أنتونيلا رومانو: نتائج الثورات العلمية تأتي دائماً متأخرة

أنتونيلا رومانو: نتائج الثورات العلمية تأتي دائماً متأخرة

في حوار أجرته معها مجلة «علوم ومستقبل» الفرنسية
الخميس - 15 شهر ربيع الثاني 1439 هـ - 04 يناير 2018 مـ رقم العدد [ 14282]
غلاف المجلة
الرباط: محسن المحمدي
أجرت مجلة «علوم ومستقبل»، (SCIENCE ET AVENIR) في عددها رقم «191» لشهري أكتوبر (تشرين الأول) - نوفمبر (تشرين الثاني) الماضيين، لقاء حواريا مع أنتونيلا رومانو (Antonnella Romano) حول مجموعة من القضايا العلمية؛ نذكر منها: ما الثورة العلمية؟ وهل تُكتشف لحظة حدوثها أم الأمر انتباه بعدي لها؟ ما الفرق بين الثورة السياسية والثورة العلمية؟ ما علاقة العالم بالسلطة؟ ما الفروق بين الألفاظ المتقاربة التالية: الاكتشاف، والاختراع، والابتكار... في مجال العلوم؟ كيف أصبح العلم بلون أوروبي؟ وطبعاً إشارات أخرى عميقة... سنعمل على إلقاء الضوء على بعض منها في مقالنا هذا.
تجدر الإشارة بداية إلى أن أنتونيلا رومانو مؤرخة للعلوم ومديرة «مركز ألكسندر كويري للتاريخ والعلوم والتقنيات»، وهو ما جعل الحوار معها يكتسي طابع الدقة، لكن وفي الوقت نفسه الطابع التعليمي الذي تمثل في كثرة ضرب الأمثلة التوضيحية، التي سنقف عند بعضها ونحن نسير في هذا المقال.
انطلقت المحاورة بالسؤال عن الثورة العلمية، لتؤكد رومانو على أن لفظة «ثورة» معقدة جدا وليست بالبساطة التي قد يعتقدها البعض، فإذا أخذنا العالم البولوني نيكولاس كوبيرنيكوس، الراهب من مرتبة «Chanoin»، وهو منصب إداري في التراتب الكنسي، فقد ترك لنا كتابا يدعى «في دوران الأجرام السماوية» نشره أحد تلامذته عام 1543، الذي يعد نقطة انطلاق لتصور جديد للفلك، إلا أن رومانو تقول إنه قد بقي يتداول بين الناس دون إثارة أي مشكلات، أو قلاقل اجتماعية، فهو برز على أنه حدث عاد إلى حدود 1616 وهي سنة وضعه في لوائح المنع من طرف لجان المراقبة الكنسية، بسبب جرأة غاليليو ومحاولة جعل أفكار مركزية الشمس الكوبيرنيكية في متناول العامة. فالكتاب كان في مستهله لا يثير انتباه الرقابة ويجول بين مجموعة من المهتمين بالسماء، فهو، كما تقول رومانو، لم يكن له إبان خروجه للوجود أي مفعول يذكر على تصور الأوروبيين للكون، حيث استمر الفلكيون يمارسون ويدرسون علم الهيئة كما ألفوه وتعلموه من القدماء، وهو ما يسمح بالقول إن اكتشاف أن هناك ثورة قد أنجزت يأتي متأخرا وبعد مرور الوقت.
رومانو تذكرنا هنا بأن رواج الحديث عن «الثورة العلمية» جاء بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تم إقحام تخصص «تاريخ العلوم» في الجامعات بشكل رسمي خصوصا في الولايات المتحدة، مما جعل تزويد الباحثين بمعالم من تاريخ العلم أمرا اضطراريا، وهو ما كرس فكرة البحث في الثورات العلمية، وفكرة حركية التاريخ العلمي، وهل هو تراكمي أم عبارة عن قطائع؟ وهنا تلح رومانو على أنه ينبغي التفرقة بين الثورة العلمية والثورة السياسية، فالقطيعة في الشأن السياسي قد تحدث بشكل مباغت ومفاجئ كالثورة الفرنسية والثورة الروسية وتأثير الحدث يبزغ بسرعة. أما الثورة العلمية فهي لا تتحرك على الشاكلة نفسها، وتكون سمتها البطء ولا تؤثر في حياة الناس مباشرة. ولكي تقنعنا برأيها هذا تضرب أمثلة من تاريخ العلم، فعندما استطاع غاليليو مشاهدة السماء بالتلسكوب مؤكدا افتراض مركزية الشمس كما أعلنها كوبيرنيكوس، وهذا طبعا أمر مهم، فإنه لم يغير من حياة الناس ومن طريقة تفكيرهم تلقائيا، فالأمر احتاج لزمن طويل. والأمر نفسه يقال عن قوانين نيوتن حول الجاذبية، فهي لم تؤثر بشكل حاسم في معاصريه. كل هذا دفع رومانو إلى خلاصة مفادها أن التركيز على «الثورة العلمية» يضيع نظرتنا نحو تحليل المجتمع وحركيته وتحولاته.
من جهة أخرى، ستأخذ مؤرخة العلوم رومانو النقاش للحديث عن حقبة القرن التاسع عشر، وكيف ستنشب منافسة شرسة بين سلطة الكنيسة وسلطة العلم، أي بين التصور القروسطي للعالم والتصور العلمي الناشئ آنذاك، حيث سيبدأ بعض العلماء والفلاسفة في المجتمع الأوروبي، والفرنسي خصوصا، بالتفكير في علم زمانهم وما ينتجه من حقائق تصطدم بالحقائق المروجة في الكتاب المقدس؛ إذ تم الانتباه إلى التغيرات التي بدأت تمس ملامح السلطة المعرفية التي كانت تحتكرها الكنيسة، وكيف أنه يتم تعويضها تدريجيا بسلطة جديدة يتزعمها العلم، الذي أصبح يتغلغل في أذهان الناس ويسحب ثقتهم في القديم، خصوصا مع ظهور الدراسات الجيولوجية والدراسات الحفرية التي أعادت النظر في عمر الأرض والإنسان، وهو ما كان يتعارض مع الطبيعيات الإنجيلية ويتحداها بحجج دامغة تضعها في إحراج هائل. وكيف لا والقرن التاسع عشر أفرز لنا مصطلح «ما قبل التاريخ» الذي تمت الدعوة من خلاله إلى إعادة كتابة التاريخ الإنساني من جديد وبطريقة مختلفة عن المعهود؟
تدعو أيضا رومانو إلى تجاوز التأريخ للعلم انطلاقا من النظر للعلماء على أنهم أفراد معزولون، بل ينبغي دائما ربطهم بسياقهم الاجتماعي والسياسي، فمن المهم النظر لشروط وظروف عملهم، فهي تسعف في استيعاب ملامح التحولات العلمية في سياق شمولي، وتضرب لذلك أمثلة نذكر بعضها... لقد كان غاليليو أستاذا للرياضيات في جامعة بادوا، وكان أجره هزيلا، مما كان يضطره إلى إعطاء دروس خصوصية من أجل ضمان بقائه، وهو الأمر الذي كان على حساب وقته، ورسائله شاهد على هاجس بحثه عن استقرار مالي يضمن له التفرغ لمشروعاته العلمية، فهو كان قلقا بخصوص رؤية السماء والقيام بتجاربه واقتناء أدوات مختبره... الأمر الذي دفعه إلى الانخراط مع رجال السياسية تقربا لضمان ما يحلم به؛ إذ سيستغل شهرته لصالحه، حيث تمكن من تأمين وظيفة له في البلاط التوسكاني، بقصد التفرغ للبحث والتخلص من أعباء التدريس، حاصلا على لقب «كبير الفلاسفة والرياضيين». إن فكرة أن غاليليو كان تابعا للحاشية الملكية، تعد من الأفكار المغيبة في التأريخ، لحساب فكرة أخرى طاغية وهي أنه بطل بالمفرد، لكن الحقيقة هي أن الرجل كان منخرطا ومتجذرا في بنية المجتمع آنذاك، فهو كان يحتاج دعم الأمير والحصول على حمايته. لهذا تعلن رومانو موقفا هو أن إنتاج العلم في القرن الـ17، كما هو الشأن الآن، مرتبط بالسلطة. وهنا بالضبط تستحضر لنا مثالا آخر؛ وهو الخاص بالعالم جورج بوفون (Buffon) صاحب الموسوعة الضخمة المشكلة من 36 مجلدا وهي بعنوان «التاريخ الطبيعي»، فهو قد عين سنة 1739 رئيسا لحديقة الملك الباريسية التي جعل منها مركزا للبحث.
فكما يبدو، لا يوجد أي إنتاج معرفي كيفما كان دون انخراطه في السياسي، والتفكير بعكس ذلك يظهر سذاجة في التصور.
فرنسا كتب science

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة