تعهدات بملياري دولار لليمن في «جنيف»... وتشديد على الحل السياسي للأزمة

غوتيريش أشاد بالدعم السخي من السعودية والإمارات... والشرعية اليمنية تقترح «لامركزية المساعدات»

غوتيريش يتحدث في مؤتمر الجهات المانحة لليمن في جنيف أمس (رويترز)
غوتيريش يتحدث في مؤتمر الجهات المانحة لليمن في جنيف أمس (رويترز)
TT

تعهدات بملياري دولار لليمن في «جنيف»... وتشديد على الحل السياسي للأزمة

غوتيريش يتحدث في مؤتمر الجهات المانحة لليمن في جنيف أمس (رويترز)
غوتيريش يتحدث في مؤتمر الجهات المانحة لليمن في جنيف أمس (رويترز)

تداخلت الجوانب الإنسانية والسياسية، أمس، في مؤتمر جنيف الذي نظمته الأمم المتحدة لحشد الدعم الإنساني لليمن.
وبينما حصلت الأمم المتحدة على تعهدات بتقديم أكثر من ملياري دولار خلال المؤتمر، ناشد أمينها العام أنطونيو غوتيريش الأطراف المتحاربة سرعة التوصل إلى حل سياسي.
وأشاد غوتيريش بأعمال المؤتمر ووصفها بـ«النجاح الملحوظ». وقال غوتيريش للصحافيين إنه بالإضافة إلى التعهدات بدفع ملياري دولار، وعد عدد من الدول بمزيد من التبرعات في الأشهر المقبلة ما يجعله «متفائلاً بإمكان التوصل إلى المستوى الذي يتناسب مع الاحتياجات».
وبينما جدد غوتيريش الإشادة بالمنحة السخية المقدمة من قبل السعودية والإمارات والبالغة مليار دولار في سياق دعم خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية في اليمن، كشف ممثل السعودية في المؤتمر عبد الله الربيعة عن حجم دعم المملكة لليمن والذي فاق 10 مليارات دولار في السنوات الثلاث الماضية.
وناشد غوتيريش، في كلمته، الأطراف المتحاربة في اليمن «التوصل إلى تسوية سياسية لإنهاء صراع دخل عامه الرابع وترك أكثر من 22 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدات». وقال: «أحثّ جميع الأطراف على العمل مع مبعوثي الخاص الجديد مارتن غريفيث دون تأخير». ودعا غوتيريش إلى الإبقاء على موانئ اليمن مفتوحة أمام الشحنات الإنسانية والتجارية خصوصاً شحنات الأغذية والأدوية والوقود، كما لم ينسَ تجديد الإشادة بالدعم السعودي والإماراتي السخي لخطة المنظمة الإنسانية في اليمن، والتي يتطلب تنفيذها نحو 3 مليارات دولار.
وإلى جانب المنحة السعودية الإماراتية التزمت الكويت بتقديم 250 ألف دولار، كما تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم 107 ملايين يورو، وهو ما يجعل المناشدة الأممية مستمرة للمانحين الدوليين لتغطية الفجوة القائمة في التمويل اللازم لإنجاح خطتها الإنسانية في اليمن.
وكانت المنظمة قد استبقت مؤتمر جنيف بشأن اليمن بإصدار بيان على موقعها الإلكتروني، قالت فيه إن 75 في المائة من سكان اليمن، أي أكثر من 22 مليون شخص، يحتاجون إلى نوع من المساعدة الإنسانية والحماية. وأكدت أن جميع المؤشرات تنبئ بأن الأوضاع ستتدهور بحدة بنهاية العام الحالي. وكشف البيان الأممي أن 17.8 مليون شخص يمنيّ يعانون من انعدام الأمن الغذائي إلى جانب 3 ملايين مصابين بسوء التغذية الحاد، من بينهم نحو مليوني طفل يمكن أن يلقوا حتفهم إذا لم تصلهم المساعدات الضرورية، على حد قول المنظمة. ودعت الأمم المتحدة الشركاء في مجال العمل الإنساني إلى توفير 2.96 مليار دولار لمساعدة ملايين الأشخاص في أنحاء اليمن، مشيرةً إلى اشتداد الحاجة إلى توفير مزيد من التمويل لضمان استدامة الجهود طوال العام.
من جانبه، أكد المستشار بالديوان الملكي المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الدكتور عبد الله الربيعة، في كلمته في المؤتمر الأممي، حرص المملكة الدائم على الشعب اليمني الشقيق، وهو ما تعكسه إحصاءات الأمم المتحدة ومنظمات العمل الإنساني والإغاثي والتي تبين أن المملكة تصدرت دول العالم دعماً لليمن. وكشف الربيعة أن مساعدات المملكة لليمن بلغت خلال السنوات الثلاث الماضية ما قيمته 10.96 مليار دولار، تمثلت في دعم البرامج الإنسانية والتنموية، والحكومية الثنائية، والبنك المركزي اليمني، دون تفريق بين فئات، أو طوائف، أو مناطق، أو محافظات اليمن من حيث تقديم تلك البرامج والمساعدات.
وفي حين أشاد الربيعة بالشراكة مع جميع منظمات الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية والإقليمية والمحلية، أبدى تطلعه «إلى سرعة التنفيذ والوجود المتوازن في جميع مناطق اليمن لتخفيف معاناة الشعب اليمني الشقيق».
وفي سياق حرص دول التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية على الشعب اليمني، قال الربيعة إن المملكة والإمارات بادرتا «بتقديم أكبر منحة في تاريخ الأمم المتحدة وهي مليار دولار أميركي، لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2018».
وأفاد الربيعة بأن مشاريع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وصلت إلى جميع المحافظات اليمنية دون استثناء من خلال تنفيذ 217 مشروعاً بتكلفة 925 مليون دولار، إلا أنه أوضح أن هذه الجهود الضخمة تواجه تحديات كبيرة جراء الممارسات غير الإنسانية التي تقوم بها الميليشيات الانقلابية بدعم من إيران. وقال إن الميليشيات «تمنع دخول المساعدات الإغاثية وتنهبها، وتفرض عليها رسوماً عالية للسماح بدخولها، كما تقوم بتجنيد الأطفال، ودعم الإرهاب، وتطلق الصواريخ الباليستية على المملكة، مخالفةً بذلك جميع القوانين والأعراف الدولية».
إلى ذلك، أكد المخلافي في كلمته في مؤتمر جنيف، أن أحد الحلول المناسبة لتجنب نهب ومصادرة وبيع المساعدات من قبل ميليشيات الحوثي الانقلابية، يتمثل في تنفيذ مبدأ لامركزية العمل الإغاثي، وذلك من خلال تقسيم اليمن إلى 5 مراكز توزّع من خلالها الإغاثة وفقاً للقرب الجغرافي من المناطق المحتاجة، والاستفادة من الطاقات الاستيعابية للموانئ والمطارات في معظم المحافظات وكذا المنافذ البرية مع السعودية.
كما كشف المخلافي جانباً من الآثار المأساوية التي تسبب فيها الانقلابيون الحوثيون للمواطنين في بلاده خلال 3 سنوات من الحرب.
وقال: «إن الحرب التي فرضها الانقلابيون أثرت تأثيراً كبيراً على الوضع الاقتصادي الشامل مع توقف صادرات البلاد المحدودة والضغوط المتواصلة على سعر صرف العملة، وعدم صرف رواتب الموظفين في الكثير من المحافظات، وارتفاع معدل التضخم، إضافة إلى تهالك البنية التحتية الحيوية، وتدهور القطاع الصحي وشبكات الصرف الصحي في المدن، وتسبب انقطاع التيار الكهربائي عن المرافق الصحية وعدم توفر الوقود والميزانيات والقدرات التشغيلية لهذه المرافق في زيادة مخاطر انتشار الأوبئة».
وعدّ الوزير اليمني «أن الحل الأمثل لإنهاء الأزمة الإنسانية يتمثل في العودة إلى طاولة الحوار، وإنهاء الانقلاب والحرب، وتحقيق السلام المستدام وفقاً للمرجعيات الثلاث التي أجمع عليها اليمنيون».
وفي معرض الحديث عن الممارسات الحوثية الانقلابية التي ضاعفت من معاناة المدنيين في بلاده، قال المخلافي إن ميليشيات الجماعة قامت خلال العام المنصرم بحجز ومنع دخول أكثر من 65 سفينة إغاثية وأكثر من 580 شاحنة، وتفجير 4 شاحنات غذائية، إضافة إلى نهب الآلاف من السلال الغذائية وتصريفها في السوق السوداء.
وأشار إلى أن الميليشيات زادت من تكلفة البضائع عبر فرض جبايات، وإنشاء مراكز جمركية في مداخل المدن الرئيسية، واتهمها بأنها «تعمدت قبل يومين فقط إحراق مخازن الغذاء التابعة لبرنامج الغذاء العالمي في ميناء الحديدة، ما أدى إلى إتلاف كميات كبيرة من مواد الإغاثة التي يحتاج إليها السكان في تلك المناطق، ما يعد إهداراً لأموال المانحين».
واستند وزير خارجية اليمن إلى ما ورد في التقرير الأخير لفريق خبراء لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الدولي، عن تحصيل الميليشيات الحوثية أكثر من ملياري ونصف المليار دولار أميركي خلال عام 2017، كموارد من ميناء الحديدة وعائدات الضرائب من شركات الاتصالات والتبغ والنفط وغيرها من الشركات، وقال إنه «من غير العدل ولا من المنطق أن تسخَّر تلك الأموال لآلة الحرب ويُحرم منها موظفو الدولة والمؤسسات الخدمية، خصوصاً الصحة والتربية، في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين».
وربط المخلافي صرف الحكومة جميع رواتب الموظفين في المناطق غير المحررة بـ«قيام الحوثيين بتوريد العائدات في المناطق الخاضعة لسيطرتهم إلى فروع البنك المركزي في المحافظات وفقاً لآلية تشرف عليها الأمم المتحدة».
وكان وزير الخارجية اليمني قد التقى على هامش المؤتمر الأممي في جنيف، المبعوث الجديد مارتن غريفيث، وبحث معه نتائج زيارته للعاصمة «صنعاء» وترتيبات زيارته المقبلة للعاصمة المؤقتة «عدن» ضمن برنامجه قبل ذهابه إلى نيويورك لتقديم إحاطته الأولى لمجلس الأمن في 17 أبريل (نيسان) الحالي.
ونسبت المصادر اليمنية إلى المخلافي قوله إن السلام «ممكن التحقيق إذا جرى الالتزام بمرجعيات الحل التي نصت عليها القرارات الأممية، وتم البناء على ما تحقق في الكويت، والتزمت الميليشيات بتنفيذ مجموعة من الخطوات الأساسية لبناء الثقة، وفي مقدمتها الإفراج عن المعتقلين والمخطوفين والمخفيين قسراً، وإنهاء حصار المدن وفي المقدمة مدينة تعز، ووقف إطلاق الصواريخ».
على صعيد متصل بمؤتمر جنيف، أطلعت المنظمة الدولية للصليب الأحمر، المجتمعين في مؤتمر جنيف، على مظاهر تردي الجوانب الإنسانية في اليمن، وقالت في بيان «إن الموت البطيء الذي يسري في شرايين المجتمع في اليمن يتبدى في مظاهر عدة»، مضيفة أن «قائمة الخدمات التي انهارت تضم: سلسلة الإمدادات الغذائية، ونظام الرعاية الصحية، والنظام التعليمي، ومرافق الصرف الصحي والمياه». وأورد البيان تصريحاً للمدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأدنى والأوسط باللجنة الدولية، روبير مارديني، قال فيه إنه «يمكن أن ينحسر الوضع البائس وتقل معدلات انتشار الأمراض وسوء التغذية ووفيات المدنيين إذا تحقق الالتزام بأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني». وأشار مارديني إلى أن «المجتمع اليمني ينحدر نحو هوة الموت البطيء بسبب المجاعة المتفشية وقلة الأدوية المتوفرة. ولا تستطيع أي كلماتٍ التعبير عن مدى خطورة الوضع»، على حد قوله.


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.