تخطف المباني المصرية التراثية العتيقة الأنظار بجمالها المعماري الفريد، وبموقعها في الميادين القديمة وشوارع المدن الفسيحة وحارتها الضيقة أيضاً. ورغم أن أعمارها تتفاوت زمنياً، فإنها تتقاطع وتتجاور في الأصالة والتراث الإنساني.
في الآونة الأخيرة أصبح المصريون يستيقظون كل يوم على كابوس هدم مبنى تراثي، وإزالته للأبد من سجل التراث المصري. فيلا «أمبرون» بمنطقة محرم بك بالإسكندرية كانت آخر الضحايا في مسلسل الهدم، وذلك بعد أن نجح ملاكها في الحصول على حكم قضائي بخروجها من سجل التراث.
منذ أكثر من 10 سنوات تتعرض المباني التراثية بالمدن المصرية الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية وبورسعيد لعمليات هدم منظمة، ما دفع وزارة الإسكان المصرية إلى إجراء بعض التعديلات على القانون 144 لسنة 2006، المنظم لهدم المباني والمنشآت غير الآيلة للسقوط والحفاظ على التراث المعماري، حيث جرى تعديل واستحداث بعض التعريفات للمباني والمواقع التراثية التي يتم تسجيلها بسجلات حصر المباني ذات الطراز المعماري المتميز للمحافظات.
ووفقاً لآخر إحصائية حكومية عن تلك المباني التراثية، فإن عددها يبلغ نحو 6500 مبنى تنقسم لمبانٍ ذات طراز معماري فريد، أو تابعة لحقبة تاريخية معينة، أو كانت مسكناً خاصاً لإحدى الشخصيات المهمة والتاريخية أيضاً.
يشار إلى أن جهاز التنسيق الحضاري يُعرف المباني التراثية بأنها «هي المناطق ذات الملامح التاريخية المتميزة عمرانياً ومعمارياً، سواءً كانت نشأتها في العصور القديمة المختلفة، كالعصور القبطية أو الإسلامية، أو تلك التي نشأت خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين». والقانون يعتبر أن المناطق ذات القيمة التراثية، وما يحيط بها من مبانٍ وميادين وحدائق وشوارع، مجموعة لا تتجزأ من التراث العمراني جنباً إلى جنب مع التراث المعماري.
التعديلات التي تم إجراؤها على قانون 144 لسنة 2006، جاءت بهدف وقف نزيف هدم العمارات التراثية، بحسب وصف المسؤولين في وزارة الإسكان، حيث نصت التعديلات على وضع تصنيف للمباني التراثية بثلاثة مستويات (أ - ب - ج)، مع زيادة المدة المسموح بها للتقدم بطلب التظلم من قرار لجان الحصر بالمحافظات، بقيد المبنى في سجل المباني ذات الطراز المعماري المتميز. ويتطلع المهتمون بالتراث المعماري إلى نجاح التعديلات الأخيرة في وقف نزيف هدم المباني التراثية، وتعاون الجهات المعنية فيما بينها لحمايتها من الإزالة وترميمها.
تحتل مدينة الإسكندرية، الترتيب الثاني في عدد المباني التراثية الموجودة بمجلد التراث بعد مدينة القاهرة، وتوجد بها عدة مبانٍ تراثية مهمة، مثل قصر عزيزة فهمي، وفيلا سباهي، وسراي الحقانية التي تبرز تاريخ القضاء المصري، وقصر أنطونيادس، وقصر المتنزه، وغيرها من العمارات المتميزة، التي يقع أغلبها في منطقة وسط المدينة الساحلية. وبحسب آخر إحصائية صادرة عن لجنة «الحفاظ على التراث بالإسكندرية»، فقد تمكّن ملاك 52 مبنى من إخراجها من مجلد الحفاظ على التراث، بعد الحصول على أحكام قضائية، وجرى هدم 33 منها خلال السنوات السبع الماضية.
وقال أحمد حسن، أحد أعضاء مبادرة «أنقذوا الإسكندرية» التي تم تدشينها عقب ثورة 25 يناير 2011، للحفاظ على تراث عروس المتوسط، في تصريحات صحافية، «إن المباني التراثية تشهد خطة تخريبية ممنهجة من قبل الملاك، حيث يصدرون رخصاً لهدمها بحجة أنها آيلة للسقوط، لتُحذف من مجلد التراث بناء على دعاوى قضائية يرفعها المالكون أمام المحكمة، بحجة أنها باتت غير مطابقة لاشتراطات قائمة التراث». وأضاف: «توجد ثغرة قانونية في القانون 144 لسنة 2006، تسمح لملاك المباني التراثية باستغلالها للحصول على أحكام قضائية تمكنهم من هدمها».
وكانت لجنة الحفاظ على المباني والمناطق التراثية بالإسكندرية قد طالبت بحماية 1135 مبنى، تشمل 1109 مبان ذات طراز معماري مميز، و10 مرتبطة بشخصيات تاريخية، و8 تمثل مزاراً سياحياً، و6 مرتبطة بالتاريخ القومي، ومبنيين يمثلان حقبة تاريخية مهمة.
أيمن جبر، عضو «جمعية بورسعيد التاريخية»، يقيم بمدينة بورسعيد التي تحتل المرتبة الثالثة في عدد المباني التراثية بمصر، قال لـ«الشرق الأوسط» إن كل القوانين المصرية التي صدرت للحفاظ على المباني التاريخية «لا تزال حبراً على ورق»، لأن القانون به ثغرات يستغلها أصحاب رؤوس الأموال والمقاولون للحصول على أحكام نهائية بهدم تلك المباني، كما أنه لا توجد آلية تنفيذية تحول دون وقف أعمال الهدم الممنهجة.
ولفت إلى أن التعديلات التي تم إجراؤها على القانون جاءت متأخرة جداً، فمنذ صدور القانون الأول عام 2006، تم هدم نحو 100 عقار تراثي في مدينة بورسعيد وحدها، «رغم مناشدتنا للجهات المسؤولة والأجهزة التنفيذية بوقف الهدم، فإن أعمال الإزالة قد تمت، ووقفنا عاجزين عن حمايتها تماماً، ورفعنا الراية البيضاء لمافيا هدم العمارات الأثرية».
وأضاف «جبر»: «جهاز التنسيق الحضاري المصري، لا حول له ولا قوة حالياً، هو فقط يصدر توصيات، ولا يوجد مندوبون له في المدن الإقليمية التاريخية، ولا يمتلك موظفوه حق الضبطية القضائية التي تمنع هدم المباني، وتحيل المخالفين للنيابة العامة، وفقاً لمواد القانون التي وافقت على تعديلها وزارة الإسكان، لذلك نطالب بإعطاء موظفيه مزيداً من الصلاحيات في التعديل الجديد».
وأوضح «جبر» قائلاً: «موظفو الأحياء لا يقدرون قيمة المباني التراثية والتاريخية»، ولفت إلى أنه تقدم باقتراحات لحماية تلك المباني من الهدم، مع إنصاف المالك وحثه على عدم بيع العقار أو هدمه، من خلال إنشاء صندوق لحماية التراث والثروة العقارية، ويكون أعضاؤه من وزارة الإسكان، ورجال الأعمال، وهيئة التنسيق الحضاري والمحافظة، ووزارة الآثار، وتكون مهمته الرئيسية التدخل لشراء هذا العقار التراثي وتعويض المالك، مشيراً إلى «أن الدول الأوروبية تعمل وفق هذا النظام، فضلاً عن تقديرهم واهتمامهم بقيمة العمارات التاريخية، لكننا في مصر نهدمها».
وقال الدكتور مختار كسباني، أستاذ الآثار الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة، ومستشار وزارة الآثار السابق لـ«الشرق الأوسط»: «المباني التاريخية التي يتم هدمها حالياً تخضع لقانون سجل التراث، واهتمام وزارة الإسكان بها الآن شيء جيد، لأن تلك المباني تتعرض لهجمة شرسة من بعض رجال الأعمال»، موضحاً «أن الحكومة المصرية لا تنتزع بعض الملكيات من أجل المنفعة العامة طبقاً للقانون، مع أن الورثة الشرعيين لا يهتمون بهذا الإرث العظيم، الذي لا يقدرون قيمته، فيفضلون بيعه بمبالغ كبيرة للتجار».
وأضاف كسباني: «تونس اهتمت بعدة مبان قديمة بناها أصحابها، واستحوذت عليها الحكومة، وتم تخصصها للمنفعة العامة، وتستغلها حالياً في جذب السياح الأوروبيين». وطالب أستاذ الآثار الإسلامية بإدخال مفهوم «الفندقة» للمباني التاريخية والتراثية مثل «سرايا الحرملك» و«قصر المتنزه»، على أن تكون أسعار المبيت بها مرتفعة عن نظيراتها من الأماكن العادية، مشيراً إلى «أن دولاً سياحية كثيرة تطبق هذه الفكرة وتحقق أرباحاً كبيرة من تطبيقها».
وتابع «كسباني»: «مدينة الإسكندرية من أكثر المدن المصرية التي تعرضت فيها المباني التاريخية إلى أعمال هدم، حيث تم إزالة فيلات تاريخية تتميز بالجمال والأصالة، في فترة زمنية قصيرة، وتم بناء أبراج مرتفعة بدلاً منها في شوارع لا يزيد عرضها عن 6 أمتار، لكن لو تم إعطاء حق الضبطية القضائية لموظفي جهاز التنسيق الحضاري ستخف حدة إزالة هذه المباني التراثية».
المباني التراثية بمصر في انتظار حماية القانون
عمليات الهدم المستمرة طالت 33 مبنى تاريخياً في الإسكندرية و100 في بورسعيد
قصر «جناكليس» مبنى تراثي بمدينة أبو المطامير في محافظة البحيرة يحتاج إلى ترميم شامل ({الشرق الأوسط})
المباني التراثية بمصر في انتظار حماية القانون
قصر «جناكليس» مبنى تراثي بمدينة أبو المطامير في محافظة البحيرة يحتاج إلى ترميم شامل ({الشرق الأوسط})
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

