نساء اليمن يصرخن: لا حق لي في ميراث أبي

كثيرات منهن خارج توزيع تركات أسرهن وسط ضعف القانون ومماطلة السلطات

انتشار النظرة الدونية للأنثى ومحاباة السلطات للذكور في العائلة من أسباب معاناة اليمنيات في قضايا الميراث («الشرق الأوسط»)
انتشار النظرة الدونية للأنثى ومحاباة السلطات للذكور في العائلة من أسباب معاناة اليمنيات في قضايا الميراث («الشرق الأوسط»)
TT

نساء اليمن يصرخن: لا حق لي في ميراث أبي

انتشار النظرة الدونية للأنثى ومحاباة السلطات للذكور في العائلة من أسباب معاناة اليمنيات في قضايا الميراث («الشرق الأوسط»)
انتشار النظرة الدونية للأنثى ومحاباة السلطات للذكور في العائلة من أسباب معاناة اليمنيات في قضايا الميراث («الشرق الأوسط»)

لا يرغب أحمد في إعطاء رفيقاته الأربع أكثر من «فتات» من ميراث والدهن تاجر الأقمشة الثري. فالأب الثمانيني سلم أولاده الذكور كل ثروته لإدارتها قبل عشر سنوات من مرضه الذي أقعده وشل قدرته على الحركة.
هذه القسمة المجحفة تناقض رغبة الأب، الذي طلب من أبنائه - قبل وفاته بشهرين منتصف 2013 - توزيع الورثة على شقيقاتهم الأربع وفق الشرع.
بعد عام على رحيله، انفصلت أمة الملك (ابنته الصغرى) عن زوجها لعدم قدرتها على الإنجاب، فوجدت نفسها في منزل والدها، الذي أصبح فعلياً ملك أخويها.
تقول والحزن يكتسح تعابير وجهها: «عشت مع أخوتي وزوجاتهم وأولادهم تسعة أشهر معزولة في غرفة في الدور الأرضي، وتعرّضت لمعاملة قاسية منهم جميعاً».
طلبت أمة الملك من أخويها إعطاءها حقّها الشرعي في ميراث أبيها، لكنّهم «لم يتقبلوا طلبي، وتوسعت المشاكل فيما بيننا، حتى وصلت إلى حد طردي من البيت بعد لجوئي إلى المحكمة لتقسيم الميراث». بعد عامين في المحاكم، «بعت مقتنياتي الشخصية لتغطية أجور المحاماة ومصاريف التقاضي»، حسبما تقول هذه السيدة، التي تخشى «خسارة كل ما أملك في رحلة البحث عن حقّي القانوني في ميراث والدي قبل الحصول عليه».
يكشف هذا التحقيق أن نصف فتيات - سيدات اليمن يحرمن من ميراثهنّ الشرعي، وسط تعقيد إجراءات التقاضي، وطول أمد الفصل في القضايا العالقة واختلاف مقاربات قضاة حيال تطبيق قانون الأحوال الشخصية، الذي يخلو من نص جزائي واضح ضد المخالفين. وفي استبيان نفّذه معد التحقيق في غياب أي بيانات رسمية تحدّد حجم هذه الظاهرة، أرجعت أربع من كل عشر فتيات - سيدات انتشارها إلى النظرة الدونية للأنثى ومحاباة السلطات للذكور في العائلة. ووثّق هذه التحقيق أيضاً على مدى ستة أشهر 40 حالة مشابهة لقصّة أمة الملك، حرمت فيها سيدات يمنيات من ميراثهن الشرعي عبر التحايل عليهن، وعدم الاعتراف بحقوقهن القانونية في ظل تساهل السلطات القضائية.
حدّد القانون اليمني رقم (20) لسنة 1992 بشأن الأحوال الشخصية في الكتاب السادس (المواريث) حق المرأة في الميراث بحسب الشرع.
يقول الشيخ عبد الله الهمداني: «الشرع واضح في تحديد حق النساء في الميراث، وأبطل ظلم من كانوا يمنعوا عنهنّ حقوقهن ويجعلونه للرجال خاصة، وبين نصيب كل وارث من الرجال والنساء في آيات المواريث على قاعدة (للذكر مثل حظ الأنثيين)».
محامي الأحوال الشخصية محمد عمر يشرح اتجاهات المجتمع الذكوري: «يسعى الطرف الذي يتحكم بالميراث للمماطلة غالباً مستغلاً طول أمد التقاضي في المحاكم بهدف إنهاك قريباته مادياً، وإرغامهنّ على التنازل والقبول بجزء من ميراثهنّ خارج إطار المحاكم».
الناشطة الحقوقية منى صلاح تعزو انتشار ظاهرة حرمان الإناث من الميراث إلى نظرة المجتمع اليمني الدونية للمرأة: «في هذا المجتمع تعد مطالبة المرأة بحقوقها من العيب والوصول إلى المحكمة جزءاً من التفلت والخروج على مسلمات المجتمع».

غياب البيانات

جولات عديدة خاضها معد التحقيق في وزارة العدل اليمنية، ومجلس القضاء الأعلى، والمركز الوطني للمعلومات والمركز الوطني للإحصاء بحثاً عن إحصاءات حول قضايا الميراث في المحاكم. لا توجد بيانات أو أرقام، هكذا كان ردهم جميعاً.
وفي غياب البيانات، اضطر معد التحقيق لإجراء استبيان على الإنترنت شمل 116 سيدة من 17 محافظة يمنية.
خمس من عشر سيدات شملهن الاستبيان، تعرضن لمشاكل في الحصول على ميراثهن. بينما 36 في المائة اعتبرن أن النظرة الدونية للمرأة في اليمن سبب في حرمانهن من حقوقهن في الميراث.
الخوف من أقربائها فيما لو تحدثت عن مشكلتها معهم، لم يمنع مالكة الأشول - أرملة منذ ثلاثة عشر عاما - من سرد معاناتها الممتدة لخمس سنوات في المحاكم سعياً لاسترداد حقّها في ورثة والدها.
تقول الأشول: «حرموني حقّي. اشترطوا شرطاً تعجيزياً للحصول على ميراثي وهو التخلي عن أولادي». بعد ذلك لجأت هذه السيدة إلى المحكمة للحصول على حقّها، ولكن حتّى اللحظة لم تفصل المحكمة في قضيتها. «هددوني بالقتل بعد أن أنكروا صلة القرابة فيما بيننا»، تستذكر الأشول مأساتها مع أسرتها والدموع تنهمر من عينيها.
تشتكي أم خالد من مماطلة أخيها في تسليمها ميراثها ومن تأخر المحكمة في البت في قضيتها بسبب نفوذ أخيها الأكبر، وعدم اعترافه بحقها في ميراث والدها. «إذا لم ينصفنا القضاء من ينصفنا، من سيرجع لنا حقوقنا، لا أملك مالاً ولا جاهاً في مجابهة أخي الذي يملك النفوذ والمال ويتلاعب بالقضية منذ تسع سنوات»، تشكو أم خالد ثم تستطرد: «قضيتنا لم تحل أو يبت فيها على الرغم من وضوح حقّي الذي لا يحتاج لتسع سنوات».

تخبط قضائي

داخل أروقة المحاكم، تتفاوت نظرة القضاة حيال توصيف هذه القضايا ومقاربتها. إذ يقول القاضي عبد الجبار الكاهلي: «تضمن الكتاب السادس من قانون الأحوال الشخصية والمكون من ثمانية أبواب تفصيل حق المرأة في الميراث، لكنه غفل عن فرض عقوبة تجاه كل من يحرم المرأة من حقها في الميراث».
أما القاضي خالد أحمد شمس الدين فيؤكد أنه فعل يوجب العقاب، رغم أن القانون لا ينص على ذلك: «نحن لسنا أمام جريمة يعاقب عليها القانون إنما حيازة من قبل أحد الورثة فهو يدعّي فيه الملك أو حق من الحقوق، لذلك نحن أمام نزاع مدني لا يعاقب عليه جنائياً». وردة الجمل (40 عاماً) هي الأخرى تبحث عن ميراثها من والدتها، بعد أن استحوذ خالها عليه قبل 12 عاماً.
تقول الجمل: «قبل أن تتوفى والدتي ظلت مريضة عامين ولم تتمكن من دفع تكاليف العلاج الباهظة، بخاصّة بعد رفض خالي منحها حقّها في ميراث والدها لتغطية تكاليف العلاج». وتواصل القول: «القضية في المحكمة ولن أتنازل عن حقي وحق والدتي أبداً».
ما يفاقم صعوبة الحصول على الميراث، طول أمد التقاضي في المحاكم. وهو ما يعدّه القاضي شمس الدين، جزءاً من التقصّي وعمل المحكمة: «لا توجد هناك أي عوائق، ونحن هنا لتطبيق الشرع والقانون فإذا تقدمت امرأة بطلب نصيبها الشرعي من ميراثها فإن المحكمة تسير في إجراءات تمكينها منه». ويضيف: «يجب إتباع إجراءات قانونية مثل حصر التركة وتأمين عدول وخبراء، وهذه الإجراءات تطيل من أجل التقاضي».
ظلت عائشة القهالي تبحث عن ميراث والدتها من والديها علّها تحصل عليه لكن دون جدوى، رغم أنها طرقت أبواب مشايخ القبيلة قبل أن تلجأ للمحكمة التي لم تنصفها هي الأخرى. تقول القهالي: «نتيجة لأسباب قبلية لجأت والدتي إلى مشايخ قبليين للحصول على ميراثها، لكنها لم تصل إلى نتيجة، والآن قضيتنا في المحكمة، ننتظر ماذا سيحدث».
تعيش إيمان محمد في منزل بالإيجار وهي أرملة لا تملك مصدر دخل ثابت. تقول إيمان: «طالبت أنا وأختي، إخواني الثلاثة، بتسليم ميراثنا من والدتي، لكنهم رفضوا وأنكروا وجود حق لنا في الميراث». «طالبتهم ودياً بصورة شخصية، ومن ثم استعنت بواسطة لم تنجح، بعدها لجأت إلى قسم الشرطة، وفي الأخير رفعت دعوى في المحكمة».
عقدت المحكمة عدة جلسات «وبعد مرور عام كامل لم أحصل على حقي في الميراث»، حسبما تقول. وعن سؤالها عن علاقتها بإخوانها بعد مطالبتها بحقّها في الميراث، ردّت إيمان والدمع في عينيها: «إخواني قاطعوني ولم يعودوا يزوروني حتى في المناسبات والأعياد».

تهرب من الرد

حاول معد التحقيق على مدى شهرين الحصول على رد رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي أحمد المتوكل (المعين من قبل الحوثيين) حول كل ما ورد في التحقيق، لكنّه بدوره كلف الأمين العام القاضي محمد الشرعي بالرد. حملنا الكاميرات ذهاباً وإياباً أربع مرات، بحسب مواعيد موثّقة، لكن دون أن يكتمل اللقاء. كنّا نعود بعد اعتذار الأمين العام وتحديد موعد جديد، لكنّه رفض مقابلتنا أخيراً.
وتستمر معاناة اليمنيات في رحلة الحصول على ميراثهن في مجتمع طالما حاول اجتثاث عادات وتقاليد تحط من شأن المرأة ولا تعترف بحقوقها.

شاهد فيديو بوقائع التحقيق

* أنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة «إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية» (أريج) - www.arij.net
وبإشراف محمد الكوماني


مقالات ذات صلة

مأرب: وضع حجر الأساس لمشروع تعزيز الأمن المائي

المشرق العربي المشروع ينفذ في 3 مديريات ويخدم أكثر من 360 ألف مستفيد (الشرق الأوسط)

مأرب: وضع حجر الأساس لمشروع تعزيز الأمن المائي

يستهدف مشروع الأمن المائي والطاقة تعزيز مصادر المياه وتحسين كفاءة تشغيلها واستدامتها، من خلال حفر وإعادة تأهيل 11 بئراً مزودة بأنظمة طاقة شمسية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

خاص الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)

الحوثيون يصعّدون قمع الصحافة ويُحكمون الرقابة

مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون قمع الصحافة ويُحكمون الرقابة

مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية خلال الفترة الأخيرة من حملاتها ضد الصحافيين والمؤسسات الإعلامية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، في مسار يستهدف إحكام القبضة على المجال العام، ومنع أي أصوات ناقدة من كشف الوقائع على الأرض، في وقت تزداد فيه التحذيرات المحلية والدولية من التدهور الحاد الذي يطول واقع حرية الصحافة في اليمن.

وكشفت سلسلة الإجراءات القمعية التي اتخذتها الجماعة، من مداهمات واعتقالات واستدعاءات أمنية ومحاكمات غير عادلة، عن سياسة متواصلة لتجفيف ما تبقى من المساحات الإعلامية المستقلة، وسط اتهامات باستخدام أدوات القمع لإسكات الأصوات التي تنقل معاناة السكان، أو تفتح ملفات الفساد والانتهاكات في مناطق سيطرتها.

وفي أحدث حلقات هذا التصعيد، استولت الجماعة الحوثية على أرض تابعة للصحافي اليمني طه المعمري، مالك شركتي «يمن ديجيتال ميديا» و«يمن لايف»، وشرعت في البناء عليها من دون أي مسوغ قانوني، وفق ما أكدته مصادر حقوقية وإعلامية.

وأثارت هذه الخطوة موجة تنديد واسعة، بوصفها امتداداً لسلسلة طويلة من الإجراءات التي استهدفت المعمري خلال السنوات الماضية، وشملت مصادرة أمواله وممتلكاته، والاستيلاء على منزله ومقر مؤسساته الإعلامية، بما في ذلك معدات البث والأرشيف، إلى جانب إصدار حكم غيابي بالإعدام بحقه، في واحدة من أبرز القضايا التي تعكس حجم التضييق على الإعلاميين في مناطق سيطرة الجماعة.

مسلحون حوثيون يحرسون تجمعاً في صنعاء (إ.ب.أ)

ولم تقتصر الانتهاكات على العاصمة المختطفة صنعاء، بل امتدت إلى محافظة إب، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مبنى إذاعة «سما إب» الخاصة، وأغلقوها نهائياً بعد فترة وجيزة من انطلاق بثها، في خطوة مفاجئة فجّرت موجة استياء واسعة في الأوساط الإعلامية والحقوقية.

وحسب مصادر محلية، فإن عملية الإغلاق تمت من دون إعلان مسبق أو تقديم أي مبررات رسمية، رغم أن الإذاعة كانت تقدم محتوى يومياً متنوعاً يتماشى، في كثير من جوانبه، مع طبيعة الخطاب الإعلامي السائد في مناطق سيطرة الجماعة، مما عزز الاعتقاد بأن أي مساحة إعلامية خارجة عن السيطرة المباشرة باتت هدفاً محتملاً للإغلاق أو المصادرة.

في السياق نفسه، اختطفت عناصر حوثية الصحافي فؤاد المليكي من منزله في مدينة إب، ونقلته إلى جهة مجهولة، مع استمرار رفضها الكشف عن مكان احتجازه أو مصيره.

جاءت عملية الاختطاف، وفق مصادر مطلعة، على خلفية اتهامه بإدارة حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تنشر ملفات تتعلق بالفساد الإداري، وتسلط الضوء على ممارسات عبثية لقادة ومسؤولين محليين موالين للجماعة في المحافظة.

تصنيف دولي

على وقع هذه التطورات، جاء تقرير دولي حديث ليعكس حجم التدهور الذي أصاب واقع الصحافة في اليمن، بعدما صنف البلاد ضمن المستوى «الخطير جداً» في مؤشر حرية الصحافة العالمي للعام الجاري، واضعاً اليمن في المرتبة 164 من أصل 179 دولة.

ويشير التقرير إلى تراجع اليمن عشرة مراكز مقارنةً بالعام السابق، في مؤشر إضافي على اتساع دائرة المخاطر التي تواجه الصحافيين، سواء من خلال الاعتقالات والاختطافات، أو عبر التهديدات المباشرة والهجمات التي تطول العاملين في المجال الإعلامي.

أشخاص يستقلّون دراجة نارية في أحد الشوارع بمدينة إب (الشرق الأوسط)

كما وثّق التقرير مقتل صحافي واعتقال اثنين آخرين خلال العام الحالي، في استمرار لمسلسل الاستهداف الذي حوّل العمل الصحافي في اليمن إلى مهنة محفوفة بالمخاطر، في ظل غياب بيئة قانونية ضامنة للحريات، واستمرار توظيف المؤسسات القضائية والأمنية في تصفية الحسابات السياسية مع الإعلاميين.

بيئة خانقة وغير آمنة

على وقع هذه الصورة القاتمة، حذّرت نقابة الصحافيين اليمنيين من تدهور غير مسبوق في أوضاع الصحافة، مؤكدةً أن بيئة العمل الإعلامي أصبحت أكثر تقييداً وخطورة، مع تصاعد الانتهاكات وتفاقم الضغوط المهنية والمعيشية التي تواجه العاملين في هذا القطاع.

وقالت النقابة إن الصحافيين باتوا يواجهون تحديات مركبة تشمل الملاحقات الأمنية، والتدخلات في طبيعة العمل الإعلامي، والضغوط الاقتصادية الناتجة عن تدني الأجور وغياب الحماية الاجتماعية، فضلاً عن هشاشة المؤسسات الإعلامية وتراجع قدرتها على توفير الحد الأدنى من الاستقرار الوظيفي للعاملين فيها.

مدينة إب اليمنية تعيش في فوضى أمنية برعاية حوثية (فيسبوك)

وأبدت النقابة قلقاً بالغاً حيال الحالة الصحية للصحافي وليد علي غالب، نائب رئيس فرع النقابة في الحديدة، المعتقل لدى الحوثيين، مطالبةً بالإفراج الفوري عنه وتوفير الرعاية الصحية اللازمة له.

وأكدت أن تسعة صحافيين لا يزالون رهن الاحتجاز في ظروف وُصفت بالمقلقة، داعيةً إلى الإفراج عنهم، ووقف الملاحقات ذات الطابع السياسي، وتعزيز استقلال القضاء، ومنع استخدامه أداةً للضغط على الإعلاميين.


عدن تستقبل صيفها الملتهب بنقص حاد في الكهرباء

مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)
مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)
TT

عدن تستقبل صيفها الملتهب بنقص حاد في الكهرباء

مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)
مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)

مع دخول فصل الصيف، وارتفاع درجات الحرارة على امتداد السواحل اليمنية، تتجه أزمة الكهرباء في مدينة عدن إلى مزيد من التعقيد، في ظل اتساع الفجوة بين القدرة التوليدية المتاحة وحجم الطلب المتزايد على الطاقة، نتيجة النمو السكاني المتسارع، والتوسع العمراني الكبير، وتهالك البنية التحتية لمحطات التوليد، إلى جانب تعثُّر مشاريع استراتيجية كان يُعوَّل عليها في تخفيف حدة الأزمة المزمنة التي تعيشها المدينة منذ سنوات.

وتكشف بيانات حكومية عن واقع بالغ الصعوبة؛ إذ لا تغطي القدرة التوليدية الفعلية لمحطات الكهرباء في العاصمة اليمنية المؤقتة سوى نحو 30 في المائة من الاحتياج اليومي، وهو ما يفرض عجزاً يتجاوز 70 في المائة خلال ساعات الذروة الليلية.

ويفرض هذا النقص الحاد تطبيق برامج تقنين قاسية تنعكس آثارها على مختلف مناحي الحياة، من المنازل إلى المستشفيات، ومن المؤسسات الخدمية إلى النشاط التجاري، مع امتداد التأثيرات إلى محافظتَي لحج وأبين المجاورتين المرتبطتين جزئياً بالشبكة.

ويأتي هذا الوضع في وقت تزداد فيه الأحمال الكهربائية بشكل موسمي، مع اعتماد السكان الواسع على وسائل التبريد لمواجهة حرارة الصيف المرتفعة، ما يجعل المنظومة الكهربائية أمام اختبار شديد القسوة، في ظل محدودية الموارد الحكومية وتعثر الحلول الإسعافية والاستراتيجية معاً.

محطات الكهرباء في عدن تعمل بأقل من نصف طاقتها (إعلام حكومي)

وحسب مدير الإعلام في وزارة الكهرباء والطاقة، محمد المسبحي، فإن إجمالي الطلب على الكهرباء في عدن يبلغ نحو 630 ميغاواط، في حين لا يتجاوز التوليد الفعلي خلال ساعات النهار 257 ميغاواط، بما في ذلك مساهمة الطاقة الشمسية، ما يعني وجود عجز يومي يصل إلى 373 ميغاواط، وهو رقم يعكس اتساع الفجوة بين الاحتياج والإنتاج.

لكن الأزمة تبلغ ذروتها خلال ساعات الليل، حين يتراجع الإنتاج إلى 191 ميغاواط فقط، مقابل عجز يصل إلى 439 ميغاواط، أي ما يقارب 70 في المائة من إجمالي الاحتياج، وهو ما يفسر الانقطاعات الطويلة التي تشهدها المدينة، ويضع السكان أمام واقع معيشي بالغ القسوة؛ خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة الساحلية.

ويحذر مسؤولون في قطاع الكهرباء من أن استمرار هذا الوضع، بالتزامن مع اقتراب الأحمال من ذروتها خلال الأسابيع المقبلة، قد يقود إلى مزيد من الانهيار في الخدمة، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لزيادة الإنتاج وتأمين الوقود ورفع كفاءة المحطات العاملة.

مشاريع ناقصة

جانب مهم من الأزمة يرتبط -وفق المسؤولين- بعدم اكتمال عدد من مشاريع التوليد الجديدة بالشكل الذي يضمن تشغيلها وفق طاقتها التصميمية. فمحطة شركة «بترو مسيلة»، التي تعد أكبر محطات التوليد في عدن، لم يُستكمل فيها حتى الآن إنشاء خزانات الغاز اللازمة لتشغيلها وفق الخطة الفنية الموضوعة، ما أجبر المؤسسة العامة للكهرباء على تشغيلها بالنفط الخام، وهو خيار أعلى تكلفة وأكثر تعقيداً من الناحية التشغيلية، فضلاً عن صعوبة تأمينه بالكميات المطلوبة.

ونتيجة لذلك، لا تنتج المحطة حالياً سوى نحو 95 ميغاواط، رغم أن قدرتها التشغيلية يمكن أن ترتفع إلى قرابة 230 ميغاواط إذا توفرت كميات الوقود المطلوبة واستكملت التجهيزات الفنية اللازمة.

حملة لمكافحة الربط العشوائي للكهرباء في عدن وتحصيل المديونيات (إعلام حكومي)

ولا تقف المشكلة عند هذه المحطة، إذ تؤكد المصادر أن المرحلة الثانية من المشروع، التي كان يُعوَّل عليها لتقليص العجز بشكل ملموس، لا تزال متأخرة رغم مرور سنوات على اكتمال المرحلة الأولى. كما أن المحطة القطرية، التي خُطط لها أن تعمل على 3 مراحل بإجمالي قدرة تصل إلى 280 ميغاواط، لم تُستكمل وفق الرؤية الفنية المطلوبة، ما حرم الشبكة من قدرات توليدية كان يمكن أن تُحدث فارقاً واضحاً في مستوى الخدمة.

ويرى مختصون أن الصراعات السياسية، وعدم الاستقرار الإداري، وتعثر التمويل، أسهمت مجتمعة في فقدان المنظومة ما يقارب 400 ميغاواط من الطاقة التي كان يمكن أن تدخل الخدمة خلال السنوات الماضية، وهو رقم كفيل بتغيير المشهد الكهربائي في عدن بصورة كبيرة لو أُنجزت المشاريع كما خُطط لها.

أزمة وقود وتمويل وديون

إلى جانب الاختلالات الفنية، تواجه الحكومة اليمنية أزمة تمويل خانقة تعيق تنفيذ الخطط الإسعافية. وكان وزير الكهرباء والطاقة، عدنان الكاف، قد تحدث عن خطة عاجلة تشمل تأمين إمدادات منتظمة من النفط الخام لتشغيل توربينات «بترو مسيلة» بكامل طاقتها، إلى جانب تنفيذ أعمال صيانة لمحطات التوليد الأخرى لرفع كفاءتها التشغيلية، غير أن هذه الخطة اصطدمت بالعجز المالي الذي تواجهه الحكومة.

وترتبط هذه الأزمة المالية بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي تمثل أحد أهم الموارد السيادية، بعد الهجمات الحوثية على موانئ التصدير وتهديد ناقلات النفط، وهو ما تسبب في تراجع الإيرادات الحكومية بصورة حادة، وألقى بظلاله على مختلف القطاعات الخدمية، وفي مقدمتها الكهرباء.

وفي مواجهة هذا الواقع، اتجهت وزارة الكهرباء اليمنية إلى إطلاق حملات ميدانية لمكافحة الربط العشوائي والمزدوج، باعتبار هذه الظاهرة من أبرز أسباب زيادة الأحمال وارتفاع نسبة الفاقد الفني والتجاري، فضلاً عن تسببها في أعطال متكررة على مستوى الشبكات.

أزمة الكهرباء في عدن تضاعف التحديات أمام الحكومة اليمنية (إعلام حكومي)

وترى الوزارة أن الحد من هذه الظاهرة يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط على شبكات النقل والتوزيع، ورفع كفاءة التشغيل، وترشيد استهلاك الوقود، غير أن هذه المعالجات تبقى جزئية ما لم تُرفق بإصلاحات أوسع في منظومة التحصيل والإدارة.

وفي هذا السياق، تتجه المؤسسة إلى تشديد إجراءات تحصيل المتأخرات المالية، بما في ذلك إلزام الوزارات والجهات الحكومية بسداد مديونياتها، إلى جانب تعزيز حملات التحصيل لدى المشتركين، ونشر ثقافة الالتزام بسداد الفواتير.

كما تعمل الوزارة على إدخال نظام الدفع المسبق إلى المنازل، لضمان تحصيل قيمة الاستهلاك مستقبلاً، بعد سنوات طويلة توقف خلالها معظم صغار المستهلكين عن دفع التعريفة الشهرية.

لكن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في كيفية التعامل مع المديونية المتراكمة على قطاع واسع من المستهلكين، وهي قضية شائكة ترتبط بالأوضاع الاقتصادية الصعبة، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب الثقة باستقرار الخدمة.


العليمي: الرهان على اعتدال إيران يقود إلى مزيد من الفوضى

العليمي استقبل في الرياض سفير الولايات المتحدة ستيفن فاغن (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض سفير الولايات المتحدة ستيفن فاغن (سبأ)
TT

العليمي: الرهان على اعتدال إيران يقود إلى مزيد من الفوضى

العليمي استقبل في الرياض سفير الولايات المتحدة ستيفن فاغن (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض سفير الولايات المتحدة ستيفن فاغن (سبأ)

جدَّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، التأكيد على أهمية الشراكة الاستراتيجية بين بلاده والولايات المتحدة، بوصفها أحد المرتكزات الرئيسية لدعم الاستقرار ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، مشيراً إلى الرهان على أنَّ اعتدال إيران يقود إلى مزيد من الفوضى.

تصريحات العليمي جاءت في وقت تمضي فيه الحكومة اليمنية في تنفيذ حزمة إصلاحات اقتصادية ومالية وإدارية تستهدف تعزيز أداء مؤسسات الدولة، والحفاظ على استقرار السوق المحلية، وتخفيف التداعيات الإنسانية التي فاقمتها الحرب المستمرة.

وخلال استقبال العليمي سفير الولايات المتحدة لدى اليمن ستيفن فاغن، بحضور عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق محمود الصبيحي، تناولت المباحثات مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، وأوجه التعاون المشترك في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، إلى جانب التطورات المحلية والإقليمية، والجهود المطلوبة لدعم الحكومة اليمنية في مواجهة التحديات المتراكمة، وفق ما ذكره الإعلام الرسمي.

وأكد العليمي، خلال اللقاء، أنَّ الشراكة مع واشنطن تمثل عنصراً محورياً في مواجهة المخاطر الأمنية المتنامية، خصوصاً تلك المرتبطة بتهديدات الملاحة الدولية، والأنشطة العابرة للحدود، والتنسيق بين الجماعات المسلحة وشبكات التطرف والتهريب في المنطقة، مشيراً إلى أنَّ هذه التحديات تتطلب مقاربةً دوليةً أكثر صرامة في التعامل مع مصادر التهديد وأدوات زعزعة الاستقرار.

نهج تصعيدي

في قراءة للتطورات الإقليمية، عدَّ رئيس مجلس القيادة اليمني أنَّ استئناف طهران سلوكها التصعيدي في المنطقة يمثل مؤشراً إضافياً على استمرار نهج قائم على إدارة الأزمات وتوسيع دوائر النفوذ عبر أدوات غير مباشرة، مؤكداً أنَّ التجارب الممتدة من اليمن إلى دول أخرى في الإقليم أظهرت أنَّ أي رهان على تغيُّر هذا السلوك من دون معالجة أسبابه البنيوية كان يقود دائماً إلى مزيد من التصعيد، لا إلى فرص حقيقية للسلام.

وأشار العليمي إلى أنَّ السلوك الحوثي خلال الأسابيع الأخيرة يقدم، وفق تقديره، دليلاً عملياً على استمرار هذا النهج، سواء من خلال التهديدات البحرية، أو عبر الممارسات التي تمس الأمن الإنساني والاقتصادي، أو من خلال ما وصفه بـ«تنسيق متزايد مع شبكات إرهابية في القرن الأفريقي»، في تطورات يرى أنَّها تعكس اتساع نطاق المخاطر المرتبطة بالأزمة اليمنية وتجاوزها حدودها المحلية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

وفي المقابل، شدَّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على أنَّ الحكومة في بلاده تواصل العمل على أكثر من مسار داخلي، في مقدِّمتها الإصلاحات الاقتصادية والمالية المدعومة من السعودية، إلى جانب جهود توحيد القرارَين الأمني والعسكري، وتعزيز فاعلية المؤسسات العامة، بما يسمح ببناء قدرة أكبر للدولة على التعامل مع الملفات الملحة، ورفع مستوى التنسيق بين أجهزتها المختلفة.

تنظيم الواردات

بالتوازي مع هذه التصريحات السياسية، عقدت اللجنة الوطنية اليمنية لتنظيم وتمويل الواردات، اجتماعها الرابع للعام الحالي في مقر البنك المركزي بالعاصمة المؤقتة عدن، برئاسة محافظ البنك المركزي أحمد غالب، وبمشاركة وزير الصناعة والتجارة نائب رئيس اللجنة محمد الأشول، إلى جانب ممثلين عن الجهات ذات العلاقة، بينما شارك وزير المالية مروان غانم في الاجتماع، بدعوة من اللجنة، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به الوزارة ومؤسساتها في دعم استقرار السوق، وتنظيم حركة التجارة.

واستمعت اللجنة إلى تقارير تنفيذية وفنية تناولت سير الأداء في المنافذ البرية والبحرية، ومستوى الالتزام بالتعليمات والآليات المُنظِّمة لعمل اللجنة، فضلاً عن مراجعة الملاحظات المرتبطة ببعض الإشكالات الناجمة عن التطورات الإقليمية واضطرابات سلاسل الإمداد، وما ترتب عليها من تحويل وجهات الشحن وتغيُّر مسارات الوصول لبعض الواردات.

ونقل الإعلام الرسمي أنَّ الاجتماع ناقش حزمةً من المعالجات المقترحة لتجاوز التحديات التشغيلية، وأقرَّ إجراءات تستهدف تعزيز كفاءة الأداء، وضمان استمرار تدفق السلع الأساسية واحتياجات السوق المحلية بانسيابية أكبر، إلى جانب تطوير الآليات الإدارية والتنظيمية بما يواكب المتغيرات المتسارعة، ويسهم في تسهيل الإجراءات، وتسريع إنجاز المعاملات، ورفع مستوى التنسيق بين المؤسسات المعنية.