أمام حملة تحث على زيادة الإنجاب.. الأزواج الإيرانيون يشعرون بالارتياب

خبراء يدعون إلى توفير الفرص أولا كي يشعر الناس بالأمان ويحققوا ما يخططون من أجله

يتوقع الخبراء أن عدم الانجاب في انخفاض النمو السكاني إلى الصفر في غضون 20 عاما (نيويورك تايمز)
يتوقع الخبراء أن عدم الانجاب في انخفاض النمو السكاني إلى الصفر في غضون 20 عاما (نيويورك تايمز)
TT

أمام حملة تحث على زيادة الإنجاب.. الأزواج الإيرانيون يشعرون بالارتياب

يتوقع الخبراء أن عدم الانجاب في انخفاض النمو السكاني إلى الصفر في غضون 20 عاما (نيويورك تايمز)
يتوقع الخبراء أن عدم الانجاب في انخفاض النمو السكاني إلى الصفر في غضون 20 عاما (نيويورك تايمز)

قد يفكر بيتا وشيراج الزوجان في بداية عقدهما الثالث، واللذان ينتظرهما مستقبل مهني ناجح، في الخطوة المنطقية التالية في حياتهما: ألا وهي أن يصبحا والدان. ولكن بالنسبة لهما ولعدد متزايد من شباب الطبقة المتوسطة الإيرانية المتشائمين للغاية بشأن مستقبل بلادهم، تعد تربية طفل من آخر الأشياء التي يمكن أن يفكروا بها. وقالت بيتا، التي طلبت مثل زوجها حجب اسم عائلتيهما حتى يتمكنا من التحدث بحرية، إنها أجرت عملية إجهاض مرتين، الشيء الذي يعد غير شرعي في إيران. وأضافت أننا «جادان جدا بشأن عدم إنجاب أطفال».
وقد لاحظ ذلك القادة الإيرانيون. وبسبب شعورها بالقلق من التراجع الحاد في معدلات الخصوبة التي يتوقع الخبراء أن تتسبب في انخفاض النمو السكاني إلى الصفر في غضون 20 عاما، أطلقت طهران مبادرة واسعة ترمي إلى إقناع الأسر الإيرانية بإنجاب المزيد من الأطفال.
ودق الزعيم الإيراني الأعلى، آية الله علي خامنئي، ناقوس الخطر في خطاب ألقاه في الشتاء الماضي، قائلا إنه كان «يرتعد خوفا بشأن القضية الخطيرة التي تتعلق بانخفاض أعداد السكان»، وشدد على المسؤولين ببدء التصدي لها فورا. وأكد أنه «عقب مضي بضع سنوات، عندما يكبر جيل الشباب الحالي في السن، لن يكون هناك علاج لهذه القضية».
ثم أعلن السيد خامنئي، أواخر الشهر الماضي، عن برنامج يتألف من 14 نقطة، يكشف أن آمال مسؤولي الصحة وسيقود هذا البرنامج إلى مضاعفة عدد سكان إيران، إلى 150 مليون نسمة بحلول عام 2050. وأصبحت الإقامة في المستشفى عقب الولادة مجانية، ويسمح للنساء بفترة إجازة أطول لرعاية الأبناء. وذلك على عكس السياسات السابقة التي كانت ترمي إلى الحد من النمو السكاني، وألغت الحكومة الدعم عن الواقي الذكري وحبوب منع الحمل وأنهت إجراء العمليات المجانية لقطع القناة الدافقة. وتظهر اللوحات الإعلانية في العاصمة صورا لأب يضحك مع خمسة أطفال يركب جميعهم دراجة ثنائية ويصعدون بها على تل، تاركين خلفهم أبا مستاء ليس لديه سوى طفل واحد. وأصبح هؤلاء الآباء الذين ينجبون خمسة أطفال مستحقين لمكافأة قدرها 1500 دولار، الشيء الذي لا يغري الكثيرين هنا.
وقال هادي النجفي، الذي يبلغ من العمر 25 عاما، وهو لاعب كرة قدم محترف عاطل عن العمل: «عندما أرى هؤلاء، أتساءل كيف يمكن لهذا الأب أن يبتسم؟» وقال إنه «ليس لديه المال ليتزوج، ناهيك بمواكبة الإيجارات التي تزيد بنسبة 25 في المائة سنويا». وقال السيد نجفي «أي شخص لديه الكثير من الأطفال إما أنه غني جدا أو غير مسؤول على الإطلاق» مضيفا «ليس هناك أي تفسير آخر».
وأصبحت المشكلة السكانية أيضا متداخلة مع صراع ممتد بين إيران والغرب بسبب برنامجها النووي. ويعد أحد المصادر الرئيسة لمشكلات إيران الاقتصادية هو سلسلة العقوبات الاقتصادية الغربية القاسية التي فرضت خلال السنوات الأخيرة لمعاقبة طهران وإحضارها إلى طاولة المفاوضات.
تتسم السياسات السكانية التي تنتهجها إيران بعدم الثبات.
على الرغم من تضاعف عدد السكان منذ عام 1979، فإن معظم الزيادة السكانية حدثت في السنوات التالية للثورة 1979، عندما كانت البهجة والآمال الهائلة في مستقبل أفضل هي الدافع وراء رغبة كثير من الناس في تكوين عائلات كبيرة. كما وصفت الحكومة الإنجاب بأنه بادرة وطنية خلال الحرب الدامية بين إيران والعراق، والتي انتهت عام 1988 بحصد أرواح ما لا يقل عن 300.000 إيراني.
وقدرت معدلات المواليد في إيران، والتي بلغت ذروتها في السنوات التي تلت ثورة 1979، بـ3.6 طفل لكل زوجين، وفقا للهيئة الإيرانية للإحصاء وبعض الخبراء، متخطية المعدل البديل البالغ 2.1 طفل. ونظرا للخوف من عدم قدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل للعدد المتزايد من الشباب (الأمر الذي قد يتبعه تداعيات سياسية قابلة للانفجار) أطلق رجال الدين الأكثر اعتدالا في إيران حملة «أطفال أقل، لحياة أفضل» من أجل تخفيض معدل المواليد.
ولكن عدد الأطفال الذي ينجبه كل زوجين انخفض الآن إلى 1.3، وهو رقم نموذجي لدولة متطورة ويتمتع أفرادها بمستوى دخل مرتفع مثل ألمانيا، والتي تنفق بكثافة لزيادة معدل الخصوبة الذي وصل الآن إلى 1.4.
في مفارقة، لم يكن عدد من هم في سن الإنجاب في إيران كبيرا على الإطلاق. يوجد أقل من 70 في المائة من السكان من إجمالي 77 مليون نسمة ممن تقل أعمارهم عن 35 عاما، ومعظمهم يعيشون في المدن أو بالقرب منها وأكثرهم يتبع الثقافة الحضرية. ولكن الكثير منهم يتخللهم شعور عميق بالتشاؤم.
ومثل كثير من الأزواج الشباب، استشهد شيراج، الذي يعمل مهندسا معماريا، وبيتا، التي تخرجت في الجامعة أخيرا، بسلسلة من المشكلات كأسباب لاستشرافهم لمستقبل قاتم، وعدا منها: أنها دولة تدخلية، تتبع آيديولوجية محافظة، واقتصادها واهن، وغير مستقرة سياسيا.
وقال شيراج: «عندما نذهب إلى النوم لا نعرف ماذا سيحدث عندما نستيقظ».
وعقبت بيتا قائلة: «أنا لا أريد أن أنجب أطفالا في هذا الجحيم».
ينتشر هذا الموقف بين أفراد الطبقة الوسطى في طهران. تقول نجار محمدي، مديرة واحد من أكثر المطاعم شعبية في طهران: «حتى إذا جمعنا دخلينا، أنا وزوجي لا نستطيع تحمل تكاليف إيجار مسكن، لذلك ننتقل ما بين منزلي والدينا. وإذا كان علي أن أترك عملي لكي أنجب أطفالا، فكيف سيمكننا دفع إيجار مسكن خاص بنا؟».
يتشكك بعض النساء ونشطاء حقوق الإنسان في أن الحث على إنجاب مزيد من الأطفال يهدف إلى إبقاء المرأة في المكان الذي يعتقد رجال الدين المحافظون أنه مكانها الأصلي، المنزل.
تقول عالمة الاجتماع آزاده خرزاي: «سيجعل ذلك النساء أكثر اعتمادا في الشؤون المالية على أزواجهن، والنظام السياسي يضع الأولوية لصالح الأسرة على حساب صحة المرأة وتعليمها، ونتيجة لكل ذلك، سوف يصبح حشد النساء أكثر صعوبة بكثير».
تجد الحملة الجديدة تأثيرا واحدا مباشرا على الأقل، تحول الأطباء الذي تخصصوا في السابق في عمليات قطع القناة الدافقة، إلى عمليات الحقن بالبوتوكس. على مدار أعوام، كان الدكتور نصير أحمدي يجري على الأقل 60 عملية لقطع القناة الدافقة شهريا. ويقول إنه حاليا في أفضل الشهور يجري 10 عمليات. ويوضح قائلا: «عندما توقفت الدولة عن السداد، توقف الناس عن المجيء». في مزار ديني بالقرب من عيادة الدكتور أحمدي، صرح رجل الدين المسؤول مجتبى تختبور بأن الاقتصاد لا يجب أن يكون عاملا حاسما. جلس تختبور خلف جهاز كومبيوتر محمول وهو يحتسي رشفة من الشاي الساخن، ليوضح أن الإسلام يأمر بالسعي إلى إقامة مجتمع مثالي.
واستطرد قائلا: «يعني ذلك الحاجة إلى زيادة عدد المسلمين، لذلك أيضا نحتاج إلى مزيد من الأطفال». وقال ردا على من يسوق من أتباعه حججا مالية تمنع إنجاب مزيد من الأطفال، «نؤمن بأن الله تعالى سوف يرزقنا قوتنا. لذلك اذهبوا وأنجبوا أطفالا، هذا دائما ما أقوله». يوجد جانب طائفي في قضية الخصوبة أيضا.
على الرغم من أن الشيعة طائفة ذات أغلبية في إيران، فإنهم يمثلون أقلية في جميع أنحاء العالم، حيث يشكلون نسبة ما بين عشرة و20 في المائة من إجمالي المسلمين. كما يرتفع معدل المواليد في الدول ذات الأغلبية السنية بنسبة أكبر كثيرا من معدلهم بين الشيعة، بل وكذلك ترتفع النسبة بين الأقليات السنية المقيمة في إيران. تشير طاهرة لباف، المستشارة الطبية في المجلس الأعلى للثورة الثقافية، الذي يتعامل مع قضايا السكان، إن «معدل المواليد بين المسلمين السنة في البلاد يبلغ نحو أربعة أبناء لكل زوجين». ونقل عنها موقع «تسنيم» المحافظ قولها: «هذا أمر مثبط للغاية».
يقول الخبراء إنه «في حين ينخفض معدل المواليد في إيران كثيرا، إلا أنه لا يشكل أزمة حقيقة حتى الآن». ولكنهم يقولون أيضا إن «الحوافز المالية والعقيدة لن يغيرا وحدهما مسار الانخفاض السكاني».
يقول محمد جلال عباسي شوازي، رئيس قسم الدراسات الديموغرافية في جامعة طهران، إن «الاقتصاد هو العامل الحاسم».
ويوضح أن «الشباب أو الفتيات الذين لا يجدون عملا ثابتا ويعتمدون على عقود عمل تستمر لمدة شهر لا يجرؤون على الزواج أو إنجاب الأطفال، لأنهم في هذه الحالة سيعرضون أمن عملهم للخطر وكذلك أوضاع معيشتهم». ويضيف الدكتور شوازي قائلا إن «الحل بسيط ومعقد للغاية في الوقت ذاته: يجب أن نسعى إلى توفير فرص عمل كي يشعر الناس بالأمان ويحققوا ما يخططون من أجله».
أما بالنسبة للسيد نجف، لاعب كرة القدم المحترف، تجعله كلمات مثل «المستقبل» و«خطط» يشعر بالغثيان. ويقول: «دائما ما يصفون لنا كيف سيكون المستقبل مشرقا، ولكن من غير المسموح لنا العيش في الحاضر. لو كانت الأمور أفضل في حياتي، كنت سأنجب (دستة) أطفال لكي أشاركهم سعادتي».



تصعيد في «هرمز»... وطهران تتمسك بشروطها


حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

تصعيد في «هرمز»... وطهران تتمسك بشروطها


حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تصاعدت التوترات في مضيق هرمز وخليج عُمان مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط؛ ما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في أكثر من شهرين، وفقاً لما أوردته «رويترز»، وذلك بعدما بلغت الهجمات على ناقلات النفط، الأسبوع الماضي، أعلى مستوى لها منذ اندلاع الحرب.

وتتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط البحري وسط مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية على إمدادات الطاقة العالمية.

وفي موازاة التصعيد الميداني، تمسكت طهران بتنفيذ شروطها السبعة في أي مسار تفاوضي مع واشنطن، في حين أكد رئيسها مسعود بزشكيان، أهمية مواصلة المشاورات الدبلوماسية.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» عن تعطيل سفينة شحن تجارية في خليج عُمان في أثناء محاولتها اختراق الحصار البحري المفروض على إيران، بعدما تجاهلت التحذيرات الأميركية.

وأوضحت «سنتكوم» في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أن مقاتلة أميركية أطلقت ذخيرة دقيقة مستهدفة مؤخرة السفينة «أوشن موليكا»، التي ترفع علم بنما، وتُعرف أيضاً باسم «أريكا صن»؛ ما أدى إلى «تعطيل نظام الدفع، من دون إلحاق أضرار كاملة بالسفينة وطاقمها».

كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، أمس، بتعرض ناقلة لإطلاق نار في «هرمز» بمقذوف مجهول أصاب جانبها الأيسر، وأدى إلى اندلاع حريق على متنها، وفقاً لإفادة قبطانها. وأعلن «الحرس الثوري» أيضاً أن ناقلة نفط انفجرت، واشتعلت فيها النيران بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها المضيق.


الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
TT

الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)

في سوق إيراني تفوح في أروقته روائح الأعشاب والتوابل، يراقب التاجر ناصر، البالغ 61 عاماً، كيف غيّرت الحرب الأميركية ـ الإيرانية ملامح الحياة التجارية. فبعدما كان الزبائن يشترون المكسرات بالكيلوغرامات، دفعت الزيادات الحادة في الأسعار كثيرين إلى تقليص مشترياتهم، ما وضع المتاجر والشركات أمام صعوبات متزايدة في الحفاظ على أعمالها.

وكان البازار الواقع في شمال طهران يعجّ عادة بالمتسوقين، لكن متاجره باتت شبه خالية، ولم يعد يرتاده سوى عدد محدود من الزبائن الذين يتنقلون في ممراته الضيقة والعتيقة. ويعكس هذا المشهد تحولاً لافتاً في سوق اعتاد التجار فيها الترويج لبضائعهم بأصوات مرتفعة وسط حركة شراء نشطة.

وقال ناصر: «كان لدينا زبائن يشترون ما بين كيلوغرامين و5 كيلوغرامات. أما الآن، فباتوا يكتفون بشراء كيلوغرام واحد حتى نصف كيلوغرام فقط».

وأضاف، في إشارة إلى الارتفاعات السعرية، أن «الأسعار مرتفعة بالفعل. جميعنا يعلم ذلك، وسيكون من الكذب القول بغير ذلك».

ودعا التاجر السلطات إلى تحقيق الاستقرار في سعر صرف العملة، بما يتيح لأصحاب الأعمال والشركات التخطيط للمستقبل، قائلاً: «نحن تائهون، جميعنا كذلك».

سنوات العقوبات

متسوقون يتجولون بين المحال في البازار الكبير بطهران (أ.ف.ب)

وأثقلت سنوات العقوبات كاهل الاقتصاد الإيراني، لكن الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) مع الهجمات الأميركية والإسرائيلية، إلى جانب الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، زادت الضغوط على النشاط الاقتصادي والحياة اليومية للسكان.

وتفاقمت الأوضاع مع ارتفاع التضخم إلى نحو 90 في المائة على أساس سنوي في سبتمبر (أيلول)، وفق الأرقام الرسمية، فيما تسببت التقلبات الحادة في سعر الصرف في زيادة تكلفة السلع الأساسية، وارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى أكثر من ضعف مستوياتها قبل عام.

وفي البازار التاريخي بساحة تجريش في طهران، يحاول السكان التكيف مع الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وهم يتجولون بين الأعلام الإيرانية واللافتات المكتوبة بالفارسية، ويتفحصون الحلوى والمجوهرات والملابس التقليدية وقطع اللحوم قبيل عطلة نهاية الأسبوع.

وفي أحد الأزقة، كان فنان يعزف على الغيتار، فيما يقرع آخر بيديه على صندوق خشبي، محاولين استقطاب بعض الإكراميات من المارة.

«نحتاج إلى الاستقرار»

إيراني يتسوق في محيط البازار الكبير وسط طهران (أ.ب)

لكن خلف هذه المشاهد، تتزايد المخاوف بشأن مستقبل الأنشطة التجارية، في ظل تراجع الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل.

وقال علي نوروزي (36 عاماً)، الذي يدير متجراً للملابس الرياضية في البازار، إن التجار يخوضون «معركة يائسة وأخيرة من أجل البقاء»، مضيفاً أن المصنّعين يعلنون إفلاسهم، ويستغنون عن موظفين، ويغلقون متاجرهم، ما ينعكس بدوره على بقية حلقات النشاط التجاري.

وأوضح نوروزي أنه بات يطلب كميات محدودة من البضائع لعرضها في متجره، تفادياً لظهور الرفوف فارغة، على غرار مستودعه الذي قال إنه أصبح شبه خالٍ بسبب ضعف الطلب.

وأضاف: «ليست لدينا أي خطة للمستقبل على الإطلاق. فعندما يتوقف الناس عن الشراء، يعني ذلك عملياً إفلاس النشاط التجاري»، مشيراً خصوصاً إلى ارتفاع الإيجارات وفواتير الخدمات. وختم بالقول: «كل ما نحتاج إليه هو بعض الاستقرار».

أما آزاده، وهي امرأة تبلغ 45 عاماً وعاطلة عن العمل حالياً، فقالت إنها باتت تقصد السوق لمجرد «مشاهدة المتاجر»، في مؤشر إلى تراجع قدرة بعض السكان على الشراء.

تراجع القدرة الشرائية

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الإيراني انكمش بنسبة 10.1 في المائة على أساس سنوي بين أواخر مارس (آذار) وأواخر يونيو (حزيران)، في ظل الضغوط المتزايدة الناجمة عن الحرب.

وفي سوق الصرف غير الرسمية، جرى تداول العملة الإيرانية خلال الأسبوع الماضي عند نحو 2.7 مليون ريال للدولار الواحد، مقارنة بنحو 1.7 مليون ريال قبل اندلاع الحرب.

وانخفضت القيمة الدولارية للحد الأدنى الشهري للأجور من نحو 120 دولاراً قبل عام إلى نحو 65 دولاراً حالياً، ما يعكس تآكل القدرة الشرائية مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

في المقابل، رفض وزير الاقتصاد الإيراني التوقعات التي تتحدث عن انهيار اقتصادي وشيك، متهماً خصوم بلاده بالسعي إلى إثارة المخاوف بين المواطنين ودفع أسعار الصرف إلى مزيد من الارتفاع.

الأسعار «حلّقت»... ومشتريات تتقلص

إيرانيون يتسوقون في بازار تجريش شمال طهران (إ.ب.أ)

وتقدم آزاده مثالاً على حجم الارتفاع في الأسعار، مشيرة إلى أن قطعة قماش للمطبخ اشترتها قبل عدة أشهر مقابل 22 سنتاً، يبلغ سعرها الآن 1.10 دولار، أي ما يعادل 5 أضعاف سعرها السابق. وقالت: «هذا يبيّن أن الأسعار لم ترتفع فحسب، بل حلّقت إلى مستويات هائلة بالفعل».

وأضافت أنها اضطرت إلى التوقف عن شراء بعض أنواع الفاكهة، كما لم تعد قادرة على تحمل تكاليف قضاء العطلات.

وتساءلت: «وجودنا لا يجب أن يكون مرتبطاً فقط بأننا على قيد الحياة، بل يُفترض أن نعيش حياتنا فعلاً، أليس كذلك؟».

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المتاجر وأسواق المواد الغذائية، بل تمتد إلى الخدمات والحرف التي تعتمد على إنفاق الأسر.

وقال مجتبى رضائي (57 عاماً)، وهو ميكانيكي سيارات، إن عدد زبائنه تراجع إلى عُشر مستواه السابق، في وقت ارتفعت فيه أسعار السلع إلى ضعفين أو 3 أضعاف.

وأضاف، في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية داخل البازار: «أشعر في الواقع بالحرج عندما أبلغ الزبائن بالأسعار. فالناس يأتون فقط للاستفسار عن السعر ثم يغادرون».

وتابع أن أنشطة كانت تشكل جزءاً من الحياة اليومية للإيرانيين، مثل شراء الملابس والخروج للترفيه وتناول الطعام في المطاعم، باتت بعيدة عن متناول كثيرين.

وبين متاجر تتراجع مبيعاتها، وأجور تتآكل قيمتها، وأسر تقلص مشترياتها إلى الحد الأدنى، يجد التجار والمستهلكون أنفسهم أمام ضغوط متزايدة، فيما يظل الاستقرار الاقتصادي مطلباً ملحاً في سوق أنهكتها العقوبات والحرب والتضخم.


الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وبحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

وكان الكاتب الصحافي بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف أن مسؤولين أميركيين طلبوا من إسرائيل مهاجمة إيران. وكتب في صحيفة «معاريف» أن المسؤولين في البيت الأبيض لم يطلبوا ضربة أميركية أو هجوماً مشتركاً، بل أرادوا أن تنفذ إسرائيل العملية منفردة.

وأضاف كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة. كما أكد الصحافي الإسرائيلي، باراك رافيد، المحرر السياسي في «القناة 13» التلفزيونية، ما ورد في هذا التقرير.

حسابات انتخابية على جانبي الأطلسي

اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

وجاء الطلب الأميركي، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

وأوضح كسبيت أن واشنطن أرادت أن تتحمل إسرائيل الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وقال كسبيت إن الإدارة الأميركية اعتقدت أن الإسرائيليين هم الطرف الأكثر رغبة في شن الهجوم قبل انتخاباتهم، في حين قد تؤدي ضربة أميركية قبيل الانتخابات النصفية الأميركية إلى إلحاق ضرر سياسي بترمب.

ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه التكهنات بشأن دراسة الرئيس الأميركي احتمال استئناف الهجمات على إيران. ووفقاً لكسبيت، فإن ما تكشفه الاتصالات يشير إلى أن ترمب طلب، في مرحلة أولى، من إسرائيل توجيه الضربة بدلاً من أن تنفذها القوات الأميركية، قبل أن يجري كبح هذا المسار.

ولم تتضح، بحسب الكاتب، طبيعة موقف نتنياهو من هذه التطورات، لكنه أشار إلى أن جدول أعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال الأسبوع الأخير تضمن سلسلة لقاءات وزيارات وصفها بالحساسة، في فترة اتسمت بكثافة النشاط الأمني.

إيران تعيد بناء ترسانتها

صواريخ إيرانية محمولة على شاحنات خلال عرض في قاعدة عسكرية شمال طهران في 17 أبريل 2024 (أ.ب)

وكانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت في تقرير نشرته، يوم السبت، أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وبحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

وكان ترمب قد أعلن، قبل نحو عام، أن الجيش الإيراني «دُمر بالكامل»، بينما صرح وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، بأن الولايات المتحدة قضت على قدرات الصناعات العسكرية في إيران.

تل أبيب تفضل ضربة مشتركة

حريق بمبنى الصناعات الإلكترونية التابع لوزارة الدفاع الإيرانية بطهران بعد استهدافه في مارس 2026 (أ.ف.ب)

وفي إسرائيل، ترى القيادة السياسية والعسكرية أن استمرار المواجهة على النحو الحالي قد يبعث برسائل ضعف إلى طهران، ويعزز اعتقاد القيادة الإيرانية أن بإمكانها استغلال الضغوط التي تواجهها إدارة ترمب بسبب الانتخابات النصفية، وارتفاع أسعار النفط لانتزاع تنازلات من واشنطن.

وتعتقد أوساط إسرائيلية أن طهران تستفيد من إطالة أمد المواجهة، وتتبنى موقفاً متشدداً في المفاوضات، من دون أن تبدي اهتماماً كافياً بالتداعيات الاقتصادية على مواطنيها بسبب الحصار البحري والاقتصادي. وترى هذه الأوساط أن استمرار الصمود الإيراني قد يدفع الإدارة الأميركية، في نهاية المطاف، إلى تقديم تنازلات.

وبناءً على ذلك، تؤيد هذه الأوساط توجيه ضربة عسكرية واسعة إلى إيران، لكنها تفضل أن تكون أميركية ـ إسرائيلية مشتركة، لا أن تتحمل إسرائيل وحدها تبعاتها العسكرية والسياسية.

ومع ذلك، فإن الجدل المتصاعد في إسرائيل بشأن احتمال سعي نتنياهو إلى توظيف ضربة عسكرية لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية، بما في ذلك احتمال تأجيل الانتخابات، دفع أجهزة أمنية إسرائيلية إلى إبداء تحفظات على الدخول في حرب قد يُنظر إليها على أنها تخدم مصالح حزبية وشخصية لرئيس الوزراء.

وتفضل هذه الأجهزة، وفق المعطيات المتداولة، الانتظار بضعة أسابيع قبل اتخاذ قرار بالهجوم، بينما تواصل حوارها مع القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» بشأن الخيارات العسكرية المحتملة. ويشمل التنسيق إعداد الخطط وتحديث بنك الأهداف، إلى حين اتخاذ القرارات السياسية اللازمة في تل أبيب وواشنطن.