الملك رمسيس الثاني ينتقل إلى البهو العظيم في المتحف المصري الكبير

مصر تستعد لافتتاح أكبر متحف للآثار في العالم

الملك رمسيس الثاني ينتقل إلى البهو العظيم في المتحف المصري الكبير
TT

الملك رمسيس الثاني ينتقل إلى البهو العظيم في المتحف المصري الكبير

الملك رمسيس الثاني ينتقل إلى البهو العظيم في المتحف المصري الكبير

بعد آلاف السنين عاد الملك رمسيس الثاني في موكب رسمي، أمس (الخميس)، ليستقر في موطنه الأول الجيزة ويقف شامخاً عند مدخل البهو العظيم بالمتحف المصري الكبير، يرحب بكل زائر وباحث وعاشق للحضارة المصرية القديمة.
وأقامت مصر احتفالية كبيرة بمناسبة نقل تمثال رمسيس الثاني إلى موقعه الجديد، حيث صاحبته فرقة الموسيقى العسكرية وتقدمته فرقة خيالة في زي المراسم، واستقبله سفراء وقناصل نحو 20 دولة عربية وأجنبية.
التمثال مصنوع من الجرانيت الأحمر ويزن 83 طناً، ويبلغ ارتفاعه نحو 12 متراً، وكان يزيّن حتى وقت قريب أحد أكبر ميادين القاهرة. ورمسيس الثاني هو أشهر ملوك الأسرة التاسعة عشرة في مصر القديمة وامتد حكمه نحو 67 عاماً. وعثر المغامر الإيطالي جيوفاني كافيليا على تمثال الملك رمسيس الثاني في قرية ميت رهينة بالجيزة عام 1820، وحاول نقله إلى إيطاليا، لكنه لم ينجح.
وفي عام 1955، قررت مصر نقل التمثال إلى ميدان باب الحديد بالقاهرة، حيث وقف شامخاً لنصف قرن من الزمان، وأضفى اسمه على الميدان الذي تحول بمرور السنين إلى ميدان رمسيس.
وبحلول 2006 ظهرت آثار المرض على تمثال الملك الذي تأثر بالتلوث والزحام في وسط العاصمة؛ فتقرر نقله إلى أرض المتحف المصري الكبير انتظاراً لاستدعائه من جديد للوقوف في مدخل المتحف ليكون واجهة لحضارة مصر القديمة.
وقال وزير الآثار المصري خالد العناني في كلمة بمناسبة وضع التمثال في موقعه الجديد: «هذا التمثال له حكاية طويلة تبدأ من القرن الثالث عشر قبل الميلاد، أي نحو 3300 سنة، عندما توجهوا إلى محاجر الجرانيت في أسوان لقطع الأحجار اللازمة لنحت وتشييد تمثالين ضخمين وضعا أمام بوابة معبد بتاح الأكبر في منف، أول عاصمة لمصر الموحدة، التي يرجع تاريخها إلى خمسة آلاف سنة».
وأضاف: «عودة التمثال اليوم إلى الجيزة لها معنيان، الأول أنه عاد إلى منف مرة أخرى، أول عاصمة لمصر الموحدة، أما المعنى الآخر فهو أن التمثال يقف اليوم في بهو المتحف الكبير ليعود إلى دوره الأول عندما وضعه قدماء المصريين أمام بوابة معبد الإله بتاح الذي كان يطلق عليه رب الفنانين، وها هو عاد ليحمي أكبر مشروع مصري للحضارة والفن في العصر الحديث».
وأوضحت وكالة «رويترز» للأنباء، أن تكلفة نقل التمثال 13.6 مليون جنيه (نحو 771 ألف دولار) شملت أعمال تدعيم وعزل وتغليف التمثال لحمايته، إضافة إلى رصف وتجهيز طريق بمواصفات خاصة لتحمل ثقل وزنه وتصميم روافع هيدروليكية خاصة.
وجاءت فكرة إنشاء المتحف بسبب تكدس الآثار في المتحف المصري بالتحرير، وعدم إمكانية عرضها بشكل لائق، إضافة إلى وجود كمية كبيرة من الآثار داخل المخازن، لا يوجد مكان لعرضها، فكان لا بد من البحث عن وسيلة أخرى لعرض الآثار المصرية، وإعلاء مشروع «دولة الثقافة» الذي كان يحاول وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني الترويج لها.
ويقول حسني لـ«الشرق الأوسط»: «إن المتحف المصري بالتحرير يعد واحداً من المتاحف المهمة عالمياً، من ناحية العمارة، وباعتباره أول مبنى أنشئ بصفته متحفاً في العالم عام 1902، ويضم 150 ألف قطعة أثرية، لكن مع تطور المتاحف وأساليب العرض المتحفي كان لا بد من إنشاء متحف آخر».
لم يكتفِ فاروق حسني بعرض الفكرة على الرئيس الأسبق حسني مبارك، بل بدأ بنفسه البحث عن مكان لإقامة المتحف، وتم اختيار الموقع الحالي على مقربة من أهرامات الجيزة.
ويقول المنسق العام السابق للمتحف، ومستشار وزير الثقافة الأسبق، محمد غنيم، لـ«الشرق الأوسط»: «تم اختيار موقع المتحف في منطقة تربط بين تاريخ مصر القديم ممثلاً في الأهرامات، وبين مصر الحديثة ممثلة في حي الهرم السكني، ليعرض 5 آلاف سنة من تاريخ مصر القديمة».
ووضع مبارك حجر أساس المتحف في فبراير (شباط) عام 2002، لتعلن وزارة الثقافة في مؤتمر صحافي عالمي وقتها عن مسابقة دولية لتصميم مبنى المتحف، ويقول حسني: «تقدم للمسابقة أكثر من 2000 مكتب معماري، وقدم التصميمات بالفعل 1557 مكتباً استشارياً، وكان هذا رقماً تاريخياً، ربما كان الإقبال بسبب التحدي الذي طرحه الإعلان عن المسابقة، والذي كان يقول: «أعظم مبنى في العالم، أمام أهم مبنى في التاريخ يحتاج إلى أكبر معماري في العالم».
ووقع الاختيار على تصميم هندسي يجعل الأهرامات الثلاثة جزءاً من سيناريو العرض المتحفي، حيث يستطيع زائر المتحف وهو يقف في قاعة العرض الرئيسية أن يرى عبر واجهة المتحف الزجاجية أهرامات الجيزة الثلاثة.
ويقول غنيم: إن «التصميم راعى أن يكون المتحف مركزاً ترفيهياً وثقافياً، حيث يضم مجموعة من الحدائق الترفيهية، إضافة إلى حديقة العرض المتحفي المفتوح، وحديقة الطفل، وحديقة المعبد، إضافة إلى البهو الرئيسي الذي يعرض فيه تمثال رمسيس الثاني».
وتقع قاعات العرض المتحفي على مساحة 6 ملاعب كرة قدم، وفقاً لغنيم، ومن أهم القاعات، قاعة «توت عنخ آمون»، التي ستعرض للمرة الأولى 5 آلاف قطعة أثرية من مقتنيات توت عنخ آمون، وتقع على مساحة 7000 متر، وهي الجزء الذي سيتم افتتاحه قريباً.
ووفقاً لتصريحات الدكتور طارق توفيق، المشرف على المتحف الكبير، فإنه تم حتى الآن نقل 4300 قطعة أثرية من آثار توت عنخ آمون إلى مبنى المتحف الكبير، وسيتم نقل باقي القطع تباعاً، مع قرب الافتتاح، لتكون آخر قطعة هي القناع الذهبي لتوت عنخ آمون.
ويرى فاروق حسني أن «المتحف الكبير يعد مركزاً دولياً كبيراً للثقافة والفنون المصرية»؛ ولذلك يطالب بأن تشترك مؤسسات دولية في إدارته؛ لأنه وفقاً لرؤيته يعد «طاقة اقتصادية عظيمة». مشيراً إلى أن المجلات المتخصصة وصفت المشروع في حينها بأنه «أعظم مشروع ثقافي في القرن الـ21».
ويضم المتحف «أهم وأكبر مراكز الترميم في العالم، حيث تشكل نحو ثلثي مساحة المتحف»، إضافة إلى المخازن المتحفية التي تستطيع استيعاب عدد كبير من الآثار الموجودة، وافتتحت سوزان مبارك قرينة الرئيس الأسبق مراكز الترميم عام 2010، ضمن افتتاح المرحلة الثانية للمشروع التي تم إنشاؤها بالكامل بتمويل من جانب الحكومة المصرية.
ولاستكمال تكلفة المتحف التي كانت تبلغ في بداية المشروع نحو 550 مليون دولار، بدأت مصر التفاوض مع اليابان للحصول على قرض ميسر، ويشير غنيم إلى أنه كان أحد أعضاء وفد التفاوض مع الجانب الياباني، وتم توقيع العقد في مايو (أيار) 2006؛ لتحصل مصر بموجبه على قرض بقيمة 300 مليون دولار، لتقسم تكلفة المشروع 300 مليون دولار من اليابان قرض يسدد على 20 عاماً، و100 مليون دولار تمويل ذاتي، و150 مليون دولار تبرعات، وبدأت مصر بالفعل عام 2010 التخطيط لحملة تبرعات شعبية، لكن جاءت ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، وما تبعها من أحداث لتعرقل إتمام المشروع، ومع الوقت ارتفعت تكلفة المشروع لتتجاوز المليار دولار، وتمت زيادة القرض الياباني بنحو 450 مليون دولار، وبدأت مصر مرة أخرى حملة تبرعات دولية لاستكمال تكلفة المتحف، وكان أول تبرع بقيمة ألف دولار من سائح أجنبي.
وتضع مصر، المتحف ضمن أولوياتها، وتضغط لسرعة الانتهاء من المتحف، وافتتاح أول جزء منه خلال العام الحالي، ويرفض وزير الثقافة الأسبق بشدة فكرة الافتتاح الجزئي للمتحف، ويقول حسني: «المتحف بمثابة مفاجأة أو قنبلة ثقافية كبيرة، لا يجب أن أحوّلها إلى طلقة مسدس»، ويضيف: «مثل هذا المتحف يوجد مرة واحدة في التاريخ، ولا بد أن يتم تنفيذه والإعداد لافتتاحه بروية وحنكة؛ لأنه مشروع قومي اقتصادي وثقافي فني يهم العالم كله وليس مصر فقط».
ومن المفترض أن يضم عند اكتماله 100 ألف قطعة أثرية، نصفها تعرض في قاعات العرض المتحفي، والنصف الثاني يوضع في الأدوار السفلى المخصصة للدراسات الأثرية، ويضم المتحف 7 معامل ترميم متخصصة ومجهزة على أعلى مستوى، إضافة إلى معامل التحاليل والفحوص والتسجيل، وتتصل بمبنى المتحف الرئيسي عبر 3 أنفاق. ووفقاً لغنيم، فإن الدراسات الأولية للمتحف كانت تتوقع أن يبلغ عدد الزوار يومياً نحو 15 ألف زائر.



غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
TT

غياب السينما المصرية عن مهرجان «كان» يثير تساؤلات

ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)
ملصق الفيلم السوداني القصير الذي يُعرض بقسم «أسبوع المخرجين» (مهرجان كان)

تغيب السينما المصرية عن مهرجان «كان» السينمائي في دورته الـ79 بعدما اعتادت الوجود بأفلام في المسابقات الموازية، في حين تشهد الدورة المرتقبة، المقرر عقدها بين 12 و23 مايو (أيار) 2026، حضوراً لافتاً لأفلام من بعض الدول العربية.

وكانت السينما المصرية قد اعتادت المشاركة في المسابقات الموازية على غرار «نظرة ما» و«أسبوع النقاد»، التي توجت فيها بجوائز مهمة من بينها جائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي التي حازها فيلم «رفعت عيني للسما» للمخرجين ندى رياض وأيمن الأمير قبل عامين، وفيلم «ريش» الذي حصل على الجائزة الكبرى لمسابقة «أسبوع النقاد» في الدورة الـ74، والفيلم القصير «16» الذي حمل عنواناً آخر «لا أستطيع أن أنسى وجهك» للمخرج سامح علاء، وتُوّج بالسعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير.

وأكد المخرج أيمن الأمير الذي تُوج فيلمه والمخرجة ندى رياض بجائزة «العين الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي 2024، أن «الأفلام التي تستطيع أن تنافس في المهرجانات الكبرى تظل قليلة مع الأسف، لذا من الممكن أن نشارك في عام وننتظر أعواماً حتى نعود إلى مهرجان (كان) وغيره من المهرجانات الدولية، لا سيما في ظل ظروف تنتاب العالم حالياً، وتلقي بظلالها على كل شيء بما فيها إنتاج الأفلام».

الفيلم اليمني «المحطة» يشارك في مسابقة «أسبوع النقاد» (مهرجان كان)

ويقول الأمير لـ«الشرق الأوسط»: «لو أردت حالياً صناعة فيلم مثل (رفعت عيني للسما) الذي استغرق تصويره عدة سنوات فلن أستطيع إنجازه بسبب أسعار التصوير في الشوارع التي باتت جنونية، ودونما تفرقة بين فيلم ميزانيته كبيرة أو آخر وثائقي»، لافتاً إلى «وجود صعوبات في التصوير لا سيما لمخرجين لديهم رؤية مختلفة»، مؤكداً أن «قوة السينما تكمن في تقديم أنواع مختلفة، وليس الرهان على نوع أو اثنين من الأفلام، وأن هذا يحدث بقوة صنّاعها خصوصاً في ظل غياب دعم الدولة».

وتسجل الدورة الـ79 لمهرجان «كان» حضوراً عربياً لافتاً حيث تشارك 6 أفلام عربية بالأقسام الموازية للمهرجان، دونما تمثيل عربي بالمسابقة الرسمية. فيشارك المغرب بفيلم «الأكثر حلاوة» للمخرجة ليلى مراكشي في مسابقة «نظرة ما»، وهو إنتاج مشترك بين المغرب وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، ويروي قصة امرأة مغربية تسافر إلى إسبانيا للعمل في موسم حصاد الفراولة ضمن رفيقاتها، لكن رحلتها تصبح مزعجة، حيث تتعرض لمضايقات وسوء معاملة، والفيلم من بطولة نسرين الراضي، وفاطمة عاطف، وهاجر غريغا.

ويشارك في المسابقة ذاتها الفيلم الفلسطيني «البارحة ما نامت العين» من كتابة وإخراج راكان مياسي، وهو أول أفلامه الطويلة، ويعرض قصة هروب فتاة تنتمي إلى قرية بدوية عقب اتهامات طالتها بإحراق سيارة حبيبها، وخلال رحلة البحث عنها تتكشف أسرار عديدة.

وينافس الفيلم اليمني الطويل «المحطة» للمخرجة سارة إسحاق في مسابقة «أسبوع النقاد»، وتدور أحداثه حول بطلته «ليال» التي تدير محطة وقود للنساء بقرية يمنية مزقتها الحرب. كما يشارك في المسابقة نفسها الفيلم السوري الوثائقي القصير «نفرون» للمخرج عبد الله داوود.

بينما يشهد برنامج «أسبوع المخرجين» مشاركة الفيلم المغربي القصير «بحثاً عن الطائر الرمادي ذي الخطوط الخضراء» للمخرج سعيد حميش، والفيلم السوداني القصير «لا شيء يحدث بعد غيابك» للمخرج إبراهيم عمر.

لقطة للفيلم الوثائقي السوري «نفرون» (مهرجان كان)

ويرى الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن «غياب السينما المصرية عن مهرجان (كان) أو غيره من المهرجانات الكبرى ليس دليلاً على الضعف، بدليل أن الدورة الماضية كان لدينا فيلمان بالمهرجان هما (عائشة لا تستطيع الطيران) لمراد مصطفى و(الحياة بعد سهام) لنمير عبد المسيح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن نفتح الباب أكثر لمناقشة كل قضايانا، لأن هناك أفكاراً كثيرة تتطرق إلى قضايا حساسة ترفضها الرقابة». كما يشير إلى أهمية عودة الدعم الذي كانت تمنحه وزارة الثقافة للأفلام لوجود بعض التجارب خارج الصندوق التي لا تتحمس لها شركات الإنتاج إلا إذا حازت دعم الدولة، «مما يطرح مجالاً آخر للأفكار التي تصلح للمنافسة في المهرجانات»، على حد تعبيره. ويضيف: «لدينا المواهب، لكن المناخ لم يمنحها القدرة كي تنتعش»، لافتاً إلى وجود أفلام قادرة على التنافس واقتناص الجوائز في تونس والمغرب ولبنان والأردن، وأن مصر لم تشارك في المسابقة الرسمية منذ 8 سنوات، حيث كانت آخر مشاركة بفيلم «يوم الدين» 2018 للمخرج أبو بكر شوقي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، اكتشاف مقبرة نادرة تعود إلى العصر الروماني، خلال أعمال الحفائر التي تنفّذها البعثة الأثرية الإسبانية و«معهد الشرق الأدنى القديم» بمنطقة «البهنسا» بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية، إلى جانب توابيت خشبية، و3 ألسنة ذهبية إضافةً إلى لسان آخر من النحاس، فضلاً عن دلائل على استخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات، وفق بيان الوزارة.

وأوضح أستاذ الآثار بجامعة القاهرة ومدير الحفائر بالبعثة، الدكتور حسان عامر، أن «أعمال الحفائر في المقبرة رقم (65) أسفرت عن الكشف عن ألسنة ذهبية ونحاسية، إلى جانب عدد من المومياوات الرومانية، بالإضافة إلى توابيت خشبية ملوّنة داخل حجرة دفن تحت الأرض»، مشيراً إلى «تدهور حالتها نتيجة تعرّضها للنهب في العصور القديمة».

توابيت مُكتشفة داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعدّ قرية البهنسا (شمال المنيا) من المناطق الأثرية الثرية التي تضم آثاراً تعود إلى عصور مختلفة، من المصري القديم إلى اليوناني والروماني والقبطي والإسلامي. وقد عثرت فيها البعثة نفسها في عام 2024 على ألسنة وأظافر ذهبية وعدد من المقابر تعود إلى العصر البطلمي، مُزيَّنة بنقوش وكتابات ملوّنة، بداخلها مجموعة من المومياوات والهياكل العظمية والتوابيت، وغيرها من اللقى الأثرية.

بدوره، أشار عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إلى أهمية الكشف، بكونه «إضافة علمية بالغة الأهمية لفهم أحد أكثر المواقع المصرية ثراءً وتعدّداً في طبقاته الحضارية خلال العصور اليونانية والرومانية»، مؤكداً أنّ «إقليم مصر الوسطى لم يكن هامشاً حضارياً، بل كان مركزاً تفاعلياً نشطاً داخل العالم المتوسّطي القديم».

تكوين المقبرة المُكتشفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعدَّ عبد البصير «العثور على ألسنة ذهبية بمنزلة نافذة مباشرة على المعتقدات الجنائزية في تلك المدّة»، موضحاً أنّ «الذهب كان يُستخدم بوصفه رمزاً للخلود والعبور إلى العالم الآخر، وهو تقليد يعكس امتزاج الفكر المصري القديم بالتصوّرات اليونانية والرومانية حول الموت والحياة بعده».

وكشفت الحفائر جنوب الموقع عن «تماثيل صغيرة من التيراكوتا والبرونز، من بينها تماثيل للمعبود (حاربوقراط) على هيئة فارس، وتمثال صغير لـ(كيوبيد)».

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إنّ «الكشف يُقدّم رؤى جديدة حول الممارسات الجنائزية في مدينة البهنسا خلال العصرين اليوناني والروماني»، لافتاً إلى «نجاح البعثة في الكشف عن بردية نادرة داخل إحدى المومياوات، تتضمَّن نصاً من الكتاب الثاني من الإلياذة للشاعر هوميروس، يصف المشاركين في الحملة اليونانية ضدّ طروادة، والمعروف باسم (فهرس السفن)»، مضيفاً أن «هذا الاكتشاف يضيف بُعداً أدبياً وتاريخياً مهمّاً للموقع».

مقبرة المنيا النادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووصف عبد البصير اكتشاف البردية بأنه «أمر استثنائي يربط بين النصوص الأدبية اليونانية والطقوس الجنائزية في مصر، ويؤكد أنّ البهنسا لم تكن فقط موقعاً للدفن، بل كانت أيضاً فضاءً ثقافياً تفاعلياً تتجاور فيه اللغة والطقس والرمز».

كما أسفرت أعمال الحفائر شرق المقبرة البطلمية رقم (67)، المُكتشفة خلال موسم 2024، عن فتح خندق يحتوي على 3 غرف مبنية من الحجر الجيري، لم يتبقَّ منها سوى أجزاء محدودة، وفق تصريحات رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وقال عبد البديع إنّ «البعثة عثرت في الغرفة الأولى على لوح حجري وجرة كبيرة تحتوي على بقايا بشرية محروقة تعود لشخص بالغ، إلى جانب عظام طفل رضيع ورأس حيوان من فصيلة السنوريات، وجميعها كانت ملفوفة بقطع من النسيج»، في حين «احتوت الغرفة الثانية على جرّة مماثلة تضمّ بقايا شخصين محروقين، بالإضافة إلى عظام حيوان من الفصيلة نفسها».

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، وفق البيان، أنّ «الكشف يُضاف إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية المهمة التي شهدتها محافظة المنيا أخيراً، ممّا يعكس ثراء الحضارة المصرية عبر العصور وتنوّعها».

جانب من المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق عبد البصير، فإنّ «الكشف يضيف بعداً جديداً إلى تاريخ البهنسا بوصفها مدينة الموتى المقدسة في مصر القديمة»، مشيراً إلى أنّ «كلّ طبقة تُكتشف هناك لا تروي فقط تاريخ مدينة، بل تكتب فصلاً جديداً في تاريخ الحضارة المصرية الممتدّ والمُتجدّد عبر العصور».

ويُذكر أنّ البهنسا عُرفت في المرحلة الرومانية باسم «بيمازيت»، وفتحها قيس بن الحارث المرادي عام 22 هجرية، وسُمّيت ولاية البهنسا في العصر الإسلامي، وكانت تمتدّ من منطقة الواسطى حتى سمالوط، واستمرّت عاصمة للإقليم حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وعُرفت بـ«أرض الشهداء» أو «البقيع الثاني»، نسبةً إلى الشهداء الذين لقوا حتفهم على أرضها خلال الفتح الإسلامي، حيث تضم، وفقاً لوزارة السياحة والآثار، 17 قبة ضريحية للصحابة والتابعين الصالحين، مثل قبة السبع بنات ومقام سيدي جعفر.


أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة، فمنذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن واقعة قتل شقيقها على أيدي جماعات متطرفة تحمل أبعاداً متعددة، سواء على مستوى الصراع السياسي بين الهند وباكستان أو على مستوى التناول العائلي أو الدولي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها احتاجت وقتاً طويلاً لتحدد أي زاوية ستختار، قبل أن تحسم قرارها بالتركيز على قصة شقيقها هانز وحده، وما مرّ به خلال فترة احتجازه، لأن امتلاكها لكتاباته وقصائده التي دونها في تلك الفترة جعلها تميل إلى تقديم العمل من داخله، وليس من خارجه.

وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم تحقيقات أو عمل من نوعية «الجريمة الحقيقية»، لأنها تعرف بالفعل ما حدث، وتدرك قسوة النهاية، فالتقارير الإخبارية التي وثّقت الواقعة كانت كافية في عرض الجانب العنيف منها، مما جعلها تفضّل البحث عن لغة مختلفة، ولغة أكثر شاعرية وتجريداً، تعكس ما كتبه شقيقها بنفسه.

المخرجة النرويجية (الشركة المنتجة للفيلم)

ينطلق فيلم «البجعة الذهبية» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» من واقعة حقيقية تعود إلى عام 1995، لكنه لا يقدّمها بوصفها مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل يعيد تفكيكها من الداخل، عبر تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، من خلال رحلة داخلية يخوضها شاب نرويجي يبحث عن المعنى، قبل أن يجد نفسه أسيراً في قلب صراع معقد في كشمير.

تعتمد المخرجة أنيت أوسترو على رسائل وقصائد شقيقها هانز، التي كتبها خلال فترة أسره من قبل جماعة مسلحة اختطفته في الجانب الهندي من كشمير للضغط على الحكومة الهندية من أجل الإفراج عن سجناء، وشكلت هذه الرسائل العمود الفقري للسرد، ويتحول النص الشخصي إلى شهادة وجودية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الجريمة أو المفاوضات السياسية، ينشغل الفيلم بما كان يدور داخل الإنسان نفسه، الخوف، الأمل، مقاومة الانكسار، ومحاولة التمسك بالإنسانية في مواجهة العنف، عبر مزج المخرجة بين الأرشيف العائلي، ولقطات الفيديو القديمة، والتصوير المعاصر، إلى جانب عناصر تعبيرية.

تؤكد المخرجة النرويجية أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية التعامل مع الحزن الشخصي دون أن يطغى على بنية الفيلم، مشيرة إلى أن الحادث وقع عام 1995 وكان صدمة هائلة لها ولعائلتها، وأنها أمضت سنوات طويلة في محاولة التعايش مع هذا الفقد.

أرشيف شقيقها الراحل كان المرجع الرئيسي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها عندما بدأت دراسة السينما كان يُطرح عليها دائماً سؤال حول متى ستصنع فيلماً عن شقيقها، لكنها لم تكن تملك الإجابة في ذلك الوقت، لافتة إلى أنها لم تكن مستعدة لخوض هذه التجربة إلا بعد مرور سنوات، وبعدما خاضت رحلة طويلة في التعامل مع مشاعرها.

وأكدت أنها عندما قررت أخيراً تنفيذ الفيلم، اضطرت للعودة إلى كل تفاصيل القضية والبحث فيها من جديد، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن المتجدد، لكنها في الوقت نفسه وجدت طريقة للتعامل مع ذلك، فتعاملت مع نفسها ومع شقيقها بوصفهما شخصيتين داخل العمل، وليسا مجرد تجربة شخصية، مشيرة إلى أن هذا الفصل بين الذاتي والسينمائي ساعدها على عدم السماح للحزن بأن يسيطر على البناء الفني، لأن الفيلم ليس عن حزنها أو حزن عائلتها، بل عن تجربة شقيقها نفسه.

وأوضحت أنها خلال إعادة قراءة رسائل وقصائد شقيقها من منظور إخراجي، اكتشفت أشياء لم تكن قد أدركتها بالكامل من قبل، وفوجئت بمدى شجاعته وقوته الداخلية، لأنه رغم محاولاته المتكررة للهروب وما تعرض له من عقاب وعزلة، ظل متمسكاً برغبته في الحرية، والأهم من ذلك أنه لم يفقد إنسانيته، بل كان يحاول رؤية الجانب الإنساني حتى في من احتجزوه، وهذا الجانب تحديداً كان الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.

وأضافت أن قراءة هذه النصوص في السابق كانت تمنحها نوعاً من العزاء، لكنها هذه المرة تعاملت معها بشكل مختلف، فقامت بتحليل كل كلمة وكل جملة، وهو ما كشف لها عمق التجربة التي عاشها شقيقها، لافتة إلى أنها قبل العمل على الفيلم لم تكن قد استوعبت بشكل كامل كيف كان يعالج خوفه داخلياً خلال فترة الاحتجاز.

قدمت المخرجة واقعة مقتل شقيقها من منظور مختلف في شريط وثائقي (الشركة المنتجة)

وأشارت أنيت أوسترو إلى أن مسألة تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل سينمائي كانت معقدة، لأن الذاكرة بطبيعتها ذاتية ومشحونة بالمشاعر، بينما السينما تفرض نوعاً من التنظيم وإعادة البناء، وهو ما جعلها تظل صادقة مع ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تقدم فيلماً يحمل بنية واضحة.

كما تحدثت عن إدخال عنصر الرقص في الفيلم، موضحة أن شقيقها كان مهتماً بالرقص وسافر إلى الهند لتعلم أحد أشكاله، وهو ما دفعها للتفكير في استخدام الرقص وسيلةً تعبيريةً، مشيرةً إلى أنها في البداية فكرت في الاستعانة براقص رجل، لكنها شعرت أن ذلك لا يعكس الفكرة بشكل مناسب، قبل أن تقرر استخدام راقصة تجسد الحياة الداخلية للشخصية بشكل أكثر تجريداً، وهو ما ساعدها في التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تنقلها.

Your Premium trial has ended