تدفقت الأموال من مختلف أرجاء الصين -من السواحل الجنوبية والشرقية الثرية وكذلك الشمال الغربي القاحل- مع سعي آلاف الأفراد حثيثاً للالتفاف على القيود الصارمة التي تفرضها البلاد على الثروة.
في نهاية الأمر، استغل أكثر عن 10 آلاف شخص مصرفاً سرياً لتحويل 3 مليارات دولار إلى خارج البلاد قبل أن تتدخل السلطات وتضع نهاية لهذا الأمر، حسبما أفادت وكالة أنباء «شينخوا» الصينية الرسمية.
ويسلط اكتشاف المصرف السري في شاوغوان، في إقليم غوانفدونغ الجنوبي، الضوء على المحاولات الدؤوبة التي بذلها مواطنون صينيون للتغلب على القيود الحكومية والدفع بمزيد من أموالهم إلى الخارج.
واللافت أن المبالغ المرتبطة بمثل هذه الجهود هائلة لدرجة كافية للتأثير لا على الاقتصاد الصيني فحسب، وإنما على العالم من حوله أيضاً. جدير بالذكر أنه منذ عامين دفع فقدان الثقة بمستقبل الاقتصاد الصيني الكثيرين نحو إرسال أموالهم إلى الخارج، في تدفق للأموال أسهم في تراجع الفائض الصيني من النقد الأجنبي بمقدار تريليون دولار. وكان ذلك كافياً لأن يُلقي بظلال قاتمة على الصورة التي لطالما تمتعت بها بكين كمحرك عالمي ضخم للنمو الاقتصادي.
ومنذ ذلك الحين، يبدو أن الصين نجحت في كبح جماح تدفق الأموال إلى الخارج، بفضل تحسن التوقعات لمستقبل اقتصادها وبذلها جهوداً جديدة صارمة لإبقاء الأموال في الداخل. ومع هذا، فإن مداهمة المصرف السري التي أُعلن عنها، الخميس، تكشف إلى أي مدى تبدي السلطات عزمها المضي قدماً في فرض قيود على الأموال التي تخرج من البلاد.
من جانبها، احتجزت الشرطة 7 أشخاص من المعتقد تورطهم في المصرف، تبعاً للتقارير الواردة، الخميس. واكتشفت السلطات وجود «148 حساباً غير قانوني وزائفاً» في المصرف، تخص أكثر عن 10 آلاف شخص، تبعاً لما ذكره تقرير وكالة «شينخوا».
يحظر القانون المصارف السرية، ومع ذلك فإنها شائعة داخل البلاد. وتبعاً للأرقام الصادرة عن وزارة الأمن العام، فإن المصارف السرية أجرت تعاملات بقيمة تجاوزت 137 مليار دولار العام الماضي. علاوة على ذلك، ثمة سبل أخرى قانونية لتحويل مبالغ لا بأس بها إلى الخارج دون خرق القواعد الحكومية، منها: توجيه الأموال إلى نوادي القمار في مكاو -المنطقة الصينية الوحيدة التي تجيز القمار- واستخدام بطاقات اعتماد في شراء سلع رفاهية من الخارج وشراء سياسات تأمينية يمكن تحويلها إلى نقد بالخارج.
من ناحيتها، تفرض بكين قيوداً صارمة على حجم الأموال التي يمكن إخراجها من البلاد، وتُعين هذه القيود الحكومة على الإبقاء على قبضة قوية على قيمة عملتها. كما تُرجع السلطات الصينية الفضل إلى هذه القيود في الحفاظ على استقرار نظامها المالي في أثناء أزمات طارئة مثل الأزمة المالية الآسيوية عام 1997 والأزمة العالمية التي بدأت عام 2008.
من جهتها، تفرض الحكومة حداً أقصى يبلغ 50 ألف دولار على الأموال التي يمكن للمواطن الصيني تحويلها إلى خارج البلاد خلال عام واحد، وإن كان باستطاعة الشركات ومن يضطلعون باستثمارات استراتيجية تحويل مبالغ أكبر من ذلك بكثير.
إلا أن ثمة أعداداً متزايدة من الأفراد شرعوا في الالتفاف على القيود الحكومية منذ عامين، عندما انهارت سوق الأسهم واتخذت الحكومة خطوة مفاجئة بتقليص قيمة العملة وظهور توقعات توحي بتباطؤ النمو الاقتصادي في الصين، الأمر الذي دفع الكثيرين نحو السعي إلى ملاذات أكثر أمناً لأموالهم.
من ناحيته، وضع الرئيس شي جينبينغ أولوية أولى نصب عينيه تتمثل في إبقاء مزيد من الأموال داخل الصين. وبالفعل، أغلقت حكوماته المنصات التي تتاجر في العملات المشفرة، وأعلنت عن إجراءات للسيطرة على الاستثمارات الموجهة إلى الخارج في العقارات وصناعة الترفيه وكرة القدم، وفرضت قيوداً على المبالغ الموجهة إلى الخارج.
الملاحَظ أن الكثير من النشاط المصرفي السري داخل الصين يتركز داخل مدن تحد هونغ كونغ ومكاو، وهما منطقتان إداريتان داخل الصين تتسمان بوضع خاص وتخضعان لقوانين خاصة بهما.
في شاوغوان، استجابت الشرطة لمؤشرات توحي بوجود حساب مصرفي مثير للريبة جرى فتحه عام 2011 داخل المدينة من جانب شخص يدعى زهونغ، مقيم في مدينة زوهاي الجنوبية الواقعة على حدود مكاو، تبعاً لما أفادته صحيفة «غوانزو ديلي» الرسمية. ولم تكشف الصحيفة أي معلومات إضافية بخصوص زهونغ. وبعد توقف النشاطات بصورة شبه كاملة لسنوات، جرت 121 صفقة تضمنت 15 مليون دولار عام 2016، الأمر الذي دفع السلطات نحو تفحص الحساب عن قرب.
نهاية الأمر، اكتشفت السلطات أن الأشخاص الذين يديرون المصرف اشتروا بصورة غير قانونية وسرقوا وثائق هوية لأكثر عن 200 شخص لفتح حسابات مصرفية مزورة، حسبما أفاد تقرير «شينخوا». ولم تكشف التقارير الإخبارية معلومات تفصيلية حول كيفية عمل المصرف السري. ولم تستجب حكومة شاوغوان ولا الشرطة بها لطلبات تقدمنا بها للحصول على تعليقات منهم.
وأشارت التقارير الإخبارية إلى أن ثمة خيوطاً قادت إلى مكاو، واتضح أن الحساب المصرفي الذي دفع السلطات إلى فتح التحقيق، جرى فتحه خصيصاً من أجل مقامر في مكاو يدعى بينغ، كي يتمكن من نقل أموال. وبعد ذلك، حول العديد من أعضاء تنظيم إجرامي رينمنبي إلى دولار هونغ كونغ لحساب بينغ، تبعاً لما ورد بتقرير «شينخوا».
جدير بالذكر أن هونغ كونغ تتمتع بعملة خاصة بها مرتبطة بقيمة الدولار الأميركي. ولم يطرح تقرير «شينخوا» مزيداً من التفاصيل بخصوص بينغ.
من جانبها، تتعرض مكاو لضغوط شديدة للإبقاء على قبضة قوية على تدفقات رأس المال الخارجة منها. وفي الفترة الأخيرة، استعانت المنطقة بأجهزة صراف آلية تعتمد على برامج التعرف على الوجه لمراقبة الأفراد الذين يستخدمون بطاقات مصرفية صينية، تبعاً لما ذكرته صحيفة «مكاو ديلي تايمز».
من ناحيته، اعترف التقرير الذي نشرته وكالة «شينخوا» بأن المصارف السرية «مغرية»، خصوصاً بالنسبة إلى الأفراد الذين يجدون صعوبة في الحصول على تمويل، لكنه حذر من أن «الأفراد سيتعرضون لخسارة فادحة» إذا تخلت المصارف عنهم أو خدعتهم.
*خدمة «نيويورك تايمز»
الصين تعزز حملتها لإحكام قبضتها على سوق المال
بعد اكتشاف مصرف سري في إقليم بجنوب البلاد
الصين تعزز حملتها لإحكام قبضتها على سوق المال
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
