فان دام يخلط بين الرعب والأمن والركود والاستقرار

استنتاجات خاطئة في كتاب الدبلوماسي الهولندي المخضرم عن سوريا

فان دام يخلط بين الرعب والأمن والركود والاستقرار
TT

فان دام يخلط بين الرعب والأمن والركود والاستقرار

فان دام يخلط بين الرعب والأمن والركود والاستقرار

يقدم التعريف الموجز لهذا الكتاب الجديد عن سوريا مؤلفه نيكولاس فان دام بوصفه: «دبلوماسيا هولنديا مخضرما لديه معرفة مباشرة بالشرق الأوسط». وقد تولى فان دام، بعد عمله سفيراً لهولندا في مصر، وتركيا، والعراق، منصب المبعوث الخاص لبلده إلى سوريا؛ وخلال هذه المهمة الأخيرة أخذ يراقب الوضع من قاعدة في دولة الجوار تركيا. وتتجلى الخلفية الدبلوماسية لفان دام بوضوح طوال صفحات الكتاب، الذي يحاول فيه بجهد، من دون أن ينجح دائماً، أن يكون عادلاً تجاه «جميع الأطراف»، أي يحاول عدم الانحياز لطرف دون الآخر، مع نسج الحجج التي تتمحور حول العبارة النمطية القديمة وهي أن «الحوار هو المخرج الوحيد».
وعلى أية حال، هو ينتقد الأنظمة الديمقراطية الغربية التي يقول إنها خدعت المعارضة السورية من خلال قطع كثير من الوعود ومن بينها الوعد بالتدخل العسكري، وهو أمر لم يعتزموا أبداً القيام به. كذلك ينتقد بوجه خاص الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، الذي أطلق عبارة «على الأسد أن يرحل»، ورسم «خطاً أحمر»، تخطاه النظام السوري المستبد بكل جرأة ومن دون أن يصيبه أي أذى.
يتكون النصف الأول من الكتاب من رواية ذات إيقاع سريع للتاريخ السوري قبل اندلاع الثورة الشعبية عام 2011. الصورة التي تظهر من خلال الكتاب هي صورة سوريا التي تعاني الآن من عدم الاستقرار وأعمال العنف بما في ذلك الصراع الطائفي؛ وربط فان دام ذلك بصورة سوريا، التي أعاد تشكيلها الرئيس الراحل حافظ الأسد، الذي تولى السلطة عام 1970، والذي خلّفه على سدة الحكم ابنه بشار الأسد. يقول فان دام هنا: «لقد شهدت سوريا خلال فترة حكم كل من حافظ وبشار استتباب الأمن الداخلي، والاستقرار، على نحو أكبر مما كانت عليه منذ استقلالها».
ولكن ألا يخلط فان دام بين الرعب والأمن، وبين الركود والاستقرار؟ وإذا غضضنا النظر عن الست سنوات الماضية، التي شهدت البلاد فيها مقتل نحو نصف مليون سوري، فإن تلك العقود الأربع من حكم الأب وابنه كانت نموذجاً للأمن والاستقرار، حسب فان دام. طوال تلك السنوات التي يتحدث عنها فان دام، عاشت سوريا مكبلة بقانون الطوارئ، وتم اعتقال الآلاف، أو تعذيبهم، أو إعدامهم.
إن غياب الأمن والاستقرار الحقيقيين، كان يعني أن النظام البعثي غير قادر على بناء مؤسسات راسخة مستدامة لدولة حديثة، لذا رأى المجتمع السوري إلى حد كبير الطاقة الإبداعية وهي تختنق وهو أمر لم يتمكن، حتى لو حاولوا، الحكام المستبدون السابقون بداية من حسني الزعيم القيام به. يمكن القول بعبارة أخرى، وخلافاً لما ذهب إليه فان دام، فإن الأسد الأب والابن قد دمرا كافة فرص إرساء البنية التحتية السياسية لسوريا، ناهيك بالبنية التحتية الأخلاقية اللازمة لتحقيق أمن واستقرار حقيقيين.
ويحاول فان دام تصوير سوريا كمجتمع يسيطر عليه العنف الطائفي دائماً، ويشير في كثير من المواضع إلى «قتل العلويين» على أيدي المسلمين السنة العرب. والمثال الوحيد الذي يذكره هو عملية القتل الجماعي، التي ارتكبها قادة عسكريون ينتمون إلى الطائفة العلوية في حلب خلال فترة حكم حافظ الأسد. امتدت تلك العملية، وهي أكبر عملية قتل جماعي في تلك الحقبة، لمدة أسبوع، وراح ضحيتها مدنيون عزّل تم قتلهم على أيدي قوات الأسد في حماة عام 1982، وقد وصل عدد الضحايا، حسب فان دام، إلى 25 ألف كان أكثرهم من العرب السنة. يعلم من هم على دراية بالتاريخ السوري أنه في الوقت الذي لعبت فيه الطائفية دوراً في كل الأحداث قريباً التي شهدتها تلك البلاد التعسة، إلا لم تكن دوماً هي العامل الأساسي المهيمن. ما عايشته سوريا ولا تزال تعايشه إلى درجة هي حرب طائفيين وليست حرباً طائفية.
إن القتال، الذي تدور رحاه اليوم، ليس بين السنة والعلويين السوريين، وسيكون من الخطأ رؤية نظام الأسد المستبد كنظام علوي فحسب، بل إنه صراع بين جماهير من السوريين المحرومين من الحرية والديمقراطية الذين ينتمون إلى كل الطوائف، وبين نظام مستبد عازم على الوصول إلى آخر مدى من أجل التمسك بالسلطة، أو، كما نلاحظ، بوهم السلطة.
من أجل تحقيق هذه الغاية، ركّز نظام الأسد على الهيمنة على أذرع السلطة الغاشمة من جيش، وشرطة، و15 تنظيماً أمنياً على الأقل، مع الاستعانة بأفراد موالين للأسد أكثر مما هم موالون لطائفة بعينها أو حتى لحزب البعث الحاكم. وتمثل نسبة الضباط العلويين في الجيش السوري، بحسب تقديرات فان دام، 86 في المائة، لكن أهم ما في الأمر هو موالاتهم لعشيرة الأسد، أكثر من موالاتهم لطائفة دينية، على نحو لا يزال سرياً حتى بالنسبة لأتباعها. ويبلغ الدعم الذي يحظى به الأسد، بحسب تقدير فان دام، 30 في المائة من سكان سوريا؛ ويقابل ذلك نسبة العلويين والمسيحيين والإسماعيليين والدروز في البلاد. مع ذلك تحتاج ترجمة الإحصاءات والأرقام، وهي تقديرية فحسب، إلى حقائق من الدعم السياسي للنظام إلى قدر كبير من الخيال. قد يفضل المرء التقديرات، التي يقدمها سامي خيمي، أحد أكثر الدبلوماسيين السوريين خبرة، والذي يوجد في المنفى حالياً، ويقتبس فان من أقواله في الكتاب. طبقاً لخيمي، يحظى نظام الأسد ومعارضوه المسلحون بدعم نحو 70 في المائة من السوريين، أما الباقي فيكرهون الاثنين لأسباب مختلفة.
بحسب فان دام، فإن مطالبة المعارضة السورية، إلى جانب أكثر من مائة دولة، برحيل الأسد كان عقبة كبرى على طريق التوصل إلى حل تفاوضي للصراع. ويقول فان دام إن على المعارضة ومؤيديها من الدول العربية والدول الديمقراطية الغربية المطالبة عوضاً عن ذلك بتعاون الأسد في عملية الانتقال. قد لا يعلم فان دام هذا الأمر، لكنه تحديداً ما كانوا يحاولون القيام به حين تم طرح خطة المسار الثاني التي من كان المفترض بموجبها أن «يتنحى الأسد جانباً» بدلاً من أن «يتنازل عن السلطة» بدعم أوروبي وإلى حد ما أميركي. كان مصير هذه الخطة الفشل، نظراً لرفض الأسد المبادئ الأساسية لها، إلى جانب سحب أوباما للدعم الأميركي اعتقاداً منه أن الأسد سوف يسقط في كل الأحوال.
قد يتساءل المرء عن معنى عنوان الكتاب والعنوان الفرعي له. ما يحدث في سوريا لا علاقة له بـ«تدمير أمة»، ولا من المرجح أن يتم تدمير سوريا كأمة. في الواقع يمكن للمرء القول إنه بمجرد إسقاط النظام الاستبدادي، قد تنهض سوريا من محنتها الحالية أقوى كأمة أكثر من أي وقت مضى. وفي الحقيقة، يتم تسويق موضوع «الدمار» من جانب الأسد والدولتين الداعمتين له روسيا وإيران كأداة في حملة تستهدف نشر الإرهاب النفسي للسيطرة على الشعب السوري وإجباره على الخضوع والخنوع، مثله مثل استخدام شعار «إما الأسد أو سوف نحرق البلاد» من قبل البلطجية الداعمين للأسد بمن فيهم الشبيحة.
قد يمثل وصف الصراع في سوريا بأنه «حرب أهلية» إشكالية، فمنذ الأزمنة القديمة في روما، بين ماريوس وسولا، أو قيصر ومومباي على سبيل المثال، ينطبق مصطلح الحرب الأهلية على الصراع المسلح على السلطة بين معسكرين محليين يتمتعان بالقوة نفسها عند نقطة البداية. ولا ينطبق هذا الوصف على سوريا حيث اندلع الصراع بين متظاهرين غير مسلحين، وقوات مسلحة ذات عتاد ثقيل تابعة للأسد. لم يتحول الصراع الموازي، الذي تطور بعد ذلك بين الجماعات المسلحة المناهضة للأسد، وبقايا جيش النظام، إلى حرب أهلية بسبب وجود عناصر وقوى أجنبية بقوة على الجانبين.
يضيف فان دام إلى كتابه تقديرات تشير إلى أن ما تبقى من أفراد جيش الأسد يزيد على 65 ألف. في الوقت ذاته، يتفاخر اللواء قاسم سليماني، الذي يقود حملة «تصدير الثورة» من طهران، بأن لديه أكثر من 60 ألف رجل في سوريا، من بينهم متطوعون للاستشهاد من لبنان، وأفغانستان، والعراق، وباكستان. بعبارة أخرى، نحو نصف هؤلاء الذين يقاتلون من أجل الحفاظ على أمن وسلامة الأسد في آخر معاقله في دمشق ليسوا من السوريين. في الوقت ذاته من الواضح أنه لولا مظلة الدفاع، التي يوفرها القصف الجوي الروسي، لما كان سيصبح لدى الأسد أي فرصة للعودة ولو رمزياً إلى مناطق مثل حلب.
كذلك هناك تدخل أجنبي واضح في معسكر المعارضة المسلحة. بحسب التقديرات الغربية، يقاتل أكثر من 30 ألف من غير السوريين، يحمل الكثير منهم جوازات سفر أوروبية، إلى جانب تنظيم داعش، والجماعات «الجهادية» المختلفة، بل وحتى جماعات مسلحة كردية في سوريا. قد يكون الدعم المالي، والسياسي، والتدريب، الذي تقدمه أكثر من 50 دولة، إلى المعارضة السورية «قليل جداً ومتأخر للغاية»، كما يؤكد فان دام، لكنه في الوقت ذاته يجعل من الصعب تقليل شأن العنصر غير السوري من هذا الصراع المأساوي. بعبارة أخرى، تمنع الحرب بالوكالة في هذا الصراع، وهو أمر يقرّه فان دام، توصيف الوضع بأنه حرب أهلية بالمعنى الكلاسيكي.
رغم أوجه القصور الواضحة في كتاب فان دام، يعد إسهاماً مرحباً به في الجدال الدولي بشأن الأزمة السورية، فحسبه أنه يقدم لمحة عن الأفكار المتداولة في الدوائر الدبلوماسية الأوروبية.
ما قد لا يتقبله البعض هو تشاؤم فان دام العميق تجاه مستقبل سوريا، حيث يكتب: «ليس لدى سوريا مستقبل جيد في ظل بقاء بشار الأسد في سدة الحكم، مع ذلك تظل فرص سوريا في المستقبل دون وجود الأسد غير واعدة أيضاً». مع ذلك، ومن دون النظر إلى ما سيحدث، فمن المؤكد أن ماكينة الإرهاب التي يستخدمها الأسد قد تعطلت، وحتى مع الدعم الروسي الإيراني، لا يمكن إصلاحها وإعادتها إلى سابق عهدها. لذا ربما لا تكون فرص سوريا في المستقبل قاتمة؛ وعلى أي حال سوف نرى.



منصات تسوق إلكتروني وهمية تمنح مدمني التبضّع النشوة... دون ثمن

منصات تسوق إلكتروني وهمية تمنح مدمني التبضّع النشوة... دون ثمن
TT

منصات تسوق إلكتروني وهمية تمنح مدمني التبضّع النشوة... دون ثمن

منصات تسوق إلكتروني وهمية تمنح مدمني التبضّع النشوة... دون ثمن

يحتوي تطبيق «FoodNeverComes» على جميع خصائص تطبيقات توصيل الطعام، إذ يمكنك تصفح قائمة المطاعم، واختيار ما ترغب به، وإجراء التعديلات، ثم إدخال عنوانك وطريقة الدفع، وتتبع المندوب حتى وصول الطعام إلى باب منزلك، كما كتبت جود كريمر(*). لكن ما العيب الوحيد؟ كما يوحي اسم التطبيق، فإن الطعام لا يصل أبداً!

بدعة كورية للحصول على النشوة

لا يُجري «FoodNeverComes» أي معاملات أو عمليات توصيل حقيقية، بل هو جزء من اتجاه متزايد لمواقع التسوق الإلكتروني الوهمية المنتشرة من كوريا الجنوبية. على ما يُسمى «مواقع الدوبامين»، يمكن للمستخدمين محاكاة متعة التسوق، دون الحاجة للشراء الفعلي، والحصول على النشوة التي تأتي من شراء شيء دون أي تكلفة مالية حقيقية.

يُمكن تفسير الفكرة علمياً: يُفرَز الدوبامين في الدماغ عادةً عند توقع مكافأة، وليس عند الحصول عليها، وهذا يعني أن الضغط على زر «شراء» يجب أن يكون مُرضياً، حتى دون وجود منتَج حقيقي مرتبط به، لكن المتشككين على وسائل التواصل الاجتماعي ليسوا متأكدين من ذلك.

قصة نشأة التطبيق

أُنشئ التطبيق بواسطة مطوّر كوري جنوبي يُدعى مالهي، الذي شارك تصوراته على وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً إن الفكرة خطرت له في «إحدى تلك الليالي التي كنت أفتح فيها تطبيقات توصيل الطعام وأغلقها باستمرار». وكتب مالهي، باللغة الكورية، والتي تُرجمت إلى الإنجليزية: «بدأتُ الأمر كمزحة في البداية، لكن من المثير للدهشة أن مجرد إشباع تلك الرغبة في (طلب شيء) جعل الأمر مُرضياً، بشكل غريب، دون أن أطلب شيئاً، بالفعل».

آراء رواد مواقع التواصل الاجتماعي

على الرغم من ازدياد شعبية مواقع الدوبامين بين «جيل زد» من الشباب في كوريا الجنوبية، لكن مستخدمي الإنترنت عموماً ليسوا متحمسين للفكرة. فعندما انتشرت منشورات عن هذا الموقع، ومواقع أخرى مماثلة، خلال عطلة نهاية الأسبوع، استنكر مستخدمو تطبيقات مثل «إكس» الفكرة وعدُّوها انعكاساً مؤسفاً لحالة «الرأسمالية في آخِر أيامها».

فوائد لمدمني التسوق

ورغم أن تطبيقات مثل هذا التطبيق قد لا تحظى بشعبية واسعة، لكنها قد تفيد فئات معينة، كمن يعانون إدمان التسوق الإلكتروني. وفي منتدى فرعي على موقع «ريديت» مخصص لمدمني التسوق، ناقش المستخدمون جدوى التطبيق في إبعادهم عن المتاجر الإلكترونية الحقيقية.

وأيّد البعض الفكرة، مثل مستخدم شبَّه التطبيق بكيفية مساعدة تناول البيرة الخالية من الكحول للمدمنين المتعافين من إدمان الكحول. وكتب: «إنها تُشبع الرغبة، خاصة في البداية»، لكن آخرين قالوا إن التطبيق سيكون مُزعجاً أكثر من كونه مفيداً.

* مجلة «فاست كومباني»


سابقة سينمائية... فيلم إيراني مصنوع بالذكاء الاصطناعي يخترق «مهرجان تريبيكا العالمي»

مشهد من فيلم «أحلام البنفسج» المصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي (شركة الإنتاج Fountain0)
مشهد من فيلم «أحلام البنفسج» المصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي (شركة الإنتاج Fountain0)
TT

سابقة سينمائية... فيلم إيراني مصنوع بالذكاء الاصطناعي يخترق «مهرجان تريبيكا العالمي»

مشهد من فيلم «أحلام البنفسج» المصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي (شركة الإنتاج Fountain0)
مشهد من فيلم «أحلام البنفسج» المصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي (شركة الإنتاج Fountain0)

سابقة سينمائية هي الأولى من نوعها شَهِدَها قبل أيام «مهرجان تريبيكا للأفلام» في نيويورك. قرر المحفل السينمائي العريق أن يضيء شاشاته لفيلم صُنِع بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي. وبذلك، أصبح «أحلام البنفسج» (Dreams of Violets) أول فيلم مولّد بالـ«AI» يشارك في مهرجان سينمائي عالمي.

ويروي الفيلم الإيراني المستوحى من المظاهرات الدامية التي شهدتها طهران في يناير (كانون الثاني) 2026، وأسفرت عن مقتل الآلاف بسبب قمع الشرطة للمتظاهرين، حكاية 5 أشخاص يلتجئون إلى زقاقٍ ضيّق، هرباً من رجال الأمن. ومع حلول الفجر، تعثر القوات الحكومية الإيرانية عليهم، وتستعد لتنفيذ حُكم الإعدام فيهم. يدور ذلك أمام عينَي «أمير»، الطفل القابع على كرسيّه المتحرّك قرب نافذته المطلّة على الزقاق. ورغم إصابته بالشلل الدماغي، فإنه يقرر التدخّل.

بميزانية لم تتجاوز ألفَي دولار، وخلال مدة لم تتعدّ الشهرَين، أنجزَ رائد الأعمال الإيراني عشقان كوشانجاد المعروف باسم آش كوشا فيلمه. هو الآتي من قطاع التكنولوجيا. صنع تجربته السينمائية الأولى بمساعدة أخيه بويا. وعلى بُعد أميال وأميال من طهران، من داخل شقته في العاصمة البريطانية، لندن، التي اختارها منفى له عام 2009. لقّنَ آش أدوات الذكاء الاصطناعي نصاً من تأليفه، وبعض الصور والفيديوهات المأخوذة من مظاهرات إيران، لتتولّى التقنيات الحديثة الباقي وتولّد الفيلم.

لا ممثلين هنا ولا فريق عمل. كل ما يراه المُشاهد خلال الدقائق الـ75 من «أحلام البنفسج» مصنوع حصراً بتقنيات الذكاء الاصطناعي، بدءاً بالشخصيات ووجوهها وأصواتها، مروراً بالمَشاهد والصور، وصولاً إلى الديكورات والمواقع، وليس انتهاءً بالإضاءة والمؤثرات الخاصة.

الفيلم مستوحى من المظاهرات الدامية التي شهدتها إيران مطلع 2026 (شركة الإنتاج)

في خضمّ سجالٍ هوليوودي محتدم حول إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأفلام، وبين معترضٍ بشراسة وموافِقٍ بتَرَدُّد، جاء قرار إدارة «مهرجان تريبيكا» الأميركي صادماً باستقبال «أحلام البنفسج».

أحدثَ مؤسِّسا المهرجان، المنتجة جين روزنتال والممثل روبرت دي نيرو، ضجّة بتبنّيهما الفيلم. وقد أوضحت روزنتال في تصريحٍ لها خلفيات تلك الخطوة قائلة: «لطالما دافع (مهرجان تريبيكا) عن الفنانين الذين يتجاوزون حدود سرد القصص ويستكشفون آفاقاً إبداعية جديدة»، واصفة الفيلم بأنه «مثال قوي على كيفية استخدام التقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي، ليس فقط كأدوات للابتكار، بل كوسائل لسرد قصص إنسانية عميقة».

مؤسِسا «مهرجان تريبيكا السينمائي» المنتجة جين روزنتال والممثل روبرت دي نيرو (إنستغرام)

من وجهة نظر آش كوشا، لولا الذكاء الاصطناعي لكانَ من المستحيل صناعة هذا العمل الذي يمزج بين الدراما والتوثيق؛ أوّلاً للأسباب الأمنية، فكل مَن حاول تصوير مظاهرات إيران مطلع 2026 وجدَ نفسه إمّا ضحية للاعتقال أو الضرب أو حتى الإعدام، وثانياً للاعتبارات اللوجستية والمسافات الجغرافية التي تفصل بين كوشا ووطنه الأمّ. لذلك، فقد استعاض بالقليل الذي وصل إليه عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والأصدقاء المًوجودين في إيران، وطوّره مستخدماً الذكاء الاصطناعي.

ولولا الذكاء الاصطناعي كذلك، لَما أمكن معاينة ما جرى، نظراً للتضييق وانقطاع الإنترنت. أدركَ كوشا أنّ المدى الحقيقي للمعاناة قد لا يُعرَف بالكامل أبداً، لذلك قرر وشقيقه أن يكونا شاهدَين على التاريخ، وأن يُطلقا الصرخة عالياً نيابة عن أهل بلدهما من خلال «أحلام البنفسج».

لولا الذكاء الاصطناعي لكان من المستحيل صناعة فيلم مثل «أحلام البنفسج» (شركة الإنتاج)

مَن حضَروا العرض العالمي الأول في «مهرجان تريبيكا»، شاهدوا شوارع طهران مشتعلة بالنيران، ورجال أمن مدجّجين بالسلاح، ووجوهاً غطّتها الأقنعة، وأخرى سحقَها الخوف والحزن. لوهلة ظنّوا أنّ ما يرونه حقيقيّ، لتأتي التقنيات وتذكّرهم بأنّ القصة، ورغم واقعيّتها، تُعاني ضعفاً تصويرياً وإخراجياً في بعض الأماكن؛ فصناعة الأفلام بواسطة الذكاء الاصطناعي ما زالت في بداية الطريق، وتحتاج إلى وقت حتى تبلغ مراحل متقدّمة من التطوّر والإقناع.

إلا أنه وفي حالة «أحلام البنفسج»، يبقى المضمون أهمّ من الشكل، والقضيّة أكثر قيمة من الصورة. وقد اختارته إدارة المهرجان، ليس لأنه مصنوع بالذكاء الاصطناعي فحسب، بل لأنه يطرح هذا الموضوع الإنساني الذي لم يجرؤ كثيرون على طرحه.

على قاعدة أن المضمون أهم من الشكل شقّ الفيلم طريقه إلى العالمية (شركة الإنتاج)

عن كيفيّة صناعة الفيلم، يقول آش كوشا لصحيفة «غارديان» البريطانية إنه ابتكر الشخصيات من خلال وصف مظهرها الخارجي لبرامج الذكاء الاصطناعي، مستعيناً بملامح في ذاكرته لأشخاصٍ عرفهم في الماضي. وكلّما تَقدّمَ في تطوير السيناريو، كان الـ«AI» يواكبه في توليد الوجوه واللقطات والمَشاهد المطابقة للنص. وأوضح أنّه تجنّبَ بناء الشخصيات على مواطنين حقيقيين في طهران، حفاظاً على أمنهم: «لأنه لن يكون من الآمن أن تشبه أي من شخصيات الفيلم أي مواطن إيراني، ولو بشكل طفيف».

وعلى الرغم من أن جميع الصور والشخصيات في الفيلم مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، فإنه يستند إلى تقارير صحافية وصور فوتوغرافية وشهادات شهود عيان. أما البرامج المُستخدمة فهي «Kling AI» لتوليد الفيديو، و«Claude AI» للتحرير اللغوي، و«Gemini» و«Nano Banana» للأبحاث والتصوير، وفقاً لشركة الإنتاج «Fountain 0». أما أصوات الشخصيات، فسجّلها كوشا بنفسه ثم استخدم الذكاء الاصطناعي لتعديلها، فتحوّل صوتُه حيناً إلى صوت امرأة عشرينيّة، وحيناً آخر إلى صوت رجلٍ متقدّم في السن.

استعان صانع الفيلم ببرامج متعددة خاصة بالذكاء الاصطناعي لتوليد المشاهد والحوار والأصوات (شركة الإنتاج)

في تحية شاعريّة إلى الشعب الإيراني، تقول إحدى شخصيات الفيلم إنّ البنفسج هو الزهرة الوحيدة التي تنمو في العتمة، ومن هنا العنوان «أحلام البنفسج». المشروع الطالع من قلب الصناعة الرقميّة الافتراضيّة لم يتخلَّ تماماً عن إنسانيّته، ولعلّ في هذا التوازن بين الإحساس البشري والدماغ الاصطناعي مفتاح نجاح الأعمال المعاصرة، سينمائية كانت أو غيرها.


إقرار «اتفاقية مزايا المشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»

تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)
تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)
TT

إقرار «اتفاقية مزايا المشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»

تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)
تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)

وافقت الجمعية العامة للمكتب الدولي للمعارض على «اتفاقية الامتيازات والمزايا الممنوحة للمشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»، في خطوة تعدّ محطة رئيسية بمسيرة التحضير للحدث العالمي، وتُعزِّز الإطار المؤسسي والتنظيمي لاستضافته.

وتُرسِّخ الاتفاقية الإطار القانوني المنظّم للمشاركة في «إكسبو 2030 الرياض»، بما يضمن الحقوق والامتيازات والشروط الممنوحة للمشاركين الرسميين وفقاً لإطار المكتب الدولي.

وتعكس موافقة الجمعية العامة تنامي الثقة الدولية برؤية السعودية وقدراتها التنظيمية والتنفيذية، وتُمثِّل خطوة رئيسية في استعدادات البلاد لاستضافة الحدث، وتُعزِّز التعاون مع المكتب والدول المشاركة، بما يسهم في تقديم نسخة استثنائية من معارض «إكسبو» الدولية.

وجاء هذا الإنجاز خلال مشاركة وفد السعودية في أعمال الاجتماع الـ178 للجمعية العامة في باريس، برئاسة عادل الجبير، وزير الدولة للشؤون الخارجية عضو مجلس الوزراء ومبعوث شؤون المناخ، والمفوّض العام لـ«إكسبو 2030 الرياض».

وقدَّر الجبير، خلال الاجتماع، للمكتب والدول الأعضاء على ثقتهم المستمرة وشراكتهم البنَّاءة، مؤكداً أن «إكسبو 2030 الرياض» سيكون منصة عالمية تجمع الدول والشعوب والأفكار لتعزيز الحوار وإلهام التعاون، وتشجيع العمل الجماعي نحو مستقبل أفضل.

وجدَّد الوزير السعودي التزام بلاده بمواصلة العمل الوثيق مع المكتب وجميع المشاركين لضمان تقديم معرض عالمي شامل وذي أثر مستدام يترك إرثاً للأجيال القادمة.

واستعرض الوفد السعودي في الاجتماع، آخر مستجدات «إكسبو 2030 الرياض»، بما في ذلك تطورات موضوع المعرض، والتقدم المحرز في المخطط الرئيسي، وأعمال تطوير الموقع، بما يؤكد التقدم المتواصل عبر مختلف مسارات التخطيط والتصميم والبنية التحتية والاستعدادات التشغيلية.

من جانبه، أكد طلال المري، الرئيس التنفيذي لشركة «إكسبو 2030 الرياض»، أن المشروع يواصل إحراز تقدم متسارع في أعمال الإنشاءات والبنية التحتية والاستعدادات التشغيلية، مدعوماً بشراكات قوية وتكامل في التنفيذ بين مختلف الجهات المعنية.

وأشار المري إلى أن «إكسبو 2030 الرياض» دخل مرحلة التنفيذ المتكامل، مع التركيز على تقديم تجربة عالمية المستوى للمشاركين والزوار، وترسيخ إرث مستدام لمدينة الرياض والعالم.

وسيقام معرض «إكسبو 2030 الرياض» خلال الفترة من 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2030 حتى 31 مارس (آذار) 2031، ليجمع العالم في احتفال عالمي بالثقافة والابتكار والطموح الإنساني.

وعلى مدى ستة أشهر، ستقدم السعودية برنامجاً ثرياً من التجارب الثقافية والترفيهية والتفاعلية، فيما يستعرض المشاركون من مختلف أنحاء العالم أفكارهم وابتكاراتهم ورؤاهم لمستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة.