جذور المطبخ الليبي... في كتاب «ماء وملح»

من الفرس والفراعنة والأمازيغيين وغيرهم

جذور المطبخ الليبي... في كتاب «ماء وملح»
TT

جذور المطبخ الليبي... في كتاب «ماء وملح»

جذور المطبخ الليبي... في كتاب «ماء وملح»

رغم الازدياد الكبير والملحوظ لعدد الكتب الخاصة بالطبخ والمطابخ هذه الأيام، فإن الكتب العربية التي تشد الانتباه قليلة جداً، وهناك محاولات تستحق الاهتمام والتحية مثل كتاب بلقيس شرارة الموسوعي «الطباخ دوره في حضارة الإنسان». ومن هذه الكتب اللافتة للانتباه أيضاً كتاب «ماء وملح أضواء على المطبخ الليبي» لمحمد المغيربي ونجاة المغيربي، ويمكن القول إن هذا الكتاب من أهم الكتب التي تسلِّط الضوء على المطبخ الليبي بتفاصيله المهمة، بشكل لم يسبق له مثيل. فالجهد الرائع المبذول في أكثر من 325 صفحة كان في مكانه وضرورة من ضرورات الثقافة العامة. إذ يظهر الكتاب الغني والشامل التنوُّع الذي يتمتع بها المطبخ الليبي، والتلاقح بينه وبين بقية المطابخ الغربية والعربية من ناحية الأطباق والمكونات والأسماء وغيره. وقد تعرض وعرض الكاتبين أكثر من 220 وصفة من وصفات الطعام المتعددة التي يتناولها الليبيون بشكل واضح بالصور، وكل المعلومات الضرورية.
وفضلاً عن الوصفات والأطباق الكثيرة والإهداء بالطبع، فقد ضم الكتاب فصولاً جيدة عن المطبخ الليبي في قديم الزمان وفصلاً آخر عن طبيعة الغذاء كوسيلة للكشف عن الهوية الأخلاقية والثقافية للشعوب، وفصلاً آخر هما عن تأثُّر المطبخ الليبي ببقية المطابخ الأخرى. كما تعرض الكاتبان للآداب والتقاليد الليبية الخاصة بالطعام، بالإضافة إلى فنيات وتقنيات هذا المطبوخ المجهول بالنسبة لكثير من العرب والأجانب. ثم تحدث الكاتبان عن ثقافة المطبخ الليبي والمناسبات الاجتماعية، وخلال شهر رمضان، وأقدم وأشهر المطاعم الشعبية الليبية، وأخيراً في الترشيد والتوجيه الغذائي.
وعن المطبخ القديم، يعود الكاتبان إلى طبيعة الحياة في النصف الأول من القرن الماضي في طرابلس، وكيف كان الناس يعيشون ويطبخون معا في نظام «الحوش» أو نظام الأسرة الكبيرة. ويقولان بهذا الصدد إن المطبخ كان «يضم موقداً لكل أسرة، ثم تكوَّر فاستعمل الكانون (بابور الغاز) والكوجينا التي تُصنَع من الزنك. وعادة ما كانت تُستعمَل وسط (الحوش) وداخل الدار... كانت الأسرة يومها تأكل من عمل يديها، وكانت تحتفظ بمخزون (استراتيجي) من القمح والشعير والكسكسي والمحمصة والدويدة حيث يشترون ما يحتاجون إليه من السميد والدقيق والزيت، ويشرحون ويجففون الطماطم ويعدون القديد في الصيف... وكان الإنسان يعتمد اعتماداً كلياً على ما تجود به أرضه الطيبة فيجني محصولها من شعير وقمح وذرة وتمر».
ولكن وبدل شرح وعرض السلع الأوروبية التي دخلت إلى ليبيا في السنوات الأخيرة، ينتقد الكاتبان في هذا الفصل ويعترضان على السلع الأوروبية ويعتبران طبيعتها الاستهلاكية خطراً على العادات والتقاليد المحلية، التي من شانها أيضاً أن تغير من الأخلاق والسلوك الليبي.
ويتحدث الكاتبان في تأثر المطبخ الليبي بالمطابخ الأخرى في الحلويات التي جاءت بها الإمبراطورية العثمانية إلى البلاد، ويضيفان: «فقد كان المطبخ الليبي وما زال يزخر بالعديد من الأكلات ذات الأصول الإيرانية مثل الرشتة، والتركية مثل الكفتة والضولمة والياخني والمرمز والبوريك والمبطن والطباهج، والطواجن المختلفة... إلخ. كما تأثر بالمطبخ الإيطالي حيث يوجد فيه كثير من الأطباق والأسماء الإيطالية، خصوصاً فيما يتعلق بالمعجنات مثل السباغيتي والرافيولي واللزانيا والكانيلوني والبيتزا.. والأهم من ذلك يتحدث الكاتبان عن دور الأقليات واليهود في المطبخ الليبي، ويقولان بهذا الصدد: «كما أرست بعض الأقليات الأخرى أنواعاً من الأطعمة كتلك التي تتعاطاها الجاليات المالطية واليونانية، لا ننسى طبق الدفينة الذي يحضر على أساس كوارع البقر ومختلف البهارات، وهو من أشهر الأطباق التي يحضرها اليهود ليوم السبت إلى جانب المثاومة والفاصوليا بالخنافر وفاصوليا بالكرشة. كما كان ليهود طرابلس باع كبير في تحضير أنواع متخلفة من أطباق السمك، مثل الحرايمي وخلافه والقرعة الحمراء، التي يرى البعض أنها ذات جذور فرعونية».
ويضيف الكاتبان في هذا الفصل المهم أن اليهود كانوا يتفننون في الطبخ وقد كانت أزقة الحارة وشارع الأكواش بباب البحر على وجه الخصوص تعج بسفر الخبز وطواجن الأكل.
وكما يقول الكاتبان، فإن موقع ليبيا المتميز جغرافياً كنقطة عبور آمنة لتجار القوافل التي كانت تربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب ومواكب الحجاج، انعكس عليها مطبخياً، إذ تأثرت ليبيا بالكثير من الثقافات الأخرى «مما جعل مطبخها متنوعاً في الأطباق والمواد، وكذلك في الأواني المستخدمة قديماً، إضافة إلى أسماء كثير من الأكلات التي نجد لها أصولاً تركية وفارسية وأندلسية ومغربية وتونسية وشامية، وحتى الأفريقية أيضاً مثل التكره».
ويتحدث الكاتبان هنا عن الأصول الأمازيغية لطبق «الكسكسي»، وعن تعبير الطبق عن الوحدة الجغرافية والثقافية لمنطقة شمال أفريقيا منذ القرن السابع الميلادي.
في عالم المقبلات يعرض الكاتبان 17 طبقاً، ومنها: «بوريك البطاطا المهروسة»، و«بوريك بالسبانخ والجبن»، و«تارت شاورما بالفطر»، و«القوارب»، و«المجلة»، و«الفخيضة»، و«خبيزة باللحم المفروم»، و«خبيزة بالدجاج»، و«عين الصبية»، و«كبة البطاطا»، و«بيتزا ملفوفة».
أما عن السلطات، فيعرض الكاتبان 29 طبقاً متنوعاً، ومنها: «سلطة الجزر» و«سلطة مشوية» و«سلطة البدنجال والبطاطس»، و«سلطة رقائق الخبز»، و«سلطة البدنجال المشوي»، و«سلطة الفول الأخضر»، و«سلطة الذرة»، و«سلطة روسية» و«شرمولة» و«سلطة ساخنة»، و«سلطة فاصوليا خضراء بالبيض واللحم المفروم»، و«سلطة جرجير مع البنجر»، و«سلطة مشكلة»، و«سلطة الربيع»، و«سلطة النقانق»، و«سلطة خيار»، و«سلطة حمص»، و«سلطة الأعشاب العطرية»، و«هريسة الفلفل الأحمر»، و«فلفل مشوي متبل»، و«المسير.
أما أنواع الشوربة فكانت كثيرة ووصلت إلى 20 طبقاً ومنها: «شوربة ليبية» و«دشيشة» و«شوربة هريسة» و«لوسا» و«شوربة حلبة»، و«شوربة دجاج»، و«شوربة عدس» و«فول مدشش»، و«شوربة فاصوليا»، و«شوربة حمص»، و«شوربة خضار» و«شوربة قرع (يقطين)»، و«شوربة قريعة (كوسة)»، و«شربة زهرة»، و«شوربة بدنجال».
وعلى صعيد المحاشي أو المحشيات، كما يقول الكاتبان فهناك ما لا يقل عن 14 طبقاً معروفاً، ومنها: «ضولمة سلك (سلق)»، و«ضولمة قريعة (كوسة)»، و«ضولمة كرنب (ملفوف)»، و«ضولمة ورق عنب»، و«ضولمة فلفل (فليفلة)»، و«كفتة بالبصلة»، و«كفتة دجاج»، و«كفتة فلفل»، و«عصبان».
ومن «اليخاني» أو «الياهيني» جاء في الكتاب 18 طبقاً رئيسياً، ومنها: «ياهني بطاطا» و«ياهني فاصوليا»، و«ياهني فاصوليا (فاطمة هانم)»، و«ياهني بازيلا»، و«ياهني باميا»، و«ياهني بليبشه» و«ياهني سبانخ (سباناك)»، و«ياهني زهرة» و«ياهني فول أخضر»، و«ياهني ملوخية»، و«ياهني بالكوارع»، و«كوكلة». أما الأطباق الرئيسية والأساسية فقد كانت 35 طبقاً وهي: «كسكسي بالبصل»، و«كسكسي بالقريد»، و«كسكسي بالخضرة»، و«ملتوت»، و«كسكسي عسلوز» و«رشتة برمة (مبكبكة)»، و«رشتة كسكاس»، و«محمصة بالقرقوش»، و«رز بالخلطة» و«فتات بلمسة طرابلسية»، و«رز بالبصل»، و«رز بالكيما»، و«رز أبيض بالجزر»، و«البازيلا والطماطم»، و«رز بالخضرة والقديد»، و«عصبان مشرتع»، و«رز مبكبك»، و«برغل بالخلطة»، و«معكرونة مبكبكة»، و«معكرونة بالبصلة»، و«البركوكش»، و«معكرونة صلصة بالطماطم»، و«معكرونة صلصة باللحم المفروم»، و«شعيرية باللحم المفروم»، و«معكرونة بالثوم والحبق وزيت الزيتون»، و«معكرونة محشوة بالسلك والجبنة الفيتا»، و«لازانيا»، و«كنيللوني»، و«يازين بلحم الخروف»، و«بازين بالقديد»، و«بازين بطبيخة الفول»، و«بازين ولوسة»، و«بازين وحساء»، و«بازين باللبن» و«العصيدة».
وقد عرض الكاتبان أيضاً فرعاً عن الطواجن حيث وصل عدد أطباقها إلى 9 أطباق، ومنها: «طباهج»، و«طاجن دجاج»، و«طاجن كرنب زهرة»، و«طاجن بطاطا بلحم الخروف»، و«طاجن البادنجال باللحم المفروم»، و«لحم بين نارين».
ولا عجب أن يكون أكبر عدد من الأطباق هي الأطباق الرئيسية وأطباق المأكولات البحرية، إذ إن ليبيا تملك أطول السواحل الأفريقية على البحر الأبيض المتوسط، التي يصل طوله إلى أكثر من 1700 كيلومتر تقريباً. على أي حال فإن الكاتبين ذكرا بالتفصيل 23 طبقاً من أطباق الأسماك، وهي: «سويس رول السردينة» و«كلامار مقلي» و«سردينة مقلية»، و«خبيزة بالطن والهريسة»، و«سكالوب السردينة»، و«شربة سمك»، و«سلطة الأنشوفا»، و«سلطة الرنجا مع التفاح الأخضر»، و«سلطة فواكه البحر»، و«سمك مشوي بالفرن» و«حرايمي»، و«باويليا بالسيبيا»، و«معكرونة مبكبكة بالحوت»، و«طاجين سردينة»، و«كسكسي بالحوت»، و«برغل بالسمك»، و«أرز بالكلامار»، ومعكرونة صلصة بالتن»، و«معكرونة بالسردينة»، ومعكرونة بالقمبري»، و«لازانيا بفواكه البحر»، و«بازين بالحوت».
كما ضم الكتاب فصلاً خاصّاً في المخبوزات ضم 8 أنواع من الخبز، و10 أطباق جانبية و30 طبقاً من الحلويات و9 أنواع من المشروبات.
-- من الأطباق الرئيسية :
- البركوكش
من الأكلات الليبية التقليدية القديمة، التي انقرضت منذ مدة طويلة، وعادة ما كان يوضع بها نبات الحريق والحميضة والخبيزة وهي من الأعشاب البرية، وقد استبدلنا بها أعشاباً عطرية مثل «الشبت» و«الكسبر» و«النعناع» و«البليبشة».
- المقادير
ست قطع من القرقوش - ملعقتا معجون طماطم - ثلاث ثمرات طماطم - نصف كوب دهان (دهن) - رأس بصل مفروم - نصف كوب حمص - نصف كوب «بازيليا» - ربع كوب عدس - ملعقتا حلبة - كوب ونصف دقيق - ملعقتا شبت مفروم - ملعقتا كسبر مفروم - ملعقتا نعناع مفروم - بليبشة - فلفل أخضر - لتر ماء - نصف ملعقة فلفل أخضر - نصف ملعقة بزار - ملعقة كراوية - ملح - ملعقة فلفل مجروش.
- طريقة التحضير
نأخذ طنجرة ونضع بها الماء ونضعها على النار حتى يغلي الماء ثم نضيف إليه القرقوش والطماطم وباقي التوابل والدهان والبقول ونتركه يغلي حتى ينضج «القديد»، ثم نعوض الماء المفقود ونتركها على النار. ثم نأخذ صحناً ونضع به الدقيق ونرشه بنحو نصف كوب ماء ونفركه بالأصابع. نضع الأعشاب العطرية بالمرق ثم نضيف إليه الدقيق المفروك ونتركه يغلي لمدة 10 دقائق ثم يسكب في صحن ويقدم ساخناً.
- من اليخنات :
ياهني (يخنة) زهرة (قنبيط أو قرنبيط)
- المقادير:
كرنب زهرة متوسط الحجم - كيلو لحم - نصف كوب زيت - نصف ملعقة بزار - فلفل حسب الرغبة - ملح حسب الرغبة - ملعقة صغيرة فلفل أسود مطحون - ملعقة صغيرة قرفة ملعقة صغيرة زنجبيل - 3 ملاعق معجون الطماطم - بصلة متوسطة الحجم مفرومة.
- طريقة الإعداد:
نغسل الزهرة وتقطع ثم تسلق وتغمس بالبيض والدقيق وتقلى وتوضَع جانباً على مناشف ورقية لامتصاص الزيت، ثم نقوم بإعداد المرق فنأخذ الزيت ثم نضيف إليه البصل ويقلب قليلاً ثم نضيف إليه اللحم والملح ويقلب قليلاً ثم نضيف معجون الطماطم ويقلب قليلاً، ثم نضيف باقي التوابل مع أربعة أكواب من الماء ونتركها تغلي حتى ينضج اللحم مع إضافة قليل من الماء من حين إلى آخر حتى لا تحترق الطبخة ثم نأخذ الزهرة المقلية ونضعها بالمرق ونتركها تغلي لمدة خمس دقائق، ثم نطفئ النار ونسكبها بصحن وتُقدَّم ساخنة.


مقالات ذات صلة

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)

الأطعمة المخمّرة... تقاليد تتقاطع بين ثقافات متعددة

الميسو أحد أبرز المكونات التقليدية في المطبخ الآسيوي
الميسو أحد أبرز المكونات التقليدية في المطبخ الآسيوي
TT

الأطعمة المخمّرة... تقاليد تتقاطع بين ثقافات متعددة

الميسو أحد أبرز المكونات التقليدية في المطبخ الآسيوي
الميسو أحد أبرز المكونات التقليدية في المطبخ الآسيوي

في المطبخ العالمي، تتقاطع تقاليد تخمير الطعام بين ثقافات متعددة. ورغم أن هذه التقنية ارتبطت تاريخياً بضرورات الحفظ، فإن النظرة الحديثة تكشف وجهاً آخر لها؛ إذ تفتح الباب أمام طيف واسع من النكهات، تتدرج بين الحلو والحامض.

فمن الزبادي وبعض الأجبان، إلى وصفات مخلل الملفوف والكومبوتشا والكفير، وصولاً إلى نكهة «الأومامي» الغنية، تبرز العديد من وصفات الأطعمة المخمرة.

ففي السنوات الأخيرة؛ ازدادت التوجه للأكلات المخمرة، لا سيما مع نكهاتها المميزة التي باتت تجذب شريحة واسعة من محبي التجارب المطبخية، فضلاً عن الباحثين عن التنوع في الطعام الصحي، وفق شيف أحمد الشناوي.

ويشير الشناوي إلى أن «هذه الأطعمة تحمل فوائد معززة لصحة الأمعاء عبر دعم البكتيريا النافعة، كما تقوي جهاز المناعة، ويناسب بعضها متبعي الحمية الغذائية».

الشيف المصري أحمد الشناوي (الشرق الأوسط)

وتبدو خطوة إعداد هذه الأصناف المخمرة منزلياً خياراً سهلاً وممتعاً لمن يرغب في إدخالها إلى نظامه الغذائي بصورة منتظمة؛ إذ يمكن تحضيرها بجهد بسيط ونتائج مرضية. ويقول شيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم أن معظم الأطعمة المخمرة يمكن تناولها أو شربها كما هي، فإن متعة إضافية تكمن في استكشاف طرق إبداعية لدمجها ضمن الوجبات اليومية؛ إذ يظل هذا العالم الواسع مفتوحاً على أفكار جديدة تجمع بين الفائدة والمتعة في آن واحد».

لكن ما هي الأطعمة المخمرة؟ ولماذا بدأت تحتل مساحة بارزة في مطابخ العالم؟

يحتوي الزبادي على بكتريا نافعة بفضل التخمير

يقول اختصاصي التغذية الدكتور أيمن ساهر لـ «الشرق الأوسط»: «تعد من أقدم أنواع الطعام؛ إذ يعد التخمير من أقدم وسائل حفظ الطعام؛ فقد لجأت إليه الحضارات القديمة قبل ظهور وسائل التبريد الحديثة».

ويوضح أن هذه التقنية، مثلما تعمل على إطالة عمر المنتجات الغذائية، فإنها تسهم أيضاً في تحسين قابلية الهضم، وتعزيز امتصاص العناصر الغذائية، ورفع المناعة. ومن اللافت أنه مع ازدياد الوعي بالغذاء الصحي، عادت لتفرض نفسها في عالم الطهي. ومن أبرز هذه الأطعمة:

الأجبان

يُعد عالم الأجبان المختمرة رحلة رائعة في عالم النكهات والقوام والفوائد الصحية المتنوعة، ويقدم كل جبن تجربة مختلفة، وطريقة لذيذة لتحسين صحة الجهاز الهضمي. ويوضح الشناوي: «يعد الجبن مخمراً عندما تدخل في إنتاجه بكتيريا حية نشطة تستمر بعد التصنيع، مثل: الجبن الأزرق، الشيدر المعتق، البرميزان، أو عندما يمر بمرحلة تعتيق تسمح بتطور النكهات بفعل الميكروبات».

الأجبان المختمرة رحلة رائعة في عالم النكهات

ويتابع: «ومن أفضل أنواع الجبن المخمرة هي الكمتي (Comté)، وهو جبن فرنسي معتق يشتهر بكثافة الميكروبات المفيدة». ويحتوي على أكثر من 100 نوع من البكتيريا في كل غرام، كما أنه من أغنى أنواع الجبن بالنكهات والبروبيوتيك الطبيعي.

وإذا أردت الاستمتاع بمذاق ثري في أطباقك، يمكنك إدخال جبن الكمتي في عدد كبير من الوصفات المعروفة في المطبخ الفرنسي، كما أنه يناسب كثيراً من الوصفات العربية والعالمية؛ لأنه يذوب بشكل ممتاز، ويتمتع بنكهة غنية تشبه مزيجاً من الغرويير والبارميزان، وفق الشناوي.

الكيمتشي

ومن أشهر تلك الوصفات «غراتان البطاطس» بالثوم وكريمة الطبخ، وطبقة سخية من هذا الجبن الذي يمنح الوصفة قواماً ذهبياً ونكهة عميقة.

ويقترح الشناوي أيضاً وصفة «المعكرونة بالكمتي والفطر» والزبد والثوم والكريمة الخفيفة، وهي بديل رائع عن مكرونة ألفريدو التقليدية، أو «شطيرة الكمتي» مع الديك الرومي أو اللحم البارد، و«شوربة البصل الفرنسية» مع طبقة كمتي ذائبة والبصل المقلي ومرق اللحم والخبز المحمص وكمتي مبشور مشوي يضاف على الوجه.

كما أنه خيار مميز لمحبي البيتزا ذات النكهة القوية، أما عشاق السلطات، فنقدم لهم «سلطة أوراق السبانخ» والجوز أو اللوز، وصوص خفيف بالليمون، ومكعبات جبن كمتي، ويتم خلطها وتقديمها دافئة.

يمكن تناول الكفير كمشروب.. أو كمكون يمنح الأطباق نكهة منعشة

الكيمشي

هو أيقونة المائدة الكورية وسرها المخمر؛ فهو طعام تقليدي عبارة عن مزيج من الخضراوات المخمرة، يتكون من التوابل والخضراوات مثل الملفوف والفجل والكراث والخيار والبطاطا الحلوة، يشبه «المخلل» في الثقافة العربية. ويقوم هذا الطبق على مكونات بسيطة، أبرزها الملفوف، وكميات وفيرة من الثوم، ومسحوق الفلفل الأحمر الحار، إلى جانب مكونات أخرى، ويحفظ الكيمشي في مكان بارد، ويُقدم كمقبلات أو طبق جانبي إلى جانب الأرز.

ويوضح الشناوي: «على الرغم من أن الكيمشي عادة ما يكون مزيجاً مالحاً وحامضاً، فإنه يأتي بنكهات متنوعة حسب التوابل والبهارات والخضراوات المستخدمة». مشيراً إلى أن «الخضراوات المخمرة في الكيمشي تعد من أغنى الأطعمة بالبكتيريا النافعة (بروبيوتيك)، وهو ما يمنحه قائمة طويلة من الفوائد الصحية».

يستخدم الميسو في تحضير الشوربات والصلصات وتتبيلات السلطة

ولعمل الكيمشي، يحدد الشيف الشناوي مكوناته قائلاً: «أحضر ملفوفاً، ويفضل الصيني (نابا)، لكن من الممكن استخدام الملفوف العادي، وملح خالٍ من اليود، وثوم مبشور، وزنجبيل طازج، وصلصة سمك أو معجون روبيان، ومسحوق الفلفل الأحمر الكوري (ويمكن استبداله بالبابريكا أو بودرة الشطة)، فجل أبيض، وبصل أخضر».

يُقطع الملفوف، ويُضرب بالملح حتى يلين، ثم يُغمر بالماء لعدة ساعات، بعد ذلك يُشطف جيداً ويُصفى، قبل أن يُخلط بمعجون التوابل المكون من الثوم والزنجبيل والفلفل الأحمر وصلصة السمك. تُضاف الخضراوات الأخرى، ويُدلك المزيج جيداً، ثم يُحفظ في برطمان محكم الإغلاق، ليبدأ مرحلة التخمير التي قد تستغرق ما بين يوم و5 أيام، بحسب درجة الحرارة والنكهة المرغوبة.

هريس الفلفل يجمع بين حدة الطماطم وحموضة التخمير الطبيعية

الكفير

يعد الكفير واحداً من أقدم مشروبات الحليب المخمرة في العالم؛ إذ يرجح أنه نشأ في منطقة القوقاز قبل آلاف السنين، ليصبح اليوم ضيفاً ثابتاً على موائد المهتمين بالغذاء الصحي حول العالم. يقول الشيف الشناوي: «يمكن استخدام الكفير تماماً كما يُستخدم اللبن الرائب أو الزبادي؛ سواء كوجبة إفطار مغذية، أو كطبق خفيف بعد الوجبات، أو حتى كمكون يمنح الأطباق نكهة منعشة وحموضة محببة».

أما طريقة تحضيره التقليدية، فتقوم على إضافة حبوب الكفير إلى الحليب في درجة حرارة الغرفة، وتركه ليتخمر ما بين 10 إلى 24 ساعة، لتتكون بذلك بنية غنية من البكتيريا والخمائر المفيدة.

ومن الوصفات التي يقدمها الشيف الشناوي هي «دجاج بالكفير والأعشاب»، ومكوناتها هي: كوب من الكفير، وصدور دجاج أو أفخاذ منزوعة الجلد، وعصير ليمون، وفصوص ثوم مهروس، وبابريكا، وكمون، وزعتر مجفف أو أعشاب إيطالية، وملح وفلفل أسود، وزيت، وورشة شطة.

في وعاء عميق، يُمزج الكفير مع عصير الليمون والثوم والبابريكا والكمون والأعشاب، يضاف الملح والفلفل، وتقلب المكونات حتى تتجانس. تُتبل الدجاج، وتُضاف إلى الخليط مع التأكد من تغطيتها جيداً بالتتبيلة، ويتم قليها أو وضعها في الفرن، وتُقدم ساخنة.

الجبن المعتق طعام مختمر بمذاق ثري

الميسو

يعد الميسو أحد أبرز المكونات التقليدية في المطبخ الياباني، وهو معجون كثيف يحضر عبر تخمير فول الصويا مع الملح وفطر «الكوجي». ويوضح الشناوي: «يستخدم هذا المعجون أساساً في تحضير الشوربات والصلصات وتتبيلات السلطة، فضلاً عن إضافته إلى أطباق الخضار واللحوم لإثراء مذاقها».

ويستغرق إنتاجه، بحسب الشيف المصري، عدة أشهر من التخمير، تُخلط خلالها حبوب الصويا المطهوة مع الأرز أو الشعير المخمر والملح، لتخضع لتحول بطيء يمنحها مذاقها المميز الذي يجمع بين الملوحة والعمق والأومامي.

الزبادي

يعد الزبادي واحداً من أقدم الأغذية المخمرة وأكثرها انتشاراً في مطابخ العالم. ويُصنع الزبادي عبر إضافة بكتيريا نافعة إلى الحليب تمنحه قوامه المتماسك ونكهته الحامضة المميزة. ومع تنوع استخداماته، أصبح الزبادي مكوناً أساسياً في العديد من الأطباق، سواء كقاعدة للتتبيلات والصلصات، أو كمكون في العصائر، أو وجبة خفيفة تُقدم كما هي.

الكومبوتشا

الكومبوتشا هو شاي مختمر تقليدي ازداد استهلاكه في السنوات الأخيرة؛ نظراً لخصائصه الوظيفية المتعددة، مثل خصائصه المضادة للالتهابات ومضادات الأكسدة. ويتميز بنكهة فوارة خفيفة، وتعتمد قوته على مدة التخمير والمكونات المضافة مثل الفواكه أو المنكهات كالزنجبيل أو الريحان خلال مرحلة التخمير.

ويرى الشناوي أنه «من الأفضل تحضيره في المنزل؛ حتى تستطيع تخصيص النكهة، والأمر سهل لكن يتطلب أن تمنحه الوقت ليتخمر دون تعجل، وهذا ما يميز تحضير الأطعمة المخمرة في المنزل بشكل عام».

صلصة مختمرة بنكهة لاذعة

تقدم الصلصة المخمرة أو هريس الفلفل نكهة مميزة تجمع بين حدة الطماطم وحموضة التخمير الطبيعية، مع لمسة فقاعية خفيفة لا تشبه ما نجده في الصلصات الجاهزة أو حتى المنزلية التقليدية، وفق الشيف.

ويقدم الشناوي مكوناتها وهي: نحو 400 غرام من الطماطم الكرزية مقطعة إلى أنصاف، ونصف كوب من البصل الأخضر المفروم، وسيقان الكزبرة المفرومة، وفصان من الثوم المهروس، والملح الخشن، وعصير ليمونة، وحبة فلفل أخضر أو برتقالي (نصفها مفروم ناعماً، والنصف الآخر يُحفظ لمرحلة التخمير). وأضف إلى ذلك ملعقة كبيرة من العسل، فلفل أحمر، ملعقتان كبيرتان من مصل اللبن، وماء مصفى.


نصائح ذكية لطهي أفضل «معكرونة بالفرن»

طرق تحضير الباستا عديدة ومتنوعة (الشرق الاوسط)
طرق تحضير الباستا عديدة ومتنوعة (الشرق الاوسط)
TT

نصائح ذكية لطهي أفضل «معكرونة بالفرن»

طرق تحضير الباستا عديدة ومتنوعة (الشرق الاوسط)
طرق تحضير الباستا عديدة ومتنوعة (الشرق الاوسط)

لا تحتاج المعكرونة المخبوزة في الفرن إلى جهد لتكون طبقاً يبعث على الدفء والراحة؛ فكل مقوماتها حاضرة: الصلصة، والجبن السائل، ورائحة المعكرونة الزكية والفواحة. لكن الحقيقة هي أن بضع لقمات من هذا الدفء الدسم قد تغرقك في النعاس (ولماذا تستسلم للنوم بينما لا يزال هناك المزيد من المعكرونة لتناولها؟). لذا، في المرة القادمة التي تعدّ فيها المعكرونة بالفرن، اعتمد أحد هذه التحسينات التي ستجعل طبقك أكثر متعة.

معكرونة بالفرن (نيويورك تايمز)

أضف الخضراوات الورقية

تماماً كما يفعل الليمون في صلصة الكريمة أو السلطة الجانبية مع شريحة اللحم، يمكن للخضراوات الورقية في المعكرونة المخبوزة أن تكسر حدة الدسامة. ومن الأفضل طهي الخضراوات للتخلص من سوائلها قبل وضعها في الفرن لتجنب جعل قوام المعكرونة طرياً. لذا، يمكنك سلق الخضراوات الصلبة مثل البروكلي أو الكرنب في الدقائق الأخيرة من سلق المكرونة، أو تذويب الأوراق الخضراء الطرية مثل السبانخ الصغيرة أو الجرجير في الصلصة الدافئة حتى تذبل.

معكرونة بكرات اللحم (نيويورك تايمز)

نصف الطهي هو السر

لا يسع المعكرونة إلا أن تشرب الصلصة اللذيذة؛ وأثناء خبزها ف ي الفرن، تلتهم السوائل حتى تتجاوز مرحلة التشبع بكثير. فإذا دخلت المعكرونة إلى الفرن وهي لينة بالفعل، فسوف تنتفخ حتى تصبح «عجينة». والحل البسيط هو تقليل مدة سلقها، مع العلم أنها ستكتمل في الفرن: اغلِ المكرونة لمدة تقل بدقيقتين عن التوقيت المكتوب على العبوة حتى تصير «آل دينتي» (نصف استواء).

لازانيا على الطريقة الايطالية (نيويورك تايمز)

البصل المقرمش على الوجه

لا ضير في تزيين المعكرونة المخبوزة بفتات الخبز (البقسماط). هناك خيارات أخرى مثل المكسرات، أو البسكويت الملح، أو قطع اللحم المقدد؛ وكذلك البصل المتاح لديك بالفعل للصلصة. في وصفتها للمكرونة بالفرن مع جبن الشيدر والبصل المتبل، تخصص «ميليسا كلارك» جزءاً من البصل المكرمل لتضعه على وجه الطبق؛ حيث يتقرمش البصل ويلتوي مع جبن الشيدر أثناء الخبز.

باستا في الفرن مع الخضار (نيويورك تايمز)

التنويع في خيارات الأجبان

عند اختيار الجبن، فكر في كيفية تفاعله داخل الفرن. المزيج الكلاسيكي المعتاد هو الموزاريلا، والبارميزان، والريكوتا، لكن الخيارات لا تتوقف هنا. فهناك أجبان مثل الفونتينا، والشيدر، والغرويير تذوب بشكل رائع. أما قطع الجبن القريش أو الكريمي أو جبن الماعز فتمنح قواماً قشدياً، بينما يمنح جبن الفيتا أو الحلوم المبشور نكهة مالحة قوية. كما أن اختيار نوع الموزاريلا بعناية يصنع فارقاً؛ فالموزاريلا منخفضة الرطوبة تذوب وتتحمر بشكل أسهل لأنها تحتوي على ماء أقل.

باستا مع السبانخ (نيويورك تايمز)

اخبزها بحرارة أعلى ووقت أقل

توصي العديد من الوصفات بتغطية المعكرونة وخبزها لفترة طويلة، ثم كشفها لتحمير الوجه. لكن قضاء كل ذلك الوقت في الفرن بعيداً عن عينك قد يجعلها تجف. ولمزيد من التحكم، اخبز المعكرونة على درجة حرارة عالية (نحو 230 درجة مئوية) لمدة قصيرة (من 10 إلى 15 دقيقة)؛ فهذا الوقت كاف تماماً لتتجانس المكونات وتذوب الأجبان ويتحمر الوجه.

يجب إضافة الخضار في المرحلة الاخيرة من طهي الباستا (نيويورك تايمز)

اتركها تهدأ

من المفهوم أنك تريد التهام المعكرونة فوراً لحظة خروجها من الفرن، ولكن إذا وضعتها في طبقك، فسوف تسيل مثل الحمم البركانية المنصهرة. بترك المعكرونة تهدأ لمدة 10 دقائق، سيتماسك قوامها، وستلتصق الصلصة بالمعكرونة، وسيبقى الجبن في مكانه، وستنخفض الحرارة بحيث لا تحرق لسانك.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.