باريس تدعو للحوار مع طهران... بعد {أزمة التصريحات}

الرئيس ماكرون يدعو لسياسة إقليمية إيرانية «أقل عدائية»

الرئيس الفرنسي مع رئيس الوزراء السويدي أثناء زيارتهما لمصنع سيارات فولفو في غوتنبرغ السويدية أمس (رويترز)
الرئيس الفرنسي مع رئيس الوزراء السويدي أثناء زيارتهما لمصنع سيارات فولفو في غوتنبرغ السويدية أمس (رويترز)
TT

باريس تدعو للحوار مع طهران... بعد {أزمة التصريحات}

الرئيس الفرنسي مع رئيس الوزراء السويدي أثناء زيارتهما لمصنع سيارات فولفو في غوتنبرغ السويدية أمس (رويترز)
الرئيس الفرنسي مع رئيس الوزراء السويدي أثناء زيارتهما لمصنع سيارات فولفو في غوتنبرغ السويدية أمس (رويترز)

ترفض المصادر الرسمية الفرنسية الحديث عن «نشوب أزمة» بين فرنسا وإيران، كما توحي بذلك التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية جان إيف لو دريان من الرياض، أول من أمس، والرد الذي جاء عليها من طهران، أمس. الوزير الفرنسي تحدث، خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره السعودي عادل الجبير، عن مخاوف بلاده من «نزعة الهيمنة» الإيرانية، كما تتبدى من خلال البرامج الصاروخية والباليستية الإيرانية، ومن خلال سياسات طهران الإقليمية المزعزعة للاستقرار. ولم يتأخر الرد الإيراني، أمس، على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية باهرام قاسمي الذي اتهم باريس بـ«التحيز» وبـ«تأجيج النزاعات» في المنطقة. وقال قاسمي: «للأسف يبدو أن لفرنسا رؤية أحادية الجانب ومنحازة تجاه الأزمات والكوارث الإنسانية في الشرق الأوسط، وهذا النهج يساعد عمداً أم غير عمد بتأجيج الأزمات الكامنة». واعتبر قاسمي أن المخاوف الفرنسية «غير مطابقة للوقائع الإقليمية وهي تقود (فرنسا) في الاتجاه الخاطئ».
ويجيء التصعيد بين البلدين بينما يخطط الوزير لو دريان لزيارة طهران. لكن هذه الزيارة التي كان مقرراً لها أن تحصل قبل نهاية الشهر الجاري يبدو أنها أصابها التأجيل، إذ إن مصادر دبلوماسية واسعة الاطلاع في الخارجية الفرنسية تتحدث اليوم عن حصولها نهاية العام، وعزت التأخير إلى الحاجة إلى إيجاد موعد «يلائم الطرفين».
حقيقة الأمر أن أجواء العلاقات بين العاصمتين قد تدهورت، رغم أن المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، أمس، ما زالت تؤكد أن طهران «شريك»، وأن باريس راغبة في استمرار التعاون معها. وتؤكد المصادر المشار إليها أن السبيل إلى ذلك الاستمرار في الحوار السياسي «الصريح» حول كل المسائل السياسية وغير السياسية، فضلاً عن تأكيد رغبة فرنسا في «مواكبة» الاقتصاد الإيراني، الأمر الذي يعني الاستفادة من الفرص التي يطرحها والتي بدأت الشركات الفرنسية مثل «توتال» النفطية أو شركات صناعة السيارات والطائرات في اقتناصها. ورغبت باريس، بعد الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وفيه هاجم إيران بقوة وندد بالاتفاق النووي الذي وقّعته واشنطن وصادق عليه مجلس الأمن الدولي، أن تلعب دور الوسيط. ولذلك، فإن الرئيس ماكرون اقترح وقتها أن يزور طهران أوائل العام القادم وأن يرسل سريعاً وزير خارجيته. وعمد ماكرون إلى تقديم مقترحات تقوم على المحافظة على الاتفاق النووي ولكن «استكماله» بتفاهمات حول النقاط الخلافية التي أثارها ترمب. كذلك اقترح ماكرون أن يفتح ملف البرامج الصاروخية والباليستية مع إيران عبر الأمم المتحدة، وكذلك مناقشة سياسات إيران الإقليمية والاتهامات المساقة إليها، والتي تبناها الوزير لو دريان جزئياً تحت مسمى «الهيمنة». لكن «القشة التي قصمت ظهر البعير» تتمثل في حديث باريس عن فرض عقوبات اقتصادية على طهران في الملفين المشار إليهما، اقتداءً بالملف النووي، إذ إن ثمة قناعة بأنه لولا العقوبات الاقتصادية لَما قبلت طهران التفاوض ولا التوقيع على اتفاق «يجمّد» برنامجها النووي. وسبق لكبار المسؤولين الإيرانيين بمن فيهم المرشد الأعلى أن «رفضوا» إعادة التفاوض على الاتفاق النووي، وهو ما لا تطرحه باريس. كذلك رفضوا، علناً، مناقشة برنامجهم الصاروخي لأنه غير مشمول بالاتفاق المذكور وفق المنطق الإيراني وبالتالي غير معنيٍّ بالقرار الدولي رقم 2231.
مع اشتداد التصعيد، بدت باريس كأنها طرف ولم تعد وسيطاً. وترجح المصادر الفرنسية التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، أمس، أن يكون أكثر ما أغاظ إيران «اقتراب باريس من المواقف السعودية»، كما انعكس في تصريحات الوزير لو دريان، أول من أمس، في حديثه عن «نزعة الهيمنة» الإيرانية وعن القلق الفرنسي لجهة هز الاستقرار في بلدان المنطقة ومنها لبنان. لذا، فالسؤال المطروح اليوم: إلى أين تسير العلاقات الفرنسية - الإيرانية؟ وما الأدوات التي تستطيع باريس الركون إليها للتأثير على المواقف الإيرانية؟
تقول المصادر الفرنسية إنه «من المهم أن تفهم إيران أن مصلحتها تكمن في تغيير سياساتها التي تبدو في بعض جوانبها استفزازية». ووفق تحليلها، فإن التهديدات الأميركية بالخروج من الاتفاق النووي وترك الأبواب أميركياً مفتوحة أمام «كل الخيارات» يتعين أن تدفع السلطات الإيرانية إلى «التفاهم» مع فرنسا وأوروبا بشكل عام، وبالتالي أن تستجيب لمطالبها الخاصة بالباليستي وبالسياسات الإقليمية. وتضيف هذه المصادر أن باريس، من خلال تمسكها بالمحافظة على الاتفاق النووي، تسدي «خدمة» إلى طهران التي تتخوف من أن تعمد الإدارة الأميركية إلى الإطاحة به. وبشكل عام، تعتبر باريس أن سعي الرئيس ترمب ليس فقط إلى الخروج من الاتفاق بل أيضاً احتواء النفوذ الإيراني ومجابهته يحتم على طهران أن تكون أكثر استماعاً وتفهماً لمطالب الأوروبيين. وكانت باريس، كغيرها من الدول الكبرى، قد راهنت على أن الاتفاق ورفع العقوبات جزئياً سيحفزان قادة طهران على اتباع سياسة «معتدلة» و«أكثر اتزاناً». والحال أن هذا التحول لم يحصل وما زالت إيران تعمد، وفق التصور الفرنسي، مباشرة أو بالواسطة، إلى تنفيذ سياسات تهز الاستقرار وتوتِّر العلاقات في منطقة الخليج واليمن ولبنان وسوريا، بينما تصريحات مسؤولين كبار بينهم الرئيس حسن روحاني حول إمساك طهران بزمام القرار في 4 عواصم عربية وفي دول أخرى في شمال أفريقيا، زادت الشكوك في خططها كما في سعيها لفتح «ممر» لها من طهران إلى المتوسط.
رغم هذه المعطيات، لا تريد باريس تبديد ما نسجته من علاقات مع طهران. وبدا ذلك بوضوح في كلام الرئيس الفرنسي ماكرون في مدينة غوتنبرغ «السويد» بمناسبة مشاركته في القمة الأوروبية. وقال الرئيس الفرنسي في المؤتمر الصحافي رداً على سؤال، إنه «راغب» في استمرار الحوار مع إيران، واعتبر أن ردة الفعل الإيرانية (على تصريحات لودريان) «تنمّ عن جهل بالموقف الفرنسي»، مؤكداً أن باريس «متمسكة بنهج بناء السلام، ولا تتدخل في الانقسامات الحاصلة محلياً أو إقليمياً، ولم تختر معسكراً ضد آخر، حيث هناك من يسعى إلى اجتذاب القوى الغربية إلى التناقضات المتزايدة بين السُّنة والشيعة». وحسب الرئيس الفرنسي فإن دور بلاده هو «الحديث إلى الجميع» وأن مصلحة الجميع هي «السعي لتوفير الهدوء». لكن ماكرون اعترف بأن لإيران سياسة إقليمية عدائية بقوله إنه «يتمنى أن تكون لإيران سياسة إقليمية أقل عدائية، وأن نستطيع توضيح سياستها الباليستية الخارجة عن السيطرة».
وفي هذا السياق، فإن المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط» كررت الرغبة في «التحاور مع طهران بشأن كل الموضوعات الخلافية». لكن هذا الحوار تريده «صريحاً» و«متطلباً» بمعنى أن الطرف الفرنسي لم يعد يريد الاكتفاء بالتطمينات والنيات. وبالطبع، تَعتبر باريس أن ثمة «مروحة واسعة» من الأدوات التي يمكن اللجوء إليها، وأولاها الضغوط السياسية وتعبئة الاتحاد الأوروبي ودول أخرى (باعتبار أن الولايات المتحدة الأميركية معبأة سلفاً ضد إيران) للانضمام إليها في الضغط على طهران. كذلك تستطيع باريس تحريك الأمم المتحدة والمطالبة مثلاً بعمليات تفتيش لمواقع الصواريخ الإيرانية، معتمدةً على تفسير موسع للقرار الدولي رقم 2231 إلى «صادق» على الاتفاق النووي الذي يتضمن فقرة عن برنامج الصواريخ. وإذا آل كل ذلك إلى الفشل، فهنالك التلويح بالعقوبات الاقتصادية التي لن يكون فرضها سهلاً لا على المستوى الأوروبي (بسبب الحاجة إلى الإجماع بين الدول الـ27 وهو غير متوافر) ولا في مجلس الأمن بسبب روسيا والصين. من هنا، تظهر أهمية زيارة الوزير الفرنسي إلى طهران في الأسابيع القادمة وبعدها زيارة ماكرون إذا لم يدفع التصعيد المستجد بين العاصمتين إلى صرف النظر عنها، لجلاء المسارات التي ستسلكها العلاقة مع إيران.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.