نساء اليمن يصرخن: لا حق لي في ميراث أبي

كثيرات منهن خارج توزيع تركات أسرهن وسط ضعف القانون ومماطلة السلطات

انتشار النظرة الدونية للأنثى ومحاباة السلطات للذكور في العائلة من أسباب معاناة اليمنيات في قضايا الميراث («الشرق الأوسط»)
انتشار النظرة الدونية للأنثى ومحاباة السلطات للذكور في العائلة من أسباب معاناة اليمنيات في قضايا الميراث («الشرق الأوسط»)
TT

نساء اليمن يصرخن: لا حق لي في ميراث أبي

انتشار النظرة الدونية للأنثى ومحاباة السلطات للذكور في العائلة من أسباب معاناة اليمنيات في قضايا الميراث («الشرق الأوسط»)
انتشار النظرة الدونية للأنثى ومحاباة السلطات للذكور في العائلة من أسباب معاناة اليمنيات في قضايا الميراث («الشرق الأوسط»)

لا يرغب أحمد في إعطاء رفيقاته الأربع أكثر من «فتات» من ميراث والدهن تاجر الأقمشة الثري. فالأب الثمانيني سلم أولاده الذكور كل ثروته لإدارتها قبل عشر سنوات من مرضه الذي أقعده وشل قدرته على الحركة.
هذه القسمة المجحفة تناقض رغبة الأب، الذي طلب من أبنائه - قبل وفاته بشهرين منتصف 2013 - توزيع الورثة على شقيقاتهم الأربع وفق الشرع.
بعد عام على رحيله، انفصلت أمة الملك (ابنته الصغرى) عن زوجها لعدم قدرتها على الإنجاب، فوجدت نفسها في منزل والدها، الذي أصبح فعلياً ملك أخويها.
تقول والحزن يكتسح تعابير وجهها: «عشت مع أخوتي وزوجاتهم وأولادهم تسعة أشهر معزولة في غرفة في الدور الأرضي، وتعرّضت لمعاملة قاسية منهم جميعاً».
طلبت أمة الملك من أخويها إعطاءها حقّها الشرعي في ميراث أبيها، لكنّهم «لم يتقبلوا طلبي، وتوسعت المشاكل فيما بيننا، حتى وصلت إلى حد طردي من البيت بعد لجوئي إلى المحكمة لتقسيم الميراث». بعد عامين في المحاكم، «بعت مقتنياتي الشخصية لتغطية أجور المحاماة ومصاريف التقاضي»، حسبما تقول هذه السيدة، التي تخشى «خسارة كل ما أملك في رحلة البحث عن حقّي القانوني في ميراث والدي قبل الحصول عليه».
يكشف هذا التحقيق أن نصف فتيات - سيدات اليمن يحرمن من ميراثهنّ الشرعي، وسط تعقيد إجراءات التقاضي، وطول أمد الفصل في القضايا العالقة واختلاف مقاربات قضاة حيال تطبيق قانون الأحوال الشخصية، الذي يخلو من نص جزائي واضح ضد المخالفين. وفي استبيان نفّذه معد التحقيق في غياب أي بيانات رسمية تحدّد حجم هذه الظاهرة، أرجعت أربع من كل عشر فتيات - سيدات انتشارها إلى النظرة الدونية للأنثى ومحاباة السلطات للذكور في العائلة. ووثّق هذه التحقيق أيضاً على مدى ستة أشهر 40 حالة مشابهة لقصّة أمة الملك، حرمت فيها سيدات يمنيات من ميراثهن الشرعي عبر التحايل عليهن، وعدم الاعتراف بحقوقهن القانونية في ظل تساهل السلطات القضائية.
حدّد القانون اليمني رقم (20) لسنة 1992 بشأن الأحوال الشخصية في الكتاب السادس (المواريث) حق المرأة في الميراث بحسب الشرع.
يقول الشيخ عبد الله الهمداني: «الشرع واضح في تحديد حق النساء في الميراث، وأبطل ظلم من كانوا يمنعوا عنهنّ حقوقهن ويجعلونه للرجال خاصة، وبين نصيب كل وارث من الرجال والنساء في آيات المواريث على قاعدة (للذكر مثل حظ الأنثيين)».
محامي الأحوال الشخصية محمد عمر يشرح اتجاهات المجتمع الذكوري: «يسعى الطرف الذي يتحكم بالميراث للمماطلة غالباً مستغلاً طول أمد التقاضي في المحاكم بهدف إنهاك قريباته مادياً، وإرغامهنّ على التنازل والقبول بجزء من ميراثهنّ خارج إطار المحاكم».
الناشطة الحقوقية منى صلاح تعزو انتشار ظاهرة حرمان الإناث من الميراث إلى نظرة المجتمع اليمني الدونية للمرأة: «في هذا المجتمع تعد مطالبة المرأة بحقوقها من العيب والوصول إلى المحكمة جزءاً من التفلت والخروج على مسلمات المجتمع».

غياب البيانات

جولات عديدة خاضها معد التحقيق في وزارة العدل اليمنية، ومجلس القضاء الأعلى، والمركز الوطني للمعلومات والمركز الوطني للإحصاء بحثاً عن إحصاءات حول قضايا الميراث في المحاكم. لا توجد بيانات أو أرقام، هكذا كان ردهم جميعاً.
وفي غياب البيانات، اضطر معد التحقيق لإجراء استبيان على الإنترنت شمل 116 سيدة من 17 محافظة يمنية.
خمس من عشر سيدات شملهن الاستبيان، تعرضن لمشاكل في الحصول على ميراثهن. بينما 36 في المائة اعتبرن أن النظرة الدونية للمرأة في اليمن سبب في حرمانهن من حقوقهن في الميراث.
الخوف من أقربائها فيما لو تحدثت عن مشكلتها معهم، لم يمنع مالكة الأشول - أرملة منذ ثلاثة عشر عاما - من سرد معاناتها الممتدة لخمس سنوات في المحاكم سعياً لاسترداد حقّها في ورثة والدها.
تقول الأشول: «حرموني حقّي. اشترطوا شرطاً تعجيزياً للحصول على ميراثي وهو التخلي عن أولادي». بعد ذلك لجأت هذه السيدة إلى المحكمة للحصول على حقّها، ولكن حتّى اللحظة لم تفصل المحكمة في قضيتها. «هددوني بالقتل بعد أن أنكروا صلة القرابة فيما بيننا»، تستذكر الأشول مأساتها مع أسرتها والدموع تنهمر من عينيها.
تشتكي أم خالد من مماطلة أخيها في تسليمها ميراثها ومن تأخر المحكمة في البت في قضيتها بسبب نفوذ أخيها الأكبر، وعدم اعترافه بحقها في ميراث والدها. «إذا لم ينصفنا القضاء من ينصفنا، من سيرجع لنا حقوقنا، لا أملك مالاً ولا جاهاً في مجابهة أخي الذي يملك النفوذ والمال ويتلاعب بالقضية منذ تسع سنوات»، تشكو أم خالد ثم تستطرد: «قضيتنا لم تحل أو يبت فيها على الرغم من وضوح حقّي الذي لا يحتاج لتسع سنوات».

تخبط قضائي

داخل أروقة المحاكم، تتفاوت نظرة القضاة حيال توصيف هذه القضايا ومقاربتها. إذ يقول القاضي عبد الجبار الكاهلي: «تضمن الكتاب السادس من قانون الأحوال الشخصية والمكون من ثمانية أبواب تفصيل حق المرأة في الميراث، لكنه غفل عن فرض عقوبة تجاه كل من يحرم المرأة من حقها في الميراث».
أما القاضي خالد أحمد شمس الدين فيؤكد أنه فعل يوجب العقاب، رغم أن القانون لا ينص على ذلك: «نحن لسنا أمام جريمة يعاقب عليها القانون إنما حيازة من قبل أحد الورثة فهو يدعّي فيه الملك أو حق من الحقوق، لذلك نحن أمام نزاع مدني لا يعاقب عليه جنائياً». وردة الجمل (40 عاماً) هي الأخرى تبحث عن ميراثها من والدتها، بعد أن استحوذ خالها عليه قبل 12 عاماً.
تقول الجمل: «قبل أن تتوفى والدتي ظلت مريضة عامين ولم تتمكن من دفع تكاليف العلاج الباهظة، بخاصّة بعد رفض خالي منحها حقّها في ميراث والدها لتغطية تكاليف العلاج». وتواصل القول: «القضية في المحكمة ولن أتنازل عن حقي وحق والدتي أبداً».
ما يفاقم صعوبة الحصول على الميراث، طول أمد التقاضي في المحاكم. وهو ما يعدّه القاضي شمس الدين، جزءاً من التقصّي وعمل المحكمة: «لا توجد هناك أي عوائق، ونحن هنا لتطبيق الشرع والقانون فإذا تقدمت امرأة بطلب نصيبها الشرعي من ميراثها فإن المحكمة تسير في إجراءات تمكينها منه». ويضيف: «يجب إتباع إجراءات قانونية مثل حصر التركة وتأمين عدول وخبراء، وهذه الإجراءات تطيل من أجل التقاضي».
ظلت عائشة القهالي تبحث عن ميراث والدتها من والديها علّها تحصل عليه لكن دون جدوى، رغم أنها طرقت أبواب مشايخ القبيلة قبل أن تلجأ للمحكمة التي لم تنصفها هي الأخرى. تقول القهالي: «نتيجة لأسباب قبلية لجأت والدتي إلى مشايخ قبليين للحصول على ميراثها، لكنها لم تصل إلى نتيجة، والآن قضيتنا في المحكمة، ننتظر ماذا سيحدث».
تعيش إيمان محمد في منزل بالإيجار وهي أرملة لا تملك مصدر دخل ثابت. تقول إيمان: «طالبت أنا وأختي، إخواني الثلاثة، بتسليم ميراثنا من والدتي، لكنهم رفضوا وأنكروا وجود حق لنا في الميراث». «طالبتهم ودياً بصورة شخصية، ومن ثم استعنت بواسطة لم تنجح، بعدها لجأت إلى قسم الشرطة، وفي الأخير رفعت دعوى في المحكمة».
عقدت المحكمة عدة جلسات «وبعد مرور عام كامل لم أحصل على حقي في الميراث»، حسبما تقول. وعن سؤالها عن علاقتها بإخوانها بعد مطالبتها بحقّها في الميراث، ردّت إيمان والدمع في عينيها: «إخواني قاطعوني ولم يعودوا يزوروني حتى في المناسبات والأعياد».

تهرب من الرد

حاول معد التحقيق على مدى شهرين الحصول على رد رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي أحمد المتوكل (المعين من قبل الحوثيين) حول كل ما ورد في التحقيق، لكنّه بدوره كلف الأمين العام القاضي محمد الشرعي بالرد. حملنا الكاميرات ذهاباً وإياباً أربع مرات، بحسب مواعيد موثّقة، لكن دون أن يكتمل اللقاء. كنّا نعود بعد اعتذار الأمين العام وتحديد موعد جديد، لكنّه رفض مقابلتنا أخيراً.
وتستمر معاناة اليمنيات في رحلة الحصول على ميراثهن في مجتمع طالما حاول اجتثاث عادات وتقاليد تحط من شأن المرأة ولا تعترف بحقوقها.

شاهد فيديو بوقائع التحقيق

* أنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة «إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية» (أريج) - www.arij.net
وبإشراف محمد الكوماني


مقالات ذات صلة

وكيل محافظة شبوة: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

خاص وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

وكيل محافظة شبوة: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

حذّر فهد الخليفي وكيل محافظة شبوة من أن جماعة الحوثي زوّدت بعض التنظيمات الإرهابية بتقنيات الطائرات المسيّرة في إطار ما وصفه بالتخادم الجاري بين الجانبين

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص أكد شاو تشنغ أن الصين تتابع التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن من كثب (تصوير: نايف العتيبي)

خاص بكين: مستعدون لفتح تحقيق في وصول مكونات عسكرية للحوثيين بالتعاون مع الحكومة اليمنية

رفض شاو تشنغ، القائم بأعمال السفارة الصينية لدى اليمن، التقارير التي تتحدث عن وصول معدات ومكونات مرتبطة ببرامج الصواريخ لدى جماعة الحوثيين

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي متحدثاً خلال المؤتمر الصحافي في الرياض الخميس (أ.ب) p-circle

المالكي: على الحوثيين قراءة بيان التحالف وما بين السطور جيداً

حذّر اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، الميليشيا الحوثية من عواقب استهداف المدنيين والمنشآت المدنية في السعودية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي مدينة تعز المحاصرة من قبل الميليشيا الحوثية (إعلام حكومي)

الحكومة اليمنية تطالب بتحرك أممي عاجل لفك حصار تعز

دعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفعّالة لفك الحصار الخانق الذي تفرضه الميليشيا الحوثية على تعز، وينذر بكارثة إنسانية.

«الشرق الأوسط» (تعز)
المشرق العربي رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي متحدثاً للشعب اليمني بمناسبة ذكرى «ثورة 14 أكتوبر» الثلاثاء (سبأ)

العليمي: لا رجوع عن قرار إنهاء الانقلاب الحوثي

أكد رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي مُضي عملية «فجر اليمن» نحو هدفها النهائي المتمثل بإنهاء الانقلاب الحوثي، ولا رجعة عن ذلك مهما كانت التضحيات.

«الشرق الأوسط» (عدن)

استهداف حوثي لمطاري عدن والمكلا

جانب من انتشار القوات الحكومية اليمنية في جبهة جبل هان غرب محافظة تعز (أ.ف.ب)
جانب من انتشار القوات الحكومية اليمنية في جبهة جبل هان غرب محافظة تعز (أ.ف.ب)
TT

استهداف حوثي لمطاري عدن والمكلا

جانب من انتشار القوات الحكومية اليمنية في جبهة جبل هان غرب محافظة تعز (أ.ف.ب)
جانب من انتشار القوات الحكومية اليمنية في جبهة جبل هان غرب محافظة تعز (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية هجماتها على المنشآت الحيوية في اليمن، مستهدفةً مطاري عدن الدولي والريان في المكلا بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، بالتزامن مع احتدام المعارك في تعز وغرب لحج، واستمرار عملية «فجر اليمن» في استنزاف قدراتها العسكرية والبشرية.

وأفادت معلومات رسمية بسقوط صاروخ باليستي في محيط مطار عدن، فيما تعرض مطار الريان بمحافظة حضرموت لهجوم صاروخي وجوي، لم يسفر عن خسائر بشرية، وفق السلطة المحلية. كما استهدفت الجماعة مصنعاً للإسفنج في منطقة بير باشا في مدينة تعز، في تصعيد طال مرافق مدنية وحيوية.

وقال المتحدث باسم الجيش اليمني إن الجماعة التي تتهم خصومها بفرض الحصار، تمارسه عملياً على السكان عبر استهداف المطارات والمنشآت والبنية التحتية ومنافذ السفر ومصادر الرزق، معتبراً أن هذه الهجمات تعكس نهجاً يتصاعد كلما تعرضت لضغوط ميدانية.


«ندوة جماهيرية» إريترية في القاهرة لمناقشة «أوضاع المنطقة»

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)
TT

«ندوة جماهيرية» إريترية في القاهرة لمناقشة «أوضاع المنطقة»

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)

تتواصل تحركات إريتريا الرافضة للمساس بسيادتها من جانب إثيوبيا، وأعلنت سفارتها في القاهرة عقد اجتماع وصفته بـ«العاجل» للجالية المقيمة في مصر، في ظل تصعيد مع أديس أبابا منذ مطلع الشهر الحالي، ومخاوف دولية من تجدد الحرب بينهما.

ويرى الباحث السوداني في الشأن الأفريقي، عبد المنعم أبو إدريس، أن «اجتماع السفارة الإريترية في القاهرة يعد «تحركاً داخل عاصمة حليفة لأسمرة، في ظل وجود جالية إريترية كبيرة، والواضح أن السفارة تريد شرح وجهة نظر الحكومة ومخاوفها من أن تشن إثيوبيا حرباً عليها بعد أن أصبحت قوات الحكومة الفيدرالية على مقربة من الحدود بين البلدين».

وليس هذا التحرك الوحيد الذي تتجه إليه أسمرة، في ظل تخوفات متصاعدة بشأن تداعيات التصعيد الإثيوبي، إذ أطلق ناشطون إريتريون في المهجر عريضة عبر منصة «أفاز»، دعوا فيها «المجتمع الدولي إلى حماية سيادة إريتريا وسلامة أراضيها، والتحرك لمنع تصعيد عسكري محتمل في القرن الأفريقي، على خلفية تصريحات مسؤولين إثيوبيين بشأن الوصول إلى البحر الأحمر»، حسب ما نقلته وسائل إعلام إريترية الأربعاء.

وطالبت العريضة، الموجهة إلى الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، بـ«اتخاذ موقف واضح إزاء أي تهديدات تمس السيادة الإريترية، واحترام الحدود الدولية، وتكثيف الجهود الدبلوماسية لتجنب اندلاع نزاع جديد».

كما التقت السفيرة الإريترية لدى الأمم المتحدة، صوفيا تسفاماريام، المندوب الأميركي الدائم لدى المنظمة، مايك والتز، والسفير جيفري بارتوس، ممثل الولايات المتحدة لشؤون الإدارة والإصلاح بالأمم المتحدة، لبحث تطورات القرن الأفريقي والعلاقات بين إريتريا وإثيوبيا.

وقالت تسفاماريام، في منشور على منصة «إكس»، الثلاثاء، إنه لا توجد «أزمة» بين البلدين، متهمةً إثيوبيا بمواصلة التهديدات ضد سيادة إريتريا وسلامة أراضيها في سياق مساعيها للوصول إلى البحر الأحمر، وداعيةً الأطراف الدولية إلى التحرك لمنع تجدد الصراع في المنطقة.

وأضافت أنها أطلعت المسؤولين الأميركيين على طرد إثيوبيا ممثلي إريتريا لدى الاتحاد الأفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، وتدهور العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

دبابة عسكرية إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو في إثيوبيا (رويترز)

والتحركات الإريترية لم تقتصر على القاهرة والأمم المتحدة فقط، «ففي اليومين الماضيين زار وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، العاصمة الكينية نيروبي وتلت ذلك مشاركة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أحد الأعياد الوطنية الكينية، وهاتان الزيارتان كانتا بغرض بحث وساطة حتى لا يصل الأمر إلى المواجهة المباشرة»، حسب تقديرات عبد المنعم أبو إدريس في حديث لـ«الشرق الأوسط».

تصعيد متبادل

ويأتي ذلك المسار الإريتري، وسط تصاعد التوتر بين أسمرة وأديس أبابا منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وأثارت المعارك التي اندلعت في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي مخاوف من اندلاع حرب إقليمية، إذ اتهمت أديس أبابا أسمرة بدعم المتمردين ونشر آلاف الجنود داخل الأراضي الإثيوبية، قبل أن تقول إنها أجبرتها على التراجع بعد نحو أسبوعين، وهو ما نفته إريتريا.

ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000، وشهدت العلاقات بين البلدين تحسناً لفترة وجيزة بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة في 2018، لكنها تدهورت مجدداً، وصولاً إلى قطع العلاقات كلياً مطلع هذا الشهر بسبب النزاع في تيغراي.

وفي 10 أكتوبر طالبت إريتريا، في رسالة إلى مجلس الأمن، بإدانة ما وصفته بأنه إعلان حرب عليها من جانب إثيوبيا، محذرة من أن ذلك سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة. وطالبت باتخاذ «إجراءات ردعية مناسبة» ضد أديس أبابا.

ومساء الاثنين، قال رئيس الوزراء آبي أحمد، منتقداً الأوضاع بأسمرة، إن «الشعب الإريتري فقد كل ما كان يمتلكه بالفترة التي كانت فيها إريتريا جزءاً من إثيوبيا، وتحولت مدنه اليوم إلى ما يشبه القرى البسيطة».

وشدد آبي أحمد على أن «الخيار الأجدى هو حسن الجوار والصداقة»، محذراً من أن «تجاهل الدعوات إلى الشراكة التنموية بدلاً من الانجرار إلى خدمة أجندات الأعداء ينطوي على مخاطر جسيمة وعواقب وخيمة»، حسب مقابلة نقلها تلفزيون «فانا» الإثيوبي ووكالة الأنباء الرسمية للبلاد.

وإزاء تلك التطورات، يعتقد الخبير في الشؤون الأفريقية عبد المنعم أبو إدريس أنه «ليس من مصلحة الدولتين والإقليم بأكمله اندلاع حرب إثيوبية إريترية»، مضيفاً: «ولا أظن ذلك سيحدث».


منشآت الصحة والطواقم الطبية في تعز أهداف للقصف الحوثي

طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)
طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)
TT

منشآت الصحة والطواقم الطبية في تعز أهداف للقصف الحوثي

طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)
طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)

تتسع التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في محافظة تعز اليمنية، مع تواصل القصف على الأحياء السكنية واستهداف المنشآت الصحية وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، بالتزامن مع تشديد الحصار وإغلاق الطرق وعرقلة وصول الإمدادات الأساسية، في وقت وثّقت فيه جهة حقوقية مقتل 8 مدنيين وإصابة 26 آخرين خلال 48 ساعة، وحذرت السلطات الصحية من انهيار قدرة المستشفيات على التعامل مع المرضى والجرحى.

وتزامن هذا التصعيد مع إصابة عدد من الفتيات بقصف حوثي استهدف أحياء سكنية في مدينة تعز وقرى جبل صبر، ومقتل فتاة وإصابة 8 مدنيين من أسرة واحدة جراء قصف صاروخي شمل منزلاً في منطقة الرجم، وفق بيانات محلية رسمية، بينما جدّدت الحكومة اليمنية مطالبتها بتحرك دولي عاجل لوقف الاعتداءات ورفع الحصار.

وقال مدير مكتب الصحة العامة والسكان في تعز، الدكتور فهد النظاري، إن الاعتداءات المستمرة على المنشآت الصحية والطواقم الطبية وسيارات الإسعاف، إلى جانب منع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، تهدد قدرة المرافق الصحية على مواصلة تقديم خدماتها، خصوصاً في المناطق التي تشهد مواجهات أو تخضع لسيطرة الحوثيين.

دخان يتصاعد من وسط الأحياء السكنية في تعز جراء قصف حوثي (إعلام محلي)

وأوضح النظاري، في تصريح رسمي أن 5 مستشفيات ومراكز صحية تعرضت لأضرار متفاوتة جراء القصف والاستهداف، بينها هيئة مستشفى الثورة العام ومستشفى الصفوة، والمركز الصحي في منطقة العروس بجبل صبر، ومركز صحي في مديرية الوازعية، وآخر في مديرية المواسط.

وأضاف أن مرافق صحية أخرى تعرضت لأضرار جراء القذائف المباشرة وغير المباشرة، وأن عمليات الحصر والتوثيق لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن القطاع الصحي فقد 15 سيارة إسعاف تابعة للمستشفيات ومكاتب الصحة، قال إن الحوثيين نهبوها، فضلاً عن نهب أجهزة ومعدات طبية من مستشفيات في المخا والتربة.

وأكد أن هذه الاعتداءات أضعفت قدرة المرافق الصحية على الاستجابة للحالات الطارئة ونقل المصابين والمرضى، واتهم الجماعة باستخدام مرافق صحية لأغراض عسكرية، من خلال تحويل بعضها إلى مواقع لتجمع عناصرها أو مراكز لقيادة العمليات والاحتماء بها، ونشر أطقم عسكرية داخلها.

الحوثيون يقصفون أحياء تعز بشكل عشوائي (إعلام محلي)

وحذّر النظاري من أن استمرار استهداف المنشآت الصحية والطواقم الطبية ومنع الإمدادات يفاقمان معاناة آلاف المرضى، خصوصاً المصابين بالسكري وأمراض الكلى والسرطان والأمراض المزمنة، مطالباً بإيصال الأدوية والوقود بصورة عاجلة، وضمان حماية المستشفيات وسيارات الإسعاف والعاملين الصحيين وتمكينهم من أداء مهامهم الإنسانية دون عوائق.

استهداف المسعفين

ومن أبرز الوقائع التي أشار إليها المسؤول الصحي تعذّر الوصول إلى رجل وابنته أُصيبا برصاص قناصة حوثيين داخل منزلهما في منطقة الشقب بمديرية صبر الموادم، بعد استهداف المسعفين وسيارة الإسعاف، ما حال دون إسعافهما وانتشال جثمانيهما، وفق روايته.

وفي حادثة أخرى، وثّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات استهداف سيارة إسعاف بقذيفة مدفعية في منطقة صبر، ما أدى إلى مقتل سائقها وإصابة الطبيب المرافق وتدمير السيارة.

وقالت الشبكة إنها وثّقت 109 جرائم وانتهاكات خلال 48 ساعة في محافظة تعز، إلى جانب إطلاق نحو 147 مقذوفاً بصورة عشوائية، استهدف معظمها الأحياء السكنية، وإطلاق صاروخين باليستيين على حي صينة وسط المدينة.

وحسب تقرير الشبكة، شملت الحصيلة مقتل 8 مدنيين، بينهم 3 نساء و3 أطفال، وإصابة 26 آخرين، بينهم 7 نساء و4 أطفال، فضلاً عن اختطاف 24 مواطناً ونقلهم إلى جهات مجهولة، ومداهمة نحو 23 منزلاً، وتضرر 17 منزلاً جراء القصف، إلى جانب تضرر 11 مركبة خاصة.

مئات الآلاف من سكان تعز تحت وطأة القصف والحصار (إعلام محلي)

وذكر التقرير أن الانتهاكات شملت القتل والإصابة بالقصف والقنص، والاختطاف والإخفاء القسري، ومداهمة المنازل، واستهداف سيارات الإسعاف والفرق الطبية، واقتحام مراكز لتحفيظ القرآن الكريم ودور عبادة، وقطع الطرق العامة، واستمرار الحصار المفروض على المحافظة.

ورصدت الشبكة إطلاق قذائف هاون وصواريخ كاتيوشا وقذائف مدفعية، إلى جانب استخدام طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية، مشيرة إلى أن القصف تركز في مناطق الشقب والمسراخ والأقروض، ومناطق شمالية غربية وشرقية، وأحياء المسبح وصينة، ومنطقة الضبة بمديرية التعزية، ومنطقة الظهر بمديرية جبل حبشي، ومناطق أخرى في المدينة وريفها.

تحرك أممي

في سياق التحركات الدبلوماسية، بحث مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، في نيويورك، مع مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ونائب منسق الإغاثة في حالات الطوارئ، محمد يحيى، تطورات الأوضاع الإنسانية في اليمن، وتداعيات التصعيد العسكري الحوثي، وسبل تعزيز الاستجابة الإغاثية، وحشد الموارد اللازمة لمواجهة احتياجات السكان المتضررين والنازحين.

واستعرض السعدي تداعيات الهجمات على المدنيين والأعيان المدنية ومؤسسات الدولة، خصوصاً في تعز ومأرب وعدن، وما خلفته من ضحايا ونزوح وتعطيل للخدمات الأساسية والعمليات الإنسانية. وسلط الضوء على تدهور الأوضاع في تعز جراء القصف والحصار وإغلاق الطرق وعرقلة وصول الإمدادات، وما ترتب على ذلك من نقص في الغذاء والدواء والوقود والمياه، وتهديد لاستمرار الخدمات الصحية.

كومة من القمامة في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الجماعة الحوثية (رويترز)

ودعا إلى تحرك دولي منسق لإنهاء الحصار وفتح الطرق وضمان حرية حركة المدنيين ووصول المساعدات والسلع الأساسية، مطالباً بتكثيف التمويل الإنساني وإعطاء الأولوية للمساعدات الغذائية والصحية والإيوائية، ومواجهة مخاطر الأوبئة وسوء التغذية في مواقع النزوح.

ونسب الإعلام الرسمي اليمني إلى المسؤول الأممي محمد يحيى أنه أكد التزام الأمم المتحدة بمواصلة تقديم المساعدات الإنسانية للشعب اليمني رغم نقص التمويل والتحديات الأمنية والقيود المفروضة على الوصول.

كما أعرب يحيى عن القلق إزاء التداعيات الإنسانية للتصعيد، مشيراً إلى نزوح أكثر من ربع مليون شخص والتدهور السريع للأوضاع في مدينة تعز، ومجدداً الدعوة إلى حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وضمان المرور الآمن والمستدام للمساعدات والخدمات والسلع التجارية.