مفترس من عصر الديناصورات ترك البحر وحكم المياه العذبةhttps://aawsat.com/%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82/5218738-%D9%85%D9%81%D8%AA%D8%B1%D8%B3-%D9%85%D9%86-%D8%B9%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B5%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D8%B1%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1-%D9%88%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B0%D8%A8%D8%A9
مفترس من عصر الديناصورات ترك البحر وحكم المياه العذبة
اكتشاف أحفوري يُعيد رسم بيئة «الموزاصور» خارج المحيطات
«الموزاصور» العملاق عاش واصطاد في الأنهر (جامعة أوبسالا)
لندن:«الشرق الأوسط»
TT
لندن:«الشرق الأوسط»
TT
مفترس من عصر الديناصورات ترك البحر وحكم المياه العذبة
«الموزاصور» العملاق عاش واصطاد في الأنهر (جامعة أوبسالا)
تُشير دراسة علمية جديدة إلى أنّ أحد المفترسات البحرية العملاقة التي جابت المحيطات في عصر الديناصورات ربما كانت تصطاد أيضاً في الأنهر، وذلك وفقاً لاكتشاف سنّ متحجرة في ولاية نورث داكوتا الأميركية.
هذا الزاحف المنقرض الشبيه بالسحالي، المعروف باسم «موزاصور»، كان يبلغ طوله نحو 12 متراً، وربما شغل الدور البيئي نفسه الذي تشغله اليوم تماسيح المياه المالحة، وفق ما نقلت «الإندبندنت» عن باحثين من جامعة أوبسالا السويدية. وعلى مدى سنوات، عُدَّت هذه الكائنات المهيبة ذات الجماجم الضخمة والفكوك القوية من المفترسات البحرية حصراً، التي تقتصر بيئتها على المحيطات.
لكن السنّ المكتشفة، التي تعود إلى 66 مليون عام، في تكوين «هيل كريك» بولاية نورث داكوتا الأميركية، تحمل آثار تعرّضها لمياه الأنهر. ويقول العلماء إنّ هذا الاكتشاف «يضيف دليلاً إضافياً على أنّ الموزاصورات، التي صُنّفت تقليدياً على أنها زواحف بحريّة، كانت قادرة على العيش في بيئات المياه العذبة».
سنّ عمرها 66 مليون عام تُغيّر فهمنا لمفترس منقرض (جامعة أوبسالا)
وقد أطلق الباحثون على النوع المُكتَشف وصف «ملك ضفاف الأنهر»، وذلك في دراسة جديدة نُشرت في مجلة «بي إم سي زولوجي». وتشير التحاليل الكيميائية لسنّ الحيوان إلى أنه أمضى مدّة من حياته في المياه العذبة. ويُرجّح العلماء أنّ الموقع الذي عُثر فيه على السنّ كان في الماضي نهراً متصلاً ببحر داخلي قديم يُعرف باسم «الممر البحريّ الداخلي الغربي».
وتبيَّن أيضاً أنّ السنّ تعود إلى عضو في مجموعة «بروغناثودونتيني» من الموزاصورات، وذلك بناءً على أنماط مُتشابهة في نسيج سطح السنّ مع أنواع أخرى معروفة ضمن المجموعة نفسها. وكشفت التحاليل وجود نسب معيّنة من الأكسجين والسترونتيوم ارتبطت تاريخياً ببيئات المياه العذبة، ما قد يشير إلى أنّ الحيوان كان يفترس كائنات مياه عذبة وقادراً على العيش والصيد بعيداً عن البحر.
أحفورة واحدة تكشف عن أنّ «الموزاصور» لم يكن بحرياً فقط (جامعة أوبسالا)
كما أظهرت السنّ أنه لم يُنقل من مكان بعيد، ممّا يُعزّز فرضية أن الموزاصور عاش في منطقة «هيل كريك» ومات فيها. ولم يسبق العثور في المنطقة على أسنان موزاصورات تعود إلى المدّة الزمنية نفسها.
وتشير دراسات لأسنان موزاصورات أقدم، ولحيوانات أخرى من مناطق الممر البحريّ الداخلي الغربي، إلى بيئة مياه عذبة أكثر منها مياه مالحة، مما يُلمح إلى أنّ مستويات الملح في تلك المنطقة كانت في تراجع مستمر. ويعتقد العلماء أنّ الموزاصورات في هذه المنطقة ربما تكيَّفت تدريجياً مع بيئة المياه العذبة، ودخلت شيئاً فشيئاً إلى القنوات النهرية لـ«هيل كريك».
أُبلغ زوار أحد الشواطئ الخلّابة في جزيرة سردينيا الإيطالية بأنه لن يُسمح لهم بنصب المظلّات الشمسية إلا إذا كانوا برفقة أطفال دون العاشرة أو كانوا فوق 65 عاماً.
بهدف حماية البيئة واستعادة التوازن الطبيعي بعد حرائق مدمِّرة، أُبلغ زوار أحد الشواطئ الخلّابة في جزيرة سردينيا الإيطالية بأنه لن يُسمح لهم بنصب المظلّات الشمسية إلا إذا كانوا برفقة أطفال دون سنّ العاشرة أو كانوا فوق 65 عاماً.
ونقلت «بي بي سي» عن السلطات المُشرفة على شاطئ بونتا مولينتيس، الواقع على الساحل الجنوبي الشرقي لسردينيا، إنّ حرائق الغابات التي اجتاحت الشاطئ والكثبان الرملية وموقف السيارات العام الماضي دفعتها إلى فرض حدّ أقصى يبلغ 150 زائراً في الوقت نفسه.
وأوضحت بلدية فيلاسيميوس أنّ «الحد من التأثير البشري وضمان حماية هذا الإرث للأجيال المقبلة بات أمراً ضرورياً».
وتجذب شواطئ سردينيا الشهيرة أعداداً كبيرة من الزوار منذ سنوات، ولا يُعدُّ شاطئ بونتا مولينتيس الوحيد الذي يسعى إلى فرض قيود خلال موسم الصيف الحالي.
وفي هذا السياق، وقَّع رئيس بلدية فيلاسيميوس، جيانلوكا ديسي، في وقت سابق من هذا الشهر، قراراً رسمياً يفرض رسوماً إلزامية قدرها 10 يوروهات على كل زائر يصل إلى الشاطئ براً، في حين يدفع القادمون بالقوارب 5 يوروهات.
وبموجب القواعد الجديدة، سيُقتصر دخول المركبات إلى شاطئ بونتا مولينتيس على 70 سيارة يومياً حتى 31 أكتوبر (تشرين الأول)، كما سيصبح الحجز المسبق إلزامياً لزيارة الشاطئ، وفق القرار المنشور على الموقع الإلكتروني لمجلس بلدية فيلاسيميوس.
كما تُحظر المظلات الشمسية على جميع الزوار، باستثناء العائلات التي لديها أطفال دون سنّ العاشرة والأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً.
وجاء في الإشعار الرسمي أن «النظام البيئي في بونتا مولينتيس يُعدّ من أكثر النظم البيئية قيمة في منطقتنا، لكنه أيضاً من أكثرها هشاشة».
وكان مرتادو الشاطئ قد اضطروا إلى الفرار بالقوارب خلال حرائق الغابات التي اندلعت أواخر يوليو (تموز) 2025، بعدما وصلت النيران إلى حافة المياه وتصاعدت سحب الدخان الأسود فوق البحر التيراني، فيما احترقت عشرات السيارات في موقف الشاطئ.
ولم تلقَ القواعد الجديدة ترحيباً من الجميع. فقد تساءل أحد سكان سردينيا، في تعليق عبر صفحة بلدية فيلاسيميوس على مواقع التواصل الاجتماعي، عما إذا كان الزوار سيضطرون قريباً إلى «استئجار» أطفال صغار أو أشخاص مسنين لزيارة الشاطئ، مشيراً إلى أنّ الحلّ الوحيد لتعافي الموقع من آثار الحرائق يتمثّل في إغلاقه لسنوات.
ويصف الموقع السياحي الرسمي لسردينيا شاطئ بونتا مولينتيس بأنه «إحدى جواهر فيلاسيميوس»، إذ يقع عند طرف رأس برّي بارز يمتد داخل الساحل الجنوبي للجزيرة.
لبنان يعيش استراحة محارب مع انطلاق «مونديال 2026»https://aawsat.com/%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82/5283247-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B1%D8%A8-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%86%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82-%D9%85%D9%88%D9%86%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%84-2026
«كازينو لبنان» أطلق موسم المونديال في صالته الجديدة «كوروم» (الشرق الأوسط)
«احملوا أعلام فرقكم المفضَّلة... نحن بانتظاركم»؛ عبارة تتصدَّر اللافتات الدعائية في كثير من المقاهي والمراكز التي تنقل مباريات المونديال في لبنان. وكما الساحات العامة والمفتوحة، تدعو المقاهي والمطاعم والنوادي الرياضية عشاق كرة القدم إلى متابعة هذا الحدث العالمي في أجواء جماعية حافلة بالحماسة. وتبلغ المنافسة ذروتها بين المناطق اللبنانية، إذ عمدت كلّ منها إلى تجهيز ساحاتها ومرافقها لاستقبال المشجّعين، مُطلقةً حملات ترويجية مكثَّفة لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الزوار.
وتتنوَّع الأنشطة المرافقة للمباريات بين مساحات ترفيهية للكبار وأخرى مخصَّصة للأطفال، فضلاً عن أركان للطعام والمشروبات والعصائر، بما يُحوّل مشاهدة المباريات إلى مناسبة اجتماعية متكاملة تمتدّ قبل انطلاق اللقاءات وبعد انتهائها.
ويشكل هذا الحدث متنفّساً طبيعياً للبنانيين الذين أنهكتهم تداعيات الحرب. فمن 11 يونيو (حزيران) وحتى 19 يوليو (تموز)، يبدو لبنان وكأنه يعيش هدنة مؤقتة مع همومه اليومية؛ إذ ينفض أبناؤه عن كاهلهم غبار الأزمات، ويستبدلون بمَشاهد القلق لحظات من الحماسة والفرح.
البترون... «عاصمة المونديال»
تحت عنوان «البترون عاصمة المونديال»، خصَّصت جمعية «بترونيات» مساحة لمتابعة مباريات مونديال 2026، واستحدثت موقعاً يمتد على مساحة 250 متراً مربعاً لاستقبال عشاق كرة القدم، إذ ستُنقل المباريات مباشرة من العاشرة مساءً حتى الثالثة فجراً. كما ستفتح «بترونيات» أبوابها خلال الأدوار الحاسمة، لا سيما في مباراتَي نصف النهائي والنهائي، مع عروض وأنشطة متواصلة.
الواجهة البحرية في بيروت تستعدّ لاستضافة مباراة المونديال (الشرق الأوسط)
وتتوسّط ساحة جمعية «بترونيات» شاشة عملاقة تُعدُّ من بين الأكبر المستخدمة هذا العام لهذه المناسبة، وفق ما أوضحت إحدى المسؤولات عن تنظيم الحدث، يارا باسيل لـ«الشرق الأوسط». وتشير إلى أنّ المكان يتّسع لمئات الأشخاص، وقد قُسم إلى 3 مناطق مختلفة: «هناك منطقة المدرج، ومنطقة الـ(في آي بي)، ومنطقة الـ(بوف)، وتبلغ تكلفة الدخول إليها على التوالي 5 و10 و15 دولاراً، وذلك على مدى 40 يوماً».
مباراة تجمع بين العالمية وخليج جونية
من جهته، يُخصّص «كازينو لبنان» صالة «كوروم» لاستقبال عشاق كرة القدم. وعلى شاشات عملاقة موزَّعة في أرجائها، يتابع الحضور مباريات المونديال المنقولة مباشرة من الملاعب المُستضيفة. وتأتي هذه المبادرة للمرة الثالثة على التوالي، بعدما سبق للكازينو أن نظَّمها خلال نسختَي 2018 و2022.
وتشير مديرة التسويق «كازينو لبنان»، كازينو لبنان، لارا حافظ، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنّ الصالة تضم 3 أقسام متفاوتة الأسعار، ممّا يتيح للزوار اختيار الباقة التي تناسبهم لجهة المأكولات والمشروبات والخدمات المرافقة. وتضيف: «يحرص هذا الصرح العريق على تنظيم هذا النوع من النشاطات لما له من دور في إسعاد اللبنانيين، كما يتمسّك بدوره الاجتماعي والترفيهي عبر توفير مساحة تمنحهم بعض الأمل بعيداً من الضغوط الحياتية اليومية».
وبأسعار مدروسة، يتيح «كازينو لبنان» الفرصة أمام مختلف الفئات للاستمتاع بأجواء المونديال. وتفتح الصالة أبوابها يومياً حتى الثالثة فجراً، في حين تتخلّل المباريات مؤثرات بصرية وصوتية تسهم في تعزيز الحماسة عند تسجيل الأهداف أو حسم النتائج.
معرض رشيد كرامي في مدينة طرابلس فتح أبوابه أمام عشاق المونديال (الشرق الأوسط)
معرض رشيد كرامي... تحية من طرابلس إلى المونديال
لم تغب مدينة طرابلس عن أجواء مونديال 2026، إذ قرَّرت هذا العام فتح أبواب معرض رشيد كرامي الدولي أمام عشاق كرة القدم. وبمبادرة من مجموعة من الشباب الذين سبق لهم تنظيم تجربة مماثلة خلال مونديال قطر، تستعد عاصمة الشمال لاستضافة الحدث على نطاق واسع.
ويشير أحد منظمي الفعالية، إيهاب كبارة، إلى أنّ التحضيرات بدأت منذ نحو 3 أشهر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «ارتأينا هذا العام الإسهام في تنشيط الحركة السياحية والترفيهية في طرابلس، بعدما شهدت المدينة تراجعاً ملحوظاً في تنظيم هذا النوع من الفعاليات خلال المدّة الأخيرة».
وعلى مساحة مفتوحة تبلغ 8000 متر مربع، سيُتاح للزوار متابعة جميع مباريات المونديال على مدى 40 يوماً. كما خُصِّصت مساحات للعائلات والأطفال، إلى جانب أركان للطعام والمشروبات. ويتابع كبارة: «سيشهد المعرض أيضاً عروضاً موسيقية وترفيهية متنوّعة، فيتمكن الحضور من تمضية الوقت بين مباراة وأخرى في أجواء من الترفيه والاحتفال، مع عروض موسيقية حيّة و(دي جي) يقدم الأغنيات التي يفضلونها».
ويتسع المكان لنحو 500 شخص يومياً، يتوزعون بين قسمي «Premium» و«Normal». وتأتي هذه المبادرة بالتعاون مع مدير المعرض هاني الشعراني، الذي رحَّب باستضافة الحدث الرياضي العالمي. ويختم كبارة: «وضعنا شاشة عملاقة في قلب الموقع، ترافقها تقنيات إضاءة حديثة وأجواء حماسية، بما يمنح الحضور إحساساً قريباً من تجربة مشاهدة المباراة من داخل الملعب».
الواجهة البحرية في بيروت
يُسهم مونديال 2026 هذا العام في إعادة الحركة إلى وسط بيروت عبر الواجهة البحرية «سي سايد أرينا»، إذ خُصِّصت مساحة واسعة لاستضافة متابعي مباراتَي نصف النهائي والنهائي. ومن المتوقَّع أن تستقطب الفعالية أكثر من 100 ألف زائر، خصوصاً أنها تُنظم بالتعاون بين «مهرجان بيروت الرياضي» وشركة ميشال أبي رميا. وفي مناطق أخرى من بيروت وأنطلياس وجونية وغيرها، ستفتح المقاهي والمطاعم أبوابها أمام عشاق كرة القدم لمتابعة مباريات مونديال 2026 عبر شاشات عملاقة، تجمع بين الحماسة الرياضية واللقاءات الاجتماعية.
Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended
هاروت فازليان يُفكّك «فلتافا»... النهر العابر في الإنسانhttps://aawsat.com/%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82/5283245-%D9%87%D8%A7%D8%B1%D9%88%D8%AA-%D9%81%D8%A7%D8%B2%D9%84%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D9%8F%D9%81%D9%83%D9%91%D9%83-%D9%81%D9%84%D8%AA%D8%A7%D9%81%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86
هاروت فازليان يُفكّك «فلتافا»... النهر العابر في الإنسان
بعض المايستروهات يقودون الأوركسترا... هاروت فازليان يقود المخيّلة أيضاً (الشرق الأوسط)
تجري «فلتافا» قبل أن تُعزَف. لا تبدأ من النوتة ولا من القاعة. تبدأ من يد المايسترو ومن تحوُّل الجغرافيا إلى وجدان، والنهر إلى صورة عن أمّة تبحث في الطبيعة عن ملامحها. وبينما يكتب بيدريخ سميتانا مقطوعةً عن نهر تشيكي يعبُر البلاد، يُفكّك معنى أن يكون للإنسان مكان يسمعه في داخله ووطن لا يظهر فقط في الخرائط. يُحاكي الارتجاف الذي توقظه الموسيقى حين تمسّ شيئاً بعيداً في الروح.
الماء يعبُر... والوجوه تكشف أين وصل (الشرق الأوسط)
وُلد سميتانا عام 1824، حين كانت أوروبا تُعيد مساءلة هويّاتها ولغاتها وأراضيها. كانت الموسيقى طريقة لصوغ الانتماء فأدَّت ما عجزت عنه السياسة والتاريخ. ضمن هذا السياق جاءت «فلتافا»، إحدى مقطوعات ملحمة «وطني» الموسيقية، للبحث في الكيفية التي تُشكِّل بها الطبيعة الذاكرة الجماعية. النهر لا يمضي وحيداً. يختزن القرى التي مرَّ بها والغابات التي لامست ضفّتَيْه. ويحمل الأجراس التي سمعها والخيول التي عَبَرَت قربه والأعراس البعيدة. والصمت والضوء والهواء الذي يهبّ فوق الماء فيجعل السطح يتكسَّر إلى آلاف اللحظات المُكثَّفة.
في الأمسية التي نظَّمها «روتاري بيروت سيدرز» مع نوادٍ «روتارية» أخرى في لبنان، كان الدخول إلى «فلتافا» أشبه بانجراف في مسار شعوري مُتصاعد. المايسترو هاروت فازليان قدَّم شرحاً وضع الجمهور في روح التجربة. كان يتحرَّك مع الموسيقى وهو يتحدَّث عنها، فبدا شرحه امتداداً لجسده كأنّ الكلمات لا تؤدّي إلا دور العتبة الأولى قبل أن تتسلَّم النبرة وحركة اليد وتقطُّع الصوت مَهمّة إيصال ما لا تقوى اللغة دائماً على حَمْله. صَهَر عملية التفكيك في إيقاع المعزوفة النفسي.
يعرف فازليان كيف يجعل الجمهور يرى قبل أن يسمع. فحساسيته نادرة في النفاذ إلى ما وراء النوتة. يبحث عن المزاج الذي وُلدت منه الجملة الموسيقية والصورة الإنسانية التي دفعت المؤلِّف إلى كتابتها. لهذا حمل حديثه عن «فلتافا» طابع استعادة تجربة عاشها بنفسه. ومن خلال التوازن بين المعرفة والشعور، استطاع أن يقرّب عملاً سيمفونياً من القرن التاسع عشر إلى جمهور معاصر من دون أن يُفقده عمقه أو هيبته. فازليان يُبدِّل طريقة تلقّي الموسيقى، وهذه موهبة تُكتَسب بالثقافة وبعلاقة طويلة وحميمة مع الفنّ.
وحين أشار إلى المنابع الأولى للنهر، بدت البداية هادئة على نحو يُشبه الولادة. مجرى خجول من الماء يكاد يتلمَّس طريقه. ثم تكبر الجملة الموسيقية كما يكبر الكائن حين يكتشف اتّساعه. تتكاثر الحركة ويبدأ السكون بالتدرُّج نحو القوة. «فلتافا» تتبع النهر من لحظة التكوُّن إلى لحظة الامتلاء. والموسيقى تُعلن أنّ كلّ اندفاع عظيم بدأ ذات يوم من نقطة بالكاد تُرى.
تحدَّث عن «فلتافا» كما لو أنه عاد توّاً من هناك (الشرق الأوسط)
تتوالى الطبقات داخل العمل من غير أن تخلَّ بوحدتها. هناك ماء يجري وإنما الماء ليس العنصر الوحيد. فحياة بأكملها تنعكس فوقه. نلمح في الإيقاع حركة الخيول، وفي التبدّلات الصوتية اتّساع السهل. اللمعات الأوركسترالية تُشبه رذاذاً خاطفاً يمرُّ على الوجه مثل نسمة مبلّلة. والأجراس البعيدة تمنح شعوراً بأنّ الأرض لا تكتمل من دون طقوسها. إنها ذاكرة المكان وهو يُعرّف عن نفسه. كلّ أثر يدخل في الجريان حتى يصير النهر حصيلة ما رآه، وليس مجرى ماء فقط.
لم يشرح المايسترو كلّ هذا للإصغاء إلى «فلتافا» بالأذن وحدها. يتحقّق الإصغاء بما تراكم في الروح من أمكنة وتَوْق وفقدان. قد لا يعرف المُستمع تاريخ التشيك ولا أسماء القلاع ولا خريطة النهر، ومع ذلك يشعر أنّ شيئاً يعنيه يحدُث أمامه. هذه قوة الموسيقى حين تتجاوز منشأها. إنها تبدأ من أرض محدّدة، ثم تفتح تلك الأرض على إنسانية مُطلَقة. فالنهر التشيكي يصبح كلّ نهر عرفناه أو تخيّلناه. يصبح طفولة وبيتاً وبلداً بعيداً وانجذاباً لا نعرف دائماً إلى أين يتّجه.
النهر لا يتذكّر مَن مرّوا على ضفّتَيْه... الموسيقى تفعل (الشرق الأوسط)
في تصاعدها من الصفاء إلى الهَدر، تكشف المقطوعة أنّ الانتماء حركة مستمرّة. الأرض والذاكرة كلتاهما تجري، تتعرَّض للريح، تتغيَّر مع الضوء، وتعود أقوى كلّما ظننا أنها تلاشت. لذلك تهزّنا موسيقى وُلدت قبل 150 عاماً كأنها كُتبت الآن. الجمال الكلّي لا يشيخ حين يكون قادراً على لَمْس العصب.
في القاعة المُمتلئة، حملت الوجوه أثر الرحلة. الموسيقى حين تبلغ هذه الدرجة من الجمال لا تبقى في الهواء. تنزل إلى الملامح. يتبدَّل النظر ويتدفَّق التأثُّر إلى العينين. ثم تأتي لحظة الهَدْر لتتغلغل في المُستمع. عندها لا يعود النهر أمامنا. يصير فينا. وهذا ما جعل الأمسية أكثر من لقاء موسيقي. كانت تأكيداً على أنّ الفنّ حين يُشرح بحسّ عالٍ، ويُقاد بروح مُرهَفة، ويُقدَّم لجمهور مستعدّ للانجراف؛ يجعل الفاصل بين العمل ومُتلقيه رقيقاً إلى حدّ يصعب معه تحديد أين تنتهي الموسيقى، وأين يبدأ أثرها.
البشر يعبُرون، الأصوات تعبُر، القرون تعبُر، وسميتانا نفسه عَبَرَ. وحده الجريان يواصل طريقه. وما يهزّ في المقطوعة هو الإدراك بأننا أيضاً جزء من هذا العبور الكبير.