الشوربة... طبق العام على مداره

من أقدم أنواع الطعام في تاريخ الإنسان

الشوربة... طبق العام على مداره
TT

الشوربة... طبق العام على مداره

الشوربة... طبق العام على مداره

الحساء أو الشوربة من الأطباق التقليدية المهمة في جميع بلدان العالم من دون استثناء، إذ إنها من أطباق المقبلات الأولى عادة، ومنها الأصناف التي تساعد على تخفيض الوزن والأصناف التي تعمل على الوقاية من الأمراض أو دعم الجسم ومنها ما هو مكثف ومنها ما هو خفيف. وأحيان تعتمد الشوربة في بنيتها وتركيبتها الأساسية على الخضراوات وأحيانا أخرى على اللحوم وكثيرا من الأحيان على الحبوب أو البقولات والحيوانات البحرية، وبعض الأحيان ما يجمع بين بعض تلك العناصر معا. يتم تناول بعض أنواع الشوربة ساخنة والبعض الآخر باردة.
وتختلف سبل تحضير أنواع الشوربة من بلد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى في البلد ذاته، إذ لكل منطقة خيراتها من اللحوم والخضراوات ولكل منطقة مذاقها وتفضيلاتها الخاصة بها. ومع هذا فهناك الكثير من أنواع الشوربات المعروفة دوليا والتي تعتبر من الأطباق الوطنية أو من الأطباق الدولية التي يصعب تجاهلها مثل شوربة البصل الفرنسية وشوربة العدس اللبنانية وشوربة الفاصوليا اليونانية وشوربة الغنم الهنغارية وشوربة آش رشته الإيرانية وغيرها.
لا بد من الذكر هنا أن هناك نسخا متعددة من أنواع الشوربة نفسها كما هو الحال مع شوربة العدس اللبنانية والسورية، ففي الجوهر هي نفسها مع اختلافات وتعديلات طفيفية في سبل التحضير والتبهير وغيره.
وحسب الموسوعة الحرة فإن تعريف الحساء على ضعفه هو: «ضرب من الأغذية يكون طهيه بوضع أنواع من الخضراوات في ماء مغلي حتى يمتص مكوناتها... يخلط أحيانا بينها وبين المرق، إلا أن المرق تكون نسبة اللحم فيه أكبر من الخضراوات، وغالبا ما يقدم من دون اللحم بعد أن تكون قد امتصت فوائده».
وفي بيتنا الفلسطيني الجليلي تربيت على نوعين من أنواع شوربة العدس، الأولى خضراء مع السلق والثانية صفراء من العدس المجروش كما هو الحال مع شوربة العدس اللبنانية أو السورية، وكثيرا من ألجأ إلى شوربة الدجاج في فصل الشتاء هذه الأيام لمذاقها الطيب وفوائدها الصحية.
بأي حال فإن معظم أنواع الشوربات سهلة التحضير ولا يفترض أن تستغرق وقتا طويلا، وما يستغرق أحيانا بعض الوقت هو مدة الطبخ لا أكثر ولا أقل. وعادة ما أحضر شوربة العدس مع السلق بقلي الثوم والبصل في البداية قبل إضافة كوب العدس الأبيض الكبير وأقلب معا حتى يذبل الخليط ثم أضيف السلق المقطع وأخلط المحتوى كله وأترك على النار الهادئة لفترة خمس دقائق أو أكثر ليتهدل وبعدها أضيف الماء والملح والبهار والكزبرة المطحونة وأترك ذلك ليغلي على نار قوية لمدة 25 دقيقة قبل أن أخفف النار وأتركها على نار هادئة لعشر دقائق أو ربع ساعة قبل التقديم. وعادة ما أتناول هذا النوع من الشوربة مع بعض الحامض والبصل الأخضر والفجل إذا توفر.
أما شوربة العدس المجروش أو الأصفر، فأفضل طريقة هي قلي الثوم (رأس) والبصل (بصلة متوسطة الحجم) والبطاطا المقطعة قطعا صغيرة (حبة بطاطس متوسطة الحجم)، وبعدها إضافة العدس الأصفر وتقليب الخليط قبل إضافة الماء وإبهار الفلفل الأسود المطحون والكزبرة المطحونة (يمكن استخدام الكزبرة الطازجة إذا توفرت) والملح. بعد ذلك يترك الخليط ليغلي على نار متوسطة لمدة نصف ساعة على الأقل أو حتى ينضج العدس (أكثر أو أقل حسب نوع العدس).
أما شوربة الدجاج التي عادة ما أحضرها خلال فصل الشتاء، فتحضر على الشكل التالي: يتم قلي قطع الدجاج في البداية مع البصل والثوم ثم إضافة الماء لسلقها، وخلال السلق تتم إضافة الكثير من أنواع الخضراوات وهذا يعتمد على ذوق الشخص، لكني عادة ما أضيف الجزر المقطع، الفلفل أو الفليفلة الطازجة، البازلاء أو الفاصوليا الخضراء، والكرفس، وما توفر من بعض بقايا خضراوات المنزل، وأترك الخليط يغلي لمدة نصف ساعة قبل أن أضيف الأرز (كمية قليلة) وأضيف بهار الفلفل الأسود المطحون والكزبرة المطحونة وجوز الطيب المطحون والقرفة المطحونة. وبعد أربعين دقيقة وعند نضوج الدجاج والأرز تتم إضافة البقدونس إلى القدر ويتم تغطية القدر على الأقل لعشر دقائق قبل التقديم.
تاريخيا، هناك الكثير من الأدلة على وجود الشوربة 20 ألف سنة قبل الميلاد، ولم يحصل هذا الأمر إلا مع استخدام الحاويات المضادة للماء وجلود الحيوانات والقصب. وقد استخدم الناس الصخور الساخنة لغلي الماء وطهي بعض أنواع الخضراوات والفاكهة في البدايات.
ويؤكد الكثير من الخبراء أن تاريخ الشوربة في الحقيقة هو من تاريخ الطبخ عند البشر، فعملية خلط بعض الأنواع في قدر واحد كان الجامع المشترك بين الأغنياء والفقراء وبين المستقرين والرحل. ولأنه كان من السهل هضم الشوربة وصفت للعجز من الناس منذ قديم الزمان.
كلمة «مطعم»
كلمة restaurant - مطعم تأتي من الفعل الفرنسي restaurer، وقد استخدمت كلمة مطعم - restaurant (بمعنى تجديد أو ترميم أو إحياء أو إنعاش) لأول مرة في فرنسا في القرن السادس عشر، للإشارة إلى الحساء أو الشوربة المركزة للغاية وغير المكلفة، والتي تباع من قبل الباعة الجوالين. وكان يتم الإعلان عنها في البداية كعلاج للإرهاق الجسدي. ومع افتتاح رجل أعمال باريسي متجر متخصص في هذا النوع من أنواع الشوربة في نهاية القرن الثامن عشر، بدأ استخدم كلمة مطعم - restaurant على جميع أنواع هذه المؤسسات الحديثة.
أما كلمة حساء أو شوربة نفسها في الإنجليزية - soup، فهي مستوحاة من مفهوم «النقع» وتعود إلى فعل من اللغة اللاتينية ما بعد الكلاسيكية suppare soak الذي تم استعارته من الجذر الألماني القديم sup - الذي استخدم بالإنجليزية sup وsupper
سبر (تعني عشاء). ومن السبر جاء الاسم سوبا - suppa الذي انتهى بالفرنسية سوب - soupe أي شوربة أو حساء بالعربية (الاسم يعني بالتحديد المرق المسكوب على الخبز). وانتقل الاسم من الفرنسية إلى الإنجليزية سوب - soup في القرن السابع عشر. وقبل ذلك كان يطلق على طبق الشوربة اسم «مرق – broth» فقط لا غير. وكان يقدم هذا المرق إلى جانب الخضراوات أو اللحوم التي حضر منها ويسكب على الخبز المحمص ولاحقاً وفي القرن الثامن عشر أصبح يقدم كطبق مستقل أي شوربة على ما يقول الكاتب جون إيتو في كتاب «أ - ي الطعام والشراب» الصادر عن دار جامعة أكسفورد.
وحسب كتاب «الطبخ الفرنسي المبكر» لليلينور وتيريناس سكلي، فإن الشوربة كانت منتشرة ومهمة جدا في القرون الوسطى في أوروبا وكان الخبز يلعب دور الملعقة آنذاك.
وفي الولايات المتحدة الأميركية، جاء ذكر وصفات الشوربة في كتاب الطبخ الذي نشره ويليام باركز في ويليامزبرغ، في ولاية فرجينيا عام 1742. ومع وصول المهاجرين الجدد من بلدان أخرى إلى أميركا، اكتسبت الشوربات الوطنية الأخرى شعبية. وكان المهاجرون الألمان الذين يعيشون في ولاية بنسلفانيا على وجه الخصوص مشهورين بشوربة البطاطا. وعند نهاية القرن الثامن عشر افتتح جان بابتيست جيلبرت بيبلات دي جوليان وهو لاجئ من الثورة الفرنسية، مؤسسة لتناول الطعام في بوسطن تسمى «الريستوراتور»، وأصبح يعرف باسم «أمير الشوربة». وكان كتاب «الشوربة وصناعة الشوربة» لإيما أوينغ، عام 1882 أول كتاب أو كتيب مختص بالشوربة في يصدر في الولايات المتحدة.
وقد مكنت التطورات في مجال العلوم الشوربة من اتخاذ أشكال كثيرة... مجففة، معلبة، محمولة وجاهزة للميكروويف. وكان المسافرون يحملون معهم ما يعرف بـ«شوربة الجيب - Pocket Soop» لأن سبل تحضيرها كان سهلا لا تحتاج إلا بعض الماء الساخن. وكان الكثير من أنواع الشوربة المعلبة والمجففة متوفرا في القرن التاسع عشر. وقد وفرت الأنواع للجيوش، والقطارات وعربات السفر، وعربات رعاة البقر، والمنازل. كما سمح التقدم في العلوم لاحقا بتعديل العناصر المغذية لتلائم الاحتياجات الغذائية المحددة (الملح المنخفض، والألياف العالية، وما إلى ذلك) كما يقول موقع «فود تايم لاين».
ومن أنواع الشوربات الكلاسيكية والمعروفة جدا شوربة المحار السميكة - CLAM CHOWDER التي تعرف جدا في مناطق نيو إنغلاند في شمال شرقي الولايات المتحدة. وعادة ما تشمل مكونات الشوربة على الزبدة والكرفس والبصل والطحين والمحار ومرق المحار المعروف بعصير المحار والبطاطا والحليب والزعتر الجاف والملح والفلفل الأسود المطحون.
ويتم طبخ هذه الشوربة عادة بقلي الكرفس والبصل بالزبدة لمدة 3 دقائق قبل إضافة الطحين والحصول على معجون خفيف. وبعد ذلك يضاف مرق المحار والماء للحصول على الكثافة المطلوبة. وبعد ذلك تضاف قطع البطاطا الصغيرة، الحليب، الزعتر، الملح والفلفل الأسود المطحون، ويتم ترك الخليط على نار هادئة لمدة 20 دقيقة أي حتى تستوي البطاط وعندها تتم إضافة المحار والطبخ قليلا قبل التقديم.
ومن أنواع الشوربة الكلاسيكية أيضا الشوربة الإسبانية - البرتغالية الباردة الجازباتشو - Gazpacho الأندلسي المصدر. وهي من أنواع الشروبات الصيفية لبرودتها وطبيعتها المنعشة. وعادة ما تشمل وصفات الجازباتشيو الخبز، البندورة، الخل، الماء، الملح، زيت الزيتون، البصل، الثوم، الخيار والفلفل. عادة ما يتم تقطيع البندورة والخيار والفلفل الحار إلى قطع صغيرة ويتم تمليحها وتبهيرها وخلطها معا في إناء واسع وبعد ذلك خلط بعد حبات البندورة الصغيرة والحلوة مع بعض اللايم أو الحامض والخل في الماكينة الكهربائية للحصول على سائل مكثف. يتم وضع السائل فوق خليط البندورة والخيار وخلطهما معا ثم تنعيم نصف المحتوى في الماكينة وإعادته إلى الوعاء قبل التقديم.
والأهم من هذا شوربة البصل الفرنسية التي تعتبر من أشهر أنواع الشوربات على الإطلاق، وتحتاج الشوربة البصل والملح والسكر والفلفل الأسود المطحون والزبدة والزيت والنبيذ الأبيض والجبن والخبز ومرق اللحم. وعادة ما يتم تقطيع البصل إلى شرائح ناعمة وقليها في الزيت والزبدة لمدة عشرين دقيقة وبعد ذلك يضاف الملح والسكر ويقلب الخليط حتى يصبح ذهبيا ثم يضاف بعض الجبن ويتم الخلط والطبخ حتى يصبح المحتوى أو البصل ذهبيا داكنا وبعد ذلك يضاف مرق اللحم والنبيذ الأبيض وبعض الماء وبعض البهارات وورق الغار ويترك الخليك على نار هادئة لمدة 40 دقيقة. وبعد أن تنتهي المرحلة الأولى يتم إضافة الجبن الأصفر المبروش فوق الشوربة المسكوبة في الطاسة وتذويبها في الفرن. تقدم الشوربة إلى جانب الخبز المحمص مع الزبدة.


مقالات ذات صلة

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)

الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
TT

الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)

في كل مرة تُعرض فيها صورة طبق على الشاشة، تمرّ سريعاً... تُرى، تُعجب، ثمَّ تُنسى. لكن ما يقدّمه الشيف عمر السيف لا يمرّ بهذه السرعة؛ لأن ما يضعه أمامك ليس طعاماً فقط، بل تجربة كاملة محمّلة بالشعور.

يقول السيف لـ«الشرق الأوسط»: «لا أريد للناس أن يكتفوا بالمشاهدة... أريدهم أن يشعروا». بهذه الفكرة تبدأ حكايته.

لم يدخل السيف هذا العالم من بوابة الطهي التقليدي، ولا عبر وصفات محفوظة أو مسار واضح، بل كانت البداية فضولاً، وتجربة، ورغبة في الابتكار. ثم جاءت اللحظة التي أعادت تعريف كل شيء: «اكتشفت أن الطبخ ليس مجرد أكل... بل هو لغة وثقافة وهوية». من هنا تغيّر الاتجاه، وبدأ البحث في مساحة أقرب إليه... الثقافة السعودية. ويضيف: «لدينا كنز ثقافي كبير، لكنه لم يُستثمر بالشكل الذي يستحقه».

محاكاة صندوق أفندي كامل بكيك الأفندي (إنستغرام)

حين تصبح المبخرة قطعة تُؤكل في إحدى تجاربه، لم يقدّم طبقاً تقليدياً، بل صنع مشهداً كاملاً من الذاكرة: مبخرة سعودية مصنوعة من الشوكولاته، وطفل يحمل الحلوى... أيضاً من الشوكولاته. المشهد بسيط في ظاهره، لكنه مشبع بالدلالات: رائحة البيوت، وتفاصيل الضيافة، وصورة «ولد الحارة» بكل ما تحمله من دفء وعفوية. يقول: «لم تكن مجرد تصاميم... كانت تحكي قصة: من نحن؟ وما قيمنا؟ وكيف كنا نعيش؟».

هندسة الطبق... أو كيف يُبنى الإحساس

يعتمد في عمله على ما يسميه «هندسة الطبق»: تفكير دقيق في الشكل، وتوزيع العناصر، وتوازن الألوان، واستخدام الفراغ. كل ذلك لا يأتي لإبهار العين فقط، بل لتهيئة تجربة تبدأ بصرياً وتستمر شعورياً.

فالطبق، في هذه الحالة، يتحول إلى مساحة تعبير، لا إلى مجرد وجبة.

مبخرة بالشوكولاته (إنستغرام)

الصحراء... حيث يصبح الطبق صادقاً

لا يقدّم أعماله داخل استوديوهات مغلقة، بل يخرج بها إلى الصحراء، وإلى الخيام، وإلى البيوت القديمة.

هناك، حيث التفاصيل حقيقية، يتكوّن المشهد. يقول: «لا أختار المكان لأنه جميل فقط بل لأنه يحمل شعوراً». ويضيف: «إذا أردت أن تنقل إحساساً حقيقياً، فلا بد أن تضعه في بيئة صادقة». في هذه المساحات، لا يكون الطبق عنصراً منفصلاً، بل يصبح امتداداً للمكان.

ضد السرعة... وضد «الترند»

في عالم اعتاد على استهلاك الطعام بوصفه محتوى سريعاً، يطرح رؤية مختلفة تماماً: «الناس اعتادت أن ترى الطبخ كشيء سريع وعابر... بينما أراه قصة وهوية». هذا الطرح خلق تحدياً واضحاً: كيف يمكن إبطاء عين اعتادت السرعة؟ الحل جاء عبر التوازن: محتوى بصري جذاب يحمل في داخله رسالة أعمق.

مُجسَّم ولد الحارة بالشوكولاتة (إنستغرام)

ما بعد المشاهدة... اللحظة الأهم

بالنسبة له، لا يُقاس النجاح بعدد المشاهدات، بل بما يبقى بعد انتهاء المشهد؛ في اللحظة التي يدرك فيها المتلقي أن التراث ليس ماضياً جامداً، بل مادة يمكن تطويرها وتحويلها إلى مشاريع معاصرة. يقول: «يمكن أن تنسى كلمات كثيرة، لكن من الصعب أن تنسى طعماً أو شعوراً». هنا تكمن قوة الطعام.

فهو يدخل إلى الذاكرة مباشرة، ومن خلاله تنتقل القيم: الكرم، والعادات، وتفاصيل الحياة اليومية، دون حاجة إلى شرح.

ولا يفصل بين الإبداع والاستدامة: «الإبداع يجذب، والاستمرار يحتاج إلى فكر اقتصادي». لهذا يعمل على تطوير محتوى يمكن أن يتحول إلى تجربة أو منتج، يضمن بقاء الفكرة وانتشارها.

ما يخطط له يتجاوز حدود الشاشة. يسعى إلى تقديم تجربة متكاملة يعيشها المتلقي بكل حواسه؛ فلا يرى القصة فقط، بل يكون جزءاً منها. «أبغى الشخص يعيش القصة، مو بس يشوفها».

في النهاية، ما يقدّمه عمر السيف لا يتوقف عند حدود الطبخ، بل يفتح سؤالاً أعمق: ماذا يحدث عندما تُقدَّم الهوية على طبق؟


من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز
TT

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

في مطابخ الأسر المصرية يكاد يكون الأرز رفيقاً دائماً للمائدة، وأحد أكثر المكونات التصاقاً بـ«الطبخة البيتية».

ورغم بساطته، فإن الأرز يحمل حضوراً كثيفاً يتكرر معه مشهد «الكمية المتبقية» التي قد لا تجد طريقها إلى طبق جديد بالنسبة للكثيرين؛ حيث تتراجع إلى الثلاجة لبضعة أيام قبل أن تنتهي في سلة المهملات، وسط اعتقاد راسخ بأن بقايا الأرز فقدت قيمتها، ولم تعد صالحة لأي استخدام.

غير أن هذا الاعتقاد، كما يؤكد الطهاة، يبدد فرصة مدهشة لإعداد أطباق شهية ومشبعة يمكن أن تغير ملامح مائدة كاملة من دون تكلفة أو جهد يُذكر.

وهو ما دفع بعض الطهاة المصريين نحو تقديم أفكار مبتكرة متنوعة، تعيد تقديم الأرز المتبقي باعتباره عنصراً مساعداً على صنع وجبات لذيذة ومنزلية الطابع، من تلك الوصفات التي تحمل دفء البيوت وذكريات الجدات، أو قد تكون مستلهمة من أطباق عالمية

الشيف المصري وليد السعيد (الشرق الأوسط)

الأرز بطبيعته قادر على امتصاص النكهات، وعلى حمل التوابل واحتضان المكونات الجديدة، بحيث يتحول مع كل لمسة بسيطة إلى طبق يولد من جديد، وفق الشيف وليد السعيد، مشيراً إلى «أن هذا هو ما جعل كثيراً من المطابخ العالمية تنظر إلى (الأرز البايت) أو الأرز المتبقي من طبخة حضرت قبل يوم أو أكثر، باعتباره مادة خاماً جاهزة لابتكار وصفات لافتة، تعكس ذوقاً جديداً وروحاً مختلفة».

وتنسجم هذه الرؤية مع موجة عالمية تدعو إلى التقليل من الهدر، والنظر إلى فائض الطعام بوصفه جزءاً من مطبخ واعٍ لا مجرد بقايا منسية.

وبالنسبة للشيف المصري، فإن الأرز لا يبدو مجرد طبق جانبي بقدر ما هو مكون مرن يصلح أن يكون أساساً لوجبة كاملة، كما يمكن أن يتحول إلى عنصر ثانوي يضبط توازن النكهات داخل الطبق. ويرى «أنه لا حاجة لتكرار الطهي يومياً، ولا مشكلة في طهو كمية إضافية عمداً من الأرز لاستخدامها خلال الأسبوع».

في السلطة يلعب الأرز دور المساحة العازلة بين الحموضة والملوحة والبهارات

ويرجع ذلك إلى أن الخبرات المنزلية تؤكد أن أفراد الأسرة غالباً لن يتعرفوا إلى أن الوجبة الجديدة خرجت من بقايا الأمس، طالما منحتها لمسة نكهة مشرقة تعيد إليها الحياة. وقد تكون تلك اللمسة عصرة ليمون، أو رشة زيت زيتون، أو بعض الأعشاب الطازجة، أو بهارات غير مألوفة.

ومع ذلك، يبقى الالتزام بمعرفة حدود سلامة الطعام أمراً مهماً؛ فإذا بقي في الثلاجة فترة طويلة أو ظهرت عليه علامات التلف، فالسلامة أولى من التجربة.

سلطة التاكو أو الكوب

ويرى الشيف أن كثيراً من وصفات الشارع الآسيوي والعربي، خصوصاً تلك التي تعتمد على المقلاة الساخنة، صُممت أصلاً لتناسب الأرز المطهو مسبقاً، ويلفت إلى أن «الحيلة الذهبية» تكمن في طرح السؤال التالي قبل أن يصل «الأرز البايت» إلى نهاية عمره في الثلاجة: إلى أي طبق يمكن أن ينتمي بعد تعديلات بسيطة؟

هنا يبدأ الشيف بأبسط الأفكار وأكثرها نجاحاً، وهي إضافته إلى السلطات؛ فمن خلال توزيع قليل من الأرز على طبق السلطة، يتحول الطبق من مقبلات إلى وجبة متكاملة، خصوصاً إذا أضيف إليها بروتين موجود في الثلاجة مثل الدجاج المشوي المفتت، أو قطع اللحم المتبقية من اليوم السابق.

ويمكن أيضاً الاعتماد على السلطة اللاذعة مثل سلطة التاكو أو الـ«كوب»؛ حيث يلعب الأرز دور «المساحة العازلة» بين الحموضة والملوحة والبهارات؛ فيمنح الطبق تماسكاً وتوازناً مطلوبين.

ثم ينتقل السعيد إلى طبق آخر يجد فيه الأرز المتبقي فرصة لظهور جديد، وهي العصيدة أو الكونغي، وهو طبق دافئ يمكن تحضيره في دقائق، ويقترحه دائماً لمساءات العطلات.

ويقدم وصفة سريعة، وهي طهي بقايا الأرز مع الماء أو المرق حتى يبدأ في التفتت، ويتحول إلى مزيج كريمي، ثم تضاف إليه مكونات تمنحه طابعاً شرق آسيوي أو عربياً بحسب الرغبة. مع إضافة بعض الخل، والصويا الخفيفة، وزيت الفلفل الحار، والبصل الأخضر، والفول السوداني المطحون، وربما نقانق أو بواقي دجاج أو بيضة نصف مسلوقة.

ويؤكد السعيد أن «الكونغي» من الأطباق التي تتسع لأي إضافة تقريباً؛ فحتى الخضراوات المطبوخة مسبقاً أو بقايا اللحم يمكن أن تتحول إلى لمسة قيمة بداخله.

وصفات تقدم الأرز المتبقي في وجبات لذيذة ومنزلية الطابع من شيف وليد السعيد (الشرق الأوسط)

«ياكي أونيغيري» اليابانية

وفي مساحة أخرى من مطبخ السعيد، يظهر الأرز المقرمش، ويقدم طريقته قائلاً: «بوضع الأرز في مقلاة مدهونة بالزيت، وضغطه على هيئة طبقة واحدة، ثم تركه حتى يبرد ويتماسك». ويتابع: «يتحول عبر القلي الخفيف إلى كعكات ذهبية مشابهة لـ(ياكي أونيغيري) اليابانية، ويمكن تقديمها مع شرائح السلمون أو التونة النيئة المتبلة، أو حتى الأفوكادو، مع رشة صويا أو زيت فلفل حار».

ويشير إلى أن «تناسب هذه الطريقة أيضاً إضافته للسلطات على هيئة (فتات مقرمش) يمنحها ملمساً مختلفاً ورائحة جوزية خفيفة».

أما الأرز المقلي بنسخه المتعددة، فهو الوصفة الأكثر انسجاماً مع بقايا الأرز، كما يوضح السعيد، ومنها أرز السلمون بالكيمتشي، وأرز الدجاج، أو النسخ النباتية التي تعتمد على التوفو والخضراوات فقط.

ويرى أن سر نجاح الأرز المقلي هو أن يكون الأرز (بارداً) ومتروكاً لليلة داخل الثلاجة؛ فذلك يمنع تلاصقه مع باقي المكونات، ويمنحه قدرة على القرمشة عند ملامسته لحرارة المقلاة.

ويختتم السعيد أفكاره بوصفة «الحشوة» التي يستثمر فيها الأرز ليصبح جزءاً من مزيج سميك غني بالنكهة، موضحاً: «إضافة الأرز إلى حشوات الخضراوات أو الدواجن تمنحها ثراءً وقواماً ممتلئاً».

بقايا الريزوتو فرصة ثمينة لتحضير الأرانشيني

«الأرانتشيني الإيطالية»

أما الشيف عصام راشد، فيميل إلى المزج بين المذاق الشرقي والمتوسطي، ويرى أن الأرز المتبقي يصلح لأن يكون مادة خاماً لأطباق غير متوقعة.

ويبدأ بما يسميه «الوجبة الكاملة في مقلاة واحدة»؛ إذ يُحمّر الثوم والحمص في قليل من الزيت، ثم يُعاد الأرز نفسه إلى المقلاة حتى يصبح مقرمشاً ومليئاً بنكهة التحمير، قبل أن يُخلط مع خليط الحمص والثوم.

وتُضاف إليه فواكه مجففة مثل التمر أو المشمش أو الكرز، مع الكاجو المحمص، وينتهي بطبقة من الزبادي الكثيف مع عصرة ليمون.

ويرى أن هذا الطبق «يجمع بين الشرق والغرب في وصفة واحدة»، كما يناسب الوجبات السريعة التي لا تتطلب وقتاً أو إعداداً معقداً.

ويشير راشد إلى أن الريزوتو من الأصناف التي يصعب الاحتفاظ بها لليوم التالي؛ بسبب فقدان قوامها الكريمي، لكنه يراها فرصة ثمينة لتحضير «الأرانشيني الإيطالية»، وهي كرات الأرز المحشوة بالموزاريلا والمقلية، ويعتبرها «طريقة أنيقة» لإعادة تقديم بقايا طبق فاخر دون أن يفقد رونقه.

الأطباق المتوسطية

وتمتد أطباق راشد إلى الأطباق المتوسطية، فيقترح الاستفادة من بقايا الخضراوات عبر تقطيعها إلى مكعبات وتحضير طبق أرز متوسطي نباتي غني بالطماطم والفلفل والأعشاب.

ويشير إلى أن إضافة صلصة مناسبة قد تغير هوية الطبق بالكامل؛ فمثلاً، يمكن تحويل بقايا الديك الرومي إلى طبق جديد بإضافة صلصة التوت البري، أو صلصة مشابهة، ثم تقديمه فوق أرز الياسمين الساخن.

ثم ينتقل راشد إلى الأطباق المكسيكية، حيث يعلّق بأن الأرز المتبقي «وُلد ليكون داخل البوريتو»؛ فبدلاً من لف الخضراوات بخبز التورتيلا، يتم مزج الأرز مع الجبن والطماطم والفاصوليا والبصل؛ مما يمنح الحشوة تماسكاً وطعماً غنياً.

ويلفت راشد إلى أن «نجاح إعادة تدوير بقايا الأرز يعتمد على بعض القواعد التي تؤثر مباشرة في طعمه وقوامه؛ فإعادة التسخين في المايكروويف، رغم سهولته، قد تفسد المذاق، بينما يمنح التسخين في الفرن أو المقلاة فرصة أفضل للحفاظ على جودته».

وانتهى راشد إلى أن الاحتفاظ بمواد أساسية في المطبخ مثل الفاصوليا المعلَّبة والمكسرات والحمص قد يساعد في تحويل الأرز المتبقي إلى وجبة غنية بالبروتين دون مجهود إضافي.


طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
TT

طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)

يمر كل طاهٍ عظيم بلحظة يحوّل فيها طبق واحد مسار رحلته في عالم الطهي؛ طبق يثير الفضول أو يتحدى التقاليد أو يكشف عن قوة النكهة بطريقة لم يختبرها أحد من قبل. بالنسبة إلى البعض إنه مذاق البيت، الذي يمثل مصدر إلهام لعمر من الطهي، وبالنسبة لآخرين إنه إبداع جريء يعيد تعريف ما يمكن أن يصبح عليه الطعام. اكتشف الأطباق التي ساعدت في رسم وتحديد مسار أولئك الطهاة البارزين على مستوى العالم.

الشيف علي الغزاوي

لقد غيَّر طبق الكبّة النيئة كل شيء بالنسبة لنا، فهو بمثابة النظير الشامي لطبق التارتار البقري المفري جيداً أكثر مما هو مقطّع يدوياً. وأعدّه باستخدام لحم بقري متبّل بمزيج من الريحان والبردقوش والنعناع، ثم أضع في النهاية إلى جواره على الطاولة البرغل المقرمش والبصل المخلل وكريمة الثوم الخفيفة. بدلاً من البصل والثوم النيئين اللذين قد يكون لهما مذاق قوي، يحقق ذلك توازناً بفضل المذاق الحلو البسيط الكريمي. وأقدم هذا الطبق مع باقة من الخس والنعناع الطازج وقرون البازلاء والتي تُزرع جميعاً في المطعم، إلى جانب وضع لمسة أخيرة من زيت الزيتون من بلدتي إربد التي يوجد بها شجر زيتون يزيد عمره على 1200 عام. إن الكبّة النيئة في عمّان طبق رئيسي في مطابخ العائلة، وقد أردت أن أمنح المطعم روحاً أردنية. وأقدم عملاء، كانوا يتفادون اللحم النيء، على تجربته هنا للمرة الأولى وقد أحبوه. لم يكن بالنسبة لي مجرد طبق مميز، بل نقطة تحول يلتقي فيها التقليد بالابتكار، وتجتمع من خلاله الهوية الأردنية بالتأثيرات الخارجية في طبق واحد.

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعما)

الشيف كلفين تشيونغ

عندما أفكر في نقاط التحول في مسيرتي المهنية، دائماً ما يعيدني عقلي إلى بلدة دينانت الهادئة في بلجيكا والتي تشبه البلدات في القصص، حيث حصلت على أول وظيفة لي خارج مطاعم عائلتي. حتى ذلك الحين كنت قد نشأت في مطابخ والدي الصينية في تورنتو وشيكاغو اللتين كانتا تتسمان بالقسوة والطابع الحضري. كانت بلجيكا على العكس من ذلك تماماً، فهي هادئة غنية بالخضرة ومتصلة بالأرض بشكل عميق. كانت توجد بمحاذاة المطعم حديقة من الخضراوات، والأهم من ذلك بِركة مياه صغيرة، حيث كنا نضع السلمون الحي. كان السلمون المرقط الأزرق من أطباقنا المميزة، حيث كنا نصطاد السمك قبل لحظات من طهوه ونسلقه مع الخل والأعشاب التي نحضرها من حديقتنا. لقد كان طبق يحمل مذاق النهر والريف. لقد غيّرني هذا الطقس، فحينما يطلبه أحد رواد المطعم، كان عليّ مغادرة المطبخ، واصطياد سمكة سلمون مرقط على مرأى من الجالسين في قاعة الطعام، ثم أنظفه وأعدّه. لم تكن هناك طرق مختصرة، فقط احترام الحياة التي تم أخذها، ومسؤولية توقيرها من خلال الدقة والنكهة. لقد علمتني تلك التجربة أن الطعام أكبر من مجرد طريقة، إنه قصة واتصال بين الأرض والمنتج والطاهي والعميل.

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعما)

الشيف غاريما أرورا

بالنسبة لي طبق «تندوري ستوري» هو طبق غيّر مساري. إنه يوجز كل ما نحاول تقديمه إلى عملائنا. لطالما انجذبت إلى الخضراوات والفاكهة؛ لأن الطهو الهندي يتضمن طريقة جميلة في التأكيد على أعمق نكهات البلاد، ومن طرقي المفضلة للقيام بذلك الطهو على النار فهي طريقة واضحة وبدائية، ومع ذلك غير متوقعة وتحويلية. إن المكون الأساسي في طبق «تندوري ستوري» هو فاكهة الدوريان. ربما يقول البعض إنه يناسب أصحاب الذوق الخاص، لكنني أعتقد أن ذلك يعتمد على الطريقة التي تطهوه بها. بينما يتعلق بهذا الطبق تحديداً، نشويه في فرن التندور حتى يتحول إلى هذا الزبد المدخّن الذي يشبه نخاع العظم. إن مشاهدة العملاء وهم يتناولون القضمة الأولى، ورؤية هذا المزيج من الاندهاش والمتعة من أفضل المشاعر في العالم. يعتمد هذا الطبق على مكون يتضمن تحدياً، ويجعل منه طعاماً تصعب مقاومته. إنه دليل على أنك إذا ظللت فضولياً واخترت المخاطرة وواصلت السعي سوف تقدم شيئاً استثنائياً. أعتقد أنه يربط بين الهند وتايلاند، ويمزج بين طرق الطهي الهندية التقليدية على النار وثمرة الدوريان التايلاندية المحبوبة من أجل تكوين صنف جديد تماماً. إنه لا يزال على قائمة الطعام الخاصة بنا حتى اليوم.

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعما)

الشيف مانو بوفارو

إن الطبق الذي غيّر كل شيء بالنسبة لي هو الجزر، الذي يرد في آخر قائمة الطعام بمطعم «مانو». عندما قدمته للمرة الأولى أثار الدهشة، بل والارتباك أيضاً. كيف يمكن لنوع من الخضراوات أن يلعب دور البطولة في نهاية تجربة تذوق طعام؟ وسرعان ما لاقى إعجاباً؛ لأنه كشف عن شيء أساسي هو القوة والعمق ومذاق الأومامي في مكون كثيراً ما يتعامل الناس معه على أنه عنصر ثانوي. لقد مثّل هذا الطبق بالنسبة لي نقطة تحول.

لقد أوضح أن المطبخ لا يحتاج إلى لحم أو سمك لترك أثر وإثارة مشاعر، وأن صنفاً من الخضراوات قادر على أن يحمل رمزية وذكرى وقوة إبداعية. لقد أصبح الطبق الذي أشتهر وأتميز به، وشعاراً للفلسفة التي توجّه أسلوبي في الطهي، ويظل على قائمة الطعام ليوضح كيف يمكن لمكون بسيط أن يصبح سامياً وراقياً.

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعما)

الشيف آنا روس

أول طبق يمكنني تذكر طهوه هو المعكرونة المحشوة بالبطاطس السائلة والمقدمة داخل مرق مع سمك السلمون المرقط المطهو على البخار، وبيض السلمون، والكراث (الثوم المعمر) البري. لقد جذب الانتباه بفضل طريقة طهوه الفنية التي تتضمن حشو عجين ببطاطس سائلة. بعد ذلك كان أهم ما في الأمر هو سرد الرواية ورفع مكانة سمكة لم تكن منتشرة كثيراً في المنطقة. نظراً لوجود السلمون المرقط في كل مياه سلوفينيا، يظل الكثير من العملاء يفضّلون المأكولات البحرية على السمك الطازج. لقد كان إعداد هذا الطبق مهماً للغاية لأنني أدركت قوة التركيز على المكونات المحلية في مقابل ما نتصور أنه منتشر ويحظى بشعبية.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعما)

الشيف إدغار نونيز

لقد كان الجزر المعتّق نقطة تحول في مسيرتي في الطهي. عندما قدمته للمرة الأولى منذ 15 عاماً استقبله الناس على أنه شيء خارج عن المألوف، بل عدّه البعض مثيراً للجدل؛ لأن قلة من الناس في ذلك الوقت كانوا يتوقعون أن يتم التعامل مع نوع متواضع من الخضراوات بالاحترام نفسه الذي تحظى به مكونات فاخرة. لقد كانت عملية إعداده دقيقة، حيث كان يُعتّق الجزر، ويُعدّ بطريقة تكشف عن عمق غير متوقع وتعقيد ونكهة. وما بدا بسيطاً على السطح كان فعلياً بمثابة بيان يوضح مقاربتي للطهو التي تتضمن منح أهمية لما يتم تجاهله في أحوال كثيرة. أرى الجزر المعتّق طبقاً رئيسياً يوجز فلسفة ويفتح الأبواب لاحتمالات جديدة. رغم أنه لم يعد على قائمة الطعام، لا يزال تأثيره في عملي موجوداً، ويظل مصدر إلهام يوجّه طريقة إعدادي للأطباق.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعماً)

الشيف علي غزاوي (أفضل 50 مطعماً)

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعماً)

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعماً)

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعماً)

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعماً)