الشوربة... طبق العام على مداره

من أقدم أنواع الطعام في تاريخ الإنسان

الشوربة... طبق العام على مداره
TT

الشوربة... طبق العام على مداره

الشوربة... طبق العام على مداره

الحساء أو الشوربة من الأطباق التقليدية المهمة في جميع بلدان العالم من دون استثناء، إذ إنها من أطباق المقبلات الأولى عادة، ومنها الأصناف التي تساعد على تخفيض الوزن والأصناف التي تعمل على الوقاية من الأمراض أو دعم الجسم ومنها ما هو مكثف ومنها ما هو خفيف. وأحيان تعتمد الشوربة في بنيتها وتركيبتها الأساسية على الخضراوات وأحيانا أخرى على اللحوم وكثيرا من الأحيان على الحبوب أو البقولات والحيوانات البحرية، وبعض الأحيان ما يجمع بين بعض تلك العناصر معا. يتم تناول بعض أنواع الشوربة ساخنة والبعض الآخر باردة.
وتختلف سبل تحضير أنواع الشوربة من بلد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى في البلد ذاته، إذ لكل منطقة خيراتها من اللحوم والخضراوات ولكل منطقة مذاقها وتفضيلاتها الخاصة بها. ومع هذا فهناك الكثير من أنواع الشوربات المعروفة دوليا والتي تعتبر من الأطباق الوطنية أو من الأطباق الدولية التي يصعب تجاهلها مثل شوربة البصل الفرنسية وشوربة العدس اللبنانية وشوربة الفاصوليا اليونانية وشوربة الغنم الهنغارية وشوربة آش رشته الإيرانية وغيرها.
لا بد من الذكر هنا أن هناك نسخا متعددة من أنواع الشوربة نفسها كما هو الحال مع شوربة العدس اللبنانية والسورية، ففي الجوهر هي نفسها مع اختلافات وتعديلات طفيفية في سبل التحضير والتبهير وغيره.
وحسب الموسوعة الحرة فإن تعريف الحساء على ضعفه هو: «ضرب من الأغذية يكون طهيه بوضع أنواع من الخضراوات في ماء مغلي حتى يمتص مكوناتها... يخلط أحيانا بينها وبين المرق، إلا أن المرق تكون نسبة اللحم فيه أكبر من الخضراوات، وغالبا ما يقدم من دون اللحم بعد أن تكون قد امتصت فوائده».
وفي بيتنا الفلسطيني الجليلي تربيت على نوعين من أنواع شوربة العدس، الأولى خضراء مع السلق والثانية صفراء من العدس المجروش كما هو الحال مع شوربة العدس اللبنانية أو السورية، وكثيرا من ألجأ إلى شوربة الدجاج في فصل الشتاء هذه الأيام لمذاقها الطيب وفوائدها الصحية.
بأي حال فإن معظم أنواع الشوربات سهلة التحضير ولا يفترض أن تستغرق وقتا طويلا، وما يستغرق أحيانا بعض الوقت هو مدة الطبخ لا أكثر ولا أقل. وعادة ما أحضر شوربة العدس مع السلق بقلي الثوم والبصل في البداية قبل إضافة كوب العدس الأبيض الكبير وأقلب معا حتى يذبل الخليط ثم أضيف السلق المقطع وأخلط المحتوى كله وأترك على النار الهادئة لفترة خمس دقائق أو أكثر ليتهدل وبعدها أضيف الماء والملح والبهار والكزبرة المطحونة وأترك ذلك ليغلي على نار قوية لمدة 25 دقيقة قبل أن أخفف النار وأتركها على نار هادئة لعشر دقائق أو ربع ساعة قبل التقديم. وعادة ما أتناول هذا النوع من الشوربة مع بعض الحامض والبصل الأخضر والفجل إذا توفر.
أما شوربة العدس المجروش أو الأصفر، فأفضل طريقة هي قلي الثوم (رأس) والبصل (بصلة متوسطة الحجم) والبطاطا المقطعة قطعا صغيرة (حبة بطاطس متوسطة الحجم)، وبعدها إضافة العدس الأصفر وتقليب الخليط قبل إضافة الماء وإبهار الفلفل الأسود المطحون والكزبرة المطحونة (يمكن استخدام الكزبرة الطازجة إذا توفرت) والملح. بعد ذلك يترك الخليط ليغلي على نار متوسطة لمدة نصف ساعة على الأقل أو حتى ينضج العدس (أكثر أو أقل حسب نوع العدس).
أما شوربة الدجاج التي عادة ما أحضرها خلال فصل الشتاء، فتحضر على الشكل التالي: يتم قلي قطع الدجاج في البداية مع البصل والثوم ثم إضافة الماء لسلقها، وخلال السلق تتم إضافة الكثير من أنواع الخضراوات وهذا يعتمد على ذوق الشخص، لكني عادة ما أضيف الجزر المقطع، الفلفل أو الفليفلة الطازجة، البازلاء أو الفاصوليا الخضراء، والكرفس، وما توفر من بعض بقايا خضراوات المنزل، وأترك الخليط يغلي لمدة نصف ساعة قبل أن أضيف الأرز (كمية قليلة) وأضيف بهار الفلفل الأسود المطحون والكزبرة المطحونة وجوز الطيب المطحون والقرفة المطحونة. وبعد أربعين دقيقة وعند نضوج الدجاج والأرز تتم إضافة البقدونس إلى القدر ويتم تغطية القدر على الأقل لعشر دقائق قبل التقديم.
تاريخيا، هناك الكثير من الأدلة على وجود الشوربة 20 ألف سنة قبل الميلاد، ولم يحصل هذا الأمر إلا مع استخدام الحاويات المضادة للماء وجلود الحيوانات والقصب. وقد استخدم الناس الصخور الساخنة لغلي الماء وطهي بعض أنواع الخضراوات والفاكهة في البدايات.
ويؤكد الكثير من الخبراء أن تاريخ الشوربة في الحقيقة هو من تاريخ الطبخ عند البشر، فعملية خلط بعض الأنواع في قدر واحد كان الجامع المشترك بين الأغنياء والفقراء وبين المستقرين والرحل. ولأنه كان من السهل هضم الشوربة وصفت للعجز من الناس منذ قديم الزمان.
كلمة «مطعم»
كلمة restaurant - مطعم تأتي من الفعل الفرنسي restaurer، وقد استخدمت كلمة مطعم - restaurant (بمعنى تجديد أو ترميم أو إحياء أو إنعاش) لأول مرة في فرنسا في القرن السادس عشر، للإشارة إلى الحساء أو الشوربة المركزة للغاية وغير المكلفة، والتي تباع من قبل الباعة الجوالين. وكان يتم الإعلان عنها في البداية كعلاج للإرهاق الجسدي. ومع افتتاح رجل أعمال باريسي متجر متخصص في هذا النوع من أنواع الشوربة في نهاية القرن الثامن عشر، بدأ استخدم كلمة مطعم - restaurant على جميع أنواع هذه المؤسسات الحديثة.
أما كلمة حساء أو شوربة نفسها في الإنجليزية - soup، فهي مستوحاة من مفهوم «النقع» وتعود إلى فعل من اللغة اللاتينية ما بعد الكلاسيكية suppare soak الذي تم استعارته من الجذر الألماني القديم sup - الذي استخدم بالإنجليزية sup وsupper
سبر (تعني عشاء). ومن السبر جاء الاسم سوبا - suppa الذي انتهى بالفرنسية سوب - soupe أي شوربة أو حساء بالعربية (الاسم يعني بالتحديد المرق المسكوب على الخبز). وانتقل الاسم من الفرنسية إلى الإنجليزية سوب - soup في القرن السابع عشر. وقبل ذلك كان يطلق على طبق الشوربة اسم «مرق – broth» فقط لا غير. وكان يقدم هذا المرق إلى جانب الخضراوات أو اللحوم التي حضر منها ويسكب على الخبز المحمص ولاحقاً وفي القرن الثامن عشر أصبح يقدم كطبق مستقل أي شوربة على ما يقول الكاتب جون إيتو في كتاب «أ - ي الطعام والشراب» الصادر عن دار جامعة أكسفورد.
وحسب كتاب «الطبخ الفرنسي المبكر» لليلينور وتيريناس سكلي، فإن الشوربة كانت منتشرة ومهمة جدا في القرون الوسطى في أوروبا وكان الخبز يلعب دور الملعقة آنذاك.
وفي الولايات المتحدة الأميركية، جاء ذكر وصفات الشوربة في كتاب الطبخ الذي نشره ويليام باركز في ويليامزبرغ، في ولاية فرجينيا عام 1742. ومع وصول المهاجرين الجدد من بلدان أخرى إلى أميركا، اكتسبت الشوربات الوطنية الأخرى شعبية. وكان المهاجرون الألمان الذين يعيشون في ولاية بنسلفانيا على وجه الخصوص مشهورين بشوربة البطاطا. وعند نهاية القرن الثامن عشر افتتح جان بابتيست جيلبرت بيبلات دي جوليان وهو لاجئ من الثورة الفرنسية، مؤسسة لتناول الطعام في بوسطن تسمى «الريستوراتور»، وأصبح يعرف باسم «أمير الشوربة». وكان كتاب «الشوربة وصناعة الشوربة» لإيما أوينغ، عام 1882 أول كتاب أو كتيب مختص بالشوربة في يصدر في الولايات المتحدة.
وقد مكنت التطورات في مجال العلوم الشوربة من اتخاذ أشكال كثيرة... مجففة، معلبة، محمولة وجاهزة للميكروويف. وكان المسافرون يحملون معهم ما يعرف بـ«شوربة الجيب - Pocket Soop» لأن سبل تحضيرها كان سهلا لا تحتاج إلا بعض الماء الساخن. وكان الكثير من أنواع الشوربة المعلبة والمجففة متوفرا في القرن التاسع عشر. وقد وفرت الأنواع للجيوش، والقطارات وعربات السفر، وعربات رعاة البقر، والمنازل. كما سمح التقدم في العلوم لاحقا بتعديل العناصر المغذية لتلائم الاحتياجات الغذائية المحددة (الملح المنخفض، والألياف العالية، وما إلى ذلك) كما يقول موقع «فود تايم لاين».
ومن أنواع الشوربات الكلاسيكية والمعروفة جدا شوربة المحار السميكة - CLAM CHOWDER التي تعرف جدا في مناطق نيو إنغلاند في شمال شرقي الولايات المتحدة. وعادة ما تشمل مكونات الشوربة على الزبدة والكرفس والبصل والطحين والمحار ومرق المحار المعروف بعصير المحار والبطاطا والحليب والزعتر الجاف والملح والفلفل الأسود المطحون.
ويتم طبخ هذه الشوربة عادة بقلي الكرفس والبصل بالزبدة لمدة 3 دقائق قبل إضافة الطحين والحصول على معجون خفيف. وبعد ذلك يضاف مرق المحار والماء للحصول على الكثافة المطلوبة. وبعد ذلك تضاف قطع البطاطا الصغيرة، الحليب، الزعتر، الملح والفلفل الأسود المطحون، ويتم ترك الخليط على نار هادئة لمدة 20 دقيقة أي حتى تستوي البطاط وعندها تتم إضافة المحار والطبخ قليلا قبل التقديم.
ومن أنواع الشوربة الكلاسيكية أيضا الشوربة الإسبانية - البرتغالية الباردة الجازباتشو - Gazpacho الأندلسي المصدر. وهي من أنواع الشروبات الصيفية لبرودتها وطبيعتها المنعشة. وعادة ما تشمل وصفات الجازباتشيو الخبز، البندورة، الخل، الماء، الملح، زيت الزيتون، البصل، الثوم، الخيار والفلفل. عادة ما يتم تقطيع البندورة والخيار والفلفل الحار إلى قطع صغيرة ويتم تمليحها وتبهيرها وخلطها معا في إناء واسع وبعد ذلك خلط بعد حبات البندورة الصغيرة والحلوة مع بعض اللايم أو الحامض والخل في الماكينة الكهربائية للحصول على سائل مكثف. يتم وضع السائل فوق خليط البندورة والخيار وخلطهما معا ثم تنعيم نصف المحتوى في الماكينة وإعادته إلى الوعاء قبل التقديم.
والأهم من هذا شوربة البصل الفرنسية التي تعتبر من أشهر أنواع الشوربات على الإطلاق، وتحتاج الشوربة البصل والملح والسكر والفلفل الأسود المطحون والزبدة والزيت والنبيذ الأبيض والجبن والخبز ومرق اللحم. وعادة ما يتم تقطيع البصل إلى شرائح ناعمة وقليها في الزيت والزبدة لمدة عشرين دقيقة وبعد ذلك يضاف الملح والسكر ويقلب الخليط حتى يصبح ذهبيا ثم يضاف بعض الجبن ويتم الخلط والطبخ حتى يصبح المحتوى أو البصل ذهبيا داكنا وبعد ذلك يضاف مرق اللحم والنبيذ الأبيض وبعض الماء وبعض البهارات وورق الغار ويترك الخليك على نار هادئة لمدة 40 دقيقة. وبعد أن تنتهي المرحلة الأولى يتم إضافة الجبن الأصفر المبروش فوق الشوربة المسكوبة في الطاسة وتذويبها في الفرن. تقدم الشوربة إلى جانب الخبز المحمص مع الزبدة.


مقالات ذات صلة

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق حمية الملك تشارلز صحية مع بعض الاستثناءات (أ.ف.ب) p-circle 01:25

على مائدة الملك تشارلز... أطعمةٌ عضويّة وبيض الدجاجات التي يعتني بها شخصياً

يدخل الملك تشارلز غداً عامه الـ77 وهو ما زال يحافظ على قوامٍ رشيق بفَضل نظامٍ رياضيّ وحمية صحية قائمة على المأكولات العضوية الطبيعية.

كريستين حبيب (بيروت)

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».