مكاوي سعيد... ابن «وسط البلد» يرحل طاوياً صفحته في «الرواية الواقعية»

أعماله حظيت باهتمام نقدي في مصر والعالم العربي

الراحل مكاوي سعيد
الراحل مكاوي سعيد
TT

مكاوي سعيد... ابن «وسط البلد» يرحل طاوياً صفحته في «الرواية الواقعية»

الراحل مكاوي سعيد
الراحل مكاوي سعيد

وجهٌ قمحيٌّ يميل إلى السُّمرة مثل طمي النيل، تتوسطه عينان ضيقتان تتواريان خلف نظارة طبية بيضاء، جسد صاحبها يبدو نحيلاً وطويلاً، هو روائي وشاعر قديم، واسع المعرفة والاطلاع والثقافة، إنه الكاتب المصري الكبير مكاوي سعيد، الذي غيّبه الموت صباح أمس (السبت) عن عمر يناهز 61 عاماً.
أصاب رحيل الأديب والكاتب المصري مكاوي سعيد المفاجئ، الوسط الثقافي المصري، وعشاق الأدب في مصر بصدمة جديدة، ونعت جهات الدولة الثقافية الأديب الراحل، الذي أثرى الحياة الثقافية والفكرية في مصر والعالم العربي، بالكثير من الروايات والكتابات المؤثرة. وكان مكاوي سعيد صاحب أسلوب خاص في فن الحكي، وله سردية مختلفة عن أبناء جيله في الرواية الواقعية المصرية المعاصرة. وقدم أعمالاً متميزة كان من بينها رواية «تغريدة البجعة»، التي رُشحت لجائزة البوكر للرواية العربية.
وقالت الروائية سلوى بكر، عضو مجلس نقابة اتحاد كتاب مصر، إن رحيل مكاوي سعيد سبب صدمة كبيرة في الوسط الأدبي. وأضافت قائلة: «نعزّي أنفسنا وكل المثقفين المصريين، لقد كان صاحب (تغريدة البجعة) روائياً متميزاً، وله حضور مؤثر في الحياة الثقافية المصرية». كما نعاه الدكتور علاء عبد الهادي، رئيس نقابة اتحاد كتاب مصر، قائلاً: «لقد خسرت الرواية المصرية في موجتها الجديدة، اسماً لامعاً وصاحب رؤية بصرية متميزة، في أعمال سعيد الروائية، فقد كان يحظى بحب الجميع من أبناء الأجيال السابقة، وأبناء جيله والأجيال اللاحقة عليه». وأوضح عبد الهادي: «سعيد كان مهموماً بالرواية، لأنه كان يعيش كل يوم رواية؛ فقد عاش ثورتي 25 يناير (كانون الثاني) 2011، و30 يونيو (حزيران) 2013، بكل أحداثهما اليومية بين ثوراهما، ورغم أن النص الروائي المتميز (تغريدة البجعة) لفت الأنظار إلية بقوة، إلا أنه لم يحظَ بتكريم يليق بموهبته من الدولة، ولكننا في اتحاد الكتاب سنقدم له تأبيناً يليق به».
من جانبه قال الناقد الأدبي، إيهاب الملاح لـ«الشرق الأوسط»: «رحيل مكاوي سعيد مَثّل صدمة كبيرة للوسط الثقافي في مصر، لأنه كان يتمتع بعلاقات إنسانية متميزة مع الكتاب الكبار والشبان، من خلال وجوده الدائم في مملكته الخاصة وهي منطقة وسط البلد، التي جسدها جيداً في أعماله الرائعة مثل (كراسة التحرير) و(مقتنيات وسط البلد). ونجحت تلك الأعمال نجاحاً كبيراً في تجسيد الروح الخاصة لمنطقة وسط القاهرة الصاخبة والمليئة بالحياة».
وأضاف الملاح قائلاً: «على مدار الـ15 عاماً الماضية تمتع مكاوي بشهرة، ومكانة جيدة وسط الروائيين المصريين، بدءاً من رواية (فئران السفينة)، وحتى روايته الأخيرة (أن تحبك جيهان)، حيث أعاد الأديب الراحل الاعتبار للرواية الواقعية، بعدما شهدت حالة من الخفوت، فقد كان يُنظر إليها بعين الريبة والتوجس، حتى ظن البعض أن الرواية الواقعية لن تقوم لها قائمة مرة أخرى، لكن روايته الشهيرة (تغريدة البجعة) أعادت الروح مرة أخرى إلى ذلك النوع المهم من الروايات التي تجسد الواقع، من خلال الأمكنة والأزمنة، حيث تكون دائماً مرجعية للكاتب، وأساس روايته الواقعية».
ولفت الملاح إلى أن «تجربة الأديب الراحل كانت مختلفة، بعدما احتلت مكانة مميزة في عالم السرد القصصي والروائي المعاصر». موضحاً: «إن مكاوي سعيد، حصل على تكريم هائل من القراء، وهو أهم من تكريم مؤسسات الدولة من وجهة نظري، لأن التكريم الحقيقي لأي كاتب هو أن تُقرأ أعماله وتلقى قبولاً لدى الأوساط الثقافية وعشاق الرواية».
وعن تأخر شهرة الروائي الراحل بين الكتاب والأدباء، قال الملاح: «سعيد ظل يكتب سنوات طويلة تحت الظل، ولم يذع صيته في الوسط الثقافي حتى رُشحت إحدى رواياته لجائزة البوكر العربية، ومنذ ذلك الحين، والأديب الراحل يحظى بشهرة، ورواج أدبي، واهتمام نقدي جيد جداً في مصر، وفي رأيي أن أكبر جائزة يطمح الكاتب إلى الحصول عليها هي قراءة أعماله وليست تكريم الدولة الذي قد يدخل فيه بعض الحسابات السياسية، وهو ما تحقق لسعيد».
إلى ذلك نعى المجلس الأعلى للثقافة المصري، وأمينه العام الدكتور حاتم ربيع، الروائي الكبير مكاوي سعيد. وقال: ربيع: «إن رحيل مكاوي سعيد يعد خسارة كبيرة للساحة الثقافية والمشهد الروائي في مصر والوطن العربي. سوف نفتقد كاتباً من طراز فريد، لطالما التصق بالناس، وراهن عليهم وسرد عنهم وعن أحلامهم البسيطة».
أما وزير الثقافة حلمي النمنم، فقال في نعي له، أمس، إن «مكاوي سعيد من المبدعين البارزين، الذين شاركوا في الحياة العامة، ولم يكن بعيداً عن الأحداث الوطنية، حتى إنه لُقب بـ(شاعر الجامعة)، فقد كان شاهداً على الأحداث التي عاشتها مصر، فكتب عنها ونقلها في أعماله». وأكد النمنم أن «مكاوي لم يكن مجرد كاتب متابع للأحداث، أو شاعر فقط، بل كان روائياً ناجحاً».
وُلد مكاوي سعيد في القاهرة 6 يوليو (تموز) 1956، وتخرج في كلية التجارة، لكنه ترك مهنة المحاسبة وتفرغ للكتابة، مع أوائل ثمانينيات القرن الماضي، حين كان طالباً بكلية التجارة جامعة القاهرة، وكان حينذاك مهتماً بكتابة الشعر العامي ثم الفصيح، عقب تأثره بصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي. ونُشرت عدة قصائد له في مجلة «صوت الجامعة» وغيرها. كما كانت له نشاطات دائمة في الندوات الثقافية بالجامعة حتى حصل على لقب شاعر الجامعة عام 1979.
عقب تخرجه في الجامعة، بدأ مكاوي في كتابة القصة القصيرة متأثراً بيوسف إدريس، وقصص مكسيم جوركي، وتشيكوف بالإضافة إلى روايات ديستويفسكي وهيمنغواي، وفي بداية الثمانينات شارك في ندوات دائمة بمقاهٍ شهيرة بوسط البلد. حيث كان يلتقي الأدباء الكبار والقصاصين الجدد، الذين كانوا يتلمسون الطريق. وعرض قصصه الأولى في هذه الندوات، وأثنى عليها الكثيرون، كما فاز بعضها بجوائز في مسابقات نادي القصة بالقاهرة، وتعرّف في مقهى «علي بابا» على القاص يحيى الطاهر عبد الله، وقرأ عليه قصصه فأعجبته واختار بعضها لإرسالها إلى مجلات عربية بتزكية منه، وفي تلك الفترة نُشرت له قصص في مجلات وصحف مصرية.
ولمكاوي أعمال مهمة كثيرة أثْرت الساحة الأدبية والثقافية العربية منها «الركض وراء الضوء»، و«ابن وسط البلد»، و«فئران السفينة»، و«مقتنيات وسط البلد»، و«عن الميدان وتجلياته»، و«تغريدة البجعة»، و«أن تحبك جيهان»، وقد وصلت روايته «تغريدة البجعة» للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2008، كما أن روايته «أن تحبك جيهان» نافست في القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد، وحصلت روايته «فئران المدينة» على جائزة سعاد الصباح الكويتية.
وكان الراحل قد عبّر عن رغبته في أحد حواراته التلفزيونية أن يتم تحويل رواية «أن تحبك جيهان» إلى فيلم سينمائي، لأن هناك قطاعات كثيرة من الناس لم تقرأ هذه الرواية التي تدور أحداثها في العام السابق لانتفاضة 25 يناير 2011، وأوضح أنها استغرقت 3 سنوات ونصف السنة في الكتابة، وأن بطل الرواية يقطن في منطقة وسط البلد.
وعن كتاب «كراسة التحرير»، كتب مكاوي سعيد على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» في 2013 أنه واجه صعوبات من أجل نشره، لخوف بعض الناشرين الكبار، وتحمّست الدار المصرية اللبنانية لنشره.
وكان مكاوي يعيب دائماً على بعض الروائيين المشاهير في مصر انزواءهم عن الناس والابتعاد عنهم، فهو كان يرى أن الروائي الواقعي يجب أن يذوب بين الناس ويستمع إلى همومهم وحكاياتهم، لأن بعض هذه الحكايات تصلح لأن تكون أعمالاً روائية مهمة. وأوضح في حوار تلفزيوني سابق، أنه كان يدوّن المعلومات المهمة التي كانت تُلقى على مسامعه يومياً من الناس، في مقاهي منطقة وسط البلد التي تربَّى فيها وعاش فيها معظم فترات حياته، ونقل معالمها بوضوح في كتبه الشهيرة.
في السياق ذاته كان آخر مقال تم نشره في الصحف المصرية للكاتب الراحل يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وكان المقال عن الكتاب الأميركي «تكيّف الكفيف» من تأليف هكتور تشيفنى وسيدل بريفرمان، وترجمة د. محمد عبد المنعم نور، وقد نُشر في نيويورك عام 1950. وقال عنه سعيد: «هذا كتاب مهم عن حياة المكفوفين، ويفنّد مجموعة الخرافات والمغالطات التي ارتبطت بهم، مثل: إن الحواس الباقية لدى المكفوف تعمل معاً لتعويضه عن الحاسة المفقودة، أو الزعم بأن جلد الوجه وعضلاته عند المكفوف تنمو فيها حساسية شديدة للأجسام الغريبة، أو أن المكفوف يُمنح حاسة سادسة وسابعة لا يتمتع بها المبصر».



مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس.

وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر».

وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير.

وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات.

كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً.

واستعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية.

واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».


البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
TT

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته بعدما خطفته من المستشفى سيدة ارتكبت جرائم اختطاف عدة، وتم القبض عليها، لكنها لم تفصح عن أسرته أو مكان اختطافه (أدت دورها في المسلسل الفنانة ريهام عبد الغفور). وظهر إسلام الذي أطلق على نفسه لقب «إسلام الضائع» عبر حسابه بـ«تيك توك» في بث مباشر مساء الأربعاء ليعلن عثوره على أسرته الحقيقية وأنه أخيراً لم يعد ضائعاً بعد تطابق تحليل البصمة الوراثية «DNA» لوالديه معه.

وتحدث إسلام خلال البث مع والدته المصرية، ووالده الليبي الجنسية، اللذين كانا قد اعتقدا أنه مات بعد أن أخبرتهم إدارة المستشفى في الإسكندرية أن طفلهما قد توفي وبعدها سافرت الأسرة إلي ليبيا، وقد أعيته الحيل للوصول إليهم. وكشف إسلام أن اسمه الحقيقي محمد وأن والده ليبي الجنسية، لكنه عاش في مصر وتزوج والدته المصرية، وأضاف أن لديه 20 شقيقاً وشقيقة، وكان قد كشف في تصريحات تلفزيونية سابقة عن إجرائه 55 تحليلاً مع أسر فقدت أبناءها ولم يستدل منها على أسرته.

واقعة خطف إسلام تطرق إليها مسلسل «حكاية نرجس» المأخوذ عن قصة حقيقية، وتصدر «الترند» على منصة «غوغل» الخميس، بعد إعلان إسلام عثوره على أسرته. ويروي المسلسل حكاية نرجس التي تواجه نظرة مجتمعية قاسية لكونها عاقراً، فتنزلق لسيل من الأكاذيب التي تقودها إلي جرائم خطف الأطفال ونسبهم لها وزوجها رسمياً، وتتواصل رحلتها في خطف المزيد منهم والمتاجرة بهم حتى تنتهي حياتها بشكل مأساوي.

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وأدى الممثل يوسف رأفت شخصية «يوسف» التي تعادل شخصية إسلام في الواقع، حيث خطفته نرجس طفلاً وتمسكت بادعاء أنه ابنها. في المسلسل ترفض نرجس إخبار يوسف عن عائلته الحقيقية وتنهي حياتها بالقفز من أعلى بناية لتلقى حتفها وتتركه في حيرته.

ومنذ حلقته الأولى لقي المسلسل تفاعلاً واسعاً وتصدّر استفتاءات «أفضل مسلسل رمضاني»، ونالت بطلته الفنانة ريهام عبد الغفور لقب أفضل ممثلة، وأشاد الجمهور والنقاد ببراعتها وبأداء جميع أبطال المسلسل الذي خاض مخرجه وكاتب القصة سامح علاء من خلاله أولى تجاربه التلفزيونية، بينما كتب المؤلف عمار صبري السيناريو والحوار، وضم بين أبطاله سماح أنور، وحمزة العيلي، وتامر نبيل، وأحمد عزمي.

وأبدى المؤلف عمار صبري سعادته بعثور إسلام على أسرته وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا خبر سعيد للغاية فإسلام هو الضحية الكبرى لهذه القصة وكنت أتابع منذ سنوات رحلة بحثه الطويلة عن أسرته، وإذا كان مسلسل (حكاية نرجس) قد تسبب في إثارة أزمته بشكل ساعد في وصوله لأسرته فهذا هدف نبيل للفن عامة»، وأشار إلى أن المسلسل يحكي قصة نرجس بينما جاءت قصة إسلام كحدث تابع.

وسادت فرحة كبيرة مواقع «السوشيال ميديا» لعثور إسلام على أسرته وأشاد متابعون بمسلسل «حكاية نرجس» لطرحه القصة التي كانت سبباً في إلقاء الضوء على أزمة إسلام، موجهين الشكر لأسرة العمل، فيما طالب بعض الجمهور بتقديم جزء ثانٍ من المسلسل بعد عودة إسلام، ونشرت الفنانة ريهام عبد الغفور عبر حسابها بـ«فيسبوك» خبر عثور إسلام على أسرته وعلقت عليه قائلة «الحمد لله».

إسلام البطل الحقيقي لمسلسل «حكاية نرجس» (فيسبوك)

ويقول عمار صبري عن ذلك: «قصة إسلام تستحق مسلسلاً خاصاً عنها لأنها ذات أبعاد درامية جذابة للغاية لقصة شاب عاش حياته متنقلاً بين أسر مختلفة يظن أن كلاً منها هي أسرته الحقيقية ولكنه يجد نفسه ضائعاً».

وعدت الناقدة الفنية المصرية، ناهد صلاح، أن مسلسل «حكاية نرجس» أول عمل درامي يساهم في عودة مختطف إلى أسرته ويكون عاملاً مهماً في أن يجد الطرفان بعضهما، محققاً رسالة إنسانية مهمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لولا نجاح المسلسل ووصوله إلى الجمهور بهذه الطريقة لم تكن أسرة إسلام قد انتبهت وأجرت التحاليل اللازمة التي أكدت أنه ابنهم».

وأشارت ناهد إلى أن الدراما يمكن أن تكون عاملاً مساعداً ومهماً في قضايا عديدة كاسترداد حقوق وتغيير قوانين، «لكن العثور على مفقودين هي أول واقعة يحققها عمل فني فهناك كثير من الأفلام اللبنانية تناولت المفقودين في الحرب الأهلية اللبنانية ولم يتم العثور عليهم، من بينها الفيلم الروائي (مفقود) للمخرج بشير أبو زيد والوثائقي (خط التماس) إخراج سيلفي باليوت، مما يبرز قوة تأثير الدراما حين يتم تنفيذها بشكل متكامل. وتثير القصة أسئلة عامة عن حوادث خطف الأطفال الموجودة في المجتمع ولعل أقربها واقعة اختطاف طفلة رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي قبل يومين».

في السياق؛ ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على السيدة المنتقبة التي اختطفت قبل يومين رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، بعد أن تتبع فريق البحث الجنائي عبر كاميرات المراقبة المتهمة حتى العثور عليها بمنزلها بمدينة بدر.

وكانت والدة الطفلة قد أعطتها بحسن نية حسبما ذكرت في التحقيقات لسيدة منتقبة داخل المستشفى لتتمكن من تهدئة الطفلة لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات.

وأكد الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، متابعته الشخصية لتطورات هذ الحادث، باعتباره يخص مستشفى تابعاً لجامعة الأزهر، وأصدر بياناً عبر فيه عن أسفه على اختطاف الرضيعة، موجهاً بضرورة تنسيق الجهود مع الجهات المعنية لسرعة التوصل للطفلة.