الألياف الغذائية... إضافة صحية لتغذية أفضل

تساعد في الحفاظ على وزن صحي وتخفض خطر الإصابة بالأمراض المزمنة

الألياف الغذائية... إضافة صحية لتغذية أفضل
TT

الألياف الغذائية... إضافة صحية لتغذية أفضل

الألياف الغذائية... إضافة صحية لتغذية أفضل

من بين العديد من العناصر الغذائية، يُمكن للمرء أن يبدأ في إضافة عناصر غذائية صحية جديدة، مثل الألياف، إلى وجبات طعام غذائه اليومي، بنوعيها: الوجبات الغذائية الرئيسية والوجبات الخفيفة. وعبارة «تناوَلْ مزيداً من الألياف الغذائية»، هي عبارة ربما سمعها الكثيرون عند زيارتهم لأحد الأطباء، ولكن هل تعلم لماذا تتمتع الألياف بتأثيرات صحية ممتازة لصحتك؟
- ألياف غذائية
الألياف الغذائية Dietary Fiber أحد العناصر الرئيسية في التغذية الصحية، وتوجد بشكل رئيسي في الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة والبقوليات، وشهرتها لدى الكثير من الناس بأنها تمتلك القدرة على منع أو تخفيف الإمساك، ولكن الأطعمة والمنتجات الغذائية المحتوية على الألياف يمكن أن تقدم لنا فوائد صحية أخرى أيضاً، مثل المساعدة في الحفاظ على وزن صحي للجسم وخفض خطر الإصابة بمرض السكري، وأمراض القلب، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الكولسترول.
ولو تأمل أحدنا، فإن اختيار أطعمة لذيذة وشهية، وفي نفس الوقت توفر لأجسامنا حاجتها اليومية من الألياف، هو أمرٌ ليس صعباً، وكل ما نحتاج إليه هو معرفة مقدار كمية الألياف الغذائية التي تحتاج إليها أجسامنا بشكل يومي، والأطعمة التي تحتوي عليه، وكيفية إضافتها إلى وجبات الطعام الرئيسية والوجبات الخفيفة خلال اليوم.
الألياف الغذائية هي أحد المكونات في العديد من المنتجات الغذائية، وتمتاز بأنها لا يمكن للجهاز الهضمي هضمها أو تفتيتها أو امتصاصها، بل هي تبقى ضمن مكونات الطعام في الجهاز الهضمي، وتمر من خلال المعدة والأمعاء الدقيقة والأمعاء الغليظة ثم تخرج مع فضلات الطعام دون أن يطرأ عليها أي تغيير، ولكن خلال هذه الرحلة تقدم لنا العديد من الفوائد الصحية التي يستفيد منها الجسم بشكل مباشر. ولذا تختلف الألياف الغذائية من ناحية الهضم عن بقية العناصر المكونة للطعام اليومي، كالبروتينات أو الدهون. ورغم أن الألياف هي بالأصل أحد «أشكال» سكريات الكربوهيدرات، فإنها تختلف في عملية الهضم والتفتيت عن بقية أنواع السكريات البسيطة الحلوة الطعم أو السكريات النشوية المعقدة التركيب.
- أنواع الألياف
وتُصنف الألياف إلى نوعين رئيسيين: الأول، هو «الألياف الذائبة» Soluble Fiber في الماء. والثاني، «الألياف غير الذائبة» Insoluble Fiber في الماء، أي أن الفارق بينهما هو مدى القدرة على الذوبان في الماء وتكوين مزيج غروي نتيجة لذلك. ولذا فإن «الألياف غير الذائبة» تبقى على هيئة أشبه ما تكون بنشارة الخشب، ويستفيد الجسم منها بهذه الصفة، إذا ما تم تناولها لتسهيل خروج الفضلات ومعالجة حالة الإمساك. ومن أمثلة المنتجات الغذائية المحتوية عليها بنسب مختلفة: نخالة القمح، أي طبقة القشرة الخارجية لحبوب القمح، والمكسرات وكثير من أنواع الخضار والفواكه، وبالتالي لا توجد في المنتجات الغذائية الحيوانية.
النوع الثاني من الألياف الغذائية هي «الألياف الذائبة»، والتي تشكل بالمزج مع الماء، سائلاً غروياً. وهذه النوعية من الألياف لها فوائد خفض نسبة الكولسترول والسكر في الدم. ومن أمثلة المصادر الغذائية الغنية بها: العدس والفاصوليا والحمص والفول والتفاح والحمضيات وبذور الكتان.
الحاجة اليومية من الألياف للرجال ما دون سن الخمسين من العمر، هو تناول نحو 38 غراماً من الألياف. وتقل الكمية بعد تجاوز تلك السن إلى 30 غراماً في اليوم. أما بالنسبة إلى النساء ما دون سن الخمسين، فهن بحاجة إلى تناول 25 غراماً من الألياف يومياً. ومَنْ هن فوق ذلك العمر، يحتجن إلى تناول 21 غراماً يومياً من تلك الألياف النباتية.
ويُوجد بشكل طبيعي، في نفس المنتج الغذائي النباتي، كلٌّ من الألياف الذائبة والألياف غير الذائبة، وذلك بنسب متفاوتة. كما تتفاوت المنتجات الغذائية في نسبة محتواها من كل نوع من تلك الألياف. وهناك منتجات عالية المحتوى من الألياف، وأخرى منخفضة المحتوى منها.
وللتقريب، يحتوي كوب من أحد المنتجات النباتية التالية على كمية الألياف المرافقة: كوب من البازلاء المطبوخة به نحو 17 غراماً، ومن الفاصوليا به 13 غراماً، ومن العدس به 8 غرامات، وكوب من دقيق القمح الأسمر به 6 غرامات، والبروكلي به 5 غرامات، وتفاحة بها 5 غرامات، وثمرة كمثرى أو ثمرة متوسطة الحجم من البطاطا أو أونصة (28 غراماً)، ومن اللوز بكل منها نحو 4 غرامات من الألياف، بينما تحتوي البرتقالة أو الموزة الواحدة على 3 غرامات.
ولأن الإكثار المفاجئ من تناول الألياف قد يتسبب لدى البعض بزيادة غازات البطن وبانتفاخ في البطن وبالشعور بالتخمة، فإنه من المهم التدرج في إضافتها إلى وجبات الطعام اليومي، خصوصاً للأشخاص الذين لم يتعودوا بشكل يومي على تناولها بكميات صحية، مع الحرص على شرب كميات كافية من الماء.
- فوائد صحية
الفوائد الصحية للألياف الغذائية، تشتمل على:
• المحافظة على حركة طبيعية للأمعاء وحفظ صحة جيدة للأمعاء. والحركة الطبيعية للأمعاء تتطلب أمرين: الأمر الأول، سهولة مرور فضلات الطعام دون حصول للإمساك، وهنا تفيد الألياف. والأمر الثاني، تسهيل امتصاص القولون للسوائل الكثيرة التي امتزجت مع الطعام خلال عمليات الهضم، ولذا تبقى فضلات الطعام في القولون فترة لإتمام عملية امتصاص السوائل، وهنا تفيد الألياف في ذلك وكذلك في منع حصول تراكم السوائل في الفضلات. وبالتالي، فإن الألياف الغذائية تزيد من وزن وحجم البراز لجعله أكثر ليونة، مما يُسهل مروره للخروج عبر فتحة الشرج، وبالتالي تناول الألياف يُقلل من فرص حصول الإمساك ويُخفف من تفاقم مشكلات البواسير ومن تكوين حويصلات الجيوب الصغيرة على جدران القولون. وأيضاً في حالات وجود براز شبه سائل، فإن وجود الألياف يُسهل امتصاص تلك السوائل وتخزينها ضمن مكونات الألياف، وبالتالي تسهيل خروج الفضلات بهيئة غير سائلة.
• المساهمة في ضبط نسبة سكر الدم. إن أحد أضرار تناول السكريات وهي بهيئة سهلة الامتصاص، هو الارتفاع السريع في نسبة سكر الغلوكوز بالدم، وهو ما يتسبب بإجبار البنكرياس على إفراز المزيد من هرمون الأنسولين في وقت وجيز لإتمام خفض هذا الارتفاع في نسبة سكر الغلوكوز بالدم. وتكرار حصول هذا الأمر يُؤدي إلى إنهاك البنكرياس، وارتفاع احتمالات الإصابة بمرض السكري. وهنا تقدم لنا الألياف الغذائية الممزوجة بالأطعمة السكرية وسيلة للوقاية من الارتفاع السريع في نسبة السكر بالدم ووسيلة لوقاية البنكرياس من الإنهاك، وذلك لأن الألياف تُبطئ عملية امتصاص الأمعاء للسكريات، وبالتالي لا يحصل الارتفاع السريع في نسبة سكر الغلوكوز في الدم.
• خفض نسبة الكولسترول. ونتيجة للعديد من الدراسات الإكلينيكية والفسيولوجية لعمليات الهضم وامتصاص الكولسترول والدهون، تتبين أن ثمة آليتين لعمل الألياف الذائبة في خفض نسبة الكولسترول الكلي TC في الدم وخفض نسبة الكولسترول الخفيف LDL الضار. إن الألياف الذائبة بإمكانها الالتصاق بكولسترول الطعام، وهو ما بالتالي يمنع ويُعيق امتصاص الأمعاء له. ولا تكتفي الألياف الذائبة بهذا، بل تلتصق كذلك بالأملاح المرارية، التي تفرزها المرارة ضمن عصارتها والتي مهمتها تسهيل امتصاص الدهون والكولسترول، وبالنتيجة فإن وجود الألياف الذائبة يمنع سهولة امتصاص الدهون والكولسترول. ونتيجة لالتصاق الألياف بالأملاح المرارية فإنها تخرج مع البراز، وبالتالي يضطر الكبد إلى إنتاج الأملاح المرارية، والكبد يستخدم الكولسترول الموجود في الدم لإنتاج الأملاح المرارية، وبالتالي تنخفض نسبة الكولسترول في الدم.
• خفض الرغبة في تناول الطعام. إن عمل الألياف على إبطاء امتصاص الأمعاء لطاقة الأغذية عالية المحتوى من الألياف، هو شيء يجعل المرء لا يشعر بالجوع لمدة طويلة نسبياً بالمقارنة مع تناول وجبات طعام متدنية المحتوى بالألياف. ولذا من الأفضل على سبيل المثال في حالات الصوم لساعات عدة أن يتناول المرء الحبوب الكاملة بدلاً من الحلويات، كي لا يشعر المرء بالجوع السريع بعد ساعتين أو أكثر من تناول الوجبة الغذائية.
• المساهمة في خفض الوزن. وهناك تفسيرات طبية عدة للآليات التي من خلالها يُمكن لتناول الألياف أن يُسهم في خفض وزن الجسم، ومنها أن المنتجات النباتية عالية المحتوى بالألياف، تحتاج إلى مضغ لمدة زمنية أطول وتملأ المعدة والأمعاء، وتقلل الشعور بالجوع. ولذا فإن إحدى نصائح التغذية هو تناول أحد أنواع شوربة الخضار ثم تناول السلطات في أوائل الوجبة الغذائية، وهو ما أثبتت الدراسات الطبية عمله على تقليل كمية طاقة كامل الوجبة بنسبة تتراوح ما بين 30 و40% لدى مَنْ يتناولونهما، بالمقارنة مع منْ لا يتناولون شوربة الخضار والسلطات.


مقالات ذات صلة

أمراض نادرة... تتخفّى وراء تشخيصات شائعة

صحتك أمراض نادرة... تتخفّى وراء تشخيصات شائعة

أمراض نادرة... تتخفّى وراء تشخيصات شائعة

يُعدّ ألم المفاصل من أكثر الشكاوى شيوعاً في الممارسة الطبية اليومية، وغالباً ما يُفسَّر ضمن إطار الأمراض الروماتيزمية المعروفة، نظراً لتكرار هذه الحالات.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك دليلك للتعامل مع التهاب مفاصل الإبهام

دليلك للتعامل مع التهاب مفاصل الإبهام

تُعدّ أصابع الإبهام لدينا أشبه أعجوبة، فهي تمكننا من الإمساك بالأشياء بسهولة تامة. وفي الواقع، يعتمد نحو 40 في المائة من وظائف اليد على الإبهام.

لين كريستنسن (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
صحتك المعادن النفيسة... استخدامات علاجية ودوائية

المعادن النفيسة... استخدامات علاجية ودوائية

تُستخدم المعادن بالعموم على نطاق واسع في وسائل العلاجات الدوائية والجراحية والتشخيصية، وهو موضوع بحث علمي وصحي مستمر.

د. عبير مبارك (الرياض)
صحتك محتوى الذكاء الاصطناعي... عواقب لا رجعة فيها على الأطفال

محتوى الذكاء الاصطناعي... عواقب لا رجعة فيها على الأطفال

كشفت دراسة نفسية حديثة، عن احتمالية أن يؤدي تعريض الأطفال في سن مبكرة لمحتوى الذكاء الاصطناعي إلى عواقب وخيمة لا رجعة فيها على المستوى النفسي والإدراكي.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
يوميات الشرق الإفراط في ملح الطعام مرتبط بمخاطر صحية (الجمعية الطبية الأميركية)

فوائد صحية عديدة لخفض ملح الطعام

كشف باحثون من جامعة فاندربيلت الأميركية، أن الإفراط في استهلاك الصوديوم (ملح الطعام) في النظام الغذائي يُعد عاملاً مستقلاً ومهماً يزيد خطر الإصابة بحالات جديدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أمراض نادرة... تتخفّى وراء تشخيصات شائعة

أمراض نادرة... تتخفّى وراء تشخيصات شائعة
TT

أمراض نادرة... تتخفّى وراء تشخيصات شائعة

أمراض نادرة... تتخفّى وراء تشخيصات شائعة

يُعدّ ألم المفاصل من أكثر الشكاوى شيوعاً في الممارسة الطبية اليومية، وغالباً ما يُفسَّر ضمن إطار الأمراض الروماتيزمية المعروفة، نظراً لتكرار هذه الحالات وتشابه مظاهرها السريرية. غير أن هذا الافتراض، على وجاهته في كثير من الأحيان، قد يتحوّل إلى فخٍّ تشخيصي حين يُختزل العرض في تشخيص شائع، فيما يُغفل احتمال وجود اضطرابات أقل شيوعاً وأكثر تعقيداً تتخفّى خلف الصورة نفسها.

وتشير الأدبيات الطبية إلى أن نسبة غير قليلة من المرضى الذين يعانون من آلام مفصلية مزمنة، لا تنطبق عليهم المعايير الكلاسيكية للأمراض الروماتيزمية الشائعة، أو لا يستجيبون للمسارات العلاجية المتوقعة، كما يؤكد مختصون في أمراض الروماتيزم أن التشخيص الأولي، وإن كان منطقياً، لا ينبغي أن يتحوّل إلى «تشخيص نهائي صامت» لا يُراجع، خصوصاً في الحالات التي لا تُظهر استجابة علاجية متوقعة، وهذا ما يستدعي إعادة النظر في التشخيص بدل الاكتفاء بتعديله دوائياً.

التشخيص التفريقي لآلام المفاصل

يشترك كثير من الأمراض - الشائعة والنادرة على حدٍّ سواء - في مظاهر سريرية متقاربة، ما يعكس أهمية التشخيص التفريقي (Differential Diagnosis) في تقييم حالات آلام المفاصل الالتهابية. وتؤكد تقارير «الكلية الأميركية لأمراض الروماتيزم» (American College of Rheumatology)، أن الأعراض التالية تُعدّ من أكثر المظاهر شيوعاً في هذه الحالات:

- ألم المفاصل، سواء كان متنقّلاً أم ثابتاً.

- التيبّس الصباحي.

- التورّم الموضعي.

- ارتفاع مؤشرات الالتهاب.

- تحسّن جزئي أو مؤقت مع تناول المسكنات أو الكورتيزون.

وقد توجّه هذه الصورة السريرية، المألوفة في الممارسة اليومية، التفكير مباشرة نحو تشخيص روماتيزمي، وهو توجّه مفهوم في ظل ضغط العمل وكثرة الحالات. غير أن الإشكالية لا تكمن في هذا الافتراض الأولي بحد ذاته؛ بل في الاطمئنان المبكر له وعدم إعادة تقييمه عندما لا تسير القصة السريرية وفق المسار المتوقع.

وتحذّر مراجعات منهجية منشورة في دوريات متخصصة بأمراض الروماتيزم؛ مثل «حوليات أمراض الروماتيزم» (Annals of the Rheumatic Diseases)، من أن الاعتماد على العرض المفصلي بمعزل عن التقييم الجهازي الشامل، قد يؤدي إلى تأخير تشخيص أمراض مناعية أو التهابية نادرة، وهو تأخير قد تترتب عليه تبعات علاجية ووظيفية مهمة.

كما تُظهر دراسات تحليلية، من بينها دراسة راموس - كاساز وزملائه، أن عدداً من الأمراض المناعية أو الالتهابية النادرة، قد يبدأ بصورة تحاكي أمراض المفاصل الشائعة، قبل أن تتكشف لاحقاً إصابات متعددة في أجهزة أخرى. وهذا ما يجعل الاكتفاء بالصورة المفصلية وحدها أحد الأسباب الشائعة للتأخر التشخيصي.

من واقع العيادات

في الممارسة السريرية اليومية، هناك صور مرضية تُربك التشخيص وتفرض إعادة التقييم، فالأطباء يواجهون كثيراً من الحالات التي تضطرهم لإعادة النظر في التشخيص الأولي؛ لا بسبب خطأ واضح، بل بسبب تطوّر القصة المرضية خارج الإطار المتوقع، وتُذكّرهم بأن ألم المفصل ليس تشخيصاً بحد ذاته، بل علامة تحتاج إلى تفكير أوسع وتقييم أدق. ومن تلك الحالات الشائعة:

• مريضة في منتصف العمر تشكو من آلام مفصلية متنقلة وتيبّس صباحي، مع ارتفاع طفيف في مؤشرات الالتهاب. يتم تشخيصها مبدئياً بوصفها حالة التهاب مفاصل روماتويدي مبكر (Early Rheumatoid Arthritis)، وتبدأ العلاج وفق البروتوكول المعتاد في هذا التشخيص. غير أن غياب التحسّن المتوقع، وظهور أعراض جهازية لاحقة غير مفصلية، يفتح باب الشك في أن المفصل لم يكن سوى جزءٍ من صورة مرضية أوسع.

• مريضة أخرى، شابة، تشكو من آلام مفصلية شديدة وإرهاق عام، لكن فحوصاتها المخبرية تصنف بأنها «سليمة» رغم تكرار إعادتها، فيتم توجيه أعراضها المبكرة إلى عوامل نفسية أو وظيفية، ثم يكشف تطوّر الصورة السريرية لاحقاً عن مرض نادر لم يكن مطروحاً في قائمة التشخيص التفريقي منذ البداية.

• ومن جانب آخر، فذاك رجل في الخمسين من عمره استمر لسنوات يعاني من آلام مفصلية متكررة دون تآكلات واضحة في الصور الشعاعية، وتلقّى تشخيصات متبدّلة بين التهاب مفاصل غير نوعي واضطرابات روماتيزمية غير محددة. لم يكن التحوّل في مسار التشخيص إلا بعد الانتباه إلى علامات خارج الجهاز الحركي لم تكن موضع تركيز في البداية.

هذه الحالات، وإن اختلفت تفاصيلها، تشترك في نقطة محورية واحدة: تشابه العرض المفصلي، واختلاف جوهر المرض.

تشخيصات محتملة

في سياق التشخيص التفريقي لألم المفاصل، تؤكد المراجع السريرية الحديثة أن الإشكالية لا تكمن في شيوع تشخيص التهاب المفاصل الروماتويدي مثلاً؛ بل في افتراضه إطاراً تفسيرياً نهائياً منذ البداية، خصوصاً عندما لا تتماشى الأعراض مع مساره المعروف. فغياب الاستجابة العلاجية المتوقعة، أو ظهور مظاهر جهازية غير مفسَّرة، أو عدم اكتمال الصورة الروماتيزمية الكلاسيكية، ينبغي أن يدفع الطبيب إلى توسيع دائرة التفكير بدل تضييقها.

ومن بين التشخيصات التي يجب أن تبقى حاضرة في هذا السياق ما يلي:

• الأمراض المناعية الجهازية، وعلى رأسها الذئبة الحمامية (الحمراء) الجهازية (systemic lupus erythematosus)، التي كثيراً ما تبدأ بألم مفصلي غير نوعي، ومتنقل، وغير مخرّب، قبل أن تتبلور علاماتها الجلدية أو المخبرية المميّزة. وفي مثل هذه الحالات، قد يُفسَّر الألم المفصلي خطأً بوصفه التهاباً روماتيزمياً مبكراً، بينما يكون في الواقع جزءاً من اضطراب مناعي أوسع لم يكشف عن نفسه بعد. وينطبق الأمر ذاته على التهاب الأوعية الدموية، حيث قد يكون ألم المفاصل عرضاً مرافقاً لمرض جهازي يتظاهر لاحقاً بإصابات جلدية، أو عصبية، أو كلوية، تجعل التشخيص أكثر وضوحاً بأثر رجعي.

• الأمراض الالتهابية النادرة، مثل التهاب الغضاريف الناكس (Relapsing Polychondritis)، حيث لا يكون المفصل هو الهدف الأساسي للمرض، بل أحد تجلّياته المتعددة. ففي هذه الحالات، قد يتقدّم ألم المفصل المشهد السريري في المراحل المبكرة، بينما تُهمَل مظاهر أخرى أكثر نوعية - كإصابة الأذن أو الجهاز التنفسي - لعدم الربط بينها في البداية. ويُعدّ هذا النموذج مثالاً كلاسيكياً على كيف يمكن لمرض نادر أن يتخفّى خلف عرض شائع إذا لم يُقرأ السياق السريري كاملاً.

• الاضطرابات الاستقلابية، وهي لا تقلّ أهمية عما سبق؛ مثل داء ترسّب الأصبغة الدموية (Hereditary Hemochromatosis)، الذي قد يحاكي التهاب المفاصل الروماتويدي في بداياته، سواء من حيث توزّع الألم أو طبيعته الالتهابية، قبل أن تظهر العلامات الاستقلابية أو العضوية المميّزة. وغالباً ما يؤدي عدم التفكير في هذا الاحتمال إلى سنوات من العلاج غير الموجّه، في حين أن التشخيص المبكر قد يغيّر مسار المرض جذرياً.

• الالتهابات المزمنة، لا سيما تلك المرتبطة بعدوى فيروسية، فهي تمثّل تحدّياً تشخيصياً إضافياً؛ إذ قد يتداخل الألم المفصلي فيها مع سياق إنتاني غير واضح المعالم، ويُساء تفسيره بوصفه مرضاً روماتيزمياً أولياً. ومن الأمثلة المعروفة على ذلك التهاب المفاصل المرتبط بعدوى فيروس التهاب الكبد سي (hepatitis C–associated arthritis)، حيث قد تتقدّم الأعراض المفصلية المشهد السريري قبل ظهور الدلائل الكبدية الواضحة، وكذلك الالتهاب المفصلي التالي لـ«عدوى فيروس بارڤو B19»(parvovirus B19–related arthropathy)، الذي قد يحاكي في بداياته التهاب المفاصل الروماتويدي، خصوصاً عند البالغين. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون المفصل هو المشكلة بقدر ما يكون انعكاساً لاستجابة مناعية أوسع تتطلب تقييماً مختلفاً لمسار المرض.

«الشكّ التشخيصي»

متى يصبح الشك التشخيصي ضرورةً؟ توصي الإرشادات السريرية الحديثة بالمعهد الوطني للصحة والرعاية المتميزة - بريطانيا (National Institute for Health and Care Excellence (NICE))، بضرورة إعادة تقييم التشخيص في حال ظهور ما يُعرف بـ«العلامات التحذيرية red flags»، ومن أبرزها:

- عدم الاستجابة للعلاج المتوقع رغم الالتزام به.

- وجود أعراض جهازية غير مفسَّرة (حمّى، ونقص وزن، وتعب شديد).

- إصابة أعضاء لا تنسجم مع نمط المرض الروماتيزمي المفترض.

- تناقض بين شدة الأعراض ونتائج الفحوصات.

- تغيّر نمط الألم أو تطوّره بمرور الوقت.

الاعتماد على أعراض المفصل بمعزل عن التقييم الجهازي الشامل قد يؤدي إلى تأخير تشخيص أمراض مناعية أو التهابية نادرة

وتوضح تقارير منشورة في مجلات الطب الباطني والروماتيزم، أن تجاهل هذه المؤشرات قد يؤدي إلى تأخر تشخيص أمراض مناعية جهازية، أو اضطرابات التهابية نادرة، أو حتى أمراض استقلابية ووعائية، يكون المفصل فيها مجرد نقطة بداية لا أكثر.

وتشير التحليلات الحديثة في أدبيات السلامة الطبية (Singh H, et al. BMJ Quality & Safety)، إلى أن كثيراً من حالات التأخر التشخيصي في الأمراض النادرة لا يعود إلى تقصير فردي؛ بل إلى طبيعة هذه الأمراض نفسها، من حيث ندرتها، وتداخل أعراضها، وافتقارها في المراحل المبكرة إلى علامات فاصلة.

ومن غير المنصف اختزال هذه الإشكالية في إطار «الخطأ الطبي»؛ فالأمراض النادرة، بطبيعتها، لا تأتي غالباً بصورة كتابية، كما أن ندرتها تجعلها خارج دائرة التفكير الأولي في كثير من الأحيان، إضافة إلى ضغط العيادات، كلها عوامل تفسّر - ولا تبرّر - هذا التأخير التشخيصي.

وتؤكد الأدبيات الطبية أن إعادة التفكير التشخيصي، عندما تفرض المعطيات السريرية ذلك، ليست اعترافاً بالخطأ؛ بل ممارسة مهنية ناضجة، تعكس فهماً لطبيعة المرض أكثر مما تعكس تردّداً في القرار.

وهكذا يتضح لنا أن ألم المفصل هو عرض شائع، وأن الطب لا يُمارَس بالشيوع وحده. فحين لا تتماشى الأعراض مع المسار المتوقع، أو تتسع الصورة السريرية خارج إطار المفصل، أو تتعارض القصة المرضية مع التشخيص المتوقع، يصبح التوقّف وإعادة النظر واجباً لا خياراً أو ترفاً علمياً.

وتؤكد الأبحاث أنه ينبغي عدم إغفال بعض الاضطرابات الوراثية أو النادرة التي قد تتظاهر بألم مفصلي مستمر، مع فحوصات مخبرية طبيعية في المراحل الأولى، وهو ما يزيد من خطر تصنيفها بوصفها حالات «غير نوعية» أو «وظيفية».

ويجمع الخبراء على أن إدراج هذه التشخيصات ضمن الذهن السريري لا يعني البحث عن النادر في كل مريض؛ بل الحفاظ على مرونة التفكير عندما لا تدعم المعطيات السريرية التشخيص الأكثر شيوعاً.

فليس كلُّ ألمِ مفصلٍ «روماتيزم»، فأحياناً، يكون المفصل مجرد بداية لقصة مرضية أكثر تعقيداً وأعمق ندرة مما يبدو.

* استشاري طب المجتمع

 

لمتابعة التقارير الخاصة للـ«الشرق الأوسط» عبر محرك البحث غوغل اضغط هنا وانقر مربع التفضيلات


دليلك للتعامل مع التهاب مفاصل الإبهام

دليلك للتعامل مع التهاب مفاصل الإبهام
TT

دليلك للتعامل مع التهاب مفاصل الإبهام

دليلك للتعامل مع التهاب مفاصل الإبهام

تُعدّ أصابع الإبهام لدينا أشبه أعجوبة، فهي تمكننا من الإمساك بالأشياء بسهولة تامة. وفي الواقع، يعتمد نحو 40 في المائة من وظائف اليد على الإبهام. وهنا، أوضحت كريستين كاياتي، الاختصاصية المعتمدة بمجال علاج اليد والعلاج الوظيفي، في «مركز سبولدينغ لإعادة التأهيل»، التابع لجامعة هارفارد، أنه «عندما يُصاب إبهامنا بأي مشكلة، فإن ذلك قد يُعوق قدرتنا على أداء وظائفنا اليومية».

إذا أصبحت مهام بسيطة، مثل فتح علبة، أو حمل طبق، أو رفع بنطالك، صعبة ومؤلمة، فمن المحتمل أن تكون المشكلة «التهاب مفاصل الإبهام (thumb arthritis)». الحقيقة أنه بعد سن السبعين، تكون النساء أعلى عرضة للإصابة بهذا النوع من التهاب المفاصل، بنحو الضعف مقارنةً بالرجال.

ما «التهاب مفاصل الإبهام»؟

يُسمى مفصل الإبهام الأكثر عرضة للإصابة بالفصال العظمي بـ«المفصل الرسغي السنعي (carpometacarpal - CMC- joint)». ويقع هذا المفصل في قاعدة الإبهام، بين العظم الطويل في الجزء اللحمي من الإبهام وعظم صغير في الرسغ يُسمى «العظم المربع المنحرف».

ويُتيح «المفصل الرسغي السنعي» للإبهام نطاقاً واسعاً من الحركة، بما في ذلك القدرة على التقابل، بمعنى أن الإبهام يتحرك بحيث يلامس أطراف الأصابع الأخرى؛ مما يسمح لليد بالإمساك بالأشياء والتحكم فيها. وتوفر الأربطةُ (أشرطة مرنة من الأنسجة تربط العظام بعضها ببعض)، والأوتارُ، والعضلاتُ، الثباتَ.

ويجري تعريف «التهاب مفصل قاعدة الإبهام» بأنه مشكلة ناجمة عن التآكل وعدم الثبات. وكما الحال مع التهاب المفصل العظمي في أي مفصل، يتآكل الغضروف المبطن الذي يغطي نهايات العظام، وتضعف الأربطة الداعمة، مما يؤدي إلى حالة من عدم الثبات.

وشرحت كاياتي بأنه «عندما يحدث هذا، فقد لا تصطف العظام بشكل صحيح لتؤدي وظيفتها بكفاءة ودون ألم».

الأعراض الشائعة للالتهاب

تتضمن أعراض التهاب مفصل الإبهام ألماً جديداً أو متفاقماً في قاعدة الإبهام، وألماً يمتد إلى اليد أو الرسغ من جهة الإبهام. وقد يكون مؤلماً عند القرص أو اللف أو الإمساك. وقد يكون القرص الجانبي (تقريب الإبهام من جانب السبابة) مؤلماً بشكل خاص. وقد ينتابك شعور بالألم حتى حال عدم تحريكها.

بوجه عام، يبدو بعض الأشخاص أعلى عرضة لإسقاط الأشياء بسبب الألم، أو ضعف العضلات، أو خلل في المفصل، يحول دون إرسال الدماغ إشارات صحيحة للعضلات، لإبقاء اليد ممسكة بالأشياء.

ومع مرور الوقت، قد تظهر تغيرات واضحة على اليد والإبهام تؤثر على نطاق حركتهما.

تشخيص الالتهاب

للحصول على التشخيص، تنصح كاياتي بزيارة جراح مختص في جراحة اليد. كما يمكن لطبيب الرعاية الأولية أو اختصاصي روماتيزم تشخيص الحالة. ولا يوجد فحص واحد لالتهاب مفاصل الإبهام، وإنما يجري التشخيص من خلال الفحص السريري والأشعة السينية. ويتولى فني الأشعة وضع يدك في أوضاع مختلفة لتحديد مدى التدهور ودرجة التشوه. وقد يحيلك الطبيب إلى اختصاصي علاج وظيفي، مختص في علاج اليد، أو قد يوصي بالجراحة في الحالات الأشد حدة.

خيارات العلاج

إذا لم يكن التهاب المفاصل شديداً، وكنت تستخدم أساليب حماية المفصل، فمن المرجح ألا تحتاج إلى جراحة. وعن ذلك، شرحت كاياتي بأنه «نتولى تعليم الناس كيفية استخدام الإبهام بطرق تُعزز وضعيات اليد التي تُوفر الثبات، بينما نُثني عن الوضعيات التي قد تُسبب عدم الثبات».

في العادة، يتضمن العلاج العناصر التالية:

- التدريب على تحسين ميكانيكية اليد: على سبيل المثال، ستتعلم تجنب الضغط بالإبهام على جانب السبابة؛ مما يخلق ضغطاً على المفصل. يُعدّ إبقاء اليد على شكل حرف «سي (C)» مُقوّس في أثناء الإمساك بالأشياء وإفلاتها، ألطف وأثبت.

- علاج اليد: يتولى اختصاصيو العلاج الوظيفي تعليم تمارين لتقوية العضلات الصغيرة، التي تدعم المفصل. وتستهدف هذه الحركات تثبيت الإبهام (وليس إجهاده). إليك مثالاً بسيطاً: تخيّل أنك تُمسك كرة تنس في يدك. اضغط برفق وثبّت الوضعية. كرّر ذلك من 10 مرات إلى 20 مرة. ويُساعد هذا في تدريب اليد على إبقاء الإبهام في وضعية ثابتة.

- الجبائر واللصقات: توجد جبائر لينة وصلبة، بجانب تقنيات لصق خاصة. تُساعد هذه الأدوات في تثبيت الإبهام وتدريب اليد على استخدام الوضعيات الأعلى ثباتاً. ويمكنك الحصول على جبيرة مصممة خصيصاً أو شراء واحدة جاهزة. احرص على استشارة اختصاصي العلاج الوظيفي للحصول على توصية تضمن لك الحصول على النوع المناسب. وتجعل جبيرةُ اليد المخصصةُ لـ«متلازمة النفقِ الرسغي» الإبهامَ في وضعية لا تسبب التهاب مفاصل الإبهام.

- تسكين الألم: قد يساعد استخدام الحرارة والتدليك الذاتي في تخفيف الألم. بشكل عام؛ الدفء أفضل تهدئة لآلام المفاصل بشكل أعلى فاعلية من الثلج. استشر طبيبك بخصوص أنسب مسكن للألم. ويصف كثير من الأطباء حقن «كورتيكوستيرويد» لتسكين الألم.

وحال استمرار الألم في التأثير على حياتك اليومية رغم هذه الإجراءات، فإن طبيبك قد يوصي بخيار الجراحة.

* «رسالة هارفارد - مراقبة صحة المرأة»

- خدمات «تريبيون ميديا»


المعادن النفيسة... استخدامات علاجية ودوائية

المعادن النفيسة... استخدامات علاجية ودوائية
TT

المعادن النفيسة... استخدامات علاجية ودوائية

المعادن النفيسة... استخدامات علاجية ودوائية

تُستخدم المعادن بالعموم على نطاق واسع في وسائل العلاجات الدوائية والجراحية والتشخيصية، وهو موضوع بحث علمي وصحي مستمر. ولكنْ ثمة عدد من المعادن الثمينة والنادرة التي تُستخدم في تطبيقات صحية مُحددة، وتُساعد الإنسان على التغلب على بعض الأمراض الخطيرة. وتتوالى الدراسات الطبية حول الاستخدامات الطبية الحالية والمستقبلية لثلاثة من المعادن الثمينة، وهي الذهب والبلاتين والفضة.

وبمراجعة موقع بابميد الطبي PubMed، التابع للمؤسسة القومية للصحة بالولايات المتحدة NIH، للفترة من بداية هذا العام 2026 وحتى لحظة كتابة هذا المقال، نلاحظ توسعاً في عدد الدراسات الطبية التي تتناول معادن الذهب والبلاتين والفضة في الاستخدامات العلاجية والتطبيقات الصحية عالية الأهمية، وخاصة في أمراض مهمة كالسرطان والعمليات الجراحية والأمراض القلبية. وعلى سبيل المثال، بوضع كلمة «ذهب» للبحث في موقع بوبميد للدراسات الطبية، تظهر لنا 2615 دراسة. وبوضع كلمة «بلاتين»، تظهر لنا 615 دراسة. وبوضع كلمة «فضة»، تظهر لنا 1258 دراسة.

استخدامات الفضة الطبية

وفي الخلفية التاريخية، يعود استخدام الفضة في الطب إلى ما لا يقل عن 400 قبل الميلاد، عندما كتب الطبيب والفيلسوف اليوناني أبقراط عن استخدامها لتحسين العناية بالجروح. وقد استفاد سكان مدينة دولوث بولاية مينيسوتا في أواخر القرن التاسع عشر من الخصائص المضادة للميكروبات التي يمتلكها معدن الفضة، والتي لا تزال تُستخدم في الطب الحديث. وتُمارس الفضة تأثيرها المضاد للبكتيريا عندما ترتبط أيوناتها بأغشية الخلايا الميكروبية الواقية وتُعطلها، مما يُثبط الإنزيمات اللازمة لبقاء الميكروبات داخل خلاياها، ويُعطل تضاعف الحمض النووي DNA Replication اللازم لتكاثرها.

وتُعدّ الفضة عاملاً مضاداً للميكروبات واسع الطيف، فعالاً ضدّ العديد من الكائنات الدقيقة، بما في ذلك البكتيريا والفطريات. كما تُستخدم في المستحضرات الموضعية لتوفير الحماية المضادة للميكروبات أثناء التئام الجروح. وتُصنّع أيضاً ضمادات مُطعّمة بجزيئات الفضة، مثل لاستخدامها كضمادات للجروح. ويزداد استخدام الأجهزة الطبية الفضية (الأدوات الجراحية، والإبر، ومقابض الأبواب، وغيرها) في المستشفيات لمنع انتشار بكتيريا المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين MRSA. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للأدوية الموضعية الموصوفة طبياً، مثل سلفاديازين الفضة، أن تمنع العدوى لدى الأشخاص المصابين بحروق شديدة.

ونحن نعلم اليوم أنه في ظل ظروف معينة، تشكل الفضة أيونات تعطل العمليات الميكروبية، وتتداخل مع الروابط بين البروتينات الرئيسية في البكتيريا والحمض النووي الخاص بها. وهذا يجعل الفضة مفيدة للغاية في المجال الطبي، حيث تم استخدامها منذ أوائل القرن العشرين كخيوط مضادة للميكروبات، وقطرات للعين، والعناية بالجروح. وتحديداً، طوَّر العلماء طريقةً لدمج جزيئات الفضة النانوية Nanosilver في خيوط الحرير الجراحية Silk Sutures، مما يقلل من نمو الميكروبات والعدوى في مواقع الخياطة. ويعمل فريق آخر على نظام زرع فضة مُنشّط كهربائياً Electrically Activated Silver Implant System الذي من شأنه أن يقلل من العدوى المرتبطة بالأجهزة الطبية القابلة للزرع. كما يجري العمل على دراسة إمكانية دمج جزيئات الفضة النانوية مع المضادات الحيوية لتعزيز فعاليتها ضد البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

وشهدت ستينيات القرن العشرين تطور سلفاديازين الفضة، وهو مركب وجد أنه علاج فعال للحروق الشديدة وكان جزءاً من العلاج القياسي حتى عقود قليلة مضت، عندما حلَّت محله علاجات أكثر حداثة. ومع ذلك، يظل سلفاديازين الفضة علاجاً فعالاً ولا يزال مدرجاً في قائمة منظمة الصحة العالمية للأدوية الأساسية.

وبالإضافة إلى ذلك، تشمل الاستخدامات الطبية الأخرى للفضة ما يلي:

- أنابيب التنفس والقسطرة: تساعد أنابيب التنفس المطلية بالفضة على الوقاية من الالتهاب الرئوي المرتبط بجهاز التنفس الصناعي، وغالباً ما تكون القسطرة أيضاً مغلفة بالفضة لمنع الالتهابات المختلفة.

- طب الأسنان: يُستخدم فلوريد ثنائي أمين الفضة في علاج حساسية الأسنان وتسوس الأسنان. تعتبر الفضة أيضاً مكوناً أساسياً في حشوات الملغم السنية.

- علم الأحياء الدقيقة: تستخدم الفضة في تلوين الخلايا كوسيلة أكثر حساسية للكشف عن البروتينات والأحماض النووية لتحسين التحليل.

خصائص الذهب المضادة للالتهابات

وقد استخدم البشر الذهب في الرعاية الصحية لفترة أطول، حيث تشير الأدلة إلى استخدامه لعلاج الأمراض في الصين منذ عام 2500 قبل الميلاد. ومنذ ذلك الحين، لاحظ العديد من الباحثين قدرة هذا المعدن على الحد من الالتهابات. وعلى مدى 75 عاماً تقريباً، كانت مكملات الذهب من أوائل العلاجات المستخدمة لالتهاب المفاصل الروماتويدي Rheumatoid Arthritis، ولا تزال تُستخدم حتى اليوم. والتهاب المفاصل الروماتويدي هو مرض مناعي ذاتي يُسبب التهاباً مزمناً وألماً في المفاصل المصابة.

يتمتع الذهب بخصائص مضادة للالتهابات تُساعد على تقليل التهاب المفاصل والألم. كما يعتقد بعض العلماء أن الذهب يُمكنه أيضاً تعديل الاستجابات المناعية الذاتية وإبطاء تطور المرض. بالإضافة إلى ذلك، اكتشف العلماء أخيراً طريقة جديدة واعدة لإيصال أدوية السرطان إلى المرضى. تُعرف هذه الطريقة باسم «الأغلفة النانوية الذهبية» Gold Nanoshells، وهي تحظى باهتمام كبير من المجتمع العلمي لقدرتها على مهاجمة الخلايا السرطانية بفعالية أكبر دون إلحاق الضرر بالخلايا السليمة في جسم المريض.

إن كيفية تصنيع هذه الأغلفة النانوية الذهبية التي تستهدف الخلايا السرطانية معقدة للغاية، بل وتتجاوز حدود الخيال. ولكن بمجرد تصنيعها، تُعطى للمرضى، وتُترك لفترة كافية لتلتصق بالخلايا السرطانية، ثم تُعرَّض للأشعة تحت الحمراء Infrared Light التي تدمر الخلايا السرطانية دون التأثير على الخلايا السليمة المحيطة بها. وتُعد هذه تقنية طبية حديثة، ويخضع هذا العلاج حالياً لتجارب سريرية. وللتوضيح، تُتيح جزيئات الذهب النانوية Gold Nanoparticles مجموعة واسعة من التطبيقات المحتملة قيد التطوير حالياً، بما في ذلك استخدامها كعامل تباين أكثر حساسية في التصوير التشخيصي، وناقل للأدوية Drug Carrier، ومحفز لتطوير أدوية أخرى، ومضادات فيروسية واسعة النطاق. كما قد تُسهم جزيئات الذهب النانوية في تحسين علاج السرطان، من خلال العمل كمعززات إشعاعية لتمكين استخدام جرعات إشعاعية أقل وأكثر دقة، ولعب دور في العلاج الضوئي الحراري Photothermal Therapy.

البلاتين في الأدوية والأدوات

ويُعدّ البلاتين مادةً أساسيةً في الطب الحديث. والخصائص الرئيسية للبلاتين تتمثل في ارتفاع التوافق الحيوي له. أي أنه غير سام ويتحمله جسم الإنسان بشكل عام جيداً. كما أنه يمتلك شفافية عالية للأشعة، بما يوفر وضوح عالٍ في التصوير بالأشعة السينية والتصوير المقطعي المحوسب. وقدرات التوصيل الكهربائي له ممتازة لنقل الإشارات في الأجهزة. إضافة إلى المتانة مقاومته للتآكل، ما يجعله يدوم طويلاً داخل الجسم. تشمل تطبيقاته الرئيسية أدوية العلاج الكيميائي المُضادة للسرطان (مثل السيسبلاتين والكاربوبلاتين)، والأجهزة القابلة للزرع كأجهزة تنظيم ضربات القلب ومحفزات الأعصاب، وأدوات التشخيص كالقسطرات والدعامات نظراً لخاصية امتصاصه للأشعة.

ومنذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، يُستخدم البلاتين في العديد من الأدوية والأدوات نظراً لكثافته وقابليته للطرق Malleability، وهما صفتان أساسيتان في صناعة أجهزة تنظيم ضربات القلب، والقسطرات، والدعامات المعدنية، وحتى علاجات السرطان. ووفقاً للمجلة الدولية لأبحاث وعلاج السرطان International Journal of Cancer Research and Therapy، فإن أكثر من 50 في المائة من أدوية السرطان تعتمد على البلاتين. كما يستخدم السيسبلاتين Cisplatin وخليفته الكاربوبلاتين carboplatin مركبات البلاتين لعلاج الأورام الشائعة مثل سرطان الثدي والمبيض والرئة.

ولذا تُعدّ المركبات القائمة على البلاتين - وخاصةً السيسبلاتين والكاربوبلاتين والأوكساليبلاتين - ضروريةً في علاج أنواعٍ مختلفةٍ من السرطان، بما في ذلك سرطان الخصية، وسرطان المبيض، وسرطان الرئة، وسرطان الثدي، وسرطان القولون والمستقيم. تعمل هذه الأدوية عن طريق إتلاف الحمض النووي للخلايا سريعة الانقسام لمنع تكاثرها.

كما يُستخدم في الأجهزة الطبية القابلة للزرع. وكمثال، أجهزة تنظيم ضربات القلب وأجهزة إزالة الرجفان، حيث يُستخدم البلاتين، وخاصةً في سبائك البلاتين والإيريديوم، في صناعة الأقطاب الكهربائية، وهو عنصرٌ أساسيٌّ لنقل الإشارات الكهربائية إلى القلب. وكذلك أجهزة تعديل النشاط العصبي، حيث تُستخدم أقطاب البلاتين في التحفيز العميق للدماغ وزراعة القوقعة (أجهزة السمع) لتحفيز النشاط العصبي.

ونظراً لشفافيته العالية للأشعة، يُستخدم البلاتين في التصوير الطبي لتوجيه القسطرات والدعامات، مما يسمح برؤيتها بوضوح تحت الأشعة السينية.

وكذلك يُستخدم البلاتين في الأدوات الجراحية والأطراف الصناعية. وذلك لأن طبيعته الخاملة تجعله مثالياً للأدوات الجراحية، بينما خصائصه المضادة للميكروبات تجعله مرشحاً مناسباً لطلاء غرسات الورك أو الركبة.

توظف في علاج أمراض السرطان والقلب وفي العمليات الجراحية

5 معادن أخرى نادرة واستخدامات طبية واسعة وواعدة

تُستخدم المعادن النادرة على نطاق واسع في الأدوات الطبية المستخدمة في الرعاية الصحية، ما يُساهم في إطالة أعمارنا. وتؤدي المعادن النفيسة وظائف حيوية تُحافظ على صحتنا وتُعزز نمط حياتنا الصحي. ومن تلك المعادن النادرة:

· التيتانيوم Titanium. يُعدّ التيتانيوم أكثر المعادن استخدامًا في الأجهزة الطبية، وخاصةً داخل جسم الإنسان. فهو يُقاوم التآكل ويلتصق بالعظام، ما يُقلل من خطر رفض الجسم له مقارنةً بأي معدن آخر. ويُمكن استخدام التيتانيوم في الأجهزة المزروعة التي تُوصل الأدوية، وتُنظم وظائف القلب، وتُحفز الأعصاب دون التأثير على فحوصات التصوير المقطعي المحوسب أو التصوير بالرنين المغناطيسي. كما يُعدّ التيتانيوم مثاليًا للأدوات الجراحية، مثل أجهزة جراحة العيون الليزك، والملاقط، والمثاقب، والمباعدات، وحاملات الإبر.

· التنتالوم Tantalum. يُعدّ التنتالوم معدنًا شائعًا ومقاومًا للتآكل، ما يجعله مثاليًا لزراعة العظام الدائمة. ويُستخدم هذا المعدن في المجال الطبي منذ أكثر من 50 عامًا. ويُستخدم عادةً في الدعامات والشرائط الوعائية لمنع انهيار الشرايين. كما يتوافق التنتالوم مع التصوير بالرنين المغناطيسي.

· النحاس الأصفر Brass. يُستخدم النحاس الأصفر (نحاس وزنك) لنقل الإشارات إلى أجهزة التشخيص والغرسات الصغيرة. ويتمتع النحاس بخصائص مضادة للبكتيريا، ما يجعله خيارًا ممتازًا في المستشفيات، حيث يُستخدم في صناعة الشراشف والأردية الطبية، ويقلل من معدلات العدوى.

· النيتينول Nitinol. يمكن تصنيعه عند درجة حرارة معينة، ثم تشكيله إلى أشكال أصغر عند درجة حرارة مختلفة لإدخاله في الجسم. وتتسبب حرارة الجسم في تمدد المعدن إلى حجمه الأصلي. وهذا ما يجعله مثاليًا للدعامات، والغرسات، والدبابيس، ومثبتات العظام. كما يمكن استخدامه في أجهزة إعادة توصيل الأمعاء وتحديد مواقع أورام الثدي.

· البالالديوم Palladium. يُستخدم البالاديوم في الطب بشكل أساسي في تيجان وجسور الأسنان، والبذور المشعة المستخدمة في المعالجة الإشعاعية الموضعية لسرطان البروستاتا وسرطان الجلد المشيمي. ويجري تطوير جسيمات البالاديوم النانوية Pd NPs للعلاج الضوئي الحراري، حيث تعمل على قتل الخلايا السرطانية عند تعريضها للإشعاع Brachytherapy.

وتُستخدم جسيمات البالاديوم النانوية كعوامل تباين في التصوير الصوتي الضوئي Photoacoustic Imaging. ويُقدّر البالاديوم لتوافقه الحيوي، ومقاومته للتآكل، وقدرته على التقوية، على غرار البلاتين. نظرًا لتوافقه الحيوي، يُستخدم البالاديوم في طلاء أو تصنيع مكونات الأدوات الجراحية والدعامات الوعائية. كما يُستخدم البالاديوم في شرائط اختبار سكر الدم.

* استشارية في الباطنية.