من أم «الفحم» إلى أم «النور»..!

مسيرة طويلة من العمل والكفاح تقابلها إسرائيل بمخطط ترحيل

من أم «الفحم» إلى أم «النور»..!
TT

من أم «الفحم» إلى أم «النور»..!

من أم «الفحم» إلى أم «النور»..!

تقدم قائد الجيش الإسرائيلي نحو مختار الإغبارية عام 1948، وطلب منه أن يجتمع معه في بيته مع وجهاء بلدة أم الفحم، بشمال غربي فلسطين، ثم وقف وقال: «لقد حكمتْ إسرائيل هذه البلاد قبل 2.000 سنة، وها هي قد عادت وحكمتها، وما لكم إلا التعاون معنا، فلكم ما لنا، وعليكم ما علينا، لكم حقٌ وعليكم واجب. شالوم». وهكذا أصبحت «أم الفحم» تحت السيطرة الإسرائيلية، جزءاً مما يعرف بـ«فلسطينيي 48». إلا أن القيادة الإسرائيلية غيرت اليوم رأيها، وهي تريد التخلص منهم.
لا توجد بلدة في إسرائيل «تحظى» بالعناوين المثيرة مثل مدينة أم الفحم. ساسة اليمين الحاكم يذكرونها باستمرار وكأنها «لعنة»... ووسائل الإعلام تنجرف وراءهم.
يستخدمونها «غذاءً» لمشاريعهم السياسية وسلماً للشهرة والكسب السياسي.
بدأ ذلك الحاخام اليميني الفاشي مئير كهانا، الذي أسس حزباً جديداً له عام 1984 يدعو إلى طرد الفلسطينيين مواطني إسرائيل إلى الخارج، حتى يخفف من الخطر العربي الديمغرافي، فقرر زيارتها، لكي يقترح على سكانها «الرحيل السلمي» مقابل المال.
يومها قال كهانا: «أريد أن ألتقي بهم وأقترح عليهم أن يغادروا من خاطرهم، ونحن نوفر لهم الأموال الكافية لإقامة موطن لهم في أي دولة يختارونها». وحضر فعلاً يوم 29 أغسطس (آب) 1984، ولكن تصدى له الألوف من المواطنين من البلدة وغيرها، ومنعوا دخوله. ووقعت مواجهات عنيفة بين المتظاهرين والشرطة الإسرائيلية، التي حضرت لحمايته بوصفه عضواً في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، نتج عنها العديد من الإصابات في صفوف الطرفين.
ومضت السنون وقتل كهانا خلال اجتماع سياسي له في الولايات المتحدة عام 1990. واحتل مكانه زعيم آخر في اليمين المتطرف، اسمه باروخ مارزل، فسار على طريق سلفه. واختار مارزل استفزاز أم الفحم من جديد لكسب الشهرة، فقرر هو الآخر زيارتها. ويوم 24 مارس (آذار) من عام 2009، جاء مارزل إلى أم الفحم برفقة العشرات من مؤيديه، تحت العنوان نفسه «إقناع أهاليها بالرحيل مقابل المال». وأضاف نصيحة لهم مضمونها تهديدي هو «إن لم ترحلوا بخاطركم فسنضطر إلى ترحيلكم آجلاً أم عاجلاً». وبالمقابل خرج المئات من سكان أم الفحم والمنطقة لمواجهتهم. وكالعادة تولت الشرطة الإسرائيلية حماية التظاهرة الاستفزازية، وألقت القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع على أهالي أم الفحم، ورشت عليهم المياه العادمة لتفريقهم.
وراقت هذه الفكرة لأوساط أخرى في اليمين الإسرائيلي، فقام أفيغدور ليبرمان، وزير الدفاع في الحكومة الحالية بتطويرها. وليبرمان هو ابن حزب الليكود، وشغل ذات مرة منصب الأمين العام فيه، ثم صار مديراً عاماً لديوان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عام 1996، ثم أسس حزباً جديداً عام 1999 سماه «إسرائيل بيتنا»، وأصبح لاحقاً وزير خارجية في حكومة بنيامين نتنياهو الثانية عام 2009. وفكر ليبرمان ببساطة تتلخص في التخلص ليس من أم الفحم وحدها، بل من كل بلدات منطقة المثلث، عبر ما يسميه «تبادل السكان». ووفق هذه الخطة تضم إسرائيل غالبية المستوطنات اليهودية في القدس والضفة الغربية إلى تخومها، وبالمقابل يجري تعديل الحدود لتصبح هذه المنطقة، من أم الفحم شمالاً وحتى كفر قاسم جنوباً، جزءاً من الدولة الفلسطينية العتيدة.
واللافت أن حتى رئيس الوزراء نتنياهو أعرب عن تبنيه هذه الخطة في الشهور الأخيرة. ونتنياهو فنان في استخدام قضية العداء للعرب لكسب الأصوات اليمينية. فما هو مرد هذا العداء لأم الفحم؟
ولماذا يجعلها اليمين عنواناً لسياسته العدائية للعرب؟
ما هي هذه المدينة؟ وما الذي يميزها؟

نبذة تاريخية
تعتبر أم الفحم واحدة من أقدم البلدات في فلسطين. فحسب المكتشفات الأثرية التي عثر عليها في تخوم البلدة وضواحيها؛ يتضح أنها قائمة منذ آلاف السنين. منذ العصر الكنعاني مروراً بالعصور اليونانية والرومانية والبيزنطية إلى العصر العربي الإسلامي. إذ اكتشفت مقابر تعود إلى العصر الكنعاني في منطقتي خربة الغطسة وعين الشعرة (أو الشعرا). ويدل هذا على أن تاريخها يعود إلى ما يقارب 5.000 سنة. كما اكتشفت آثار لخانٍ قديم ونقود عربية يعود تاريخهما إلى العصر الأموي. ووفقاً لهذه المكتشفات، فإن الاستيطان البشري الكنعاني في أم الفحم وضواحيها بدأ حوالي العام 3000 ق.م، وورد اسمها لأول مرة عام 1265م أثناء حكم المماليك بوثيقة توزيع الممتلكات التي أجراها السلطان الظاهر بيبرس بين جنوده، وكانت أم الفحم من نصيب الأمير جمال الدين آقوش النجيبي نائب السلطنة.
أما في العهد العثماني، فكانت أم الفحم واللجون وجنين ضمن نفوذ الأمير أحمد بن علي الحارثي، وقد عرفت بـ«البلاد الحارثية» التي امتدت من صفد في أعالي الجليل عبر منطقتي اللجون وجنين وحتى أبواب يافا.
وبعد سقوط الإمبراطورية العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى؛ احتلت القوات البريطانية بلاد الشام عام 1917م، فَارِضَة عليها الحكم العسكري. ويوم 9 ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه دخلت مدينة القدس بقيادة الجنرال إدموند أللنبي. وبقيت فلسطين تحت الحكم العسكري حتى نهاية شهر يونيو (حزيران) عام 1920م، ثم حولتها بعد ذلك إلى الحكم المدني، وعينت السير هربرت صمويل مندوباً سامياً لها على فلسطين حتى عام 1925م، ولقد تبعه ستة مندوبين آخرين، حتى العام 1948م.

فترة الانتداب
وفقاً للتقسيم الإداري لفلسطين بين عامي 1920م و1948م، تبعت أم الفحم قضاء جنين، وكانت تعد من أكبر قراه. وشارك أهالي أم الفحم في الثورات التي حدثت إبان فترة الانتداب، وأبرز هؤلاء الثوار يوسف الحمدان وأحمد الفارس وعلي الفارس الذين قاتلوا مع قائد المنطقة يوسف أبو درة. وقدم أهالي أم الفحم الكثير من أبنائهم، الذين استشهدوا عند مقاومتهم للاحتلال البريطاني. وشاركوا في الاحتجاجات والاضطرابات في أواخر 1922م. وفي العام 1935م فوجئ أهالي أم الفحم بمقتل الشيخ عز الدين القسام على مقربة من بلدهم في جبال يعبد، ورأوا لأول مرة طائرة تحلق فوق أم الفحم، فخرج شيوخها وشبابها وأطفالها ليشاهدوها، ولم يعلموا أنها كانت تحلق لإعطاء الإشارة للجنود للتقدم نحو مكان الشيخ عز الدين القسام بهدف اغتياله.
وفي أبريل (نيسان) 1936م أُعلن الإضراب العام في فلسطين، فعاد قسمٌ كبيرٌ من أهالي أم الفحم من حيفا التي كانوا يعملون فيها. وشارك أهالي البلدة بنشاط في الإضراب والمظاهرات التي تخللته، وفي العمليات المسلحة التي أعقبتها. وأصبحوا يطلبون السلاح، فكان الفلاح في أم الفحم يبيع فرسه أو بقرته ليشتري بندقية، وكانت أكثر البنادق المتوافرة إذ ذاك قديمة الطراز، إما كانت ألمانية أو «عصملية» (عثمانية)، والقليلٌ من البنادق «الإنجليزية».
وفي أوائل شهر أغسطس (آب) 1936م وقعت إحدى أكبر المعارك في جبال أم الفحم الممتدة من عرعرة، ثم خلة الحمارة فالعرائش إلى عراق الشباب. واستحكم آخرون في جبال الروحة من البيار حتى عَين إبراهيم، واستنجد الجيش بالطائرات فأخذت تقصف أطراف أم الفحم، وتحديداً عند حي عين خالد، واستشهد في هذه المعركة العشرات من أهالي عرعرة واليامون وسيلة الحارثية ورمانة.
وعندما تأجج لهيب الثورة قدم إلى أم الفحم القائد فوزي القاوقجي، ليقوم بدوره بمساعدة الثوار الفلسطينيين في جبال نابلس. وعرض عليهم القاوقجي الوحدة تحت قيادة واحدة، فعينوا اجتماعاً لذلك وكان في منطقة أم الفحم، وتحديداً في المعلقة، بما أنها قريبة من الشارع العام المار بوادي عارة ليتسنى لهم مراقبة الجيش عن كثب.
ووقعت معارك عديدة بعدها بين ثوار أم الفحم ومنطقتها وبين القوات البريطانية. واضطر الجيش البريطاني إلى بناء معسكر له على قمة جبل إسكندر، أعلى نقطة في البلدة. واشتهرت في تلك الفترة من عام 1938 حادثة، حيث أقدم الثوار على قتل جنديين. فانتقم البريطانيون بإطلاق النار عشوائياً على بيوت البلدة فقتلوا وجرحوا بعض الأهالي، ثم جمعوا رجال أم الفحم في ساحة الميدان، وقدم قائد المعسكر وأمر جنوده بإهانة الرجال. كما أخذوا 40 رجلاً منهم إلى مكان حادثة القتل قرب عين النبي، وأمروهم بالدوس على ألواح الصبر الشائكة، وهم حفاة، فسالت دماؤهم في الشارع، وبعد ذلك قصفت القوات البريطانية بعض بيوت البلدة، وباشرت جولات من الاعتقالات. ولم تتوقف أعمال الانتقام هذه إلا بانتهاء فترة الانتداب البريطاني في أواسط مارس (آذار) عام 1948م، عندما غادر مركز شرطة اللجون آخر شرطي بريطاني.

نهاية الانتداب البريطاني
بعد رحيل الانتداب البريطاني عن فلسطين تُركت البلاد في فوضى؛ إذ لا قانون ولا سلطة، فأصبحت العائلية و«الحارتية» (نسبة إلى الحارة) هي البديل المؤقت. وبهذا اجتمع زعماء أم الفحم وقراها لانتخاب لجنة قومية، فطالبوا الهيئات المشرفة على القيادة في فلسطين بإقامة لجنة قومية خاصة بأم الفحم ومنطقتها معترفٌ بها وبكل ما يصدر عنها فلبي الطلب، وقد أصدرت بطاقات هويات شخصية لأهالي أم الفحم ومنطقتها؛ فأصبح الفحماويون يستطيعون السفر بها إلى شرقي الأردن، سوريا ولبنان.
واستمر عمل هذه اللجنة حتى وقوع النكبة الفلسطينية. يومها داهمت القوات الإسرائيلية المنطقة ودمرت عدداً من القرى المجاورة لأم الفحم، مثل اللجون وقرى الروحة ولد العرب، والمنسي، والغبيات (الفوقي والتحتي)، والكفرين، والبطيمات، وخبيزة، وقنير، وأم الشوف، والسنديانة، وصبارين، أم الزينات وغيرها، وجرى تهجير أهلها منها ودمرت تماماً. وبالتالي، لجأ أهلها إلى أم الفحم في ضوء صلات القرابة والعلاقات التجارية، واستقبلهم أهالي أم الفحم، وأمنوا لهم المأوى.

الاحتلال الإسرائيلي
وبقيت أم الفحم وبقية قرى المثلث ضمن السيادة الأردنية. ولكن في منتصف مايو (أيار) عام 1948م دخل الجيش العراقي البلدة، وبدأ بتجنيد متطوعين لفوجٍ فلسطيني، فأقبل العديد من شبان أم الفحم ووادي عارة بالتطوع في هذا الجيش، وأخذ المدربون العراقيون يدربونهم على الوسائل القتالية المختلفة. لكنهم لم يفلحوا في صد الاحتلال الجديد. ويوم 20 مايو (أيار) 1949م، دخلت القوات الإسرائيلية أم الفحم، حيث تقدمت دبابة وما إن وصلت على مقربة من حي البير، نادى أحد الجنود: «يا أهالي أم الفحم، لقد قدم جيش إسرائيل لتسلم أم الفحم، فنرجو أن تلزموا بيوتكم، إلى حين إشعارٍ آخر، وننذر كل من تسول له نفسه بالتصدي للجيش أو بعملٍ ما يخل بالنظام». فلزم الأهالي بيوتهم. ثم دعا الجنود مخاتير أم الفحم أن يحضروا إلى الميدان حيث أمروا بتسليم السلاح. وتقدم قائد الجيش الإسرائيلي نحو مختار الإغبارية، وطلب منه أن يجتمع معه في بيته مع وجهاء القرية، ثم وقف وقال: «لقد حكمتْ إسرائيل هذه البلاد قبل 2.000 سنة، وها هي قد عادت وحكمتها، وما لكم إلا التعاون معنا، فلكم ما لنا، وعليكم ما علينا، لكم حقٌ وعليكم واجب. شالوم». وبهذا أصبحت أم الفحم تحت السيطرة الإسرائيلية، جزءاً مما يعرف بـ«فلسطينيي 48».
وكما فعلت مع بقية البلدات العربية، فرضت إسرائيل الحكم العسكري. ومنعت أهلها من مغادرة قراهم إلا بتصاريح من الحاكم العسكري. واستمر هذا الحكم لغاية عام 1966. وكان عدد سكان أم الفحم في عام 1949 نحو 5500 نسمة، وهو يبلغ وفقاً لمكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي 52.314 نسمة، حسب إحصائيات 2015. وبذلك تكون أم الفحم ثالث أكبر مدينة عربية في إسرائيل، بعد الناصرة (90 ألفاً) ورهط (65 ألفاً).
وبالنسبة للأراضي، كان بحوزة أهالي البلدة 77 ألف دونم من الأراضي، غير أن السلطات الإسرائيلية صادرت معظمها، ولم يبقَ لهم سوى 24 ألف دونم. كذلك مُورست عليهم سياسة تمييز عنصري انعكست في جميع مناحي الحياة. فعلى سبيل المثال، تعد أم الفحم في العشر قبل الأخير في السلم الاقتصادي الاجتماعي، بسبب نسبة الفقر العالية بين السكان (تضاهي 55 في المائة). ونسبة النجاح في امتحان التوجيهي الثانوي لا تزيد عن 54 في المائة. ومعدل الأجور في المدينة 5078 شيكلاً (الدولار يساوي 3.5 شيكل)، مع العلم أن معدل الأجور في إسرائيل يصل إلى نحو 8700 شيكل. هذه السياسة كانت سبباً في تذمر دائم للسكان، تنامى إلى غضب شعبي ونضال سياسي وطني طيلة 70 سنة. فأم الفحم، كانت طليعية في النضال ضد التمييز ومن أجل المساواة. في «يوم الأرض» عام 1976، وهو الإضراب الشامل الذي أعلنه فلسطينيو 48 احتجاجاً على سياسة نهب الأرض والتمييز العنصري، لعبت أم الفحم دوراً طليعياً. وكانت مساهمتها عالية في تشكيل «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» عام 1977، التي جاءت لتبلور إطاراً وحدوياً للقوى الوطنية في صفوف المواطنين العرب سوية مع قوى ديمقراطية يهودية تؤمن بالسلام والمساواة في إسرائيل.

«انتفاضة الأقصى»
وفي عام 2000، عندما هبت الجماهير العربية ضد الزيارة الاستفزازية للمسجد الأقصى، التي قام بها أريئيل شارون - زعيم المعارضة في حينه - وأدت إلى نشوب «انتفاضة الأقصى»، كانت أم الفحم في المقدمة. وفقدت ثلاثة من شبانها، الذين سقطوا شهداء برصاص الشرطة الإسرائيلية (يومذاك قتل 13 شاباً عربياً من فلسطينيي 48 برصاص الشرطة) وأصيب المئات بجروح.
ومع اشتداد القمع الإسرائيلي، كان يرتفع باستمرار المزاج السياسي الوطني، وتزداد حدة التوتر، وفيما بعد تزداد حدة التشدد أيضاً. في البداية كان يقود القرية شخصيات سياسية مقربة من الحكومة. وفي أواسط السبعينات، انتخب محمد مصطفى محاميد، وهو من الشخصيات الوطنية، التي قادت نضالات يوم الأرض. وانتخب بعده هاشم محاميد، رئيساً للبلدية، وهو عضو كنيست عن «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» (يسار) وأصبح رئيساً للجبهة. ثم منذ 1989 انتخب لرئاستها الشيخ رائد صلاح، الذي انشق عن الحركة الإسلامية برئاسة الشيخ عبد الله نمر درويش، وأسس ما يعرف باسم «الحركة الإسلامية – الشق الشمالي». وتميز صلاح بالنشاط الجماهيري الواسع والمثابر لمواجهة الخطط الإسرائيلية، الفردية أو الحكومية، للمساس بالحرم القدسي الشريف. وراح ينظم في كل سنة مهرجاناً تحت عنوان «الأقصى في خطر»، ليضم عشرات ألوف المناصرين.
وللانشقاق عدة أسباب سياسية وشخصية، لكن من أهمها أن حركة رائد صلاح لا تعترف بالدولة العبرية، ولا تشارك في انتخاباتها البرلمانية (بعكس الحركة الإسلامية الأصلية الممثلة بأربعة نواب في الكنيست). وأقام صلاح علاقات علنية مع تنظيم حركة الإخوان المسلمين في العالم. وهكذا، استغلت حكومات إسرائيل الخطاب السياسي لحركة رائد صلاح، ذريعة للبطش بالعرب، وسن المزيد من القوانين العنصرية. وأصدر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمراً بحظر هذه الحركة وإخراجها عن القانون هي وجميع مؤسساتها، وأغلق صحيفتها، كما تم اعتقال الشيخ صلاح وعدد آخر من قادة الحركة، بينهم رئيس بلدية آخر سابق هو الدكتور سليمان إغبارية. ولم يعد يمر شهر من دون تحريض على هذه المدينة. وأخيراً، بعدما نفذ ثلاثة شبان من أم الفحم عملية مسلحة على باب الأسباط بالقدس، قتلوا خلالها ثلاثة عناصر من الشرطة الإسرائيلية (اثنان منهم عرب)، وهربوا إلى المسجد الأقصى (قتلتهم الشرطة لاحقاً)، دارت عملية تحريض دموية ضد الحركة الإسلامية وضد أم الفحم. وعندما اكتشف ثلاثة شبان آخرون منها كأعضاء في خلية داعشية خططوا لتنفيذ عملية أخرى في الحرم القدسي، عاد ليبرمان وأمثاله إلى مشروع الترحيل من جديد. وحتى عندما ازدهرت في أم الفحم أعمال وجرائم عنف داخلي بين السكان أنفسهم، على خلفيات الشجارات الشخصية والعائلية وغيرها من أسباب التخلف عن الحضارة، كانوا يحولون أم الفحم إلى «كيس خبطات». وبدلاً من معالجة القضايا العينية - إذ العنف منتشر في معظم البلدات الإسرائيلية، العربية منها واليهودية، والشرطة ليست بريئة من هذه الأعمال إذ إنها تبدي إهمالاً فظيعاً لهذه الظواهر - تجدهم يضعون علامة على أم الفحم بالذات، وكأنها رمز للعنف.

بين المطرقة والسندان
بالطبع، أهالي أم الفحم من جهتهم يشعرون أنهم بين المطرقة والسندان. فهم يرفضون التطرف والعنف مثلما يرفضون السياسة العنصرية للحكومة. ورغم سياسة التمييز العنصري، يتمكنون من تحقيق نجاحات باهرة على كل الأصعدة. ففي البلدة واحدة من أنجح المدارس الثانوية، وهي مدرسة خاصة بإدارة الحركة الإسلامية. والحزب الشيوعي تمكن من إرسال نحو 350 شاباً، تعلموا في الدول الاشتراكية سابقاً، وتحولوا إلى أهم وأنجح الأطباء والعلماء والمهندسين في إسرائيل. كذلك فيها عدد من أبرز الشخصيات الوطنية، الذين أصبحوا في طليعة القيادات السياسية الوطنية، مثل المناضلين محمود إغبارية ومحمد شريدي، والنواب البرلمانيين هاشم محاميد والدكتور عفو إغبارية والدكتور يوسف جبارين والشيخ هاشم عبد الرحمن، رئيس البلدية الأسبق، والشيخ خالد حمدان، رئيس البلدية الحالي. وأيضا مثل رجا إغبارية، رئيس «حركة أبناء البلد» التي تمثل التيار القومي، الذي رغم محدوديته الجماهيرية ظل مثابراً على مواقفه منذ تأسيس حركة الأرض في الخمسينات من القرن الماضي وحتى اليوم، والفنان سعيد أبو شقرا، صاحب أول غاليري فنون عربي في إسرائيل، ويجري فيها راهناً بناء مستشفى.
أخيراً ـ في الخطاب المحلي لأم الفحم هناك مسعى لتغيير اسمها من أم الفحم (الذي أطلق عليها بسبب كثرة المفاحم التي عمل فيها الأهالي) إلى «أم النور»، في إشارة إلى دورها الطليعي في العلم وفي الكفاح.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.