الأمير محمد بن سلمان يطلق مشروع «نيوم» باستثمارات 500 مليار دولار

قال: سنبني أكبر من سور الصين بألواح شمسية... وعناصر النجاح موجودة لإقامة شيء عظيم داخل السعودية

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي يتحدث في منتدى «مبادرة مستقبل الاستثمار» بالرياض أمس (رويترز)
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي يتحدث في منتدى «مبادرة مستقبل الاستثمار» بالرياض أمس (رويترز)
TT

الأمير محمد بن سلمان يطلق مشروع «نيوم» باستثمارات 500 مليار دولار

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي يتحدث في منتدى «مبادرة مستقبل الاستثمار» بالرياض أمس (رويترز)
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي يتحدث في منتدى «مبادرة مستقبل الاستثمار» بالرياض أمس (رويترز)

أكد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد السعودي نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، أمس، أن الإرادة السياسية القوية، والرغبة الشعبية القوية، تمثلان عناصر نجاح تقود إلى إقامة شيء كبير وعظيم داخل السعودية، وذلك بعد إعلانه إطلاق مشروع «نيوم» الذي يمتد على ساحل البحر الأحمر، ضمن ثلاث دول، هي السعودية، ومصر، والأردن، بحجم 500 مليار دولار.
وقال الأمير محمد بن سلمان، خلال جلسة نقاشية ضمن «مبادرة مستقبل الاستثمار» أمس في الرياض: «هناك اليوم فرص خيالية في المشروع، وقدرة استثمارية ضخمة جداً مستهدفة بحجم 500 مليار دولار... موقع مميز بين ثلاث قارات، و10 في المائة من التجارة العالمية تمر من البحر الأحمر بجوار الموقع، إضافة إلى طبيعة خلابة؛ جبال ووديان وسهول وشواطئ وجزر، وفي الشتاء الجبال تكسوها الثلوج، وفي الصيف الجو معتدل أقل بعشر درجات من بقية العواصم والمدن الخليجية».
وأضاف أن الإرادة السياسية قوية، والرغبة الشعبية قوية، وكل عناصر النجاح موجودة لخلق شيء كبير وعظيم داخل السعودية. وتابع: «بعد وجود كل هذه الفرص والمقومات وأرض شبه خالية بدأنا نفكر لماذا نبني مدينة بشكل تقليدي. لدينا فرصة ننتقل بها إلى جيل جديد من طريقة الحياة، فبدأنا نبحث عن العديد من الشركات والمستثمرين ورواد الأعمال لبلورة كل الأفكار واستغلال هذه الفرص والقدرة الهائلة لخلق شيء جديد في العالم، ولدينا اليوم مجموعة من الأصدقاء عملنا معهم الفترة الماضية على هذا المشروع، والبعض يريد بناء أكبر ألواح طاقة شمسية في العالم، وتخطيط المشروع، وعدد الروبوتات في المشروع أكثر من عدد البشر».
وشدد على أن «أهم عنصر هو الشعب السعودي ورغبته، فالشعب الذي يعيش في هذه الصحراء لديه الكثير من القيم والمبادئ والركائز». وقال: «سنبني أكبر من سور الصين العظيم ولكن بألواح شمسية... وأكبر عنصر لدينا في مشروع (نيوم) الإنسان السعودي، ولديه خصلتان مهمتان، الدهاء وهو ما جعله يعيش في صحراء صعبة، والثانية عزيمة جبارة تجعله يقاوم أي شيء، ويصل لأي أمر يريد الوصول إليه، واليوم لدينا شعب مقتنع نعمل معه بشكل قوي للوصول بالسعودية ومشاريعها إلى آفاق جديدة في العالم».
وتطرق إلى أن موقع مشروع «نيوم» فيه شمس كافية جداً لإنتاج الطاقة، وفيه رياح تعتبر من أفضل المواقع في الشرق الأوسط للرياح، ويمكن استخراج أكثر من مائتي ألف برميل من النفط من الموقع نفسه، غير الموارد العالية من الغاز. وتابع: «هناك تسعة قطاعات سيركز عليها المشروع، وفرص كثيرة جديدة نعمل عليها، ونحاول ألا نعمل إلا مع الحالمين، لأن هذا المشروع ليس مكاناً لأي مستثمر أو أي شركة تقليدية. المشروع فقط للحالمين الذين يريدون خلق شيء جديد في هذا العالم».
وذكر الأمير محمد بن سلمان، أن مخطط المدينة بتقنيات الغد بدأناه من الصفر، مثلاً طائرات «الدرون» تكون من وسائل النقل في المدينة، وهناك أمور كثيرة تراعى في تخطيط المدينة لأساليب النقل، ولا يمكننا الجزم اليوم هل ستكون في المدينة سيارات، أو سيارات من دون قائد، أو لا توجد سيارات بتاتاً، وتعتمد على تقنيات أخرى؟ وهذا ينطبق على بقية القطاعات، فهناك فرصة للتخطيط من الصفر لبناء مدينة جديدة.
وقال: «نستهدف القطاعات الجديدة التي فيها ريادة من خلال دعمها وإنشائها. هناك قطاعات تقليدية مثل الترفيه نحاول تقديمها بشكل مختلف، وهناك قطاعات غير تقليدية. نستهدف تسعة قطاعات كما ذكرت، نريد أن تكون لدينا حصة جيدة في المستقبل».
وشدد على أهمية «رؤية السعودية 2030». وقال: «إذا لم تكن رؤية المملكة فلم أكن لأجلس هنا. إنها القدرة على القيام بالعمل والإنجاز، وهذا محور مهم، وأعتقد أننا لن نجد مميزات مثل مشروع (نيوم) في أي مكان على وجه الأرض تتجمع فيه كل هذه المزايا. 70 في المائة من الموجود في العالم موجود في هذا المكان».
وأضاف أن السعودية لديها البترول والغاز، ولديها ثروة جديدة هي الشمس والرياح. وتابع: «يمكن أن ننتج الطاقة، ولن نستخدم الوقود الأحفوري إطلاقاً، وسنحسن جودة الحياة بما يخدم البشرية كلها».
وشدد على أن الحلم سهل، لكن تحقيقه صعب جداً، فالتخطيط جديد وليس موجوداً في أي مكان في العالم، في الوقت نفسه يحتاج إلى استثمار طويل، وهذا جزء من التحدي، إنجاز شيء جديد في وقت قصير وتحت الضغط وتقديم إبداع جديد. وأضاف: «لا نريد أن نرى أنفسنا بعد 15 سنة فوتنا فرصاً كان يمكن أن نبدأها الآن، هذا تحدٍ يقلقني، لكن بلا شك بالعمل ومشاركة الكثير من العالم والسعودية سنجتاز هذا التحدي».
وأضاف: «أنا واحد من 20 مليون نسمة، ولا شيء من دونهم، فهم من يحفزونني، وسوف يخلقون بلداً مختلفاً تماما، ويضعون بصمتهم في العالم، وما يطمئن أن 70 في المائة من الشعب لديهم شغف وطموح كبير جداً على المستوى الشخصي والوطني والحرص والدقة والاحترافية والذكاء العالي جداً لتحقيق المستحيل».
وأكد أن العالم لن ينتظر للحاق به، ولا بد من أن نكون جزءاً من صنع التطور، فالمدينة ستقوم على أحدث الأساليب، والفرصة خيالية، لأن المنطقة شبه خالية، وتوجد أحلام كثيرة من القيادة والشعب وشركائنا. آلاف الأحلام سوف تنشأ في مشروع «نيوم»، والجميع يستطيع أن يتخيل كيف ستكون مدينة إذا بدأت من الصفر وألغيت فكرة المدن التقليدية... أشياء كثيرة يمكن أن تحدث.
ولفت إلى أن الطلب على النفط ليس فقط على الطاقة... هناك البتروكيماويات وغيرها، ونعتقد أن الطلب على الطاقة في ازدياد كبير جدا في المستقبل، ولا نعتقد أن الطلب على النفط سينخفض، بل سيتزايد خلال الفترة من 2030 إلى 2040، ولن ينهار بعدها بشكل مباشر، ولننظر للفحم فإن مؤشر الطلب عليه حتى الآن مستمر في النقطة العليا التي وصل لها، واستخدام الطاقة الشمسية لا يعني أنها ستؤثر على النفط.
ووجّه رسالة مفادها: «أقول لمن لا يستطيع أن يحلم فلا يأت إلينا ولا يتفاوض معنا، فقط مرحب بالحالمين الذين يريدون صنع عالم جديد... لدينا طموح كبير، وحريصون على العمل معهم، ونرحب بأي شركاء جدد في هذا المشروع».
وذكر أن في السعودية أربع مناطق مسجلة على خريطة العالم هي الرياض ومكة المكرمة والشرقية والمدينة المنورة، واليوم نهنئ المنطقة الخامسة، وهي تبوك، واعداً جميع المناطق بأن يحدث فيها نقلة نوعية.
إلى ذلك، أكد ماسايوشي سون، رئيس مجلس الإدارة في «سوفت بانك»، أن «نيوم» فرصة عظيمة. وتابع: «الأمير محمد بن سلمان أقنعني بالمشاركة في المشروع. في البداية لم أفهم، ولكن عندما زرت الموقع رأيت شيئاً عجيباً، لا يمكن تأسيس مدينة واحدة، ولكن تكون لدينا مدينة جذرية لنستطيع توسيع الثروة والسعادة والرفاهية للمملكة».
وأضاف أن هذا الأمر يمكن أن يحدث باستخدام تقنية عالية المستوى تتيح حياة مناسبة للبشر مع استخدام التقنية الحديثة، في ظل الطبيعة والشواطئ الجميلة وتوفّر فرص عمل، مشيراً إلى إمكانية توليد الطاقة الشمسية. وقال: «أعطى الله المملكة النفط والشمس وهي هدية عظيمة».
وأشار إلى أن «نيوم» ستؤسس من الرمل إلى وادي السليكون إلى الألواح الشمسية وتوليد الكهرباء، وستستخدم الطبيعة من أجل مصلحة المملكة. وأكد أن 3 في المائة من الأرض في السعودية ستقدم 50 في المائة من الكهرباء للعالم أجمع من الطاقة الشمسية.
من جهته، قال ستيفن شوارزمان، رئيس مجلس الإدارة الرئيس التنفيذي المؤسس المشارك في «بلاكستون»، إن «القادة العظام هم الذين يؤسسون ويخلقون النتائج العظيمة، والتحول الذي يحدث في السعودية أمر مدهش ورائع. نستخدم التقنية الحديثة من خلال استخدام الفندقة أو القدرة على الصيانة، وبعض الصناعات الخفيفة».


مقالات ذات صلة

الاكتفاء الغذائي السعودي… «درع سيادية» في مواجهة عاصفة «هرمز»

خاص إحدى المزارع في السعودية (المعرض الزراعي السعودي)

الاكتفاء الغذائي السعودي… «درع سيادية» في مواجهة عاصفة «هرمز»

في ذروة أزمة «هرمز»، نجحت استراتيجية الأمن الغذائي السعودي في تحويل التحديات العالمية إلى استقرار محلي مستدام.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس) p-circle 00:33

تحليل إخباري الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة محمد شهباز شريف للمملكة تجسيداً لعمق العلاقة

جبير الأنصاري (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

تشهد بيئة الأعمال في السعودية تطوراً متسارعاً؛ مدعوماً بحزمة من الإصلاحات والخدمات الرقمية المتكاملة، حيث تجاوز عدد الخدمات المقدمة 18 مليون خدمة.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)

«مجلس الشؤون الاقتصادية» السعودي يستعرض حصاد «رؤية 2030» لعام 2025

عقد مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية اجتماعاً عبر الاتصال المرئي. وتابع نتائج عدد من الملفات بما فيها «رؤية 2030».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.