شعراء مصريون يشكون غربة القصيدة

بمناسبة اليوم العالمي للشعر

محمود خير الله - حسن طلب - عاطف عبد العزيز - سفيان صلاح
محمود خير الله - حسن طلب - عاطف عبد العزيز - سفيان صلاح
TT

شعراء مصريون يشكون غربة القصيدة

محمود خير الله - حسن طلب - عاطف عبد العزيز - سفيان صلاح
محمود خير الله - حسن طلب - عاطف عبد العزيز - سفيان صلاح

لعل اليوم العالمي للشعر الذي يصادف غداً يذكّرنا بواقع قائم منذ سنوات طويلة جداً، ونعني به إشكالية تلقي الشعر الحديث، المتجسدة في المسافة بين القصيدة العربية التي قطعت شوطاً كبيراً من التطور، وبين الجمهور. هذه المسافة، في رأي قسم من الشعراء والنقاد، يجب أن تردمها المؤسسات الثقافية والتعليمية، لكنها كما يرون قصّرت تقصيراً كبيراً في هذا المجال. ولكن ألا يتحمل الشعراء والنقاد أنفسهم شيئاً من المسؤولية؟
هنا آراء عدد من الشعراء المصريين:
الشاعر محمود خير الله، ينتقد أداء أعضاء لجنة الشعر والمسؤولين عنه بالهيئات الثقافية واستبعادهم النص الحديث، وبالأخص قصيدة النثر، قائلاً: «لقد مللنا انتقادهم لكنهم لم يملّوا تمثيل دورهم الأبدي ضدنا. الآن علينا أن نتعامل مع الأمر الواقع ونقلب المعادلة، مَن يريد الشعر فعليه أن يذهب إليه، لأن هذه الدولة لا تثق إلا بهؤلاء لإدارة حظيرة الشعر، حيث يمنحون جائزة الدولة التشجيعية كل عام لأقل شعراء التفعيلة قيمة، بينما يستبعدون شعراء قصيدة النثر عبر الأجيال من كل الجوائز والتكريمات، وإذا عقدوا مؤتمراً كل 5 أعوام للشعر، يقدمون الدعوات لشعراء من الصين، بينما يبقى شعراء قصيدة النثر المصريون مُستبعدين، وهذا هو الأمر الواقع».
ويتابع صاحب ديوان «كل ما صنع الحداد» قائلاً: «الأيام أثبتت أن مَن ينتظر شعراً من أجهزة الدولة الثقافية يكون كمن ينتظر من السماء أن تمطرَ عسلاً في الصيف، وفي عام 2007 قلت في تصريحات صحافية بمناسبة اليوم العالمي للشعر، إن الدولة تعتبر قصيدة النثر خطراً فادحاً على الخيال العام، وهذه حقيقة للأسف، لذلك تعمل على مواجهة هذا الخطر بالاستبعاد والحذف والتشويه، عبر اختطاف الأنشطة الشعرية، التي تحظى بجمهور عريض في كل مدن العالم، ووضعها في قبضة مجموعة من صغار الموظفين (البيروقراطيين)، المحسوبين خطأً على الشعر، لتكون الكراهية أول من يستقبل الشعراء في مؤتمرات الشعر، إذا عُقدت».
أما الشاعر حسن طلب، عضو لجنة الشعر، فيُرجع ضعف أداء وزارة الثقافة المصرية إلى افتقار المسؤولين عنها إلى الخيال، ويدافع في المقابل عن أداء لجنة الشعر، مهاجماً السياسات الحكومية التي تعوق أداءها. وهو يرى أن لجنة الشعر كغيرها من لجان المجلس الأعلى للثقافة التي تضاعف عددها في السنوات الأخير لتصبح نحو 30 لجنة. وإذا كانت اللجان جميعها تعاني جموداً مشهوداً ورتابة ملحوظة في أنشطتها النوعية، بحيث لا تكاد تتميز لجنة عن أخرى في هذا السياق، إلا أن لجنة الشعر تنفرد بأنها محطّ أنظار الكثيرين، سواء من الشعراء أو النقاد أو الإعلاميين، لهذا السبب وحده يتم إبراز سلبياتها وانتقاد أنشطتها، من دون أي اعتبار لما تواجهه اللجنة من معوقات إدارية ومالية.
ويدلل صاحب «قصائد البنفسج والزبرجد» على المعوقات التي تواجه اللجنة في أداء دورها تجاه الشعر والشعراء، بقوله إن «تقليص الميزانية، مثلاً، أدى إلى عجز اللجنة عن استضافة شعراء الأقاليم في صالونها الشعري الشهري، لأن استضافتهم تحتاج إلى بدل انتقال ثم إلى حجز للمبيت في أحد الفنادق، وهو ما لم تعد ميزانية المجلس توفره كما كانت تفعل سابقاً».
ورغم ذلك، وحسب طلب، تحاول اللجنة في حدود هذا التضييق أن تفسح الطريق أمام الشعراء من خارج أعضائها ليشاركوا في الأمسيات الشعرية، ولعل من أفضل ما اتخذته اللجنة من قرارات هذا العام هو ألا يزيد عدد المشاركين من أعضاء اللجنة في أي نشاط على الثلث، لكي يبقى الثلثان للشعراء من خارج اللجنة، لافتاً إلى أنه يتفق مع أنه «قد لا يكون تشكيل اللجنة هو التشكيل الأمثل الذي يتسع لتمثيل سائر الأجيال والاتجاهات والمدارس الشعرية، لكن هذا هو حال اللجان الأخرى على العموم، بل قد يكون حال هذه اللجان الأخرى أسوأ بكثير».
ومؤخراً هاجم شعراء، على رأسهم أحمد عبد المعطي حجازي وحسن طلب، الهيئة العامة للكتاب، لإبعادها الأمسيات الشعرية الرئيسية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، التي كانت تعقد لسنوات طويلة في القاعة الرئيسية، وتخصيص مخيم ضيق غير مهيأ للأمسيات، ما أغضب عدداً كبيراً من الشعراء، الذين أعلنوا رفضهم المشاركة، فيما اعتبره الشاعر حسن طلب «مهزلة الأمسيات الشعرية التي شهدناها في معرض الكتاب، حيث قام رئيس الهيئة ومساعدوه بنفي الشعر إلى قارعة الطريق خارج القاعة الرئيسية».
ويكاد يكون النشر الحكومي مغلقاً في وجه الشعر، فلم تتعدَّ الدواوين المنشورة في سلسلة «الإبداع الشعري» في الهيئة العامة للكتاب، فيما يقرب العامين منذ تأسيسها، عدد أصابع اليد الواحدة، وكما يؤكد الشاعر عاطف عبد العزيز، فإنه «ما من شك أن هناك انحساراً واضحاً في حجم منشورات الشعر في المؤسسات الثقافية الرسمية، مثل الهيئة العامة للكتاب، وهيئة قصور الثقافة، والمجلس الأعلى للثقافة، وغيرها، ونظرة واحدة على عدد السلاسل المخصصة للشعر في هذه الهيئات، ومقارنته بما كان قبل 20 عاماً مثلاً، كفيلة بحسم الجدل حول هذا الموضوع».
وتابع شاعر «ترجمان الروائح»: «ليت الأمر يتعلق بتناقص عددها فقط، بل يتخطى ذلك إلى عدم انتظامها، وسهولة اللجوء إلى إيقافها لأوهى الأسباب، ربما كان مرد ذلك هو الشعور العام لدى القائمين على وضع السياسات الثقافية بتلك المؤسسات بهامشية الشعر كفن نخبوي غير قابل للتسليع بطبيعته، بخلاف فن الرواية الذي يتصل مع فنون السينما والدراما ذات الشعبية العارمة بوشائج متينة، والحق أن هذه الظاهرة ليست محلية كما يمكن أن يظن البعض، فدور النشر في العالم الآن باتت تتردد طويلاً أمام نشر الدواوين الشعرية، حتى وإن كانت لأكبر الأسماء، ولأسباب تسويقية بالطبع».
ويرى عبد العزيز أن المؤسسات الرسمية التابعة للحكومات ينبغي أن يكون لها موقف مغاير إزاء تلك المسألة، وألا تتخذ نفس المنظور البائس الذي يزن الكتاب الشعري بمردوده المادي، وذلك لسببين رئيسين: الأول أن موت الشعر إيذان بموت الفنون كلها، بوصفه يمثل جوهر كل فن، فاللقطة السينمائية –مثلاً- لا تخلَّد إلا بقدر محمولها الشعري، الأمر كذلك فيما يتعلق باللوحة والتمثال وما إلى ذلك. والسبب الثاني هو كون الشعر مجدد اللغة الحقيقي، فأفوله سوف يجر وراءه انحسار اللغة التي هي وعاء الفكر. موت الشعر إذن سوف يعني إظلام العالم وصمته».
بدوره، انتقد الشاعر سفيان صلاح، تضييق مساحات نشر الشعر في الصحف والمجلات الحكومية، وحسب قوله، فإن «الشعر أصبح الآن غريباً والصحف تقريباً أقلعت عن نشره كأنه من الممنوعات، وفي الفترة الأخيرة توقفت مجلة الشعر المصرية»، كما توقفت مجلة «المجلة» وتوقفت الصفحة الأدبية الخاصة بنشر الإبداعات في جريدة «الأخبار» واقتصر النشر في «الأهرام» على ملحق الجمعة فقط على فترات وبحجم قليل جداً للشعر، لافتاً إلى أنه حتى الدعم المادي للشعراء يكاد يكون معدوماً، فكل الجرائد حتى التابعة لوزارة الثقافة لا تمنح مكافآت للشعراء. وأخيراً يتساءل صاحب «أحجار ليست لرجم النهر»: «لا أعرف كيف لبلد مثلنا ألا يتحمل مجلة للشعر وفي وزارة ثقافته نافذتان للنشر هما الهيئة العامة للكتاب وهيئة قصور الثقافة؟».



ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.


على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية