بانوراما عربية وأجنبية تتصدر العروض

«الشرق الأوسط» في مهرجان القاهرة السينمائي 4: أعمال تشارك بمسابقة آفاق السينما تحمل صرخة فلسطينية وحكاية سورية

دياماند أبو عبود وهيام عباس في «إنسرياتد»
دياماند أبو عبود وهيام عباس في «إنسرياتد»
TT

بانوراما عربية وأجنبية تتصدر العروض

دياماند أبو عبود وهيام عباس في «إنسرياتد»
دياماند أبو عبود وهيام عباس في «إنسرياتد»

أحدث اللقاء المنشور في عدد يوم أول من أمس الذي أعلنت فيه رئيسة مهرجان القاهرة السينمائي استقالتها من منصبها، ضجة كبيرة في القاهرة عندما تناقلت المواقع المختلفة خبر الاستقالة الوارد، عنوة عن باقي الحديث المهم الذي صاحب المقابلة، وحاكت منه مواد تعتبرها مثيرة وجذابة.
والواقع أن الاستقالة لم تكن ابنة الساعة بل قدمتها رئيسة المهرجان ماجدة واصف، قبل شهر كامل، لوزارة الثقافة التي تشرف على مهرجان القاهرة والداعم الأول له. ولم يكن قراراً مفاجئاً ومتسرعاً في أي شكل من الأشكال، بل تم تقديمه بعد دراستها الوافية لوضعه الخاص وتبعاً لما رأته مناسباً ولشعورها بأنها استكملت الدور الذي لعبته لثلاث سنوات ولا تستطيع الاستمرار فيه من دون تطوير فعلي. وكما ورد في الحديث الذي دار بين ماجدة واصف وهذا الناقد، فإن رئيسة المهرجان حريصة على تسليم المهرجان على أفضل وجه لمن سيديره في المستقبل.
الحال أن المواقع والصحف اشتغلت على عنوان الحديث وأهملت كل ما تلاه بما فيه كل الأسباب الموجبة وكل الآراء الإيجابية التي أبدتها وما ذكرته عن الصعوبات التي كان عليها أن تواجهها منذ بداية عملها. بالتالي، بدا، للمراقب، بأن الاستقالة كانت فورية وسريعة كذلك الموافقة عليها (إذا ما تمت هذه الموافقة فعلاً).
بالنسبة للمراقب، فإن التقدم الذي أحرزته ماجدة واصف والمدير الفني والمبرمج الأول للمهرجان يوسف شريف رزق الله، خلال هذه الفترة من الحياة في قلب المهرجان وجسده، واضح. صحيح أن الفترة التي تسلمت فيها ماجدة واصف المهرجان ليست طويلة، وأن المصاعب المادية والإدارية التي خاضتها الرئيسة لازمت العمل المضني الذي قامت به، إلا أن الصحيح أيضاً هو أنه، وفي ظل كل تلك الظروف، واصلت تقديم مهرجان طموح يلبي حاجة الجمهور المتنوع على أفضل حال.

أفلام عن المرأة
تكشف أفلام المسابقة وتلك التي تعرض خارجها ذلك بكل وضوح. ففي المسابقة بضعة أفلام تهم الهاوي الذي يبحث عن لغة جديدة في سرد الحكايات، أو قدر من التجديد في أسلوب سردها ودرجة الاقتراب منها.
في «إنسرياتد» للبلجيكي فيليب فان ليو، على سبيل المثال، حكاية عائلة مؤلفة من أم (هيام عباس) ووالد زوجها وثلاثة أولاد تنضم إليهم الجارة حليمة (ديامند أبو عبود) التي لجأت للعائلة، مع طفلها، باحثة عن الحماية. ذلك لأن العمارة تقع على خط النار في مكان ما في ضواحي مدينة دمشق. وهم جميعاً محكومون بالبقاء داخل المنزل الكبير بدءا من ذلك الصباح الباكر عندما يخاطر زوج الجارة بالخروج من العمارة فيصاب بطلقة قنّـاص. تشاهد الخادمة ما حدث وتخبر ربة البيت أم يزن (هيام عبّـاس) بما حدث. غاية أم يزن أن تحافظ على أمن البيت بأي ثمن. لكن الأمر ليس سهلاً في وضع غير مستتب ومحاط بالاحتمالات وهذا يتأكد عندما يقتحم رجلان وينفردان بالجارة، حيث يعتدي أحدهما عليها جنسياً. يفصح هذا الوضع عن نفسه بنفسه: لقد حمت الجارة الشابة باقي الأسرة من القتل أو الاغتصاب أو السرقة (أو كل هذه الأفعال معا) بجسدها وهي بعد لا تعرف أن زوجها ملقى على بعد أمتار قليلة من البناية. عندما تعلم تتطوّر هذه الدراما إلى وضع آخر وتهرع وابني الجارة (شاب وفتاة) إلى تعريض أنفسهم للخطر بغية معرفة ما مصيره ويكتشفون أنه ما زال حياً.
ينتهي الفيلم بتأكيد الحالة الصعبة لحياة هذه النماذج من المواطنين لكن مع أمل معلّـق بأن حليمة وطفلها سوف يفران بصحبة بعض شباب المنطقة الذين لا هم من رجال النظام على ما يبدو ولا هم من رجال المعارضة ولا الفيلم يريد أن يصيب برصاصه أي من فرقاء القتال مكتفياً بالحالة الإنسانية الماثلة.
وضمن أفلام المسابقة نجد «فورتوناتا» للمخرج الإيطالي سيرجيو كاستيليتو الذي حازت بطلته جاسمين ترينكا على جائزة أفضل تمثيل نسائي في مسابقة «نظرة ما» خلال مهرجان «كان» الماضي.
تؤدي ترينكا دور ‫امرأة شابة مطلقة اسمها فورتوناتا ولديها ابنة صغيرة (نيكول سنتاني) وتسعى لكي يكون لديها صالونها الخاص بها. طموح كبير ومصاعب أكبر في انتظارها‬، لكن فورتوناتا تأتي هنا كما لو أنها في آخر صف اللامحظوظين.
يجيد المخرج الآتي من درب التمثيل العناية ببطلة الفيلم لكنه يفسد كل شيء آخر بإصراره على إظهار تعاسة وضعها ووضع من حولها في الوقت ذاته وطوال الوقت تقريباً. أحد معارفها رسام وشم ويريد مشاركتها افتتاح الصالون الذي تتمناه، لكنه مدمن مخدرات. زوجها السابق ما زال يلاحقها بهدف السيطرة على حياتها، ثم هناك والدتها المريضة. وإذا كان هذا لا يكفي فإن ابنتها تسمم المناخ من خلال ميول عدائية مبكرة. «يعني ألاقيها منين ولا منين» حسب الأفلام الميلودرامية المصرية في الستينات الذي يبدو هذا الفيلم أقرب إليها من أي فيلم إيطالي شوهد في العامين الماضيين.
أفضل منه «قتل عيسى» للأرجنتينية لورا مورا. دراما جيدة التنفيذ حول فتاة شابة تبحث عن قاتل أبيها بعدما فشل رجال البوليس تحقيق هذه المهمّـة. بعد قليل من بداية الفيلم تقع الحادثة وتشاهد وجه القاتل الذي كان يمتطي دراجة نارية. وتتبعه وتتعرّف عليه من دون أن تنسى أنه قاتل أبيها وأنها تريد قتله.
إلى جانب ديناميكية الحركة وقوة الأداء من بطلة الفيلم ناتاشا ياراميلو، يمتاز الفيلم الأول لمخرجته بأنها استوحته مما حدث في حياتها الخاصة. فوالدها قتل قبل عام ونصف العام من قيامها بتحقيق هذا الفيلم. تركت الأرجنتين وهاجرت إلى أستراليا، حيث لم تستطع ممارسة الكتابة والعمل لعدة أشهر قبل أن تكسر هذه الحالة بقرار مفاده أن تضع الحادثة المؤلمة في سيناريو تقوم بإخراجه. بعض نتائج ذلك يتجاوز المحنة التي تعرضها المخرجة مورا، فالفيلم - لجانب ديناميكيته وربما بسببها - متوتر ويثير قدراً من القلق خلال عرضه منسوجاً من السؤال حول ما إذا كانت تستطيع تنفيذ ما تريد أو أن عاطفتها وجدت في الشاب حباً غير متوقع.
في «الكلاب» لمارسيلا سعيد (تشيلي) هناك امرأة بين ثلاثة رجال: هناك والدها الذي تشاركه إدارة إحدى الشركات الناجحة والذي لا يعترف لها بقدرتها على إدارة العمل فيطلب منها توقيع عقود من دون أن تقرأها لأن مواد هذه العقود أعلى مستوى، كما يري، من قدرتها على الفهم.
وهناك زوجها حيث العلاقة بينهما لا تعدو أكثر من واجبات الحياة المشتركة. متعال ولا تراه الآن، إلا للاقتران به. خيط رفيع يربط بينهما هو بدوره ليس أكثر من عقد آخر.
الرجل الثالث هو ضابط سابق اسمه جوان تدور التحقيقات حوله كونه متهماً بالاشتراك في تنفيذ الاعتقالات والمذابح البشعة التي جرت في سنوات الأمس وقد يتم تقديمه للمحكمة. وفي حين أن العلاقتين الأولى والثانية ثابتتان فإن علاقتها بجوان، الذي يدربها على ركوب الفرس، تتطوّر. تقع في حبه لتكتشف أنه في النهاية ديكتاتوري النزعة. بذلك تكتشف أيضاً الوجوه الثلاثة للمجتمع الذكوري الذي يحيط بها.

في سراييفو
جزء من «الكلاب» يتعامل مع التيارات السياسية والماضي المتنازع عليه، كذلك الحال مع فيلمين خارج المسابقة هما «الرجال لا يبكون» و«في الذبول».
«في الذبول» لفاتح أكين قضية قضائية متعثرة تدلف كاتيا (دايان كروغر) إليها بعدما قُـتل زوجها على أيدي اثنين من المنتمين إلى النازية الجديدة. النتيجة دراما محاكم يديرها المخرج أكين جيداً لا تبتعد كثيراً عن طرح العنصرية كآيديولوجيا تمارسها الجماعات المتطرفة (الزوج القتيل مهاجر تركي). والمرء لا يبحث هنا عن إجابات لسد ثغرات السيناريو وترقيع ضعف النص أحياناً، بل للحالة السياسية من ناحية والأزمة العاطفية من ناحية أخرى. وبمقارنة هذا الفيلم مع «قتل عيسى» هناك استكمال طرح بينهما من حيث إن المرأة في كل الفيلمين هي التي تطلب العدالة وأن القتل تم لبواعث سياسية.
«الرجال لا يبكون» بدوره له شبيه سابق. ففي فيلم «موت في سراييفو» (2016) لدنيس تانوفيتش تمحور أحداث تلخص حال البوسنة وتاريخ الحروب الأهلية هناك داخل فندق. في الفيلم الجديد «الرجال لا يبكون» للبوسني الآخر ألن درلييفتش تمحور آخر داخل فندق ومراجعة مهمّـة ولا تخلو من الشوائب للصراع بين فرقاء الوطن اليوغوسلافي السابق تعبر عنه شخصيات تلتقي في ذلك الفندق الذي سيرمز إلى وطن لم يستقر بعد.
عربياً، وفي مسابقة «آفاق السينما العربية الجديدة» التي تحتوي على ثمانية أفلام، يبرز «اصطياد أشباح» للفلسطيني رائد أنضوني الذي يستجمع أيضا ذاكرة أحداث وقعت للمخرج عندما ألقى الإسرائيليون القبض عليه، حين كان فتى صغيراً وقادوه إلى مركز تحقيق.
المخرج نفسه يظهر في الفيلم وهو يطلب في إعلان منشور فلسطينيين من رام الله سبق لهم وأن تعرضوا للاستجواب في معتقل موسكوبيا في القدس المحتلة. عبر هؤلاء يقدم للمشاهدين الطريقة التي يقوم بها المحققون باستجواب المتهمين الفلسطينيين والتي تشمل الضرب والعنف والإذلال. رائد أنضوني طالما اشتغل على أفلامه من موقع من عليه إتقانها أولاً لكي يصبح إيصال الرسالة إلى المشاهدين مقنعاً وناجحاً وهذا ينجزه هنا أكثر مما فعل سابقاً.
«مطر حمص» لجود سعيد، الذي تحدثنا عنه سابقاً، مشترك في هذا القسم يمثل سوريا وهو الأفضل بين فيلمين سوريين. الثاني «طريق النحل» للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد. الأول أكثر ثراء في الصورة والشخصيات. الثاني أكثر تقليدية في هذين الشأنين وأضعف فيلم من بين أعمال المخرج المعروف.
خارج المسابقات، وفي عروض موازية نجد «جسد غريب» لرجاء عماري. دراما اجتماعية حول تونسية مهاجرة إلى فرنسا بطريقة غير مشروعة. ولأنها تجيد الفرنسية، كما أن الصدفة قادتها إلى المطارح المناسبة للمكوث، أولاً لدى شقة شاب مهاجر يعمل في مقهى، ثم إلى منزل الأرملة التي اسمها أيضاً سامية، والتي يدفعها فضول ما لمساعدة الفتاة بتشغيلها في منزلها بينما تغرف من ذكرياتها مع الزوج الذي أحبته ورحل.
بالنسبة لسامية اللاجئة، فإن إيجاد المأوى والعمل أسهل قليلاً مما يجب لكن لدى المخرجة رجا عماري مشاغل أخرى تعتبرها أهم. تسد المخرجة بعض ثغرات السيناريو بحسن معالجتها. حكاية مثيرة للاهتمام تتناول جانبا من موضوع المهاجرين غير الشرعيين ولو أن دور سامية كما تؤديها سارة هناشي مكتوب بنبرة لا تتغير كثيراً من وضع لآخر طوال النصف الأول من الفيلم على الأقل. الشغل الخلفي (تصميم مناظر، صوت، توليف وثلاثة مؤلفين موسيقيين) عادي وليس من النوع الذي يترك أثراً خاصًاً.

أفلام مصرية
وهناك ثمانية أفلام مصرية في قسم «السينما المصرية الجديدة» أفضلها بلا نزاع فيلم محمد حمّاد «أخضر يابس». يقدم المخرج، عبر معالجة ناضجة تنضح بلغة فنية ثابتة حكاية امرأة تقود الفيلم من دون أن تكون الممثلة التي تؤديها ذات خبرة أو باع طويل. هبة علي، التي تقوم بدور البطولة ظهرت في دور عابر في فيلم بعنوان «النبطشي» سنة 2014. وأسماء فوزي، التي تقوم بدور شقيقتها نهى لم تظهر في السينما مطلقاً من قبل. محمد حمّـاد ينجح في إدارة كلا الممثلتين وتهيئة المشاهد لقبولهما كنسيج من الحياة الاجتماعية خال من الوهج أو الزينة. فيلم يشبه حياتهما التي نراها بلا رتوش. حياة عارية كجدران منزلهما ومتعثرة كالسلحفاة في أحد المشاهد الأخيرة وقد انقلبت على ظهرها غير قادرة على النهوض.
القصّـة متقشفة الأحداث: إيمان (علي) وشقيقتها نهى (فوزي) تعيشان معاً في بيت من دون والديهما اللذين توفيا قبل حين. إيمان، التي يتبنّـى الفيلم حضورها الدائم في كل مشهد تقريباً، تغادر البيت صباحاً لتعمل في محل حلويات. تقطع جسر مشاة تمر من تحته حياة الآخرين معبأة في قطارات وسيارات.
بقدر ما هو عن حياة امرأة وحيدة ومثقلة بهمومها، هو أيضاً عن المدينة التي ما عادت تنبض الحياة كما كانت والتي باتت تخيب الرجاء. إلى حد، كان الراحل عاطف الطيّب، خاض هذا الغمار في فيلمه «سواق الأتوبيس» حيث كان على نور الشريف العمل والبحث عن مصدر مالي بين أقاربه بينما تصوّر الكاميرا المدينة الباردة. هنا، نجد الشخصيات المحيطة بإيمان غالباً ما تريد الاكتفاء بأقل قدر من المسؤوليات والهموم. هي وحيدة وسينتهي الفيلم بها على ذلك الوضع. لا نراها في أي وضع يعكس صورة مخالفة. لن ترتسم على وجهها أي ابتسامة، وليس لديها ما تقوله لسواها سوى أقل قدر من الكلمات. حياتها منهكة وتضحيتها كبيرة. قطار الزواج يمضي عنها وهي تعد العدّة لزواج شقيقتها الأصغر منها. وإذ يكثر المخرج من صورها وهي في قطارات القاهرة يعكس وضعها برمزية واقعية وشفافة. هي من البيت للدكان ومن الدكان للبيت كما القطار بين محطتين: يزاول الانتقال بينهما ولا يتقدم في أي اتجاه.
الفيلم التسجيلي «جان دارك مصرية» لإيمان كامل يفقد بوصلته باكراً. يدور حول فنانة اسمها جيهان سعت لنيل حريتها في اختيار مستقبلها الفني. الفيلم بالتالي رحلة بحث تقود المخرجة لإجراء مقابلات مع فنانات أخريات كما تعود إلى ذكرياتها المنشورة. البحث يحرك الفيلم بثبات لتحقيق دوره في تناول وضع المرأة (خصوصاً الفنانة) في مصر اليوم، وكيف أن الوضع الاجتماعي تأخر بها عن مواكبة طموحاتها المشروعة. للأسف نوايا الفيلم تغطي خانة إبداعه. سينمائياً محدود الأفكار وفيه الكثير من شخص المخرجة ما يحول دونها وتحقيق عمل يتمحور فعلاً حول كفاح المرأة لكسب معركتها ضد التقاليد والمتوارث من المفاهيم.
الفيلم الذي نال أكثر مما يستحق من مدح في هذه المجموعة المتوفرة للعرض هنا هو «على معزة وإبراهيم» لشريف البنداري الذي يدور حول حب شاب اسمه علي (على صبحي) لمعزة سماها ندى ومن أجلها ينطلق مع صديق له في رحلة بصحبتها. لكل منهما مشاكله لكن «ندى» تبقى المشكلة الأكبر.
إذ تنبع الفكرة من وضع مثير بحد ذاته (علي ومعزته) هناك قلة حيلة عندما يصل الأمر إلى التنفيذ: كم من مرة على علي تنبيه إبراهيم أن المعزة اسمها «ندى» ولا يمكن مناداتها بغير ذلك الاسم ولا معاملتها كحيوان؟ كم من مرّة ستستمع مناوشاتهما حول هذا الموضوع؟ كل شيء لدى علي يشي بأنه إنسان طبيعي، كيف لنا تفسير ذلك الهيام بمعزة؟ خلل نفسي؟ عاطفي؟ جنون؟ بالنسبة لإبراهيم فإن لا شيء يدور في سماء حياته سوى ذلك الصوت الذي يزور رأسه ورؤوسنا (من خلال سماع أزيزه العالي) على حين غرّة. استخدام صوت مفروض علينا لكي نعرف أنه هو الصوت الذي يسمعه إبراهيم الآن من بين الحلول الركيكة سينمائياً. حل تستخدمه بعض أفلام الرعب، لكنه استخدام مفتعل في أفضل حالاته.


مقالات ذات صلة

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».