من أم «الفحم» إلى أم «النور»..!

مسيرة طويلة من العمل والكفاح تقابلها إسرائيل بمخطط ترحيل

من أم «الفحم» إلى أم «النور»..!
TT

من أم «الفحم» إلى أم «النور»..!

من أم «الفحم» إلى أم «النور»..!

تقدم قائد الجيش الإسرائيلي نحو مختار الإغبارية عام 1948، وطلب منه أن يجتمع معه في بيته مع وجهاء بلدة أم الفحم، بشمال غربي فلسطين، ثم وقف وقال: «لقد حكمتْ إسرائيل هذه البلاد قبل 2.000 سنة، وها هي قد عادت وحكمتها، وما لكم إلا التعاون معنا، فلكم ما لنا، وعليكم ما علينا، لكم حقٌ وعليكم واجب. شالوم». وهكذا أصبحت «أم الفحم» تحت السيطرة الإسرائيلية، جزءاً مما يعرف بـ«فلسطينيي 48». إلا أن القيادة الإسرائيلية غيرت اليوم رأيها، وهي تريد التخلص منهم.
لا توجد بلدة في إسرائيل «تحظى» بالعناوين المثيرة مثل مدينة أم الفحم. ساسة اليمين الحاكم يذكرونها باستمرار وكأنها «لعنة»... ووسائل الإعلام تنجرف وراءهم.
يستخدمونها «غذاءً» لمشاريعهم السياسية وسلماً للشهرة والكسب السياسي.
بدأ ذلك الحاخام اليميني الفاشي مئير كهانا، الذي أسس حزباً جديداً له عام 1984 يدعو إلى طرد الفلسطينيين مواطني إسرائيل إلى الخارج، حتى يخفف من الخطر العربي الديمغرافي، فقرر زيارتها، لكي يقترح على سكانها «الرحيل السلمي» مقابل المال.
يومها قال كهانا: «أريد أن ألتقي بهم وأقترح عليهم أن يغادروا من خاطرهم، ونحن نوفر لهم الأموال الكافية لإقامة موطن لهم في أي دولة يختارونها». وحضر فعلاً يوم 29 أغسطس (آب) 1984، ولكن تصدى له الألوف من المواطنين من البلدة وغيرها، ومنعوا دخوله. ووقعت مواجهات عنيفة بين المتظاهرين والشرطة الإسرائيلية، التي حضرت لحمايته بوصفه عضواً في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، نتج عنها العديد من الإصابات في صفوف الطرفين.
ومضت السنون وقتل كهانا خلال اجتماع سياسي له في الولايات المتحدة عام 1990. واحتل مكانه زعيم آخر في اليمين المتطرف، اسمه باروخ مارزل، فسار على طريق سلفه. واختار مارزل استفزاز أم الفحم من جديد لكسب الشهرة، فقرر هو الآخر زيارتها. ويوم 24 مارس (آذار) من عام 2009، جاء مارزل إلى أم الفحم برفقة العشرات من مؤيديه، تحت العنوان نفسه «إقناع أهاليها بالرحيل مقابل المال». وأضاف نصيحة لهم مضمونها تهديدي هو «إن لم ترحلوا بخاطركم فسنضطر إلى ترحيلكم آجلاً أم عاجلاً». وبالمقابل خرج المئات من سكان أم الفحم والمنطقة لمواجهتهم. وكالعادة تولت الشرطة الإسرائيلية حماية التظاهرة الاستفزازية، وألقت القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع على أهالي أم الفحم، ورشت عليهم المياه العادمة لتفريقهم.
وراقت هذه الفكرة لأوساط أخرى في اليمين الإسرائيلي، فقام أفيغدور ليبرمان، وزير الدفاع في الحكومة الحالية بتطويرها. وليبرمان هو ابن حزب الليكود، وشغل ذات مرة منصب الأمين العام فيه، ثم صار مديراً عاماً لديوان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عام 1996، ثم أسس حزباً جديداً عام 1999 سماه «إسرائيل بيتنا»، وأصبح لاحقاً وزير خارجية في حكومة بنيامين نتنياهو الثانية عام 2009. وفكر ليبرمان ببساطة تتلخص في التخلص ليس من أم الفحم وحدها، بل من كل بلدات منطقة المثلث، عبر ما يسميه «تبادل السكان». ووفق هذه الخطة تضم إسرائيل غالبية المستوطنات اليهودية في القدس والضفة الغربية إلى تخومها، وبالمقابل يجري تعديل الحدود لتصبح هذه المنطقة، من أم الفحم شمالاً وحتى كفر قاسم جنوباً، جزءاً من الدولة الفلسطينية العتيدة.
واللافت أن حتى رئيس الوزراء نتنياهو أعرب عن تبنيه هذه الخطة في الشهور الأخيرة. ونتنياهو فنان في استخدام قضية العداء للعرب لكسب الأصوات اليمينية. فما هو مرد هذا العداء لأم الفحم؟
ولماذا يجعلها اليمين عنواناً لسياسته العدائية للعرب؟
ما هي هذه المدينة؟ وما الذي يميزها؟

نبذة تاريخية
تعتبر أم الفحم واحدة من أقدم البلدات في فلسطين. فحسب المكتشفات الأثرية التي عثر عليها في تخوم البلدة وضواحيها؛ يتضح أنها قائمة منذ آلاف السنين. منذ العصر الكنعاني مروراً بالعصور اليونانية والرومانية والبيزنطية إلى العصر العربي الإسلامي. إذ اكتشفت مقابر تعود إلى العصر الكنعاني في منطقتي خربة الغطسة وعين الشعرة (أو الشعرا). ويدل هذا على أن تاريخها يعود إلى ما يقارب 5.000 سنة. كما اكتشفت آثار لخانٍ قديم ونقود عربية يعود تاريخهما إلى العصر الأموي. ووفقاً لهذه المكتشفات، فإن الاستيطان البشري الكنعاني في أم الفحم وضواحيها بدأ حوالي العام 3000 ق.م، وورد اسمها لأول مرة عام 1265م أثناء حكم المماليك بوثيقة توزيع الممتلكات التي أجراها السلطان الظاهر بيبرس بين جنوده، وكانت أم الفحم من نصيب الأمير جمال الدين آقوش النجيبي نائب السلطنة.
أما في العهد العثماني، فكانت أم الفحم واللجون وجنين ضمن نفوذ الأمير أحمد بن علي الحارثي، وقد عرفت بـ«البلاد الحارثية» التي امتدت من صفد في أعالي الجليل عبر منطقتي اللجون وجنين وحتى أبواب يافا.
وبعد سقوط الإمبراطورية العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى؛ احتلت القوات البريطانية بلاد الشام عام 1917م، فَارِضَة عليها الحكم العسكري. ويوم 9 ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه دخلت مدينة القدس بقيادة الجنرال إدموند أللنبي. وبقيت فلسطين تحت الحكم العسكري حتى نهاية شهر يونيو (حزيران) عام 1920م، ثم حولتها بعد ذلك إلى الحكم المدني، وعينت السير هربرت صمويل مندوباً سامياً لها على فلسطين حتى عام 1925م، ولقد تبعه ستة مندوبين آخرين، حتى العام 1948م.

فترة الانتداب
وفقاً للتقسيم الإداري لفلسطين بين عامي 1920م و1948م، تبعت أم الفحم قضاء جنين، وكانت تعد من أكبر قراه. وشارك أهالي أم الفحم في الثورات التي حدثت إبان فترة الانتداب، وأبرز هؤلاء الثوار يوسف الحمدان وأحمد الفارس وعلي الفارس الذين قاتلوا مع قائد المنطقة يوسف أبو درة. وقدم أهالي أم الفحم الكثير من أبنائهم، الذين استشهدوا عند مقاومتهم للاحتلال البريطاني. وشاركوا في الاحتجاجات والاضطرابات في أواخر 1922م. وفي العام 1935م فوجئ أهالي أم الفحم بمقتل الشيخ عز الدين القسام على مقربة من بلدهم في جبال يعبد، ورأوا لأول مرة طائرة تحلق فوق أم الفحم، فخرج شيوخها وشبابها وأطفالها ليشاهدوها، ولم يعلموا أنها كانت تحلق لإعطاء الإشارة للجنود للتقدم نحو مكان الشيخ عز الدين القسام بهدف اغتياله.
وفي أبريل (نيسان) 1936م أُعلن الإضراب العام في فلسطين، فعاد قسمٌ كبيرٌ من أهالي أم الفحم من حيفا التي كانوا يعملون فيها. وشارك أهالي البلدة بنشاط في الإضراب والمظاهرات التي تخللته، وفي العمليات المسلحة التي أعقبتها. وأصبحوا يطلبون السلاح، فكان الفلاح في أم الفحم يبيع فرسه أو بقرته ليشتري بندقية، وكانت أكثر البنادق المتوافرة إذ ذاك قديمة الطراز، إما كانت ألمانية أو «عصملية» (عثمانية)، والقليلٌ من البنادق «الإنجليزية».
وفي أوائل شهر أغسطس (آب) 1936م وقعت إحدى أكبر المعارك في جبال أم الفحم الممتدة من عرعرة، ثم خلة الحمارة فالعرائش إلى عراق الشباب. واستحكم آخرون في جبال الروحة من البيار حتى عَين إبراهيم، واستنجد الجيش بالطائرات فأخذت تقصف أطراف أم الفحم، وتحديداً عند حي عين خالد، واستشهد في هذه المعركة العشرات من أهالي عرعرة واليامون وسيلة الحارثية ورمانة.
وعندما تأجج لهيب الثورة قدم إلى أم الفحم القائد فوزي القاوقجي، ليقوم بدوره بمساعدة الثوار الفلسطينيين في جبال نابلس. وعرض عليهم القاوقجي الوحدة تحت قيادة واحدة، فعينوا اجتماعاً لذلك وكان في منطقة أم الفحم، وتحديداً في المعلقة، بما أنها قريبة من الشارع العام المار بوادي عارة ليتسنى لهم مراقبة الجيش عن كثب.
ووقعت معارك عديدة بعدها بين ثوار أم الفحم ومنطقتها وبين القوات البريطانية. واضطر الجيش البريطاني إلى بناء معسكر له على قمة جبل إسكندر، أعلى نقطة في البلدة. واشتهرت في تلك الفترة من عام 1938 حادثة، حيث أقدم الثوار على قتل جنديين. فانتقم البريطانيون بإطلاق النار عشوائياً على بيوت البلدة فقتلوا وجرحوا بعض الأهالي، ثم جمعوا رجال أم الفحم في ساحة الميدان، وقدم قائد المعسكر وأمر جنوده بإهانة الرجال. كما أخذوا 40 رجلاً منهم إلى مكان حادثة القتل قرب عين النبي، وأمروهم بالدوس على ألواح الصبر الشائكة، وهم حفاة، فسالت دماؤهم في الشارع، وبعد ذلك قصفت القوات البريطانية بعض بيوت البلدة، وباشرت جولات من الاعتقالات. ولم تتوقف أعمال الانتقام هذه إلا بانتهاء فترة الانتداب البريطاني في أواسط مارس (آذار) عام 1948م، عندما غادر مركز شرطة اللجون آخر شرطي بريطاني.

نهاية الانتداب البريطاني
بعد رحيل الانتداب البريطاني عن فلسطين تُركت البلاد في فوضى؛ إذ لا قانون ولا سلطة، فأصبحت العائلية و«الحارتية» (نسبة إلى الحارة) هي البديل المؤقت. وبهذا اجتمع زعماء أم الفحم وقراها لانتخاب لجنة قومية، فطالبوا الهيئات المشرفة على القيادة في فلسطين بإقامة لجنة قومية خاصة بأم الفحم ومنطقتها معترفٌ بها وبكل ما يصدر عنها فلبي الطلب، وقد أصدرت بطاقات هويات شخصية لأهالي أم الفحم ومنطقتها؛ فأصبح الفحماويون يستطيعون السفر بها إلى شرقي الأردن، سوريا ولبنان.
واستمر عمل هذه اللجنة حتى وقوع النكبة الفلسطينية. يومها داهمت القوات الإسرائيلية المنطقة ودمرت عدداً من القرى المجاورة لأم الفحم، مثل اللجون وقرى الروحة ولد العرب، والمنسي، والغبيات (الفوقي والتحتي)، والكفرين، والبطيمات، وخبيزة، وقنير، وأم الشوف، والسنديانة، وصبارين، أم الزينات وغيرها، وجرى تهجير أهلها منها ودمرت تماماً. وبالتالي، لجأ أهلها إلى أم الفحم في ضوء صلات القرابة والعلاقات التجارية، واستقبلهم أهالي أم الفحم، وأمنوا لهم المأوى.

الاحتلال الإسرائيلي
وبقيت أم الفحم وبقية قرى المثلث ضمن السيادة الأردنية. ولكن في منتصف مايو (أيار) عام 1948م دخل الجيش العراقي البلدة، وبدأ بتجنيد متطوعين لفوجٍ فلسطيني، فأقبل العديد من شبان أم الفحم ووادي عارة بالتطوع في هذا الجيش، وأخذ المدربون العراقيون يدربونهم على الوسائل القتالية المختلفة. لكنهم لم يفلحوا في صد الاحتلال الجديد. ويوم 20 مايو (أيار) 1949م، دخلت القوات الإسرائيلية أم الفحم، حيث تقدمت دبابة وما إن وصلت على مقربة من حي البير، نادى أحد الجنود: «يا أهالي أم الفحم، لقد قدم جيش إسرائيل لتسلم أم الفحم، فنرجو أن تلزموا بيوتكم، إلى حين إشعارٍ آخر، وننذر كل من تسول له نفسه بالتصدي للجيش أو بعملٍ ما يخل بالنظام». فلزم الأهالي بيوتهم. ثم دعا الجنود مخاتير أم الفحم أن يحضروا إلى الميدان حيث أمروا بتسليم السلاح. وتقدم قائد الجيش الإسرائيلي نحو مختار الإغبارية، وطلب منه أن يجتمع معه في بيته مع وجهاء القرية، ثم وقف وقال: «لقد حكمتْ إسرائيل هذه البلاد قبل 2.000 سنة، وها هي قد عادت وحكمتها، وما لكم إلا التعاون معنا، فلكم ما لنا، وعليكم ما علينا، لكم حقٌ وعليكم واجب. شالوم». وبهذا أصبحت أم الفحم تحت السيطرة الإسرائيلية، جزءاً مما يعرف بـ«فلسطينيي 48».
وكما فعلت مع بقية البلدات العربية، فرضت إسرائيل الحكم العسكري. ومنعت أهلها من مغادرة قراهم إلا بتصاريح من الحاكم العسكري. واستمر هذا الحكم لغاية عام 1966. وكان عدد سكان أم الفحم في عام 1949 نحو 5500 نسمة، وهو يبلغ وفقاً لمكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي 52.314 نسمة، حسب إحصائيات 2015. وبذلك تكون أم الفحم ثالث أكبر مدينة عربية في إسرائيل، بعد الناصرة (90 ألفاً) ورهط (65 ألفاً).
وبالنسبة للأراضي، كان بحوزة أهالي البلدة 77 ألف دونم من الأراضي، غير أن السلطات الإسرائيلية صادرت معظمها، ولم يبقَ لهم سوى 24 ألف دونم. كذلك مُورست عليهم سياسة تمييز عنصري انعكست في جميع مناحي الحياة. فعلى سبيل المثال، تعد أم الفحم في العشر قبل الأخير في السلم الاقتصادي الاجتماعي، بسبب نسبة الفقر العالية بين السكان (تضاهي 55 في المائة). ونسبة النجاح في امتحان التوجيهي الثانوي لا تزيد عن 54 في المائة. ومعدل الأجور في المدينة 5078 شيكلاً (الدولار يساوي 3.5 شيكل)، مع العلم أن معدل الأجور في إسرائيل يصل إلى نحو 8700 شيكل. هذه السياسة كانت سبباً في تذمر دائم للسكان، تنامى إلى غضب شعبي ونضال سياسي وطني طيلة 70 سنة. فأم الفحم، كانت طليعية في النضال ضد التمييز ومن أجل المساواة. في «يوم الأرض» عام 1976، وهو الإضراب الشامل الذي أعلنه فلسطينيو 48 احتجاجاً على سياسة نهب الأرض والتمييز العنصري، لعبت أم الفحم دوراً طليعياً. وكانت مساهمتها عالية في تشكيل «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» عام 1977، التي جاءت لتبلور إطاراً وحدوياً للقوى الوطنية في صفوف المواطنين العرب سوية مع قوى ديمقراطية يهودية تؤمن بالسلام والمساواة في إسرائيل.

«انتفاضة الأقصى»
وفي عام 2000، عندما هبت الجماهير العربية ضد الزيارة الاستفزازية للمسجد الأقصى، التي قام بها أريئيل شارون - زعيم المعارضة في حينه - وأدت إلى نشوب «انتفاضة الأقصى»، كانت أم الفحم في المقدمة. وفقدت ثلاثة من شبانها، الذين سقطوا شهداء برصاص الشرطة الإسرائيلية (يومذاك قتل 13 شاباً عربياً من فلسطينيي 48 برصاص الشرطة) وأصيب المئات بجروح.
ومع اشتداد القمع الإسرائيلي، كان يرتفع باستمرار المزاج السياسي الوطني، وتزداد حدة التوتر، وفيما بعد تزداد حدة التشدد أيضاً. في البداية كان يقود القرية شخصيات سياسية مقربة من الحكومة. وفي أواسط السبعينات، انتخب محمد مصطفى محاميد، وهو من الشخصيات الوطنية، التي قادت نضالات يوم الأرض. وانتخب بعده هاشم محاميد، رئيساً للبلدية، وهو عضو كنيست عن «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» (يسار) وأصبح رئيساً للجبهة. ثم منذ 1989 انتخب لرئاستها الشيخ رائد صلاح، الذي انشق عن الحركة الإسلامية برئاسة الشيخ عبد الله نمر درويش، وأسس ما يعرف باسم «الحركة الإسلامية – الشق الشمالي». وتميز صلاح بالنشاط الجماهيري الواسع والمثابر لمواجهة الخطط الإسرائيلية، الفردية أو الحكومية، للمساس بالحرم القدسي الشريف. وراح ينظم في كل سنة مهرجاناً تحت عنوان «الأقصى في خطر»، ليضم عشرات ألوف المناصرين.
وللانشقاق عدة أسباب سياسية وشخصية، لكن من أهمها أن حركة رائد صلاح لا تعترف بالدولة العبرية، ولا تشارك في انتخاباتها البرلمانية (بعكس الحركة الإسلامية الأصلية الممثلة بأربعة نواب في الكنيست). وأقام صلاح علاقات علنية مع تنظيم حركة الإخوان المسلمين في العالم. وهكذا، استغلت حكومات إسرائيل الخطاب السياسي لحركة رائد صلاح، ذريعة للبطش بالعرب، وسن المزيد من القوانين العنصرية. وأصدر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمراً بحظر هذه الحركة وإخراجها عن القانون هي وجميع مؤسساتها، وأغلق صحيفتها، كما تم اعتقال الشيخ صلاح وعدد آخر من قادة الحركة، بينهم رئيس بلدية آخر سابق هو الدكتور سليمان إغبارية. ولم يعد يمر شهر من دون تحريض على هذه المدينة. وأخيراً، بعدما نفذ ثلاثة شبان من أم الفحم عملية مسلحة على باب الأسباط بالقدس، قتلوا خلالها ثلاثة عناصر من الشرطة الإسرائيلية (اثنان منهم عرب)، وهربوا إلى المسجد الأقصى (قتلتهم الشرطة لاحقاً)، دارت عملية تحريض دموية ضد الحركة الإسلامية وضد أم الفحم. وعندما اكتشف ثلاثة شبان آخرون منها كأعضاء في خلية داعشية خططوا لتنفيذ عملية أخرى في الحرم القدسي، عاد ليبرمان وأمثاله إلى مشروع الترحيل من جديد. وحتى عندما ازدهرت في أم الفحم أعمال وجرائم عنف داخلي بين السكان أنفسهم، على خلفيات الشجارات الشخصية والعائلية وغيرها من أسباب التخلف عن الحضارة، كانوا يحولون أم الفحم إلى «كيس خبطات». وبدلاً من معالجة القضايا العينية - إذ العنف منتشر في معظم البلدات الإسرائيلية، العربية منها واليهودية، والشرطة ليست بريئة من هذه الأعمال إذ إنها تبدي إهمالاً فظيعاً لهذه الظواهر - تجدهم يضعون علامة على أم الفحم بالذات، وكأنها رمز للعنف.

بين المطرقة والسندان
بالطبع، أهالي أم الفحم من جهتهم يشعرون أنهم بين المطرقة والسندان. فهم يرفضون التطرف والعنف مثلما يرفضون السياسة العنصرية للحكومة. ورغم سياسة التمييز العنصري، يتمكنون من تحقيق نجاحات باهرة على كل الأصعدة. ففي البلدة واحدة من أنجح المدارس الثانوية، وهي مدرسة خاصة بإدارة الحركة الإسلامية. والحزب الشيوعي تمكن من إرسال نحو 350 شاباً، تعلموا في الدول الاشتراكية سابقاً، وتحولوا إلى أهم وأنجح الأطباء والعلماء والمهندسين في إسرائيل. كذلك فيها عدد من أبرز الشخصيات الوطنية، الذين أصبحوا في طليعة القيادات السياسية الوطنية، مثل المناضلين محمود إغبارية ومحمد شريدي، والنواب البرلمانيين هاشم محاميد والدكتور عفو إغبارية والدكتور يوسف جبارين والشيخ هاشم عبد الرحمن، رئيس البلدية الأسبق، والشيخ خالد حمدان، رئيس البلدية الحالي. وأيضا مثل رجا إغبارية، رئيس «حركة أبناء البلد» التي تمثل التيار القومي، الذي رغم محدوديته الجماهيرية ظل مثابراً على مواقفه منذ تأسيس حركة الأرض في الخمسينات من القرن الماضي وحتى اليوم، والفنان سعيد أبو شقرا، صاحب أول غاليري فنون عربي في إسرائيل، ويجري فيها راهناً بناء مستشفى.
أخيراً ـ في الخطاب المحلي لأم الفحم هناك مسعى لتغيير اسمها من أم الفحم (الذي أطلق عليها بسبب كثرة المفاحم التي عمل فيها الأهالي) إلى «أم النور»، في إشارة إلى دورها الطليعي في العلم وفي الكفاح.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.