جان دورميسون ... رحيل الارستقراطي المترف صديق الرؤساء والقادة

ربما كان آخر كاتب سعيد بعد فولتير

دورميسون على غلاف مجلة «لوبوان»  -  جان دورميسون
دورميسون على غلاف مجلة «لوبوان» - جان دورميسون
TT

جان دورميسون ... رحيل الارستقراطي المترف صديق الرؤساء والقادة

دورميسون على غلاف مجلة «لوبوان»  -  جان دورميسون
دورميسون على غلاف مجلة «لوبوان» - جان دورميسون

أخيرا مات جان دورميسون! وكنا نعتقد أنه لن يموت قبل بلوغ المائة عام. وهذا ما صرح به هو شخصيا عندما قال بكل ثقة واطمئنان: لا أعرف كيف يمكن أن أتحاشى ذلك. ولكن الإرادة الإلهية شاءت له أن يموت شابا صغيرا في الثانية والتسعين فقط! وقد عاش حياة رائعة من أسعد ما يكون. وربما كان آخر كاتب سعيد بعد فولتير. ولهذا السبب كان يتحسر بحرقة عندما اقترب منه الأجل. فالغني المترف الذي يعيش حياة القصور في أرقى الضواحي الباريسية غير الفقير المعذب الذي قد يقول: والله ارتحنا من هذه الحياة، اللهم عجل وبارك! نعم كان صاحبنا من الأثرياء جدا وينتمي إلى الطبقة الأرستقراطية العليا في المجتمع الفرنسي. وكان صديقا للرؤساء والزعماء من جورج بومبيدو إلى جيسكار ديستان إلى ساركوزي بل وحتى ميتران... وكان يتحدث معهم أحيانا من موقع الند للند. وكان رئيسا لتحرير أعرق جريدة فرنسية «الفيغارو». وكان موظفا كبيرا في اليونيسكو ومشرفا على تحرير مجلة «ديوجين» الرصينة التي كتبت فيها خيرة علماء أوروبا ومثقفيها. وكان عضوا في الأكاديمية الفرنسية منذ عام1973. وكان يكره جان بول سارتر كرها شديدا لأنه يميني والآخر يساري. وكان، وكان... هذا وقد خلف وراءه مؤلفات كثيرة لا يستهان بها. وقد قرأت بعضها أو الكثير منها في السنوات الأخيرة واستمتعت بها كل الاستمتاع. وتحدثت عن بعضها هنا أو هناك. ولكن ما لم أتحدث عنه هو كتابه عن السيرة العاطفية لشاتوبريان بعنوان: «آخر أحلامي سيكون لأجلك يا حبيبتي». وفيه يتحدث عن سلسلة قصص الحب التي عاشها كاتب فرنسا الأعظم بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ومعلوم أن شاتوبريان كان قدوة جان دورميسون ولا يحلف إلا باسمه. وكان يعتبره قمة الآداب الفرنسية. وكان ينحني أمامه صاغرا متصاغرا. وكان يعتبر كتابه: «مذكرات ما وراء القبر» روعة الروائع الأدبية. ولكن سارتر كان يحتقره إلى درجة أنه بصق على قبره الواقع على جزيرة صخرية صغيرة مقابل مدينة سان مالو. وبإمكانكم أن تصلوا إليها سيرا على الأقدام عندما ينحسر البحر. وقد أدهشتني جدا بموقعها وجمالها الساحر عندما رأيتها لأول مرة. فسألتهم متعجبا: ما هذا المكان؟ ما هذه الجزيرة الصغيرة؟ فأجابوني: ألا تعرفها؟ هنا يرقد شاتوبريان.هذا قبره تحت ظلال الأشجار ومياه البحر تحيط به من كل جانب. منظر ولا أروع! يا له من قبر جميل. إنه أجمل قبر رأيته في حياتي. وقد أوصى بذلك شخصيا قبيل وفاته ورفض قطعيا أن يدفن في العاصمة باريس حيث توفي. أراد العودة إلى مسقط رأسه. ما الحب إلا للحبيب الأول... شكرا لأبي تمام. على أي حال لقد دنس سارتر قبره عن قصد لأنه كان يعتبره كاتبا رجعيا عميلا للملك لويس الثامن عشر المضاد لنابليون. ولكن المشكلة يا مسيو سارتر هي أن الكاتب الرجعي الحقيقي أفضل من الكاتب التقدمي الهزيل.كان سارتر يعيش آنذاك مرحلته اليسارية المتطرفة. وكان يقول بأن كل مضاد للشيوعية فهو كلب! هذا الهجوم اللائق أو غير اللائق لا يعني أبدا أني أضع جان دورميسون في مستوى سارتر. عيب!
نكتشف من هذه السيرة العاطفية لشاتوبريان أنه كان زير نساء. فالعشيقات يرتمين عليه من كل حدب وصوب. وذلك لأن الشهرة تجذب النساء كثيرا مثل السلطة... فكل شخص مشهور هنا له عشيقات كثيرات ما عدا ديغول الذي لم يخن زوجته أبدا قط. في غرناطة، وفي ظل الأمجاد العربية الأندلسية التقى شاتوبريان بإحدى حبيبات قلبه «ناتالي» عن طريق الصدفة المحضة حتى لكأنه نزار قباني:
في الساحة الحمراء كان لقاؤنا
ما أطيب اللقيا بلا ميعاد...
كان محظوظا شاتوبريان. كان محبوبا جدا من قبل النساء. وكان يستغلهن أحيانا أو يضحك عليهن أو يتهرب منهن بعد أن يكل ويمل.كان يتنقل من واحدة إلى أخرى كالفراشات. وكان يوهم كل واحدة بأنها حبيبة قلبه الوحيدة من دون الأخريات.كان لعوبا طروبا. هذا وقد تركت إحداهن زوجها من أجله، وأما الأخرى فقد جُنت، وأما الثالثة فقد انتحرت أو كادت... وأما نحن فلم تُذرف علينا دمعة واحدة حتى الآن. ولا يُتوقع أن يحصل ذلك في المدى المنظور. وهذا شيء غير جيد من طرفه. ألا يعذبه ضميره؟ وكان يقول أحيانا عن أصدقائه بعد أن شاخ وكبر وأصبح مسحوقا تحت وطأة الذكريات: كلهم ماتوا، كلهم رحلوا... لم يبق إلا أنا... متى سأرحل عن هذا العالم وأرتاح؟... ثم يضيف أحيانا: لو كنت حرا لعشت في العزلة والوحدة المطلقة. تلزمني صحراء ومكتبة وعشيقة واحدة فقط. ولكني أبالغ هنا وأشوه صورة شاتوبريان فيما يخص النساء. فالواقع أنه كان حساسا إلى أقصى الحدود وكان يبكي الحب المنصرم بدموع حرى. وعندما نقرأ الكتاب ندرك أنه كان إنسانا حقيقيا لوعه الحب. اقرأوا الفصل الثاني المخصص لقصة حبه مع واحدة تدعى باولين. فقد رافقها حتى اللحظة الأخيرة. ولم يتخل عنها أبدا عندما سقطت مريضة بل وفعل كل شيء من أجلها. وعندما كانت تحتضر كان ينتحب بحرقة في الغرفة المجاورة. وبالتالي فأعتذر عن الكلمات السابقة التي وصفته فيها بأنه رجل لعوب يتلاعب بقلوب النساء. فهذا نصف الحقيقة فقط.
ولكن ليس عن شاتوبريان سوف أتحدث لكم اليوم وإنما عن تلميذه النجيب جان دورميسون الذي فارقنا الأسبوع الماضي في إحدى ضواحي باريس الفاخرة. وقد شيعته فرنسا في جنازة وطنية مهيبة كما حصل لفيكتور هيغو من قبل. وكان على رأس المشيعين رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون وكبار الشخصيات. وهذه هي حال الدنيا كما قال شاعرنا العربي:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يوماً على آلة حدباء محمول
هذا وقد ألقى الرئيس ماكرون خطابا فلسفيا مهما استشهد فيه حتى بنيتشه! ولا أعرف من أين جاء بكل هذه الثقافة وكل هذا العمق. فهل الخطاب من تدبيجه يا ترى أم من تدبيج مستشاريه ومساعديه؟ ولكن الأرجح أنه هو صاحبه. ينبغي ألا ننسى أن ماكرون كان تلميذا للفيلسوف الكبير بول ريكور وربما سكرتيره أيضا. وهذا يعني أنه تلقى ثقافة فلسفية واسعة على يديه. وبالتالي فإذا عرف السبب بطل العجب. تقول عبارة نيتشه الرائعة: من شدة عمقهم كان الإغريق يبدون سطحيين! وطبقها ماكرون على دورميسون الذي كان يُتهم بالخفة والسطحية من قبل منافسيه وحساده في الساحة الباريسية.
- ما هي مؤلفات جان دورميسون التي أمتعتني فعلا واستفدت منها؟
إنها كثيرة ولا أستطيع أن أذكرها كلها. ولكن بالإضافة إلى الكتاب الجميل السابق الذي ذكرته عن الحياة العاطفية لشاتوبريان هناك كتاب أساسي يسترعي الانتباه. وهو يحمل العنوان التالي: تاريخ آخر للأدب الفرنسي، في جزأين. كم هو ممتع هذا الكتاب! كم هو مفيد لمن يريد أن يأخذ فكرة عن الأدب الفرنسي عبر تاريخه الطويل! إنه يثبت لك أن جان دورميسون كان يحب الأدب، يعبد الأدب عبادة. وربما لهذا السبب فإني أحترمه. إنه يذوب ذوبانا عندما يقرأ قصيدة لفيرلين أو لرامبو أو حتى لأراغون الشيوعي المضاد له طبقيا وآيديولوجيا. فالأدب يخترق كل الحدود والسدود. الأدب يعلو على كل الانقسامات والحزازات المتحزبة أو الحزبية. يقول في مقدمته للجزء الأول من الكتاب ما معناه: «أحب الكتب. كل ما يخص الأدب أحبه ويخفق له قلبي. أحب مؤلفيه، وأبطاله، وأنصاره، وخصومه، وخصوماته، واشتعالاته...».
ثم يضيف قائلا: «في هذا العصر الذي أصبحت فيه الكتب مهددة بالانقراض من قبل شيء بربري غامض فإن هذا التاريخ الجديد للأدب الفرنسي الذي أقدمه لكم حاليا لا يهدف إلا لشيء واحد: إغراء القراء بالتعرف على شخصيات الأدب الفرنسي. وهي شخصيات استعرضها هنا تباعا الواحدة بعد الأخرى. وإذا ما نجح كتابي هذا بدفع بعض القراء إلى فتح كتاب واحد لستندال أو لريمون كينو أو لأراغون إلخ... فإني أكون قد بلغت هدفي».
وأما في مقدمة الجزء الثاني من الكتاب فيقول جان دورميسون ما معناه: إن المنهج الذي استخدمته هنا في هذا الجزء الثاني هو ذاته الذي استخدمته في الجزء الأول. وهو يتمثل فيما يلي: التعريف بالكاتب وأعماله بشكل مختصر أولا. ثم الكشف عن شباب هذا الأدب وطابعه التجديدي المبتكر بعد أن مرت عليه القرون ثانيا. إني أتحدث لكم عن الموتى كما لو أنهم أحياء. فراسين لم يمت بالنسبة لي ولا كذلك كورني أو فولتير وبودلير وفلوبير... كلهم أحياء. يبلى الزمن ولا تبلى روائعهم الخالدة. وتجاعيد الزمن عاجزة عن أن تعلو على جبين وجوههم...
وعلى هذا النحو راح يستعرض جان دورميسون كبار شخصيات الأدب الفرنسي منذ أقدم العصور وحتى اليوم. على هذا النحو راح يتحدث لنا بأسلوبه الممتع الشيق عن فيكتور هيغو ولامارتين وبلزاك ورامبو ورينيه شار وعشرات الآخرين. وفائدة هذا الكتاب هي أنه لا يعطيك فكرة عن كبار العباقرة فقط وإنما يبين لك معناهم في الوقت الحاضر. ومن أقدر على ذلك من جاك دورميسون؟ بمعنى آخر فإنه يموضعهم في عصرهم ويموضعهم في عصرنا أيضا: أي ماذا تبقى منهم وماذا مات أو أصبح قديما باليا. ولكني لن أغفر له أنه أخطأ في تقييم جان جاك روسو.
- كلماته الأخيرة
أخيرا بالأمس القريب ظهرت ابنته الوحيدة هيلويز دورميسون على شاشات التلفزيون وأعطت للجمهور أخباره وآخر لحظاته قبل أن يموت. ونفهم منها أنه استطاع إكمال كتابه الأخير قبيل موته بوقت قصير جدا. وهذا خبر سعيد ومفرح. فعادة ما يترك الكتاب الكبار مخطوطاتهم ناقصة قبل رحيلهم. إنهم يموتون فجأة قبل أن تكتمل. بل ووجدت على مكتبه مخطوطة كتابه الجديد لأنه كان يكتب بخط اليد على الطريقة القديمة. تقول الصفحة الأخيرة من كتابه القادم الذي سيظهر بعد موته والتي خطها قبل ثلاثة أيام من رحيله:
«مجال لانهائي. كل شيء عابر. كل شيء ينتهي يوما ما. كل شيء يختفي ويزول. وأنا الذي كان يتخيل أنه سيعيش إلى الأبد ماذا سيحصل لي؟ ليس مستحيلا... ولكن يكفي أني عشت في هذا العالم الذي عشتم فيه أنتم أيضا. هذه حقيقة وجمال خالدان إلى الأبد. وحتى الموت لا يستطيع أن يفعل شيئا ضدي بعد الآن».
لم تكن عبارة ليس مستحيلا مكتملة وإنما ترك وراءها عدة نقاط فارغة... والمقصود بها أنه ليس مستحيلا أن يكون هناك شيء آخر بعد الموت. وهكذا ينتقل جان دورميسون من جنة الأرض الباريسية إلى جنان السماء العُلوية. هذا ما يطمح إليه ويأمله بكل تعطش وحرقة دون أن يكون متأكدا من وجود شيء آخر بعد الموت. وهذا ما كان يعذبه ويشغله على مدار الساعة في السنوات القليلة الماضية. كل كتبه الأخيرة تدور حول هذه النقطة.


مقالات ذات صلة

دوا ليبا... حبٌ وأدب وعريسٌ يخرج من بين صفحات كتاب

يوميات الشرق المغنية البريطانية - الألبانية دوا ليبا تزوجت وافتتحت مكتبة في الشهر ذاته (إنستغرام)

دوا ليبا... حبٌ وأدب وعريسٌ يخرج من بين صفحات كتاب

في عصر الشاشات والهواتف، تقود المغنية دوا ليبا ثورةً ناعمةً عنوانُها الكتاب. ويشاركها شغفها هذا زوجها الممثل كالوم تورنر.

كريستين حبيب (بيروت)
كتب همنغواي

أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

أميركا إمبراطورية وحروب وتكنولوجيا وهوليوود، لكنها أيضاً مكتبة واسعة، صاخبة، متناقضة، ومفتوحة على كل أشكال الحلم. إن النظر إلى الولايات المتحدة من زاوية القوة

ندى حطيط
كتب إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

في كتابه الجديد، «التنظيم المصرفي في المملكة العربية السعودية... الهيكل المصرفي والعمليات المصرفية»، يسعى الباحث والمؤرخ الاقتصادي الدكتور إبراهيم الناصر،

بدر الخريف (الرياض)
كتب «شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

صدر مؤخراً كتاب «شذرات من تاريخ حضرموت» لرجل الأعمال السعودي عبد اللطيف سعيد محمد العمودي، ويقع في 254 صفحة في القطع المتوسط،

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون سحر الحب الأول في رواية ألمانية

سحر الحب الأول في رواية ألمانية

تقوم الفكرة الرئيسية في رواية «الأرض الصلبة» للكاتب الألماني بينيدكيت ويلز، ترجمة زهراء باحكيم، على قوة الحب الأول وما يكتنفه من سحر ودهشة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف
TT

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها. خصوصاً الشيخوخة المقترنة بالوحدة، بالعيش المنفرد. نحن هنا في حضرة سيدة لبنانية ثمانينية تُدعى مي، تعيش بمفردها في طابق علوي من بناية سكنية مترفة في بيروت. تصحبنا نجوى بركات في جولة طويلة داخل أيام مي وروتينها المتكرر، ليس ذلك فحسب، إنما تجول بنا أيضاً في تلافيف ذهنها المتراوح بين الصحوة المرهفة وعوارض التآكل تحت وطأة ألزهايمر وما يصاحبه من المظاهر التدريجية للخرف وفقدان الذاكرة. المائة وخمس وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي نحو نصفها، مكرّسة للرصد المجهري لمعنى أن تكون امرأة عجوزاً وحيدة في المرحلة الأخيرة من عمرها، أو بالأحرى في نهاية المرحلة الأخيرة، المرحلة التي يتآكل فيها الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال عن الآخرين والاعتماد على الذات، ويصبح محتاجاً للعون في أخص الخصوصيات مثل الاستحمام وتجفيف الجسد بعده وقضاء الحاجة وتمشيط الشعر وإعداد الطعام.. إلخ إلخ. كل ما نؤديه بغير تفكير ولا نتصور أن نشرك فيه أحداً طوال العمر يصبح جهداً فوق العادة ولا تجدي معه المكابرة. لكنه ليس الجسد فقط بل يفاقم من تداعيه التداعي الذهني أيضاً. يصبح العالم كله موضع ريبة. تسيطر علينا الأوهام والخيالات والمخاوف والتوجُّسات. نفقد الثقة حتى بمن نحن في أمسِّ الحاجة لعونهم.

تنفق نجوى بركات 125 صفحة في تصوير هذه المرحلة من الحياة في هذه الحالة الفردية، وتنغمس في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو في تسجيل التداعيات الذهنية للشخصية. وما لم يكن القارئ مثابراً، منتبهاً لما تحاول الكاتبة فعله فقد يدركه السأم وينبذ الكتاب. أما أنا الذي عاين ناساً مروا بهذه المعاناة وعاشوا فيها سنوات قبل أن يوافيهم المخلِّص الأكبر، كما شاهدت العديد من الأفلام السينمائية الممتازة التي تناولت هذه الظاهرة المرضية ورصدت تطوراتها في تصوير واقعي تنفطر له القلوب (انظر مثلاً الفيلم الفرنسي Amour (الحب) 2012 للمخرج النمساوي مايكل هانيكه)، فقد كنت واعياً بما تحاول الكاتبة أن فعله، الذي لا يتحقق إلا بالقذف بنا بلا رحمة في أتون التحلل المتسارع لشخصيتها جسدياً وذهنياً، والذي لا يتحقق إدراكه إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة اليومية التي لا تستحق عادة الذكر أو الوصف إلا لأنها في الشيخوخة المريضة تصبح نضالاً بطولياً من أجل التمسك بأهداب الوعي والوجود الجسدي معاً.

لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لهذا الموضوع بهذه الكفاءة. من هنا كان إعجابي بالنص يزداد كلما أوغل في التفاصيل بإمعان «ناتورالي» أو طبيعي لا يتحرج من شيء ولا يتقزز من شيء كما عهدنا قديماً في أوصاف المدرسة الناتورالية وعَلَمها الأكبر، إميل زولا. في هذا النصف من الرواية لا يبدو أن جنس الشخصية ذو بال. هي امرأة اسمها «مي» لكن كان يمكن أن تكون رجلاً. أعني أن الوهن الجسمي والانحلال العقلي في الشيخوخة المتقدمة ليسا حكراً على جنس دون آخر، وعلى كل ما بين الجنسين من فوارق قد تبرز أو تتوارى في مراحل العمر المختلفة، ففي هذه المرحلة تتلاشى فوارق الذكورة والأنوثة ويتوحد طريق التحلل نحو النهاية. لكن الكاتبة امرأة ولعل المشاهدات الحياتية التي استقت منها الكاتبة خبرتها بالتجربة كانت ذات مصادر أنثوية، فمن الطبيعي أن يكون تجسيد الخبرة عن طريق شخصية مؤنثة.

إلا أن آخر ما كنت أتوقعه أن تتحول الرواية فجأة «وبقدرة قادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماماً في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق 65 صفحة من الرواية. وليست «هي» إلا ميّ في شبابها، حين كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكبر من الرواية نتلقى نتفاً في السرد عن طفولة مي وعلاقتها بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمتأرجح بين الذكرى والنسيان واختلاط الملفات. هذا القسم الثاني ينسى مي ويقطع الصلة بـ125 صفحة السابقة ويحكي لنا عن «هي» الشابة وكأنها شخص غير العجوز التي عاشرناها فيما سبق من الكتاب. وأعترف أني لم أفهم الحكمة من هذه البنية. إلا أن ما يثير الحفيظة النقدية فعلاً هو ما أسلفت من أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضرورة إلى رواية «نسوية» بالمعنى الآيديولوجي المألوف فهي قصة حب تعيسة بين مي في شبابها ورجل تجتمع فيه كل موبقات الشخصية الذكورية المجسدة لآفات المجتمع البطريركي المضطهد للنساء عقيدياً وممارساتياً. مي هي المرأة الموهوبة الذكية الجميلة المتفوقة التي لسوء حظها أو بفعل من عمى الحب تقع في براثن رجل مخاتل حسود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لها سارق لمالها بل ومقامر بجسدها حين ينفد ماله على مائدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب ليجهضها، فإنه يتكفل بالمطلوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر.

هذه قصة معروفة ومتكررة بلا حصر في الروايات النسوية وغير النسوية وفي الأفلام الميلودرامية.. إلخ. هل كنا حقاً في حاجة إلى أن تُعاد على مسامعنا على امتداد 65 صفحة وحيث تُصور الشخصية الذكورية تصويراً مسطحاً هي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المرأة وتعرية الظلم المجتمعي لها ونشره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نجوى بركات في هذا الفخ الواضح المكشوف؟ أكانت حقاً في حاجة لتلك الكتابة النمطية الساذجة بعد أن أبدعت في النصف الأول من الرواية في موضوع إنساني عام قلَّ من كتب عنه وصوَّره ذلك التصوير الدقيق غير المهادن كما فعلت هي. ومما يزيد الطين بلة أنه لا صلة حيوية بين الجزأين بمعنى أن معاناة «مي» مع ذلك الرجل المتوحش ليست هي ما وصل بها إلى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعاً على نحو أو آخر، سواء عشنا حياة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأماً وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنسانية الكريمة في النصف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج في القسم الثاني. تنتهي الرواية بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناصٍّ لا أشك أنه مقصود – يستدعى المشهد الختامي لمسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» (1947) حيث يسلم حارس العمارة مي إلى الطبيب ومعاونيه الذين جاءوا ليصحبوا مي إلى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الحارس ومثل «بلانش ديبوا» في المسرحية تقبل مساعدته قائلة إنها «لطالما اعتمدت على لطف الغرباء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع.

«غيبة مي» رواية أفلتت من يد الكاتبة على نحو مؤسف. كان بإمكانها أن تكون رواية أصيلة متميزة في موضوعها وفاتحة لباب جديد في الكتابة عن الشيخوخة، فإذا بها تنعطف لغير ما سبب في «سكة الندامة» التي انتهت بها رواية نسوية عقيدية ساذجة. من كان يريد أن يحظى من الرواية بأفضل ما فيها فليتوقف عن القراءة عند الصفحة 126، حيث كان يجب على الروائية أن تتوقف عن الكتابة. لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حتى الصفحة 126 حيث كان يجب أن تتوقف


حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام
TT

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة، بل نصوص مفتوحة، تقف على التخوم بين السرد واليوميات والتأمل؛ لذا آثرت المؤلفة أن تضع على الغلاف أسفل العنوان كلمة «نصوص»، تحاشياً لحصر الكتاب في لون أدبي بعينه.

يتكون الكتاب من خمسة عشر فصلاً قصيراً، تحمل عناوين دالة مثل «الكثير من الحزن والإندومي»، و«الرايات الخضراء في قلبي»، و«الحب والغضب مشعلاً الحرائق الرائعة»، و«عن الأشياء المحببة البغيضة»، ينفتح فيها السرد على مشاعر متناقضة، بين الحب والغضب والفقد والأمومة والعزلة، عبر لغة تلامس تخوم الشعرية، دون أن تفقد طاقاتها السردية والحكائية، مع مراوحات بين تأمل الذات وتأمل العالم من حولها، والوقوف على الحدود الفاصلة بين متناقضات شتى، كما تشير في أحد العناوين بشكل مباشر «هناك في البين بين». فهذه البينية تنتظم الكتاب كله، من حيث البناء الجمالي والشكلي للنصوص، وأيضاً من حيث الموضوعات والقضايا المسرود عنها داخل هذه الوحدات السردية.

في فصول الكتاب، تحضر تفاصيل حياتية مثل علاقة الكاتبة بابنتها، أو بأمها، كما أن ثمة حضوراً واضحاً لأفلام سينمائية مصرية وعالمية، كما تبرز أصناف متعددة من الطعام، وربط الكاتبة بين حالاتها وعلاقة ذلك ببعض الأفلام والأطعمة، فتنتقل من الذاتي إلى الموضوعي، وينفتح اليومي والعادي على الوجودي والنفسي، مثلما تقول في أحد المواضع «مررت طوال الشهور السابقة بحالة من التجمد، ليست مثل تلك التي تصل لها الأطعمة المجمدة في الفريزر».

ونهى محمود كاتبة وصحافية مصرية. صدرت لها روايات «راكوشا» و«الحكي فوق مكعبات الرخام» و«هلاوس» و«سيرة توفيق الشهير بـ توتو»، وكتب سردية منها «بنت من ورق» و«كراكيب نهي»، والمجموعتان القصصيتان «الجالسون في الشرفة حتى تجيء زينب» و«السير في طرق ممتدة وبعيدة».

من أجواء الكتاب نقرأ: «تحتاج مشاعر غامضة مثل الحب والغضب إلى وعي جمعي، بشر يكتبون عنها كثيراً، ويتكلمون في حلقات حميمية أو جلسات علنية تذاع عبر وسائل التواصل وغيرها، ليشعر البشر كيف أن غيرهم أيضاً يشعر بما يملأ قلوبهم، وأن الأمر لا يخص واحداً سيئ الحظ، وإنما لعنة جماعية تصيب الجميع.

أحياناً أو طوال الوقت، أضيّع سنوات من عمري... أخبط رأسي في الباب المغلق ذاته، ولا تجيء على خاطري أي فكرة أخرى سوى الاستمرار في الطرق، حتى يمر عابر بالصدفة، ويشير لي إلى مقبض الباب، أنظر نحو المقبض بدهشة، أديره وأخرج».


باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
TT

باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)

يلتقي جمعٌ من المثقفين والأكاديميين السعوديين، في ندوة تبحث في العلاقة بين الثقافة والسياحة، تستضيفها محافظة الطائف (غرب السعودية)، أشهر الوجهات السياحية في المملكة، والمسجلة ضمن المدن المبدعة في الأدب في منظمة «اليونيسكو».

وتحمل الندوة عنوان: «الثقافة والسياحة... القيم المشتركة»، وتنظمها مؤسسة «أدب» الثقافية، ومركز عبد الله بن إدريس الثقافي، حيث تأتي في إطار تعزيز التكامل بين القطاعين الثقافي والسياحي، وإبراز الدور الذي تؤديه الثقافة في دعم التنمية السياحية، واستثمار المقومات الحضارية والتراثية التي تزخر بها البلاد، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتتناول أوراق العمل التي يشارك فيها نخبة من الباحثين السعوديين؛ العلاقة بين الثقافة والسياحة من جوانبها الفكرية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في إثراء الحوار الوطني وتبادل الخبرات. ويتضمن برنامج الندوة ثلاث جلسات علمية وحواراً ثقافياً مفتوحاً مع الخبراء المشاركين.

وتحمل الجلسة الأولى، عنوان: «الثقافة والسياحة.. القيم المشتركة بين الثقافة والسياحة (المفاهيم والمرتكزات)»، ويديرها عطاء الله الجعيد، ويشارك فيها الدكتور سعود الصاعدي بورقة عنوانها: «جدلية السياحة والثقافة بين المعالم والمفاهيم نحو نموذج مشترك»، والدكتور عبد الله المطيري، بورقة عنوانها: «هبة الأرض: تأملات أولية في السياحة»، والدكتور محمد اللويش، بورقة عنوانها: «حديث المكان: بناء الهوية الثقافية وتشكيل الوعي السياحي»، والدكتور ماهر الشبل بورقة بعنوان: «من الرحلة إلى الفكرة».

أما الجلسة الثانية فتحمل عنوان: «الثقافة وصناعة التجربة السياحية من الموروث إلى الجاذبية»، وتديرها الدكتورة مستورة العرابي. ويشارك فيها الدكتور إبراهيم البعيز بورقة بعنوان: «دور الإعلام في تجسير العلاقة بين الثقافة والسياحة»، والدكتور صالح زمانان بورقة بعنوان: «المسرح والفنون الأدائية في التنمية السياحية: مقاربة ثقافية في السياق السعودي»، والدكتورة رانية العرضاوي، بورقة بعنوان: «الرحلة السياحية الثقافية: هوية المكان وصناعة الذاكرة الجاذبة».

أما الجلسة الثالثة فتحمل عنوان: «الهوية الثقافية وصورة المكان في الوعي السياحي»، ويدبرها الدكتور أحمد الهلالي، ويشارك فيها: سليمان الناصر، بورقة بعنوان: «من الجغرافيا إلى المعنى: القيم التي تسمو بالسفر»، والدكتورة نورة القحطاني، بورقة بعنوان: «الهوية الثقافية وصناعة صورة المكان: مقاربة من منظور الدراسات الثقافية على التجربة السعودية»، وسلطان البازعي، بورقة بعنوان: «الثقافة... عنصر جذب سياحي»، والدكتور ياسر المطرفي، بورقة بعنوان: «الحج مختبراً ثقافياً: مشروع مقترح في ضوء نموذج الأبعاد الثقافية».