ناج من «داعش» لا يفارقه صوت الساطور يقطع يديه... وآخر فقد عائلته وساقيه

«الشرق الأوسط» تنقل شهادات مصابين نزحوا إلى مخيم عين عيسى في ريف الرقة

أحمد حميدي فقد ساقيه وعائلته بقصف في ريف الرقة («الشرق الأوسط»)
أحمد حميدي فقد ساقيه وعائلته بقصف في ريف الرقة («الشرق الأوسط»)
TT

ناج من «داعش» لا يفارقه صوت الساطور يقطع يديه... وآخر فقد عائلته وساقيه

أحمد حميدي فقد ساقيه وعائلته بقصف في ريف الرقة («الشرق الأوسط»)
أحمد حميدي فقد ساقيه وعائلته بقصف في ريف الرقة («الشرق الأوسط»)

تبقى قصة أحمد حميدي، الشاب الثلاثيني، محفورة في ذاكرة والديه، اللذين يبكيان كلما عاد بهما المشهد إلى ذلك اليوم الذي أدمى قلب ابنهما البكر. أحمد المنحدر من حي الدرعية غرب مدينة الرقة كان متزوجا ولديه أربعة أطفال، ولدان وابنتان، يعمل سائق سيارة أجرة ينقل البضائع والخضراوات من السوق ويوزعها على المحلات والبقلات التجارية.
لكن حدثا أليما غيّر مجرى حياته. إذ بعد إعلان معركة تحرير الرقة في يونيو (حزيران) 2017، وكانت تعد سابقا أبرز معاقل تنظيم داعش في سوريا، من قبل «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، ومحاصرة هذه القوات المدينة، ووصولها على مشارف حي الدرعية، تعرضت المنطقة التي يسكنها أحمد لنيران طيران التحالف، ويروي تلك اللحظات لـ«الشرق الأوسط»، قائلا: «تعرضنا لقصف شديد، وسقطت قذيفة فوق منزلنا، لقي ولداي الاثنان وعمي والد زوجتي حتفهم، نعم ماتوا كلهم أمام ناظري».
دفعت الحادثة أحمد ومن تبقى من عائلته إلى أن يلوذوا بالفرار بداية يوليو (تموز) العام الماضي، لكن طريق الهروب كان يخبئ له مزيدا من الألم. إذ خسر ما تبقى من عائلته. وقال أحمد: «وصلنا إلى مؤسسة الأعلاف شمال غربي الرقة، لتنفجر بنا عبوة ناسفة زرعها عناصر (داعش) في الطريق بقصد منع المدنيين من الهروب». الحادثة سيتذكرها أحمد طوال حياته، لأنها سلبت منه زوجته وابنته وفقد على أثرها ساقيه. وأضاف: «عائلتي كانت 6 أشخاص، بقينا منها أنا من دون ساقين، وأذني اليمنى لم أعد أسمع بها شيئا، وابنتي ذات السنوات الأربع أصيبت بالشلل وباتت مقعدة من شدة الانفجار».
توقف عن الحديث. اغرورقت عيناه بالبكاء. بكت معه والدته وأبوه وشقيقاته. وللتغلب على حالته يستعين أحمد بمهدئات الأعصاب والحبوب المنومة من أجل النسيان، كما يلجأ إلى الدخان ويشرب في اليوم أربع علب من السجائر. وتابع: «لحظات مثقلة بالذكريات الحزينة». أما ابن عمه محمود الذي لم يقف مكتوف الأيدي أمام حالة أحمد، فيأتي يوميا إليه في مسعى لإقناعه على الخروج لقضاء بعض الوقت خارج خيمته، الكائنة في مخيم عين عيسى الواقع على بعد 50 كيلومترا غرب الرقة. وقال: «في كل مرة يرفض الخروج، أصبح يخجل كثيرا سيما عندما يركب الكرسي، ويتحسس من ضحكات الأطفال ونظرات الناس، يعتقد أن الجميع يشفق عليه».
وذكرت منظمة الصحة العالمية والمنظمة الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة، في تقريرها السنوي الصادر بتاريخ 13 ديسمبر (كانون الأول) 2017، أن «هناك ثلاثين ألف مصاب كل شهر بسبب الحرب في سوريا، وأن الحرب خلّفت مليونا ونصف المليون مصاب بإعاقة دائمة»، وبحسب التقرير يعيش 1.5 مليون شخص مع إعاقات مستديمة، «منهم 86 ألف شخص أفضت إصابتهم إلى بتر أطرافهم»، مشيرة إلى أن «الصراع الدائر هناك يحتدم باستخدام أسلحة متفجرة في المناطق المأهولة بالسكان».
غير أنّ عبد الستار الحاج محمد (48 سنة) المنحدر من حارة البدو بمدينة الرقة، والمقيم حاليا في مدينة الطبقة غرب الرقة، ورغم أن ساقه اليسرى بترت جراء انفجار لغم أرضي عندما حاول الهروب في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، من قبضة عناصر تنظيم داعش، قام الرجل المكلوم بالتجول في الأماكن المدمرة والأحياء المهجورة في الطبقة، باحثا عن الخردة وأكياس البلاستيك ليبيعها في محلات مخصصة لشراء هذه المخلفات، مقابل مبلغ زهيد يكفيه لقمة عيشه وكسب قوت بيته.
وقال لـ«الشرق الأوسط»: «كنا سنموت إما برصاص قناص (داعش) وإما بقصف الطيران، لذلك قررنا أن نلوذ بالفرار، لكن فقدت ابني الأكبر، وتعاني زوجتي من ضعف في السمع منذ ذلك اليوم».
كما تعرض منزل عبد الستار في الرقة إلى القصف، ولا يمتلك المال الكافي كي يعيد بناءه من جديد، الأمر الذي دفعه للعيش مؤقتا في مدينة الطبقة حتى تنفرج حالته. وزاد: «مضطر أن أبقى هنا، وأعمل في جمع هذه الخردة حتى يفرجها الله... اللهم فكّ كربتنا».
وبحسب تقرير منظمة الصحة العالمية، فإن أقل من نصف المستشفيات والمرافق الصحية العامة في سوريا لا تزال تفتح أبوابها أمام المرضى، بَيْدَ أن أكثرها يفتقر إلى التجهيزات المناسبة لتقديم الرعاية إلى المرضى الذين يعانون من الإصابات، كما يوجد مركزان للتأهيل البدني (في دمشق وحمص) يوفران الأطراف الاصطناعية. ولفتت المنظمة الدولية إلى أن «القيود البالغة الشدة على إتاحة الرعاية الطبية» تسببت في تحول الإصابات التي يعاني منها كثير من الناس إلى اعتلالات دائمة.
من جهته، قال جلال نوفل، رئيس مركز الصحة النفسية في مدينة غازي عنتاب بتركيا، إنّ بتر القدم أو اليد أو قطعها بحد ذاتها خسارة كبيرة للإنسان، تترافق بالصدمة والمعاناة، لأن صاحبها خسر جزءا حميما من جسده. وقال إن المصاب يعاني من أمرين: «الأول يدعى ألم الطرف الشبحي، حيث قد يرافق هؤلاء شعور بالألم مكان الجزء المبتور، كأن يشعر الشخص بحاجة إلى حك يده المقطوعة»، فيما يدور الألم الثاني حول الصورة الاجتماعية المصاحبة للإنسان وخسارة جزء حميم من جسده، مشيراً: «تنعكس عليه اجتماعيا ويرافقه شعور أنه غير مقبول ومنبوذ ترافقها حالة من الخجل».
وتذكر إبراهيم العلي (28 سنة)، المتحدر من بلدة منبج بريف حلب الشرقي، 5 يوليو 2016، حيث كان ينتظر بفارغ الصبر استقبال أول أيام عيد الفطر، حيث تحولت أفراح العيد الملونة إلى لون أسود، إذ اقتاده عناصر تنظيم داعش الذين كانوا يسيطرون آنذاك على البلدة، إلى ساحة عامة وقطعوا يده اليمنى، بتهمة بيع دراجة نارية مسروقة.
وفي منزله الطيني المتواضع في منبج، قال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»: «أتذكر صوت المقصلة التي بترت يدي وكأنّ ذلك حدث قبل قليل. تمنيت لو حكم القاضي بالموت على أن أعيش بقية حياته بيدٍ واحدة»، حيث لم يعد بمقدوره مزاولة أي مهنة، ويخجل من الخروج إلى الشارع والاختلاط مع الناس، لأن التنظيم تسبب في عاهة دائمة لديه، كما يفضل عدم الاختلاط مع الناس كثيراً، حيث يرافقه الشعور بالخجل والعار وندبة في القلب لا يشعر بها إلا من ذاقها.
أما زوجته وفاء فتشرح حالتيه النفسية والعصبية، فقالت: «يقضي معظم الوقت مستلقيا يدعي النوم، لكنه لا يتحدث مع أحد، أما في الليل فتنتابه حالات عصبية وعلى الرغم من تناوله حبوبا مهدئة فإنه لا تنفعه ولا يصدق متى تشرق الشمس». كما لفتت زوجته إلى أنّ إبراهيم وعندما يدخل المطبخ لتحضير الشاي أو تسخين الطعام «لا يستطيع رفع شيء بيده اليسرى، لأن اليمنى مقطوعة، ثم يبدأ بتكسير الصحون والكؤوس، وكل شيء يراه أمامه».
أما وليد إسماعيل (52 سنة) الذي فر صيف 2017 من مسقط رأسه في حي الرميلة بالرقة بعد اشتداد المعارك والقصف، رفقة زوجته وأطفاله الخمسة وعائلات ثانية، انفجرت بهم عبوة ناسفة تسببت بقطع قدمه اليمنى، وفقد عينه اليسرى، وتعرض وجهه لحروق بليغة، إلى جانب مقتل عشرة أشخاص حرقا أمام عينيه، جراء شدة الانفجار، وتحولت إلى كتل من الجثث المتفحمة.
وفي محاولته رواية تفاصيل الحادثة، قال بحسرة: «نجونا بأعجوبة، بعد الانفجار حملتني زوجتي وجاري على ظهرهما مسافة كيلومترين، وأسعفاني إلى مستشفى في تل أبيض، وبتر الأطباء قدمي شبه المقطوعة لمنع انتشار الغرغرينا».
لكن وليد لم يستسلم لوضعه؛ فبعد تماثله للشفاء ذهب إلى حداد وطلب منه صناعة ساق معدنية تساعده في المشي والتحرك، كما يستخدم قدمه اليسرى فقط في القيادة، وقال في ختام حديثه: «لن أنسى الحادثة طوال حياتي، لكن اليوم أجمل ومتفائل بغدٍ أفضل».


مقالات ذات صلة

مسلحون يهاجمون قاعدة للجيش النيجيري... ويقتلون قائدها و6 جنود

أفريقيا ضباط من الشرطة والجيش النيجيريين يصلون لحضور فعالية في مدينة مينا النيجيرية يوم 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

مسلحون يهاجمون قاعدة للجيش النيجيري... ويقتلون قائدها و6 جنود

اقتحم مسلحون متطرفون في وقت متأخر من مساء أمس (الأحد) قاعدة للجيش النيجيري، قرب الحدود الشمالية الشرقية للبلاد مع تشاد، ما أسفر عن مقتل قائد القاعدة و6 جنود.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
أوروبا صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها في سوريا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة التركية في محيط مجمع يضم مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول عقب اشتباك مع مهاجمين يرجح انتماؤهم لـ«داعش» الثلاثاء الماضي (أ.ب)

تركيا: 14 موقوفاً في التحقيقات بهجوم قرب القنصلية الإسرائيلية

أوقفت السلطات التركية 14 شخصاً في إطار التحقيقات في هجوم على نقطة تفتيش بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية، كما ألقي القبض على 198 من عناصر «داعش».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية انتشار أمني كثيف في موقع الاشتباك الذي وقع قرب القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول الثلاثاء (رويترز)

مؤشرات على تورط «داعش» في هجوم القنصلية الإسرائيلية بإسطنبول

اعتقلت السلطات التركية 12 مشتبهاً في صلتهم بالاشتباك الذي وقع مع عناصر الشرطة في نقطة تفتيش في محيط مجمع يقع به مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الجانب العراقي من المعبر الحدودي بين القائم في العراق والبوكمال في سوريا (أ.ف.ب)

4 مُسيَّرات مصدرها العراق استهدفت قاعدة قسرك شمال شرقي سوريا

أفاد مصدر عسكري سوري، الثلاثاء، بأن طائرات مُسيَّرة مصدرها العراق استهدفت منطقة قاعدة قسرك، التي كانت تستضيف قوات أميركية في محافظة الحسكة، شمال شرقي البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق – بغداد)

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.