مكاوي سعيد... ابن «وسط البلد» يرحل طاوياً صفحته في «الرواية الواقعية»

أعماله حظيت باهتمام نقدي في مصر والعالم العربي

الراحل مكاوي سعيد
الراحل مكاوي سعيد
TT

مكاوي سعيد... ابن «وسط البلد» يرحل طاوياً صفحته في «الرواية الواقعية»

الراحل مكاوي سعيد
الراحل مكاوي سعيد

وجهٌ قمحيٌّ يميل إلى السُّمرة مثل طمي النيل، تتوسطه عينان ضيقتان تتواريان خلف نظارة طبية بيضاء، جسد صاحبها يبدو نحيلاً وطويلاً، هو روائي وشاعر قديم، واسع المعرفة والاطلاع والثقافة، إنه الكاتب المصري الكبير مكاوي سعيد، الذي غيّبه الموت صباح أمس (السبت) عن عمر يناهز 61 عاماً.
أصاب رحيل الأديب والكاتب المصري مكاوي سعيد المفاجئ، الوسط الثقافي المصري، وعشاق الأدب في مصر بصدمة جديدة، ونعت جهات الدولة الثقافية الأديب الراحل، الذي أثرى الحياة الثقافية والفكرية في مصر والعالم العربي، بالكثير من الروايات والكتابات المؤثرة. وكان مكاوي سعيد صاحب أسلوب خاص في فن الحكي، وله سردية مختلفة عن أبناء جيله في الرواية الواقعية المصرية المعاصرة. وقدم أعمالاً متميزة كان من بينها رواية «تغريدة البجعة»، التي رُشحت لجائزة البوكر للرواية العربية.
وقالت الروائية سلوى بكر، عضو مجلس نقابة اتحاد كتاب مصر، إن رحيل مكاوي سعيد سبب صدمة كبيرة في الوسط الأدبي. وأضافت قائلة: «نعزّي أنفسنا وكل المثقفين المصريين، لقد كان صاحب (تغريدة البجعة) روائياً متميزاً، وله حضور مؤثر في الحياة الثقافية المصرية». كما نعاه الدكتور علاء عبد الهادي، رئيس نقابة اتحاد كتاب مصر، قائلاً: «لقد خسرت الرواية المصرية في موجتها الجديدة، اسماً لامعاً وصاحب رؤية بصرية متميزة، في أعمال سعيد الروائية، فقد كان يحظى بحب الجميع من أبناء الأجيال السابقة، وأبناء جيله والأجيال اللاحقة عليه». وأوضح عبد الهادي: «سعيد كان مهموماً بالرواية، لأنه كان يعيش كل يوم رواية؛ فقد عاش ثورتي 25 يناير (كانون الثاني) 2011، و30 يونيو (حزيران) 2013، بكل أحداثهما اليومية بين ثوراهما، ورغم أن النص الروائي المتميز (تغريدة البجعة) لفت الأنظار إلية بقوة، إلا أنه لم يحظَ بتكريم يليق بموهبته من الدولة، ولكننا في اتحاد الكتاب سنقدم له تأبيناً يليق به».
من جانبه قال الناقد الأدبي، إيهاب الملاح لـ«الشرق الأوسط»: «رحيل مكاوي سعيد مَثّل صدمة كبيرة للوسط الثقافي في مصر، لأنه كان يتمتع بعلاقات إنسانية متميزة مع الكتاب الكبار والشبان، من خلال وجوده الدائم في مملكته الخاصة وهي منطقة وسط البلد، التي جسدها جيداً في أعماله الرائعة مثل (كراسة التحرير) و(مقتنيات وسط البلد). ونجحت تلك الأعمال نجاحاً كبيراً في تجسيد الروح الخاصة لمنطقة وسط القاهرة الصاخبة والمليئة بالحياة».
وأضاف الملاح قائلاً: «على مدار الـ15 عاماً الماضية تمتع مكاوي بشهرة، ومكانة جيدة وسط الروائيين المصريين، بدءاً من رواية (فئران السفينة)، وحتى روايته الأخيرة (أن تحبك جيهان)، حيث أعاد الأديب الراحل الاعتبار للرواية الواقعية، بعدما شهدت حالة من الخفوت، فقد كان يُنظر إليها بعين الريبة والتوجس، حتى ظن البعض أن الرواية الواقعية لن تقوم لها قائمة مرة أخرى، لكن روايته الشهيرة (تغريدة البجعة) أعادت الروح مرة أخرى إلى ذلك النوع المهم من الروايات التي تجسد الواقع، من خلال الأمكنة والأزمنة، حيث تكون دائماً مرجعية للكاتب، وأساس روايته الواقعية».
ولفت الملاح إلى أن «تجربة الأديب الراحل كانت مختلفة، بعدما احتلت مكانة مميزة في عالم السرد القصصي والروائي المعاصر». موضحاً: «إن مكاوي سعيد، حصل على تكريم هائل من القراء، وهو أهم من تكريم مؤسسات الدولة من وجهة نظري، لأن التكريم الحقيقي لأي كاتب هو أن تُقرأ أعماله وتلقى قبولاً لدى الأوساط الثقافية وعشاق الرواية».
وعن تأخر شهرة الروائي الراحل بين الكتاب والأدباء، قال الملاح: «سعيد ظل يكتب سنوات طويلة تحت الظل، ولم يذع صيته في الوسط الثقافي حتى رُشحت إحدى رواياته لجائزة البوكر العربية، ومنذ ذلك الحين، والأديب الراحل يحظى بشهرة، ورواج أدبي، واهتمام نقدي جيد جداً في مصر، وفي رأيي أن أكبر جائزة يطمح الكاتب إلى الحصول عليها هي قراءة أعماله وليست تكريم الدولة الذي قد يدخل فيه بعض الحسابات السياسية، وهو ما تحقق لسعيد».
إلى ذلك نعى المجلس الأعلى للثقافة المصري، وأمينه العام الدكتور حاتم ربيع، الروائي الكبير مكاوي سعيد. وقال: ربيع: «إن رحيل مكاوي سعيد يعد خسارة كبيرة للساحة الثقافية والمشهد الروائي في مصر والوطن العربي. سوف نفتقد كاتباً من طراز فريد، لطالما التصق بالناس، وراهن عليهم وسرد عنهم وعن أحلامهم البسيطة».
أما وزير الثقافة حلمي النمنم، فقال في نعي له، أمس، إن «مكاوي سعيد من المبدعين البارزين، الذين شاركوا في الحياة العامة، ولم يكن بعيداً عن الأحداث الوطنية، حتى إنه لُقب بـ(شاعر الجامعة)، فقد كان شاهداً على الأحداث التي عاشتها مصر، فكتب عنها ونقلها في أعماله». وأكد النمنم أن «مكاوي لم يكن مجرد كاتب متابع للأحداث، أو شاعر فقط، بل كان روائياً ناجحاً».
وُلد مكاوي سعيد في القاهرة 6 يوليو (تموز) 1956، وتخرج في كلية التجارة، لكنه ترك مهنة المحاسبة وتفرغ للكتابة، مع أوائل ثمانينيات القرن الماضي، حين كان طالباً بكلية التجارة جامعة القاهرة، وكان حينذاك مهتماً بكتابة الشعر العامي ثم الفصيح، عقب تأثره بصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي. ونُشرت عدة قصائد له في مجلة «صوت الجامعة» وغيرها. كما كانت له نشاطات دائمة في الندوات الثقافية بالجامعة حتى حصل على لقب شاعر الجامعة عام 1979.
عقب تخرجه في الجامعة، بدأ مكاوي في كتابة القصة القصيرة متأثراً بيوسف إدريس، وقصص مكسيم جوركي، وتشيكوف بالإضافة إلى روايات ديستويفسكي وهيمنغواي، وفي بداية الثمانينات شارك في ندوات دائمة بمقاهٍ شهيرة بوسط البلد. حيث كان يلتقي الأدباء الكبار والقصاصين الجدد، الذين كانوا يتلمسون الطريق. وعرض قصصه الأولى في هذه الندوات، وأثنى عليها الكثيرون، كما فاز بعضها بجوائز في مسابقات نادي القصة بالقاهرة، وتعرّف في مقهى «علي بابا» على القاص يحيى الطاهر عبد الله، وقرأ عليه قصصه فأعجبته واختار بعضها لإرسالها إلى مجلات عربية بتزكية منه، وفي تلك الفترة نُشرت له قصص في مجلات وصحف مصرية.
ولمكاوي أعمال مهمة كثيرة أثْرت الساحة الأدبية والثقافية العربية منها «الركض وراء الضوء»، و«ابن وسط البلد»، و«فئران السفينة»، و«مقتنيات وسط البلد»، و«عن الميدان وتجلياته»، و«تغريدة البجعة»، و«أن تحبك جيهان»، وقد وصلت روايته «تغريدة البجعة» للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2008، كما أن روايته «أن تحبك جيهان» نافست في القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد، وحصلت روايته «فئران المدينة» على جائزة سعاد الصباح الكويتية.
وكان الراحل قد عبّر عن رغبته في أحد حواراته التلفزيونية أن يتم تحويل رواية «أن تحبك جيهان» إلى فيلم سينمائي، لأن هناك قطاعات كثيرة من الناس لم تقرأ هذه الرواية التي تدور أحداثها في العام السابق لانتفاضة 25 يناير 2011، وأوضح أنها استغرقت 3 سنوات ونصف السنة في الكتابة، وأن بطل الرواية يقطن في منطقة وسط البلد.
وعن كتاب «كراسة التحرير»، كتب مكاوي سعيد على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» في 2013 أنه واجه صعوبات من أجل نشره، لخوف بعض الناشرين الكبار، وتحمّست الدار المصرية اللبنانية لنشره.
وكان مكاوي يعيب دائماً على بعض الروائيين المشاهير في مصر انزواءهم عن الناس والابتعاد عنهم، فهو كان يرى أن الروائي الواقعي يجب أن يذوب بين الناس ويستمع إلى همومهم وحكاياتهم، لأن بعض هذه الحكايات تصلح لأن تكون أعمالاً روائية مهمة. وأوضح في حوار تلفزيوني سابق، أنه كان يدوّن المعلومات المهمة التي كانت تُلقى على مسامعه يومياً من الناس، في مقاهي منطقة وسط البلد التي تربَّى فيها وعاش فيها معظم فترات حياته، ونقل معالمها بوضوح في كتبه الشهيرة.
في السياق ذاته كان آخر مقال تم نشره في الصحف المصرية للكاتب الراحل يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وكان المقال عن الكتاب الأميركي «تكيّف الكفيف» من تأليف هكتور تشيفنى وسيدل بريفرمان، وترجمة د. محمد عبد المنعم نور، وقد نُشر في نيويورك عام 1950. وقال عنه سعيد: «هذا كتاب مهم عن حياة المكفوفين، ويفنّد مجموعة الخرافات والمغالطات التي ارتبطت بهم، مثل: إن الحواس الباقية لدى المكفوف تعمل معاً لتعويضه عن الحاسة المفقودة، أو الزعم بأن جلد الوجه وعضلاته عند المكفوف تنمو فيها حساسية شديدة للأجسام الغريبة، أو أن المكفوف يُمنح حاسة سادسة وسابعة لا يتمتع بها المبصر».



مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
TT

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)

أثار تكرار وقائع انتقاد الفنانين القدامى تباينات حول حرية التعبير في مصر، متى تدخل التصريحات في إطارها... ومتى تتجاوزها لتصبح «إساءة». وكانت أحدث الوقائع جرت أخيراً حين وجَّه الممثل المصري الشاب أحمد عبد الله محمود تصريحات عدّتها أسرة الفنان الراحل، رشدي أباظة، وجمهوره تحمل «إساءة» لـ«دنجوان السينما المصرية».

وحضر أحمد عبد الله محمود جلسة تحقيق بنقابة المهن التمثيلية المصرية؛ بسبب الأزمة التي أثارتها تصريحاته التلفزيونية الأخيرة حول الفنان الراحل رشدي أباظة، والتي عدّها متابعون وأسرته تحمل «إساءة» للفنان الراحل.

وتصدَّر اسم رشدي أباظة قوائم البحث على «غوغل» بمصر، الثلاثاء، مع نشر تصريحات الفنان الشاب بشكل موسَّع حول أسطورة السينما المصرية، الراحل رشدي أباظة. وخلال التحقيقات أكد الفنان الشاب تقديره للفنان الكبير الراحل، ووصفه بأنه «أحد أعمدة الفن العربي»، وشدَّد على أنَّ ما بدر منه لم يكن بقصد الإساءة لتاريخ «الدنجوان»، وفق وسائل إعلام محلية.

وأبدى محمود اعتذاره لأسرة الفنان الراحل، وأكد احترامه الكامل لهم، كما قدَّم اعتذاره للأسرة الفنية، ونقابة المهن التمثيلية.

وسبقت هذه الواقعة وقائع عدة تعرَّض فيها ممثلون شباب لفنانين راحلين، ما عدَّه متابعون إساءةً للفنانين الراحلين، ومن ذلك توجيه الاتهام للفنانَين عمر متولي وزميله الفنان أحمد فتحي بإهانة الفنان الراحل شكري سرحان، ووقتها تقدَّم نقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي باعتذار لأسرة الفنان الراحل.

وقبل أسابيع واجه الفنان أحمد ماهر أزمةً مشابهةً خلال حديثه عفوياً عن المخرج الراحل جلال توفيق، والد الفنانَين ياسر ورامز جلال، ما عدّه الفنانان إساءة لوالدهما، وأصدرا بياناً يرفضان فيه هذه التصريحات، وقدَّم لهما ماهر اعتذاراً بعد تدخل نقابة المهن التمثيلية في الأمر، واعتذار الفنان أشرف زكي أيضاً للفنانَين.

رشدي أباظة (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن أي فنان من حقه أن يقول رأيه في فنان آخر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن إبداء الرأي بمحبة أو كراهية فنان معين يدخل في إطار حرية الرأي، «لكن المشكلة أننا أصبحت لدينا عصبية غير طبيعية في التعامل مع الأسماء الراحلة»، مشيراً إلى الضجة التي أُثيرت حول عمر مصطفى متولي حين قال عن شكري سرحان إنه أخذ أكثر من حقه، ووصفها بأنه «رأي شخصي، لكنه خرج من جلسة أصحاب على (البودكاست) إلى العلن فأصبح قضية».

وكان الفنان أحمد عبد الله محمود قد أشار للفنان رشدي أباظة بأنه لو كان حياً لحصل على نصف أجره بالأعمال الفنية «سيدات»، الأمر الذي تسبَّب في حالة غضب ورفض لهذه التصريحات من قبل أسرة الفنان وجمهوره، إلى أن تدخلت نقابة المهن التمثيلية للتحقيق في هذا الأمر.

وإن كان سعد الدين يرفض ما يسميه «التجاوز ضد الفنانين الراحلين والتباسط في الحديث عنهم»، فإنه في الوقت نفسه يتساءل عن «السبب في تدخل نقابة المهن التمثيلية في كل موضوع، وإجراء تحقيق، وفي النهاية ينتهي بالتصالح».

وأكد أن الفنانين الشباب الموجودين حالياً «يجب أن يعرفوا أنه لا يصح الكلام عن الجيل الأقدم من الرواد بشكل مسيء في الإعلام، خصوصاً في عالم (السوشيال ميديا)، الذي لم يعد يترك شاردة أو واردة».

ويرى الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن «الآونة الأخيرة شهدت بالفعل تصريحات مستفزة عن رموزنا الفنية بشكل غير لائق، كما حدث من الفنان محمد ممدوح الذي صرَّح بأنه لا يحب الاستماع لأم كلثوم، والفنان أحمد فتحي من قبل حين قال إن شكري سرحان لا يستحق النجومية التي حصل عليها، وهناك أكثر من شخص تحدَّثوا عن إسماعيل ياسين وأنه لا يمثل ظاهرةً في الكوميديا، وهناك تصريحات نالت من فاتن حمامة تنكر عليها لقب (سيدة الشاشة العربية)».

ويفرِّق شوقي بين حرية الرأي في الفنانين وبين الإساءة لهم قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأخيرة التي أطلقها الفنان أحمد عبد الله محمود، ابن الممثل الكبير الراحل عبد الله محمود، لا تليق أبداً، خصوصاً مع اللفظ الذي أطلقه وأزعج أسرته وجمهوره والنساء أيضاً».

وأشار المؤرخ الفني إلى أنَّ «رشدي أباظة كان يمثل نموذجاً لابن البلد الخلوق الذي يعرف الأصول ويعتني بكل مَن حوله، ولم يكن يحصل على أجره حتى يطمئن أن عمال موقع التصوير حصلوا على أجورهم، وله كثير من المواقف التي تشير إلى شخصيته الاستثنائية، حتى إنه في مرضه الأخير جاءه عرض سخي من الرئيس السادات لعلاجه على نفقة الدولة فقال (أنا أتعالج على نفقة الجماهير) في إشارة إلى أمواله التي هي من عائد التذاكر عن أعماله السينمائية». وعدَّ شوقي أنَّ «التطاول على الرموز الفنية مرفوض تماماً».

ويعد الفنان رشدي أباظة (1926 - 1980) من أبرز نجوم السينما المصرية وعُرف بألقاب مثل «الدنجوان»، و«فتى الشاشة»، وقدم كثيراً من الأفلام السينمائية الناجحة مثل «تمر حنة»، و«الرجل الثاني»، و«الزوجة رقم 13»، و«وا إسلاماه»، و«صغيرة على الحب»، و«كلمة شرف».


«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
TT

«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)

أحياناً، يغمرنا شعور بالفرح أو الحزن لدرجة تجعلنا نبكي. عادةً ما نربط الدموع بالحزن أو الألم؛ لذا قد يبدو غريباً أن يبكي الإنسان وهو سعيد. ومع ذلك، للبكاء آثار إيجابية على صحتنا النفسية، ويمكن أن يساعدنا على التحكم بمشاعرنا وتنظيمها، وفقاً لموقع «ويب ميد».

ما دموع «الفرح»؟

لا يُعرف بالضبط سبب ذرفنا دموع السعادة أو الفرح، أو كيف تختلف عن دموع الحزن أو الغضب. لكن بشكل عام، عندما نبكي نتيجة شعور إيجابي أو تجربة ممتعة، يُطلق على هذه الدموع «دموع الفرح».

الدموع ليست مجرد علامة على الحزن، بل يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب سبب ظهورها:

الدموع القاعدية: تبقى هذه الدموع في العين طوال اليوم، وتعمل كمرطب ومطهر. تحتوي على الماء والملح، إضافة إلى مخاط وزيت يحميان الدموع من التبخر.

الدموع النفسية أو العاطفية: تُذرف استجابةً لأحداث عاطفية، وتحتوي على هرمونات التوتر، وتساعد الجسم على التعامل مع المشاعر المكبوتة.

الدموع المُهيّجة: تنهمر عند دخول جسم غريب للعين أو التعرض لمهيجات، مثل الدموع الناتجة عن تقطيع البصل.

فوائد البكاء

يحفّز البكاء الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج، مثل الأوكسيتوسين والإندورفين. وعادةً ما يؤدي البكاء إلى شعور بالراحة النفسية وتحسن المزاج لاحقاً. لكن محاولة كبت الدموع أو الشعور بالخجل عند البكاء قد يكون له أثر معاكس، ويؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية. كما تلعب الثقافة دوراً في تجربة البكاء؛ فالأشخاص في الدول الغنية غالباً ما يشعرون بالراحة والتفاؤل بعد البكاء.

أنواع دموع السعادة

أظهرت دراسة حديثة وجود أربعة أنواع رئيسية من الدموع الإيجابية:

دموع التسلية: تظهر عند الضحك الشديد، أو عندما تستمتع بشيء مسلٍّ إلى درجة لا تستطيع معها كبح دموعك.

دموع المودة: تنهمر عند شعور مفاجئ بالدفء والامتنان، مثل حضور حفل زفاف أو التفاعل العاطفي مع شخص عزيز.

دموع الجمال: تحدث عند الانبهار بمشهد طبيعي ساحر أو موسيقى مؤثرة، فتغمرنا الدهشة والجمال.

دموع الإنجاز: تظهر عند تحقيق هدف مهم أو التغلب على تحدٍّ، لتعكس شعوراً بالفخر والانتصار.

كيف تؤثر دموع الفرح على الصحة؟

تلعب دموع الفرح دوراً مهماً في الحفاظ على التوازن العاطفي. فالأشخاص الذين يبكون فرحاً عند شعورهم بالإرهاق العاطفي قد يتعافون بسرعة أكبر من المشاعر التي دفعتهم للبكاء. كما يمكن أن يشعر الإنسان بعاطفتين متضادتين في آن واحد استجابةً لموقف واحد، وهو ما يُعرف بالتعبير المزدوج. ويساعد هذا النوع من التعبير العاطفي على تنظيم المشاعر ومنعها من السيطرة على سلوك الفرد.


ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
TT

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً، فهناك حالة من التعطش الدائم للبقاء في ذلك العالم الذي خلقته المؤلفة، وتصويرها للحياة في عصر «الريجنسي» (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر «1787– 1817» والمعروف بعصر الوصاية على العرش «Regency era») وبطلاتها اللواتي تحولن لأيقونات تغالب الزمن، من إليزابيث بينيت في «كبرياء وتحامل» إلى إيما وودهاوس في «إيما» وألينور وماري آن داشوود في «العقل والعاطفة»، وفاني برايس في «مانسفيلد بارك»، وصولاً لآخر وأنضج بطلاتها آن إليوت في «إقناع».

وقع القراء في حب بطلات أوستن، وافتتنت السينما والتلفزيون بهن، فتوالت الأفلام والمسلسلات والكتب المستوحاة من الروايات، ولا يكاد يمر وقت طويل حتى يعلَن عن معالجة درامية جديدة للروايات الشهيرة (لم تنجح أغلب المحاولات، ولكن ذلك لم يوقف الكتاب وصناع الأفلام والمسلسلات عن الدخول لمعترك إعادة روايات تلك الكاتبة للحياة مرات ومرات).

الأخوات بينيت في «الكبرياء والتحامل» عام 2005 (آي إم دي بي)

ميس أوستن

لم تتوقف المعالجات عند الدراما والسينما؛ بل تجاوزت ذلك لتتوالى الروايات الحديثة التي استلهمت موضوعاتها من الروايات «الأوستنية»، ولتتحول بعد ذلك بدورها لمعالجات درامية، لتظل الساحة مشبَّعة بشخصيات جين أوستن؛ سواء تلك التي كتبتها فعلاً، أو بالشخصيات المتخيَّلة التي نُسجت من القماشة ذاتها، وإن كانت النتائج ليست دائمة مقنعة ولا ذات مستوى يرقى لعبقرية جين أوستن.

ملصق مسلسل «ميس أوستن»

ودأب التلفزيون البريطاني على إنتاج الروايات درامياً بشكل مستمر. ومن بعد الروايات الأصلية لأوستن، انطلقت المعالجات الدرامية لوريثاتها. الأحدث في هذه السلسلة التي لا تنتهي كان مسلسل «ميس أوستن» من إنتاج «بي بي سي» الذي عرض قبل أشهر، وهو مأخوذ من رواية بالاسم نفسه للمؤلفة جيل هورنبي، صدرت عام 2020. الكتاب عن كاساندرا أخت جين أوستن، والتي كانت كاتمة أسرارها والعين الساهرة على سمعة أختها الراحلة، لدرجة أنها أحرقت جزءاً كبيراً من الرسائل الشخصية التي كتبتها جين أوستن في حياتها.

الشقيقة الأخرى

وفي انتظار الإنتاج الجديد من «نتفليكس» لرواية «الكبرياء والتحامل» المتوقع صدوره هذا العام، عرضت «بي بي سي» مسلسل بعنوان «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» وهو معتمد على رواية للكاتبة جانيس هادلو صدرت في عام 2020.

بدايةً، لا يمكن إغفال تأثير أسلوب جين أوستن على المؤلفة هادلو، فهي نسجت عالماً جديداً مستمد من عائلة بينيت في الرواية الأصلية. تبدأ أحداث «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» من النقطة نفسها التي انطلقت منها «الكبرياء والتحامل»؛ حيث يدور نقاش عائلي حول وصول رجل أعزب ثري للبلدة، والخطط التي تبدأ الأم في حياكتها لضمانه زوجاً لواحدة من بناتها الست. تتشابه أحداث كثيرة بين الرواية الأصلية ورواية هادلو؛ لكن المختلف في الرواية الجديدة هو أن المؤلفة أخذت شخصية ماري الشقيقة الوسطى لتنسج حولها قصة مختلفة.

في «الكبرياء والتحامل» شخصية ماري هزلية، تعاملها أوستن على أنها شخصية تحب القراءة ومطلعة بشكل كبير، ولكنها تفتقر للجاذبية والجمال اللذين كان المجتمع في ذلك الزمن يتطلبهما من أي فتاة لتصبح جديرة بإعجاب الخُطَّاب. طوال الرواية لا تثير شخصية ماري في القارئ سوى الشفقة أو النفور من تعليقاتها الجافة، وعرضها للمعلومات التي تقرأها كطريقة للتعليق المتعالي على تصرفات شقيقاتها.

رواية «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» لجانيس هادلو

ولكن جانيس هادلو قررت المغامرة بإخراج شخصية ماري من تلك الدائرة التي قبعت فيها. نجد أنفسنا أمام ماري التي تعيش مع التعليقات السلبية لوالدتها وشقيقاتها الأصغر سناً، تسمع بنفسها تعليق لوالدتها بأنها لن تستطيع الزواج بسبب افتقادها للجمال. وتقرر بينها وبين نفسها أن الكتب والقراءة وعزف البيانو هي كل ما يمكنها التميز فيه. ورغم أنها لا تستطيع -أو لا تريد- تحدي والدتها المسيطرة، فإنها تصر على ارتداء نظارة لتحسين نظرها، وهو أمر يعرضها للهجوم من والدتها، ولكن أيضاً للتشجيع من والدها.

في رواية هادلو تتزوج الشقيقات كلهن ما عدا ماري التي تعيش مع والديها، وبعد وفاة والدها تنتقل مع والدتها للعيش مع شقيقاتها؛ جين ثم إليزابيث، وفي الحالتين تجد نفسها محصورة في دور المرافقة لوالدتها المتذمرة دائماً. تحاول الهروب من وضعها لتنتقل للعيش مع عائلة خالها في لندن، وهنا ترى عالماً جديداً، وعائلة ترى فيها الميزات التي عجزت عائلتها القريبة عن رؤيتها وتقديرها. في لندن تتفتح شخصية ماري للحياة كما تتفتح الزهرة، ترى عالماً جديداً يقدِّر فيه الناس ثقافتها وميلها للقراءة، وتتعرف على شخصين يتنافسان على اهتمامها، ورغم يقينها بأن طريقها في الحياة لن يتوَّج بالزواج، فإنها تجد من يجد فيها الزوجة التي يريد.

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

الرواية تغامر بالدخول لعالم جين أوستن المعروف، والتقاط الشخصية الأقل تأثيراً على الأحداث، لتصنع منها بطلة، تتعمق في مشاعرها وأحاسيسها، وترينا تطور الشخصية من فتاة منزوية محبطة إلى فتاة ناضجة تتحدث بثقة عن قراءاتها وآرائها، وتدافع عن نفسها عند تطاول البعض عليها.

الرواية والمسلسل ينجحان في إضافة اسم جانيس هادلو في طابور طويل من المتأثرين والمتأثرات بأدب جين أوستن، ولكنها تدخل الطابور برواية لها أسلوب مميز، به مزيج من الفكاهة والجدية والتشويق.

ربما لن ينجح أي كاتب ولا كاتبة في إعادة أسلوب جين أوستن أو رواياتها، ولكن تبقى هناك تلك المساحة الصغيرة التي يمكن للكاتب الماهر تحويلها لملعبه الخاص، وخلق شخصيات لها طابعها الخاص، حتى لو كانت مستوحاة من روايات شهيرة.