جان دورميسون ... رحيل الارستقراطي المترف صديق الرؤساء والقادة

ربما كان آخر كاتب سعيد بعد فولتير

دورميسون على غلاف مجلة «لوبوان»  -  جان دورميسون
دورميسون على غلاف مجلة «لوبوان» - جان دورميسون
TT

جان دورميسون ... رحيل الارستقراطي المترف صديق الرؤساء والقادة

دورميسون على غلاف مجلة «لوبوان»  -  جان دورميسون
دورميسون على غلاف مجلة «لوبوان» - جان دورميسون

أخيرا مات جان دورميسون! وكنا نعتقد أنه لن يموت قبل بلوغ المائة عام. وهذا ما صرح به هو شخصيا عندما قال بكل ثقة واطمئنان: لا أعرف كيف يمكن أن أتحاشى ذلك. ولكن الإرادة الإلهية شاءت له أن يموت شابا صغيرا في الثانية والتسعين فقط! وقد عاش حياة رائعة من أسعد ما يكون. وربما كان آخر كاتب سعيد بعد فولتير. ولهذا السبب كان يتحسر بحرقة عندما اقترب منه الأجل. فالغني المترف الذي يعيش حياة القصور في أرقى الضواحي الباريسية غير الفقير المعذب الذي قد يقول: والله ارتحنا من هذه الحياة، اللهم عجل وبارك! نعم كان صاحبنا من الأثرياء جدا وينتمي إلى الطبقة الأرستقراطية العليا في المجتمع الفرنسي. وكان صديقا للرؤساء والزعماء من جورج بومبيدو إلى جيسكار ديستان إلى ساركوزي بل وحتى ميتران... وكان يتحدث معهم أحيانا من موقع الند للند. وكان رئيسا لتحرير أعرق جريدة فرنسية «الفيغارو». وكان موظفا كبيرا في اليونيسكو ومشرفا على تحرير مجلة «ديوجين» الرصينة التي كتبت فيها خيرة علماء أوروبا ومثقفيها. وكان عضوا في الأكاديمية الفرنسية منذ عام1973. وكان يكره جان بول سارتر كرها شديدا لأنه يميني والآخر يساري. وكان، وكان... هذا وقد خلف وراءه مؤلفات كثيرة لا يستهان بها. وقد قرأت بعضها أو الكثير منها في السنوات الأخيرة واستمتعت بها كل الاستمتاع. وتحدثت عن بعضها هنا أو هناك. ولكن ما لم أتحدث عنه هو كتابه عن السيرة العاطفية لشاتوبريان بعنوان: «آخر أحلامي سيكون لأجلك يا حبيبتي». وفيه يتحدث عن سلسلة قصص الحب التي عاشها كاتب فرنسا الأعظم بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ومعلوم أن شاتوبريان كان قدوة جان دورميسون ولا يحلف إلا باسمه. وكان يعتبره قمة الآداب الفرنسية. وكان ينحني أمامه صاغرا متصاغرا. وكان يعتبر كتابه: «مذكرات ما وراء القبر» روعة الروائع الأدبية. ولكن سارتر كان يحتقره إلى درجة أنه بصق على قبره الواقع على جزيرة صخرية صغيرة مقابل مدينة سان مالو. وبإمكانكم أن تصلوا إليها سيرا على الأقدام عندما ينحسر البحر. وقد أدهشتني جدا بموقعها وجمالها الساحر عندما رأيتها لأول مرة. فسألتهم متعجبا: ما هذا المكان؟ ما هذه الجزيرة الصغيرة؟ فأجابوني: ألا تعرفها؟ هنا يرقد شاتوبريان.هذا قبره تحت ظلال الأشجار ومياه البحر تحيط به من كل جانب. منظر ولا أروع! يا له من قبر جميل. إنه أجمل قبر رأيته في حياتي. وقد أوصى بذلك شخصيا قبيل وفاته ورفض قطعيا أن يدفن في العاصمة باريس حيث توفي. أراد العودة إلى مسقط رأسه. ما الحب إلا للحبيب الأول... شكرا لأبي تمام. على أي حال لقد دنس سارتر قبره عن قصد لأنه كان يعتبره كاتبا رجعيا عميلا للملك لويس الثامن عشر المضاد لنابليون. ولكن المشكلة يا مسيو سارتر هي أن الكاتب الرجعي الحقيقي أفضل من الكاتب التقدمي الهزيل.كان سارتر يعيش آنذاك مرحلته اليسارية المتطرفة. وكان يقول بأن كل مضاد للشيوعية فهو كلب! هذا الهجوم اللائق أو غير اللائق لا يعني أبدا أني أضع جان دورميسون في مستوى سارتر. عيب!
نكتشف من هذه السيرة العاطفية لشاتوبريان أنه كان زير نساء. فالعشيقات يرتمين عليه من كل حدب وصوب. وذلك لأن الشهرة تجذب النساء كثيرا مثل السلطة... فكل شخص مشهور هنا له عشيقات كثيرات ما عدا ديغول الذي لم يخن زوجته أبدا قط. في غرناطة، وفي ظل الأمجاد العربية الأندلسية التقى شاتوبريان بإحدى حبيبات قلبه «ناتالي» عن طريق الصدفة المحضة حتى لكأنه نزار قباني:
في الساحة الحمراء كان لقاؤنا
ما أطيب اللقيا بلا ميعاد...
كان محظوظا شاتوبريان. كان محبوبا جدا من قبل النساء. وكان يستغلهن أحيانا أو يضحك عليهن أو يتهرب منهن بعد أن يكل ويمل.كان يتنقل من واحدة إلى أخرى كالفراشات. وكان يوهم كل واحدة بأنها حبيبة قلبه الوحيدة من دون الأخريات.كان لعوبا طروبا. هذا وقد تركت إحداهن زوجها من أجله، وأما الأخرى فقد جُنت، وأما الثالثة فقد انتحرت أو كادت... وأما نحن فلم تُذرف علينا دمعة واحدة حتى الآن. ولا يُتوقع أن يحصل ذلك في المدى المنظور. وهذا شيء غير جيد من طرفه. ألا يعذبه ضميره؟ وكان يقول أحيانا عن أصدقائه بعد أن شاخ وكبر وأصبح مسحوقا تحت وطأة الذكريات: كلهم ماتوا، كلهم رحلوا... لم يبق إلا أنا... متى سأرحل عن هذا العالم وأرتاح؟... ثم يضيف أحيانا: لو كنت حرا لعشت في العزلة والوحدة المطلقة. تلزمني صحراء ومكتبة وعشيقة واحدة فقط. ولكني أبالغ هنا وأشوه صورة شاتوبريان فيما يخص النساء. فالواقع أنه كان حساسا إلى أقصى الحدود وكان يبكي الحب المنصرم بدموع حرى. وعندما نقرأ الكتاب ندرك أنه كان إنسانا حقيقيا لوعه الحب. اقرأوا الفصل الثاني المخصص لقصة حبه مع واحدة تدعى باولين. فقد رافقها حتى اللحظة الأخيرة. ولم يتخل عنها أبدا عندما سقطت مريضة بل وفعل كل شيء من أجلها. وعندما كانت تحتضر كان ينتحب بحرقة في الغرفة المجاورة. وبالتالي فأعتذر عن الكلمات السابقة التي وصفته فيها بأنه رجل لعوب يتلاعب بقلوب النساء. فهذا نصف الحقيقة فقط.
ولكن ليس عن شاتوبريان سوف أتحدث لكم اليوم وإنما عن تلميذه النجيب جان دورميسون الذي فارقنا الأسبوع الماضي في إحدى ضواحي باريس الفاخرة. وقد شيعته فرنسا في جنازة وطنية مهيبة كما حصل لفيكتور هيغو من قبل. وكان على رأس المشيعين رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون وكبار الشخصيات. وهذه هي حال الدنيا كما قال شاعرنا العربي:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يوماً على آلة حدباء محمول
هذا وقد ألقى الرئيس ماكرون خطابا فلسفيا مهما استشهد فيه حتى بنيتشه! ولا أعرف من أين جاء بكل هذه الثقافة وكل هذا العمق. فهل الخطاب من تدبيجه يا ترى أم من تدبيج مستشاريه ومساعديه؟ ولكن الأرجح أنه هو صاحبه. ينبغي ألا ننسى أن ماكرون كان تلميذا للفيلسوف الكبير بول ريكور وربما سكرتيره أيضا. وهذا يعني أنه تلقى ثقافة فلسفية واسعة على يديه. وبالتالي فإذا عرف السبب بطل العجب. تقول عبارة نيتشه الرائعة: من شدة عمقهم كان الإغريق يبدون سطحيين! وطبقها ماكرون على دورميسون الذي كان يُتهم بالخفة والسطحية من قبل منافسيه وحساده في الساحة الباريسية.
- ما هي مؤلفات جان دورميسون التي أمتعتني فعلا واستفدت منها؟
إنها كثيرة ولا أستطيع أن أذكرها كلها. ولكن بالإضافة إلى الكتاب الجميل السابق الذي ذكرته عن الحياة العاطفية لشاتوبريان هناك كتاب أساسي يسترعي الانتباه. وهو يحمل العنوان التالي: تاريخ آخر للأدب الفرنسي، في جزأين. كم هو ممتع هذا الكتاب! كم هو مفيد لمن يريد أن يأخذ فكرة عن الأدب الفرنسي عبر تاريخه الطويل! إنه يثبت لك أن جان دورميسون كان يحب الأدب، يعبد الأدب عبادة. وربما لهذا السبب فإني أحترمه. إنه يذوب ذوبانا عندما يقرأ قصيدة لفيرلين أو لرامبو أو حتى لأراغون الشيوعي المضاد له طبقيا وآيديولوجيا. فالأدب يخترق كل الحدود والسدود. الأدب يعلو على كل الانقسامات والحزازات المتحزبة أو الحزبية. يقول في مقدمته للجزء الأول من الكتاب ما معناه: «أحب الكتب. كل ما يخص الأدب أحبه ويخفق له قلبي. أحب مؤلفيه، وأبطاله، وأنصاره، وخصومه، وخصوماته، واشتعالاته...».
ثم يضيف قائلا: «في هذا العصر الذي أصبحت فيه الكتب مهددة بالانقراض من قبل شيء بربري غامض فإن هذا التاريخ الجديد للأدب الفرنسي الذي أقدمه لكم حاليا لا يهدف إلا لشيء واحد: إغراء القراء بالتعرف على شخصيات الأدب الفرنسي. وهي شخصيات استعرضها هنا تباعا الواحدة بعد الأخرى. وإذا ما نجح كتابي هذا بدفع بعض القراء إلى فتح كتاب واحد لستندال أو لريمون كينو أو لأراغون إلخ... فإني أكون قد بلغت هدفي».
وأما في مقدمة الجزء الثاني من الكتاب فيقول جان دورميسون ما معناه: إن المنهج الذي استخدمته هنا في هذا الجزء الثاني هو ذاته الذي استخدمته في الجزء الأول. وهو يتمثل فيما يلي: التعريف بالكاتب وأعماله بشكل مختصر أولا. ثم الكشف عن شباب هذا الأدب وطابعه التجديدي المبتكر بعد أن مرت عليه القرون ثانيا. إني أتحدث لكم عن الموتى كما لو أنهم أحياء. فراسين لم يمت بالنسبة لي ولا كذلك كورني أو فولتير وبودلير وفلوبير... كلهم أحياء. يبلى الزمن ولا تبلى روائعهم الخالدة. وتجاعيد الزمن عاجزة عن أن تعلو على جبين وجوههم...
وعلى هذا النحو راح يستعرض جان دورميسون كبار شخصيات الأدب الفرنسي منذ أقدم العصور وحتى اليوم. على هذا النحو راح يتحدث لنا بأسلوبه الممتع الشيق عن فيكتور هيغو ولامارتين وبلزاك ورامبو ورينيه شار وعشرات الآخرين. وفائدة هذا الكتاب هي أنه لا يعطيك فكرة عن كبار العباقرة فقط وإنما يبين لك معناهم في الوقت الحاضر. ومن أقدر على ذلك من جاك دورميسون؟ بمعنى آخر فإنه يموضعهم في عصرهم ويموضعهم في عصرنا أيضا: أي ماذا تبقى منهم وماذا مات أو أصبح قديما باليا. ولكني لن أغفر له أنه أخطأ في تقييم جان جاك روسو.
- كلماته الأخيرة
أخيرا بالأمس القريب ظهرت ابنته الوحيدة هيلويز دورميسون على شاشات التلفزيون وأعطت للجمهور أخباره وآخر لحظاته قبل أن يموت. ونفهم منها أنه استطاع إكمال كتابه الأخير قبيل موته بوقت قصير جدا. وهذا خبر سعيد ومفرح. فعادة ما يترك الكتاب الكبار مخطوطاتهم ناقصة قبل رحيلهم. إنهم يموتون فجأة قبل أن تكتمل. بل ووجدت على مكتبه مخطوطة كتابه الجديد لأنه كان يكتب بخط اليد على الطريقة القديمة. تقول الصفحة الأخيرة من كتابه القادم الذي سيظهر بعد موته والتي خطها قبل ثلاثة أيام من رحيله:
«مجال لانهائي. كل شيء عابر. كل شيء ينتهي يوما ما. كل شيء يختفي ويزول. وأنا الذي كان يتخيل أنه سيعيش إلى الأبد ماذا سيحصل لي؟ ليس مستحيلا... ولكن يكفي أني عشت في هذا العالم الذي عشتم فيه أنتم أيضا. هذه حقيقة وجمال خالدان إلى الأبد. وحتى الموت لا يستطيع أن يفعل شيئا ضدي بعد الآن».
لم تكن عبارة ليس مستحيلا مكتملة وإنما ترك وراءها عدة نقاط فارغة... والمقصود بها أنه ليس مستحيلا أن يكون هناك شيء آخر بعد الموت. وهكذا ينتقل جان دورميسون من جنة الأرض الباريسية إلى جنان السماء العُلوية. هذا ما يطمح إليه ويأمله بكل تعطش وحرقة دون أن يكون متأكدا من وجود شيء آخر بعد الموت. وهذا ما كان يعذبه ويشغله على مدار الساعة في السنوات القليلة الماضية. كل كتبه الأخيرة تدور حول هذه النقطة.


مقالات ذات صلة

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.

ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.