعمل من الخارج، ما يسمح له برؤية المشهد من زاوية أوسع، فلا يتردد في تعديل المشهد، أو حذف أفكار اتُفق عليها مسبقاً إذا شعر بأن هناك خياراً أفضل، وهو ما حدث بالفعل في بعض المشاهد، حتى في المشهد الأول من المسلسل، الذي شهد تغييرات جذرية قبل تصويره، في محاولة للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة».

ويشدد مصطفى غريب على أن النجاح الحقيقي بالنسبة له لا يُقاس بـ«التريند» أو بالأرقام المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بردود الفعل المباشرة من الناس، فاللحظات التي يشعر فيها بقيمة ما قدمه هي تلك التي يلتقي فيها بجمهور حقيقي في الشارع، أو يتلقى رسالة صادقة من شخص يقول له إنه أعجبه العمل، لافتاً إلى أنه لم يسعَ يوماً لصناعة نجاح مصطنع، ولم يدفع مقابل دعاية زائفة، لقناعته أن هذه الأمور لا تصنع قيمة حقيقية.

وعن النجاح الذي حققه في السابق، يعترف مصطفى غريب بأنه أمر يحمل قدراً من القلق، ليس فقط في مجال التمثيل، بل في أي مجال؛ فالنجاح، في رأيه، يفرض مسؤولية أكبر، ويجعل سقف التوقعات أعلى، وهو ما قد يكون أكثر صعوبة من الفشل نفسه، لكنه في الوقت نفسه يرى أن أي شخص يتقاضى أجراً مقابل عمله عليه مسؤولية أن يؤديه بأقصى قدر من الإخلاص.

ويختتم مصطفى غريب حديثه بالتأكيد على أن طموحه الأساسي يظل ثابتاً في أن يشارك في أعمال صادقة، وأن ينجح في إدخال البهجة على قلوب الناس، معتبراً أن «القدرة على إضحاك الجمهور، خصوصاً في ظل الضغوط اليومية التي يعيشها، هي واحدة من أصعب وأهم المهام التي يمكن أن ينجح فيها أي فنان»، على حد تعبيره.


نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
TT

نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)

قد تبدو نوبات الغضب في الأماكن العامة من أكثر المواقف التي يخشاها الأهل عندما يتعلق الأمر بسلوك الأطفال الصغار. ذلك الشعور المفاجئ بالذعر والإحراج الذي يجتاحك في تلك اللحظة هو إحساس مرّ به معظم الآباء والأمهات.

بصفتها أماً ومربية أطفال (جليسة أطفال) سابقة ومؤلفة كتاب «تغيير مرحلة الطفولة المبكرة»، تقول ديفون كونزمان إنها شهدت مختلف أشكال السلوكيات لدى الأطفال. فكل نوبة غضب أو صراع قد يجعل الوالدين يشعران وكأنهما ارتكبا فشلاً شخصياً. كما أن الخوف من نظرات الآخرين أو أحكامهم، وما يصاحبه من شعور بالعار، قد يُزعزع ثبات حتى أكثر الأشخاص هدوءاً.

إلا أن ما تؤكد عليه كونزمان، بصفتها مدربة في مجال التربية، هو أن كل نوبة غضب تمثل فرصة لفهم العلاقة بينك وبين طفلك بصورة أعمق وتعزيزها. وتعرض أربع خطوات عملية للتعامل مع هذه المواقف:

1. انتقل إلى مكان أكثر خصوصية

إذا بدأ طفلك في فقدان السيطرة في مكان عام، فاحرص أولاً على نقله إلى بيئة آمنة تتيح له تفريغ مشاعره بعيداً عن الضوضاء والازدحام. ففي متجر البقالة مثلاً، يمكن التوجه إلى ممر أكثر هدوءاً أو إلى دورة المياه.

خذ نفساً عميقاً، وحافظ على هدوئك، وذكّر نفسك بأن الموقف ليس حالة طارئة. الحفاظ على هدوئك هو أقوى ما يمكنك فعله أثناء نوبة الغضب، بعد التأكد من سلامة طفلك. فوجودك الهادئ والمستقر يُعد عنصراً أساسياً لمساعدته على تنظيم مشاعره.

2. انتبه لحدوده فيما يتعلق بالتواصل الجسدي

عند محاولة تهدئة طفلك في لحظات التوتر، من المهم أن تتبع رغبته في مستوى التقارب الجسدي. راقب مدى تحمّله للمسّ أو الاحتضان أثناء نوبة الغضب، إذ قد يكون القليل من القرب أفضل من الإكثار منه.

يمكنك عرض عناق أو الجلوس بالقرب منه إذا بدا متقبلاً لذلك. أما إذا كان يضربك، فقد تميل إلى الإمساك بيديه لمنعه، غير أن ذلك قد يشعره بالتقييد ويزيد من انفعاله. إحدى الطرق لمساعدته على إدراك حدوده الجسدية هي الجلوس معه ووضع وسادة أو حقيبة بينكما لتحديد مساحة شخصية أوضح.

3. استخدم لغة بسيطة وواضحة

إذا صدر عن الطفل سلوك غير آمن، فضع حداً لهدوء وحزم، باستخدام عبارات واضحة مثل: «لن أسمح لك بالضرب».

أما إذا كانت نوبة الغضب ناتجة عن الإرهاق أو الإحباط، فحاول التعبير عن تفهمك بعبارات مثل: «أعلم أن هذا مُزعج» أو «أنا هنا لمساعدتك».

احرص على أن تكون كلماتك واضحة ومتوقعة، ثم شجّعه على التعبير عن مشاعره دون إصدار أحكام. وعندما تبدأ حدة الموقف في الانخفاض، قدّم له خيارات محددة تقع ضمن الحدود التي تضعها، بحيث يشعر بشيء من السيطرة.

في متجر البقالة، مثلاً، يمكن أن تقول: «هل ترغب في الجلوس في عربة التسوق أم الإمساك بيدي؟» أو «هل تودّ حمل قائمة المشتريات أم مساعدتي في دفع العربة؟». هذه الخيارات البسيطة والمناسبة لعمره تمنحه إحساساً بالمشاركة بدل العجز.

4. خصص وقتاً لتهدئة مشاعرك أيضاً

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره، بل يشمل كذلك قدرتك أنت على ضبط مشاعرك.

في الأماكن العامة، قد يلتفت الناس وينظرون إليك. وحتى إن كان ذلك بدافع الفضول، فقد تشعر وكأنهم يصدرون أحكاماً عليك. قبل أن تسمح لهذا الشعور بالتأثير فيك، ركّز على ما يمكنك التحكم فيه في تلك اللحظة.

لا تأخذ الأمر على نحو شخصي. تذكّر أن نوبة غضب طفلك لا تعكس قيمتك كوالد أو أسلوبك في التربية. وبدلاً من الاعتقاد بأن طفلك يتعمّد إثارة الفوضى، افهم أنه يمرّ بوقت صعب ويحتاج إلى دعمك.

يمكنك اختيار تجاهل نظرات الآخرين أو الردّ بهدوء وتعاطف. عبارة بسيطة مثل «أنا أبذل قصارى جهدي» قد تكون كافية.

كما أن من المهم إدارة شعورك بالإرهاق. فإذا شعرت بأن الموقف في مكان عام أصبح مرهقاً لك بشدة، فلا بأس من الانتقال إلى مكان هادئ، والسماح لطفلك بالتعبير عن مشاعره، ومنح نفسك لحظة لالتقاط أنفاسك. قد يعني ذلك ترك عربة التسوق لدى خدمة العملاء أو في أحد الممرات والخروج، أو التوجه إلى السيارة لتهدئة أعصابك قبل استكمال يومك.


لم تعد مختبئة... العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
TT

لم تعد مختبئة... العلماء يحدّدون بؤر العقارب السامَّة بدقّة

المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)
المعرفة... أول درع في مواجهة ما يختبئ تحت الأقدام (شاترستوك)

أصبح بمقدور العلماء الآن وضع خرائط لأماكن انتشار العقارب السامَّة، مما يمنح البشر أداة جديدة في مواجهة إحدى أخطر الحشرات التي تشكل تهديداً للصحة والسلامة العامة. وقد طوَّر فريق من الباحثين نهجاً علمياً جديداً للتعرُّف على مواقع انتشار بعض فصائل هذه الحشرة المميتة والتنبؤ بها، واستطاعوا، من خلال تحليل الظروف البيئية، تحديد العوامل التي تساعد في بقاء العقارب على قيد الحياة وانتشارها. وقد تساعد هذه النتائج الجهات المعنيّة على رصد الأماكن التي تتزايد فيها احتمالات وقوع حوادث لدغات العقارب، في مختلف المناطق الاستوائية حول العالم، حتى يتسنى لها اتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة للتصدي لهذه المشكلة.

اعتمد الفريق البحثي المشترك من جامعتي جالواي في آيرلندا وابن زهر في المغرب على سلسلة من الدراسات الميدانية ونموذج حاسوبي لتحديد مناطق تمركز أخطر فصائل العقارب حول العالم، فضلاً عن الأسباب الكامنة وراء الانتشار الجغرافي لهذه الحشرات.

وخلصت نتائج الدراسة إلى تحديد نمط واضح لانتشار العقارب، فتبيَّن أنّ نوع التربة يُعد من أقوى العوامل المؤثّرة في انتشارها، في حين تلعب درجات الحرارة والرطوبة دوراً رئيسياً في رسم خرائط انتشار بعض أنواعها.

ويقول الباحثون إن العقارب، على اختلاف أنواعها، لا تتفاعل مع البيئة بالطريقة نفسها، إذ إنّ بعضها يمتلك قدرات أعلى على التأقلم، مما يمنحه نطاقاً أوسع للانتشار، في حين يقتصر وجود فصائل أخرى على مناطق محدودة، ممّا يخلق بؤراً خطرة تتزايد فيها احتمالات التعرُّض للدغات بصفة خاصة.

خرائط جديدة لتقليل الألم الذي كان يحدث بلا إنذار (شاترستوك)

وركزت الدراسة، التي نشرتها الدورية العلمية «اتصالات بحوث البيئة» المتخصصة في الدراسات البيئية، ونقلتها «وكالة الأنباء الألمانية»، على مناطق وسط المغرب، لكونها من أخطر مناطق تمركز العقارب حول العالم، وكانت تهدف إلى تحسين إجراءات الوقاية ودعم إمكان تطوير أدوات أكثر فاعلية لتشخيص هذه المشكلة وابتكار أمصال أفضل لعلاج اللدغات. ويقول رئيس مختبر علاج السموم بجامعة غالواي ورئيس فريق الدراسة، الباحث مايكل دوغون، إنّ «هذه النتائج قد تسهم في إنقاذ الأرواح، إذ يمكن، من خلال تحديد أماكن تمركز العقارب بدقة، أو الأماكن التي يُحتمل أن تظهر فيها، أن تتمكن السلطات الصحية من تنظيم حملات توعية وتدريب الأطقم الطبية المتخصّصة، وتنفيذ إجراءات وقائية في المناطق التي ترتفع فيها مخاطر التعرُّض للدغات العقارب، وحماية الأطفال خصوصاً». وأضاف، في تصريحات نقلها موقع علمي متخصّص في البحوث، أنّ «هذا النهج العلمي يمكن تطبيقه في أي دولة تعاني خطر العقارب، من البرازيل إلى الشرق الأوسط والهند».

ويؤكد الباحثون أنّ العقارب تشكل خطراً صحياً يُغفَل في كثير من الأحيان، لا سيما في المناطق المدارية وشبه الاستوائية، حيث يتعرَّض أكثر من مليونَي شخص للدغاتها سنوياً. ورغم أنّ معظم اللدغات تؤدّي إلى آلام وتورمات، فإن لدغات بعض الفصائل قد تسبّب مشكلات صحية خطيرة وقد تفضي إلى الوفاة في بعض الحالات، لا سيما لدى الأطفال وكبار السنّ. وتشير الإحصاءات إلى أنّ نحو 3 آلاف طفل حول العالم يفقدون حياتهم بسبب لدغات العقارب كلّ عام. ورغم توافر أمصال مضادة لعدد من سموم العقارب، يواجه الأطباء تحدّيات كبيرة في علاج هذه الحالات، إذ يتعذَّر في كثير من الأحيان تحديد نوع العقرب الذي لدغ المصاب، ممّا يؤدّي إلى تأخير تقديم العلاج المناسب.

العلم يقترب من أماكن الخطر خطوةً خطوة (شاترستوك)

وفي إطار الدراسة، طبَّق الباحثون نموذجاً حاسوبياً يُعرف باسم «الانتروبيا القصوى»، يتيح التنبّؤ بالمناطق التي ترتفع فيها احتمالات وجود العقارب والظروف البيئية التي تفضّلها كلّ فصيلة. ومن خلال تحليل قواعد البيانات المتعلّقة بتركيبة التربة ودرجات الحرارة والظروف البيئية المختلفة، أثبت الفريق البحثي إمكانية تحديد الأماكن المُحتَملة لانتشار العقارب في دول أخرى خارج المغرب. وتنطوي هذه المعلومات على أهمية كبيرة بالنسبة إلى الدول الواقعة في المناطق المدارية، حيث لا تتوافر سجلات مفصَّلة عن أنواع العقارب المختلفة. وشارك في هذا المشروع علماء وباحثون حاصلون على درجة الدكتوراه من الجامعتين، إلى جانب طلاب من جامعة غالواي، يتوجّهون إلى المغرب سنوياً ضمن برنامج أكاديمي في مجال علم الحيوان.

ما كان عشوائياً صار قابلاً للتوقُّع (شاترستوك)

ويقول رئيس فريق الدراسة، مايكل دوغون: «بشكل عام، فإن معرفتنا بالعلوم البيئية الخاصة بالعقارب وسمومها وأفضل السبل لعلاج لدغاتها لا تزال محدودة، ويهدف هذا المشروع الدولي التعاوني إلى تطوير أدوات جديدة للوقاية من خطر اللدغات وتشخيصها وعلاجها حول العالم، ممّا يتطلَّب تعاون فرق متعدّدة التخصّص، تضم خبراء في الصحة العامة وعلم الحيوان، فضلاً عن أفراد من المجتمعات المحلّية».

ومن جانبه، قال الباحث في جامعتي ابن زهر وأغادير وأحد المشاركين في الدراسة، فؤاد صالحي، إنّ «هذا البحث يثبت أنّ البيانات المتعلّقة بالتنوّع البيئي يمكن أن تُسهم في صياغة سياسات الصحة العامة. وقد تمكنا، من خلال الجمع بين العمل الميداني والنماذج الحاسوبية البيئية، من تحديد المناطق التي ترتفع فيها احتمالات انتشار العقارب الخطيرة، ونأمل أن يسهم هذا البحث في دعم استراتيجيات الوقاية وتحسين الجاهزية الطبية، والمساعدة في الحدّ من أعباء لدغات العقارب، سواء داخل المغرب أو خارجه».