الصويا... ورحلة البحث عن المذاق

تاريخ طويل وجغرافيا من الصين إلى أرجاء المعمورة

الصويا... ورحلة البحث عن المذاق
TT

الصويا... ورحلة البحث عن المذاق

الصويا... ورحلة البحث عن المذاق

صلصة الصويا واحدة من أهم المواد أو التوابل الأساسية في المطابخ الآسيوية وخصوصا المطابخ الصينية واليابانية والكورية والفيتنامية والتايلاندية وغيرها.
وعادة ما تضاف صلصة الصويا «للمأكولات عند نهاية الطهو وليس على النار، وهو يستخدم كأساس لصنع الحساء الصافي وكمادة لتتبيل السلطات والمخللات السريعة، كما يستخدم في صنع الشيو كومبو وغيره من التوابل» اليابانية التقليدية.
كما تستخدم الصلصة لغمس السمك والمقليات وغيره من الخضراوات واللحوم وكصلصة للطبخ وتغيير طعم الأطباق واليخنات وكصلصة للمزج مع الصلصات الأخرى أيضا.
ويقول موقع «كيكومان» الخاص بعالم الصويا في هذا الإطار، إن الناس في الشرق وفي والغرب سعوا منذ قرون طويل لإيجاد أفضل الطرق للحفاظ على الغذاء فاكتشفوا من خلال هذه التجربة أن استخدام الملح لا يحافظ على الطعام فقط بل يحسن من نكهته أيضا. وذلك لأن الكائنات الحية الدقيقة تحطم البروتينات الموجودة في الطعام وتحولها إلى مكونات أومامي (المذاق الخامس) تعزز الذوق.
ويضيف الموقع أنه في الصين القديمة، كانت الأطعمة المحفوظة وتوابلها تعرف باسم jiang - جيانغ - ومن هناك جاءت صلصة الصويا على الأرجح. ولطالما «استخدم الناس اللحوم والمأكولات البحرية والخضراوات والحبوب لإنتاج أنواع مختلفة من الـ(جيانغ)». ومن هذه المكونات، كانت الحبوب هي أكثر المواد المتاحة والسهلة التي يمكن التحكم فيها، والأمر نفسه ينطبق على الـ«جيانغ» المصنوع من فول الصويا والقمح على وجه الخصوص والذي تطور بسرعة أكبر. وانتشرت في نهاية المطاف عملية صنع «جيانغ الحبوب» من الصين إلى اليابان وغيرها من البلدان المجاورة. ومن هناك نشأت وتطورت صلصة الصويا التي نعرفها.
- أصل التسمية
يمكن القول: إن لصلصة الصويا أسماء كثيرة تاريخيا ككل منتجات الصويا، لكن أصل الكلمة أو التسمية صلصة الصويا - Soy Sauce، فهو يعود إلى الاسم الصيني القديم جيانغيو - Jiangyou الذي يعني: السائل المستخرج من الجيانغ «والجيانغ كما هو معروف يشير إلى الأطعمة المحفوظة وتوابلها».
وهناك مصطلح آخر أقل استخداما على نطاق واسع ويشير إلى المنتج ذاته وهو دو - يو - Dou - Yu. وهذان الحرفان اللذان يعنيان «السائل المستخلص من فول الصويا» يلفظان باللغة اليابانية بـ«تاماري» (نوع من أنواع صلصة الصويا). وهناك نوع من صلصة الصويا المشابهة جدا للـ«جيانغ يو» وهي الـ«تشيو – Chiyou» (السائل المستخلص من شذرات الصويا أو صلصة شذرات الصويا). الكلمة الكانتونية لـ«صلصة الصويا» هي «شي - ياو - Shi - yau: أو سي - ياو - Si - yau» (مشتقة من تشيو - Chiyou). الكلمة اليابانية لـ«صلصة الصويا» هو «شويو - Shoyu (تلفظ شو - يو)، التي تتدرج من جيانغ يو وتكتب بالأحرف نفسها».
على أي حال فإن الكلمة الإنجليزية - Soy Sauce - صلصة الصويا، فقد جاءت من الاسم الياباني لصلصة الصويا وهو كما ذكرنا شويو - Shoyu كما يبدو لا من الصينية جيانغيو. ويقال: إن كلمة صوصيا لم تكن موجودة لا في الصينية ولا في اليابانية. وكلمة صويا الإنجليزية التي دائما ما تشير إلى فول الصويا جاءت من اليابانية «شويو» والألمانية صويا - Soja على الأرجح، لا من اليابانية دايزو - Daizu أو الصينية دادو - Dadou اللتين تعنيان فول الصويا.
ويضيف «مركز معلومات الصويا» أن أول مرة ذكر فيها اسم صلصة الصويا كان في عام 1679 ومن قبل الإنجليزي جون لوك وجاء على الشكل التالي: صايو - Saio وهو اسم محرف من الاسم الياباني شويو، إذ إن إنجلترا كان تستورده آنذاك من اليابان.
ولكنّ هناك أشخاصا آخرين في إنجلترا استخدموا اسم صوي - Soy وهذا ما بقي في الأذهان منذ أكثر من 230 عاما أي حتى العشرينات من القرن الماضي. وكان هذا الاسم يشير إلى صلصة الصويا لا إلى فول الصويا.
على أي حال فإن أول استخدام لكلمة صلصة الصويا المعروفة كان على يد أحد الأميركيين عام 1899 وجاء Soy - Bean Sauce، وبعد ذلك جاء الياباني أوشيما عام 1905 واستخدمه كما نعرفه الآن حرفيا صلصة الصويا - Soy Sauce.
- التاريخ
يقول البعض إن تاريخ صلصة الصويا يعود إلى عام 300 قبل الميلاد والبعض يقول إلى 800 قبل الميلاد والبعض الآخر يقول: إنه يعود إلى أيام مملكة عائلة تشو التي حكمت الصين بين عامي 1121 و256 قبل الميلاد حيث كان يستخدم ما سبق وذكرنا الـ«جيانغ» وهو معجون مخمر من اللحم والسمك والحبوب. وبعد ذلك وفي أيام حكم عائلة هان بين عامي 206 و220 قبل الميلاد استبدل الناس المكونات من خلال فول الصويا لأنه كان متوفرا أكثر من غيره من المواد الأخرى، إذ كان من السهل زراعته في تربة فقيرة ويسهل حصاده بشكل عام. وخلال هذا الوقت أنتج الناس معجونا خاصا من فول الصويا المخمر اسمه دوشي - Douchi والدوتشي تحول وتطور ليصبح لاحقا إلى ما نعرفه بصلصة الصويا. وأصبح يعرف ذلك بالصينية الحديثة بين عامي 960 و1279 وأيام حكم عائلة سونغ بجيانغيو - Jiangyou.
وانتقلت صلصة الصويا من الصين إلى اليابان في القرن السابع وأصبحت جزءا لا يتجزأ من المطبخ الياباني والكوري والفيتنامي منذ ذلك الوقت. والبعض يقول: إن ذلك حصل في القرن الثالث عشر.
وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن صلصة الصويا وصلت إلى كوريا في القرن الثالث ووجدت مراجعها على بعض الجداريات التي يعود تاريخها إلى القرن الرابع.
كما بدأ استخدام صلصة الصويا في ميانمار في القرنين التاسع والعاشر.
وانتقلت الصلصة إلى الدول الغربية وأوروبا وأميركا في القرنين السابع والثامن عشر حيث أصبحت جزءا لا يتجزأ أيضا من صلصة الـ«وسترشير» التي تم تطوريها في إنجلترا بداية القرن التاسع عشر. وحسب ملفات شركة الهند الشرقية الهولندية، فن صلصة الصويا كانت إحدى المواد التي يتم استيرادها من اليابان. وجاء في وثائق الشركة أنها كانت تستورد 75 برميلا كبيرا من اليابان وتنقل إلى جاكرتا ثم إلى جزيرة جافا وبعد ذلك يتم نقل 35 برميلا منها إلى هولندا.
تستخدم صلصة الصويا كثيرا في دول العالم قاطبة لكن هناك بعض المطابخ الآسيوية التي لا يمكن أن تستغني عنها ومنها مطابخ الصين واليابان وفيتنام وكوريا وماليزيا وإندونيسيا وميانمار والفلبين وسنغافورة وتايوان.
- الصويا في اليابان
لا تقل أهمية صلصة الصويا في اليابان عن الأهمية التي تستحوذ عليها في الصين منذ قرون، ويصعب على اليابانيين الاستغناء عن صلصات الصويا ولهذا هناك عدة أنواع منها: الكوي كوتشي شويو - Shoyu koi kuchi وأوسو كوتشي شويو - Usu Kuchi Shoyu وتاماري شويو - Tamari Shoyu وسايشيكومي شويو - Sai Shikomi Shoyu وشيرو شويو - Shiro Shoyu. كوي كوتشي الأكثر الأنواع المعروفة ذات طعم قوي طيب جدا.
- الصويا في الفلبين
يطلق أهل الفلبين على صلصة الصويا اسم تويو - toyò الذي يستخدم للتعبير عن الاسمين الصيني والياباني الـ«جيانغيو» والـ«شويو». وعادة ما تكون النسخة الفلبينية أخف وأكثر ملوحة من غيرها من صلصات بلدان جنوب شرقي آسيا. وأحيانا تقدم الصلصة إلى جانب الخل وصلصة السمك وأحيانا تخلط مع غيرها من الصلصات. وتستخدم الصلصة الطيبة في أحد أهم الأطباق الفلبينية وهو طبق دجاج أدوبو الذي يطبخ ببطء ويحتوي على الثوم وورق الغار والفلفل الأسود المطحون وصلصة الصويا والخل.
- الصويا في إندونيسيا
يطلق على صلصة الصويا في إندونيسيا اسم كيتجاب - kecap أي الصلصات المخمرة. وهو اسم مماثل لاسم الـ«كاتشاب» . وتعتبر صلصة كيتجاب مانيس - kecap manis النوع الأكثر شعبية في المطبخ الإندونيسي وهي صلصة حلوة المذاق. ويستخدم مصطلح «كيتجاب» أيضا لوصف الصلصات الأخرى غير القائمة على الصويا، مثل كيتجاب إيكان (صلصة السمك) وكيكاب إنغريس (صلصة وسترشير). توجد ثلاثة أصناف شائعة من الكيتجاب القائم على فول الصويا في المطبخ الإندونيسي، وتستخدم إما كمكونات أو توابل:
كيتجاب مانيس - kecap manis الحلوة والسميكة، وصلصة كيتجاب مانيس سيدانغ - Kecap manis sedang المعتدلة الحلاوة والأكثر ملوحة وصلصة كيتجاب أسين - Kecap asin وهي صلصة مكثفة وقوية وداكنة اللون تشبه النسخة اليابانية الأصلية.
- كيفية تحضير صلصة الصويا
لتحضير صلصة الصويا تحتاج إلى فول الصويا - القمح - الملح - الماء - الخميرة.
يتم عادة غسل فول الصويا مرتين قبل أن يغمر بالماء ويوضع على النار ليغلي لمدة أربع ساعات، وخلال هذا الوقت يتم تحميص القمح لمدة 25 دقيقة ثم يطحن قبل أن يخلط مع الفول.
بعد نضج الفول يتم فرده في أوعية مسطحة ومستطيلة حتى يبرد إلى 33 درجة حرارة مئوية، ثم يضاف إليه القمح ويخلط جيدا وبعد ذلك يضاف إلى الخليط بعض الخميرة ويخلط جيدا من جديد.
نسب القمح والفول والخميرة مهمة جدا هنا وتبقى عادة من أسرار الشركات التي تصنعها.
لتفعيل الخميرة يوضع الخليط في جوارير خشبية في غرف يمكن التحكم بدرجات حرارتها لمدة 48 ساعة... ويفترض أن تكون الغرف معتدلة الحرارة والرطوبة وفق الطرق الصينية البدائية.
بعد ذلك يتم خلط ملح البحر مع ماء الينابيع الصافية في أوعية كبيرة أو براميل وتتم إضافة خليط الفول والقمح والخميرة إلى الماء المالح، يتم الخلط من جديد وبعدها إغلاق البراميل بأحكام وتركها للتخمر. بعد ست أسابيع من التخمر تفتح البراميل للتهوية والخلط من جديد وبعد ذلك يتم فتح البراميل مرة كل أسبوع للتهوية. تبقى البراميل في مرحلة التخمير سنة كاملة حتى يكون خليطها جاهزا ومخمرا. بعد السنة يتم فتح البرميل للمرة الأخيرة للتهوية والخلط من جديد. وبعد ذلك يسكب الخليط على شراشف أو قطع القماش المفروشة على أوعية من الحديد الصلب المسطحة والمستطيلة. يلف الخليط بالقماش ويوضع عليه قطع الخشب ويضاف إلى الخشب بعض الأثقال والأوزان ويتم الضغط على الخليط أو بكلام آخر عصره للحصول على صلصة الصويا عبر أنبوب أوعية الحديد. ما تبقى من الفول المعصور يطعم إلى الحيوانات كعلف.


مقالات ذات صلة

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق حمية الملك تشارلز صحية مع بعض الاستثناءات (أ.ف.ب) p-circle 01:25

على مائدة الملك تشارلز... أطعمةٌ عضويّة وبيض الدجاجات التي يعتني بها شخصياً

يدخل الملك تشارلز غداً عامه الـ77 وهو ما زال يحافظ على قوامٍ رشيق بفَضل نظامٍ رياضيّ وحمية صحية قائمة على المأكولات العضوية الطبيعية.

كريستين حبيب (بيروت)

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».