بارزاني: ما ارتكبه المالكي ضد الإقليم يفوق أنفال صدام ولم نسمع احتجاجاً

قال لـ«الشرق الأوسط» إن العرب السنة باتوا الخاسر الكبير وكشف أنه نصحهم باكراً بإقامة إقليم لهم

رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني مع الزميل غسان شربل رئيس التحرير («الشرق الأوسط»)
رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني مع الزميل غسان شربل رئيس التحرير («الشرق الأوسط»)
TT

بارزاني: ما ارتكبه المالكي ضد الإقليم يفوق أنفال صدام ولم نسمع احتجاجاً

رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني مع الزميل غسان شربل رئيس التحرير («الشرق الأوسط»)
رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني مع الزميل غسان شربل رئيس التحرير («الشرق الأوسط»)

قال رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني إن عقدة عدم الاعتراف بالآخر تتحكم بمن يحكم بغداد. لكنه أظهر حرصاً على تفادي انتقاد رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، ملمحاً إلى المعوقات التي تعترض رغبته في الحل.
وبدا واضحاً من حديث بارزاني إلى «الشرق الأوسط» أن فترة حكم نوري المالكي في بغداد عمّقت رغبة أهل الإقليم في الطلاق والاستقلال. واتهم بارزاني المالكي بأنه نفّذ في حق الإقليم جريمة تفوق ما فعله صدام حسين في عملية الأنفال التي أدت إلى مقتل أكثر من 180 ألف كردي.
واعتبر أن العراقيين من العرب السنة أخطأوا في إدارة شؤونهم وعدم التحدث بصوت واحد ما جعلهم بعد تحصّن تنظيم داعش في مناطقهم الخاسر الكبير لأن مدنهم مدمرة الآن وقسماً كبيراً من سكانها مهجّر. وكشف أنه نصح العرب السنة غداة إسقاط صدام حسين بإنشاء إقليم كان الشيعة يومها على استعداد للقبول به، لكن المزايدات والحنين إلى الماضي وغياب الموقف الموحد منعتهم من المحافظة على حقوقهم.
وقال إن الأكراد اختاروا الشراكة في دولة مدنية بعد إسقاط صدام ليكتشفوا لاحقاً جنوحاً نحو دولة طائفية دينية.
وهنا نص الحديث:

> هل دخلنا مرحلة الأيام والأسابيع التاريخية بالنسبة إلى إقليم كردستان؟
- بالتأكيد دخلناها ومن باب واسع.
> هل هناك احتمال ولو بسيط لتأجيل الاستفتاء حول الاستقلال في 25 سبتمبر (أيلول)؟
- الاستفتاء قرار حاسم وهو قرار الشعب، وقرار معظم القوى السياسية في كردستان أنه يجب أن يجري الاستفتاء في 25 سبتمبر، اللهم إلا إذا كان هناك بديل أفضل.
> ماذا تقصدون بالبديل الأفضل؟
- هو مجرد رأي وإنما لست أنا الذي يقرر، فهناك مجلس أعلى للاستفتاء يتمثّل بالقيادة السياسية في كردستان وهي التي تقرر بالإجماع وليس قرار شخص واحد. لكن إذا كان هناك، كما نسمع من كثير من الأطراف، أن التوقيت غير مناسب، وتأجيله لمدة ستة أشهر أو سنة، فهل هناك استعداد للتوقيع على وثيقة أنه في 25 سبتمبر 2018، مثلاً، سيُعترف بنتائج الاستفتاء وتُقبل النتائج، وكانت هذه النتائج لمصلحة الاستقلال؟ ربما يمكن درس مثل هذا البديل إذا كان مطروحاً.
> هذا البديل تريده ممن؟ من أميركا؟
- أولاً من الحكومة العراقية ومن البرلمان العراقي ومن ثم بضمانة أميركية والتحالف الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
> الظروف لا توحي بتوفر هذا البديل حتى الآن؟
- هذا يعني أن الاستفتاء في موعده.
> سأسألكم سؤالاً افتراضياً وهو ماذا ستفعل لو ذهب الأكراد إلى الاستفتاء وقالوا: لا نريد الاستقلال؟
- سأخضع لرأي الشعب ولن تبقى علي أي مسؤولية، أنا أديت واجبي تجاه شعبي، وإذا قرر الشعب رفض الاستقلال فاحترم إرادة شعبي وأتفرغ لحياتي الخاصة.
> ستستقيل؟
- من دون شك، إذا الشعب قال لا، لا أرى أنه يبقى لي أي مجال في العمل.
> هل هناك إمكانية بأن تأتي النتائج ضعيفة؟ وكيف تشعر بالمزاج الشعبي؟
- المزاج الشعبي الذي نراه اليوم فرح وحماسي ومتهيئ للتصويت، وقد رأيتم التجمع الكبير الذي حدث في مدينة كولن في ألمانيا حيث اجتمع الآلاف من أبناء شعب كردستان هناك وقالوا بصوت واحد: «نعم للاستفتاء»، وهذا تعبير عن بقية المناطق وعن إرادة شعب كردستان. ربما هناك أناس يخافون من النتيجة، يتحسسون منها أو غير مقتنعين بها، وطبعاً هذه هي الديمقراطية، وأصلاً السؤال في الاستفتاء هو: هل أنت مع استقلال كردستان أم لا؟، والجواب يكون بنعم أو لا. إذن السؤال ديمقراطي، لذلك لننتظر ونرى النتيجة، وأتوقع أن تكون نسبة التصويت بنعم عالية جداً، لكن الاحتمالات كلها واردة أيضاً.
> لو كان والدكم الملا مصطفى بارزاني في مكانكم حالياً وفي هذه الظروف، هل كان سيتخذ قرار الدعوة إلى الاستفتاء على الاستقلال؟
- أنا تلميذ في المدرسة التي أسسها واستلهم دائماً من فكره وسلوكه.
> هل تشعر برغبة في الثأر لأنك ولدت في جمهورية مهاباد التي أعلنت على الأراضي الإيرانية واختفت وهل تريد أن ترى ولادة جمهورية كردية جديدة في كردستان؟
- لم تكن جمهورية مهاباد بل كانت جمهورية كردستان في مهاباد، مؤلف الكتاب ويليام ايغلتون كان القنصل الأميركي في طهران أو في تبريز، وكان سفيراً لدى بعض الدول العربية، وكان أيضاً ممثل الأمم المتحدة في «أونروا». عندما ألّف هذا الكتاب حذفت الرقابة في الخارجية الأميركية الكثير من المسائل وغيّرت عنوان الكتاب من «جمهورية كردستان في مهاباد» إلى «جمهورية مهاباد».
> كم عاشت «جمهورية كردستان في مهاباد»، نحو أحد عشر شهراً؟
- نعم تقريباً أقل من سنة وكان والدي قائداً للقوات المسلحة فيها. الأمر ليس انتقاماً بل تواصل لتحقيق الهدف.
> وشاءت المصادفة أن تولد أنت في مهاباد؟
- أنا ولدت في 16 أغسطس (آب) عام 1946 في مهاباد. بعد انهيار جمهورية كردستان في مهاباد واستعادة الجيش الإيراني السيطرة على المنطقة، صارت هناك هدنة بين البارزانيين ومجموعة من الكرد الذين جاءوا لمساعدة جمهورية كردستان وبين الجيش الإيراني استمرت حتى الربيع كي يختاروا إما العودة إلى العراق أو الخروج من إيران إلى أي مكان آخر أو الاستسلام والسكن في مناطق بعيدة. وفي الربيع، اندلع القتال بين البارزانيين والجيش الإيراني وأصيب الجيش الإيراني بهزائم نكراء، وتقررت عودة العوائل والمسنين إلى العراق، أما والدي وبرفقة نحو 500 مسلح شاب قطعوا في مسيرة تاريخية استمرت لمدة 53 يوماً المسافة من الحدود العراقية - الإيرانية إلى مدينة نقجيوان في جمهورية أرمينيا داخل الحدود السوفياتية، وخلال هذه المسيرة كانوا يدخلون أحياناً الأراضي الإيرانية وأحياناً الأراضي التركية واصطدموا مرات عدة خلال مسيرتهم مع القوات الإيرانية والتركية لكنهم واصلوا طريقهم.
> والتقيت والدك بعد 11 عاماً؟
- والدي فارقنا في يوم 14 أبريل (نيسان) عام 1947 حيث ودّع العائلة وتحرك وعاد في يوم 6 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1958، بعد «ثورة تموز».
> قبل نحو شهر استقبلت وفداً إيرانياً، فماذا طلب منكم؟
- اللقاء كان ودياً جداً، وكان حسن دانائي فر، السفير الإيراني السابق في بغداد، يرأس هذا الوفد الذي حمل رسالة من طهران تدعو إلى التعاون والتنسيق. أبدى الوفد الإيراني تحفظه عن الاستفتاء، قائلاً إن توقيته غير مناسب ومن الأفضل أن تُحل المشاكل بين أربيل وبغداد والعودة إلى الدستور وحل المشاكل بالاستفادة من التجارب السابقة، وإن الأخطاء وقعت من قبل كل الأطراف. قلنا لهم إن هذه المرحلة تجاوزناها وشرحنا لهم وجهة نظرنا.
>هل حملوا أي نوع من التحذير؟
- أبداً، وتكلموا معي في اللقاء بلغة مؤدبة وودية جداً.
> فيما بعد هل تلقيتم تحذيراً من إيران؟
- في الإعلام أحياناً، هذا المسؤول أو ذاك يصرّح مهدداً.
> استقبلتم أيضاً وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، فماذا قال لكم وماذا قلتم له؟
- اللقاء أيضاً كان ودياً وصريحاً، ونقل وجهة نظر تركيا، وقال إن التوقيت غير مناسب، ونخشى أن تحدث مشاكل داخلية وأعرب عن تخوفه من أنه قد تقع حرب أهلية بيننا وبين المكوّنات الأخرى في العراق، وأن حرب «داعش» لم تنته بعد وربما يؤثر الاستفتاء على الوضع الأمني والاستقرار في المنطقة. وقال إنهم يعلمون أن الظلم وقع علينا في الإقليم وإن الدستور لم يطبق بشكل جيد، وإن من حق الإقليم أن يطالب بهذه الحقوق ولكن نرجو أن يكون ضمن العراق. أيضاً شرحنا لهم وجهة نظرنا وحالة الإحباط التي حصلت بعد أن فشلت كل المحاولات التي بذلناها لتأسيس شراكة حقيقية، واتفقنا على التواصل.
> هل شعرت بالقلق حين استقبل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان رئيس أركان الجيش الإيراني؟
- أبداً، لم أشعر بأي قلق.
> هل من الممكن أن تعود الجغرافيا إلى معاقبة الأكراد؟
- لا أعتقد، لأن الظروف تغيّرت والعالم تغيّر، الآن ليس زمن حلف السنتو (أي حلف بغداد) ولا الستينات ولا زمن حلف سعد آباد (معاهدة عدم اعتداء وقعتها تركيا، إيران، العراق وأفغانستان). الدنيا الآن غير تلك الدنيا.
> ألا يمكن أن نرى الإقليم محاصراً إيرانياً وتركياً وسورياً؟
- كن واثقا ربما نحن نتضرر ونتأذى لكن هؤلاء سيتضررون ربما أكثر إذا لجأوا إلى مثل هذه الخطوة.
> ماذا قال وزير الدفاع الأميركي في اللقاء معكم؟
- هذه المرة الثانية التي التقي فيها ماتيس. المرة الأولى التقيته في مؤتمر الأمن في ميونيخ في فبراير (شباط) الماضي، وهذه المرة التقيته في أربيل. كان ضابطاً شاباً في القوات الأميركية التي جاءت إلى المنطقة عام 1991، لتوفير «المنطقة الآمنة»، أي إنه شخص مطلع. وفيما بعد، بين الأعوام 2003 - 2004 كان في الرمادي والفلوجة، وتسلّم مراكز قيادية مرتبطة بالمنطقة. وقد أبدى تقديراً عالياً وإعجاباً بالبيشمركة وقدّم تعازيه لعائلات الشهداء وأكد أنه لولا التنسيق بين الجيش الأميركي وقوات البيشمركة والجيش العراقي لما تحققت هذه الانتصارات في الموصل، وأكد على استمرار التعاون والدعم. وبخصوص الاستفتاء قال: نحن نتفهم حقوق شعب كردستان وطموحه، ونقر بأن لكم هذه الحقوق، ولسنا ضد مبدأ الاستفتاء، لكن في تصورنا الاستفتاء في هذا التوقيت سيخفف التركيز على الحرب ضد «داعش»، لذلك نرغب في إعادة النظر في الموضوع. شرحت له وجهة نظرنا وأن كل المحاولات التي بذلناها مع بغداد فشلت وقلت له نفس الكلام الذي قلته العام الماضي في بغداد للعبادي وللتحالف الوطني، وهو تعالوا لنعترف بفشلنا في بناء شراكة حقيقية ولنكن جريئين، ولنبحث عن صيغة جديدة، والصيغة الجديدة هي أن نكون جيراناً في أفضل حالات حسن الجوار، ونكون امتداداً وعمقاً لبعضنا، ونقيم أفضل العلاقات ونتعاون وأن يكون هناك تسريح بإحسان لا بالعنف بل بالعكس نتعاون على كل المسائل، فهذا أفضل من أن نستمر في ممارسة تجربة فاشلة لم ترتاحوا فيها أنتم ولا نحن ارتحنا. لماذا نستمر في وضع تعذبنا كلنا منه؟ هذا ليس منطقياً. والحقيقة أنهم كانوا منفتحين، لكن ربما تصوروا أنها ورقة ضغط، أو ليست المسألة جدية. الكثيرون كانوا يتصورونها هكذا. التقيت خلال تلك الزيارة كل القيادات العراقية بما فيها كل التنظيمات الشيعية في التحالف الوطني، ولم التق نوري المالكي. الموضوع كان جدياً، فأنا منذ عام 2008 توصلت إلى قناعة أن عقلية التفرد بالحكم والسلطة واحتكارها وعدم قبول الآخر لا تزال هي العقلية السائدة في بغداد أياً كان الحاكم. وأول مرة حذّرت من ذلك عام 2012 وقلت إن العراق يسير إلى الهاوية وإن الوضع خطير جداً ما لم يُتدارك، لكن لم يهتم أحد. قسم تحدث عن وجود خلاف شخصي، أنا ليس لدي خلاف شخصي مع أحد، لكن أنا أرى الصورة.
> قلت هذا الكلام للعبادي والأطراف العراقية في عام 2016؟
- نعم في عام 2016، لأنني لم أزر بغداد في عام 2017.
> هل لديك شعور بالخيبة من بغداد ما بعد صدام حسين ومن فكرة الدولة المدنية؟
- أنا محبط بشكل كبير بعد عام 2003، في البداية الكل يعرف أننا قمنا بعمل كبير في التهيئة لإسقاط النظام عام 2002 والاشتراك في العمليات العسكرية، ولسنا نادمين، لكننا كنا نتصور أننا سنحصل على فرصة مناسبة أو فرصة العمر في عراق جديد، عراق مبني على المحبة والتآخي عراق ديمقراطي فيدرالي، وبذلنا جهوداً كبيرة في سبيل تحقيق هذا الهدف من مجلس الحكم إلى موضوع الدستور وصياغته ومن ثم التصويت على الدستور، ولولا شعب كردستان ما كان الدستور سينجح. هيأنا الأجواء وقمنا بدور كبير، وعندما فاز الدستور في الاستفتاء قلنا: الحمد لله، الآن أصبح كل طرف يعرف حقوقه وواجباته. ولكن بعد فترة رجعنا مرة أخرى إلى المزاج الشخصي وإلى احتكار السلطة. النقطة الرئيسية أو عمود الاتفاق الذي صار بيننا وبين الأطراف الأخرى هي الشراكة الحقيقية، وطبعا هم أنهوا هذه الشراكة بالكامل. وهناك نقطة مهمة أخرى هي أننا اتفقنا على تشكيل دولة مدنية ديمقراطية، ومن الواضح جداً أنه يوماً بعد يوم اتجهت الدولة نحو أن تكون دولة دينية طائفية في بغداد. هذا هو الواقع لمن يريد أن يرى، ولمن لا يريد أن يرى فذلك شأنه. حرّكوا ضدنا الجيوش وقطعوا ميزانية الإقليم. كيف يمكن فعل ذلك حتى لو كانت هناك خلافات بين الإقليم وبين بغداد؟ لنفرض أن التقصير من الإقليم، ولكن كيف يجوز لرئيس وزراء أن يقطع، بجرة قلم، رزق شعب بكامله، ويقطع حليب الأطفال؟ هذه عملية أنفال بشكل آخر.
> يعني أن المالكي نفّذ الأنفال بطريقة أخرى؟
- نعم المالكي نفذ الأنفال بطريقة أخرى وأبشع، ولم نسمع أي صوت لا من قيادة دينية أو من أحزاب سياسية شيعية في العراق، يعترض على هذه الجريمة التي ارتكبها المالكي بحق شعب كردستان. تنفيذ المادة 140 كان من المفروض أن تنفذ هذه المادة في عام 2007 لكنها لم تنفّذ وأهملوها بالكامل، وتبجحوا بأنهم أحبطوا هذه المحاولة الخبيثة من قبل الكرد وأن المادة 140 ماتت. حصة البيشمركة من السلاح ومن الموازنة - باعتبار البيشمركة جزءاً من منظومة الدفاع للقوات العراقية - لم يصلنا طلقة واحدة ولا دينار واحد. حتى حصة البيشمركة من الأسلحة، وبحسب الاتفاق الثلاثي بيننا وبين أميركا والجيش العراقي، لم نحصل عليها، لأن المالكي احتجزها في مخازن قريبة من منطقة التاجي بين سامراء وبغداد، ووقعت بيد «داعش». حاربونا محاربة حقيقية، حتى في الحرب مع «داعش» لم يقدموا لنا المساعدة، نحن الذين قدمنا المساعدة للجيش العراقي، وسمحنا له أن يأتي إلى الموصل، وفتحنا له كل المنافذ (للوصول إلى هناك). دمّرنا الخط الدفاعي الأول لـ«داعش» وقلنا للجيش العراقي: تفضل. والتزمنا بالاتفاق الذي اتفقنا عليه وهو كيف تكون الخطة وكيف تنفذ ودور كل طرف في الخطة (من أجل تحرير الموصل). وحتى في هذه العملية حدثت خروقات، ليس من طرف الجيش بل من قبل أطراف من الحشد الشعبي. لقد تفاجأت من التعاون الوثيق والانسجام الذي تحقق بين الجيش العراقي والبيشمركة خلال فترة أسبوع أو أسبوعين من انطلاقة عملية تحرير الموصل، فالجانبان كانت بينهما حرب لمدة تراوحت ما بين 50 - 60 عاماً. صحيح أن هؤلاء الشباب هم من الجيل الجديد لكنهم من نفس المدرستين (المختلفتين). هناك تنسيق جيد حتى الآن، وسنؤسس على هذا التنسيق في المستقبل. وأياً كانت التطورات، لا نريد أن نصطدم مع الجيش الذي ننسق ونتعاون معه. لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن البيشمركة لم تحصل على أي مساعدة (من الحكومة المركزية في بغداد) وتم قطع ميزانيتها. لم تُحل أي مشكلة من المشاكل (بين الإقليم وحكومة بغداد). لقد صفّوا المراكز الحكومية من الكرد. هناك 55 مادة دستورية سجّلنا خرقها من قبل بغداد، وسنعطيهم نسخة من هذه الخروق.
> ألم يغيّر مجيء العبادي هذا الاتجاه؟
- أنا متأكد أن العبادي يرغب في حل هذه المشاكل. العبادي يختلف عن غيره، لكن هناك عقبات كثيرة وعوائق أمامه. علاقتي به جيدة وهناك اتصال مستمر بيننا، لكنني توصلت إلى قناعة أن العبادي لا يستطيع أن ينفّذ ما يعدنا به، لأسباب خارجة عن إرادته.
> هل هناك دول تريد أن تبقوا في العراق لعمل القليل من التوازن مع هذا الاتجاه إلى بناء دولة دينية في العراق؟
- لا، هذه المحاولات فشلت. أمامنا تجارب الشعوب الأخرى في الاتحاد، نحن كنا دولة مستقلة في عام 2003، نحن الذين ذهبنا إلى بغداد، والآن أقول إننا أخطأنا في ذلك. نحن ذهبنا لتأسيس عراق فدرالي ديمقراطي باتحاد اختياري، لكن بغداد هي التي رفضت وتوصلنا إلى قناعة أننا لسنا مرغوبين في بغداد، إما أن نذهب مواطنين من دون حقوق أو من دون مواقف، لذا فكّرنا أننا أمام ثلاث خيارات: إما أن نستسلم ونتخلى عن كل هذه المكاسب، أو نستمر في تجربة فاشلة لمدة 100 سنة، أو ربما ندخل في قتال، وهذا ما لا نرغب فيه، أو نبحث عن صيغة جديدة. ما هي الصيغة الجديدة؟ نحن جربنا اللامركزية وجربنا الحكم الذاتي وجربنا الفيدرالية، لكن المشكلة في العقلية وفي الثقافة. العقلية الحاكمة مع الأسف الشديد لدى الأكثرية العظمى في بغداد هي أنه يجب أن تتحكم بغداد في كل صغيرة وكبيرة. لا يقبلون بالآخر ولا بالشراكة. يدّعون ذلك، لكن عملياً لا يقبلون بذلك. شعب كردستان توصل إلى قناعة أنه يجب أن نصل إلى صيغة جديدة والصيغة الجديدة هي أن نصبح جيراناً.
> هل التعايش العربي - الكردي فشل داخل خريطة العراق؟
- نعم وبكل صراحة تجربة فشلت.
> ألم يكن أمام هذا الزواج العربي - الكردي داخل خريطة العراق إلا الطلاق؟
- لم يبق حل آخر. بذلنا المستحيل لئلا تصل الأمور إلى هذه النقطة، ولكن مع الأسف وصلت.
> ماذا ستفعلون إذا أعلنت غداً نتائج الاستفتاء وقطعت بغداد علاقاتها الكاملة مع كردستان؟
- هم في بيتهم ونحن في بيتنا.
> هل لديكم القدرة الاقتصادية على تحمل إغلاق الحدود من قبل دول أخرى؟
- حسبنا حساب كل هذه المسائل، بما في ذلك تهديدنا بغلق الحدود وقطع العلاقات. كل طرف حر في اتخاذ قراراته، لكن أقول مرة أخرى: إذا اتفقت هذه الأطراف على إيذائنا أو على القضاء علينا، فبالتأكيد هم أيضاً سيدفعون ثمناً باهظاً.
> ماذا ستفعل إذا قرر «الحشد الشعبي» استرجاع كركوك؟
- أولاً نحن مستعدون للتفاوض مع بغداد حتى بعد الاستفتاء على موضوع الحدود بما فيها كركوك، لكن كركوك مدينة كردستانية، هويتها هوية كردستانية، ومستعدون أن نجعل منها نموذجاً يحتذى به في التعايش القومي والديني والمذهبي. لكن أي قوة تفكر في أن تسترد كركوك بالقوة سيواجهها كل شعب كردستان المستعد للموت إلى آخر شخص للدفاع عنها.
> تقول: سنموت من أجل كركوك إذا حاول أحد استردادها بالقوة؟
- طبعاً. لكننا منفتحون، فكركوك ليست مدينة كردية فقط. كركوك هي للكرد وللعرب وللتركمان وللمسيحيين، ويجب أن يتفاهموا ويتفقوا فيما بينهم. حتى بالنسبة إلى كل كردستان، لا نريد أن تكون هناك دولة مركزية وإنما نظام يكون أشبه بنظام فيدرالي داخل كردستان، بحيث تكون لكل محافظة حكومتها المحلية وبرلمانها المحلي والعاصمة تكون في أربيل، وكذلك المسائل السيادية كالجيش والسياسة الخارجية والسياسة المالية. أما في المسائل الأخرى، فهذه المحافظات هي التي تدير نفسها، ولا يجوز أن نفكّر في حكم مركزي متسلط، بالعكس يجب أن نكون منفتحين تماماً.
> في عام 1991 قال لك صدام إنه يعرف أن كركوك كردية؟
- نعم، قال أنا لا أقول إن كركوك ليست كردية، بل هي مدينة كردية، ولكن هي قاعدة اقتصادية جاهزة لبناء دولة، لذلك لن نوافق على ضم كركوك لمنطقة الحكم الذاتي.
> هل هذا الحديث جرى عندما استبدل صدام قدح الشاي الذي أمامكم بقدحه؟
- نعم في نفس اللقاء.
> هل لديك مرارة من المالكي، كونك اعتبرت أن ذهاب صدام سيحل المشكلة، لكن ظهر أن المشكلة ليست في صدام فقط؟
- هذا ما كنا نتصوره، لكن فيما بعد اكتشفنا أنه لا، وأنه بذهاب صدام لا تنتهي المشاكل. بل بالعكس، واجهنا مشاكل أمرّ، ورأينا طعناً من الخلف من أناس كنا نعتبرهم حلفاءنا. نحن حاربنا صدام وحاولنا إسقاطه، وربما سماع كلمة طيبة من صدام كان غريباً بالنسبة لنا.
> هل إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي أعلنت تأييدها بصراحة للاستفتاء على استقلال كردستان؟
- نعم هذا صحيح، وأنا أشكر مواقف الدول العربية أيضاً، وبالمناسبة مواقف الدول العربية أفضل بكثير من مواقف الدول الأوروبية وأميركا. ليست هناك ردود استفزازية من قبلهم، والكل يعترفون بحق الشعب الكردي، حتى وصلتني رسالة معقولة جداً من الأمين العام للجامعة العربية. مواقف الدول العربية مواقف متوازنة.
> هل سيكون هذا أول تعديل للخرائط في المنطقة منذ قيام إسرائيل؟
- صحيح، وحدث ذلك أيضاً في جنوب السودان.
> هناك من يعتقد أن الأكراد إذا أصبحوا دولة وعاشوا لوحدهم سيواجهون ما واجهه جنوب السودان وتفرغوا للمرارات الكردية والاقتتال؟
- هذا ليس صحيحاً. الكرد أثبتوا جدارتهم وكفاءتهم منذ عام 1991 عندما أتيحت لهم فرصة بسيطة لإدارة منطقتهم. ورغم المشاكل الداخلية، لا يمكن أن يُقاس الوضع في كردستان بجنوب السودان.
> قلتم إنكم أخطأتم في 2003 عندما ذهبتم مختارين لتجديد الشراكة مع بغداد رغم أن كردستان كانت شبه مستقلة، بفضل مناطق حظر الطيران والمنطقة الآمنة التي أعلنت عام 1991 بحسب قرار مجلس الأمن. الإقليم أُعلن في عام 1992 والدستور العراقي صوّت عليه عام 2005؟
- لكن لم يُعمل بهذا الدستور. لو طُبّق هذا الدستور لما واجهنا هذه المشاكل ولا هذه التطورات.
> كيف هو الوضع الاقتصادي في كردستان حالياً؟
- ليس سهلاً، لكن هناك أملاً بتجاوزه وإصلاحه.
> مع إعلان نتائج الاستفتاء في ليلة 25 سبتمبر أو صباح 26 سبتمبر، ماذا سيفعل مسعود بارزاني؟
- لأول مرة سيعبّر شعب كردستان عن رأيه بحرية ويقرر مصيره. هذه رسالة إلى العالم وإلى بغداد وإلى المنطقة. هذا هو قرارنا. تعالوا نبحث على أساس هذا القرار عن العلاقة المستقبلية. إذا رأينا أن هناك استعداداً وتجاوباً فأهلاً وسهلاً، أما إذا لم يكن هناك استعداد وتجاوب فسنعلن عن الدولة. وإذا كان هناك تفاوض فسنتفاوض للوصول إلى تفاهمات، وهذا الذي نرغب فيه. نحن لا نريد أن يكون هناك تحدٍ، لا من قبلنا ولا من قبلهم، لكن لن نتراجع.
> ليس لديك قدرة على التراجع أم لا تمتلك الرغبة في التراجع؟
- ليس لدي رغبة ولا يمكن أن أسمح بخسارة تاريخي النضالي كله، كيف أتراجع؟
> هل تعتقد أنك تضع نفسك شخصياً في دائرة الخطر عندما تقود كردستان في هذا المنعطف؟
- أنا مستعد في كل لحظة أن أضحي بحياتي في سبيل هذا الهدف، ولا أفكر في مصيري وبحياتي.
> هل حاول «داعش» أن يغتالك؟
- حاول «داعش» اغتيالي واغتيال كل شعب كردستان. حقيقة هم ما كان بإمكانهم الوصول إلي. بذلوا محاولات كثيرة، لكنهم كانوا يعلمون أنه ما كان في استطاعتهم الوصول إليّ. لكن حدث الكثير من المحاولات في الجبهة من خلال القصف والمفخخات.
> كم بقيتم في جبهات القتال؟
- أكثر من سنة ونصف، إلى أن حررنا كل المناطق وأبعدنا خطر «داعش» عن المدن والمواقع الرئيسية واسترددنا المواقع الأساسية كسنجار وزمار ومخمور وجلولاء ومناطق أخرى، وعدت أنا إلى مقري الرئيسي.
> كم عدد شهداء البيشمركة؟
- 1779 شهيداً، أما الجرحى فبلغ عددهم 10158 جريحاً.
> هل أعطت الحرب مع «داعش» المزيد من الشرعية للبيشمركة لإعلان الاستقلال؟
- من دون شك.
> ما دور الجيش العراقي في منع «داعش» من اجتياح إقليم كردستان؟
- الآن من الممكن أن نتحدث عن الجيش العراقي، لكن قبل الآن كان «جيش المالكي»، وهو الجيش الذي انهار والجيش الذي تعب عليه «الناتو» مدة عشرة أعوام انهار خلال عشر ساعات، بل هو الذي سلّم كل المناطق وترك سلاحه ومعسكراته وسلم كل هذه الإمكانات إلى «داعش». البيشمركة هم الذين قاتلوا «داعش» وبإسناد من قوات التحالف وأميركا بالدرجة الأساسية. قوات البيشمركة هي التي أنقذت المنطقة وهي التي حطمت أسطورة «داعش».
> قلتم لنا في لقاء سابق إن المناطق التي عادت بالدم لن تعيدوها لأحد؟
- طبعاً، أقولها الآن أيضاً، فهي مناطقنا الكردستانية، وعندما وافقنا على المادة 140 ليس لأننا كان لدينا شك على هوية هذه المناطق، لكننا قلنا نعم لتحل هذه المشكلة الدستورية، فطالما هم أهملوا الدستور وهناك من ادعى في بغداد أن المادة 140 ماتت، إذن إحياء الموتى أمر صعب.
> هل هناك أسرى لـ«داعش» لدى الإقليم؟
- نعم يوجد.
> هل كركوك وكل المناطق المتنازع عليها مشمولة بالاستفتاء؟
- هذا يتوقف على المجالس المحلية. إذا هم طلبوا، طبعاً سيشملون بالاستفتاء، أما إذا لم يطلبوا فلن يُشملوا.
> وستظل بوصفها متنازعاً عليها؟
- خاضعة للتفاوض.
> ماذا عن كركوك، هل طلبت ذلك؟
- هناك اجتماع لمجلس محافظة كركوك اليوم، إذا قدموا طلباً بذلك، فنحن سنلبي طلبهم.
> ما هو وضع المكوّن العربي السني، هل خروج كردستان من الخريطة العراقية سيضاعف تهميشه؟
- المكوّن السني ارتكب أخطاء منذ البداية، والآن هم في وضع صعب. نحن مستعدون لمساعدتهم، لكن يجب في الأول أن يساعدوا هم أنفسهم. العرب السنة الموجودون في الإقليم حالهم حال الكرد، ونتعهد أنه لن يكون هناك تمييز بين العربي والكردي. أما العرب الموجودون خارج الإقليم فنحن مستعدون لمساعدتهم، لكن يجب أن يقولوا لنا ما هو نوع المساعدة.
> هل زارك العرب السنة بعد 2003 ونصحتهم بتأسيس إقليم؟
- ليس مرة واحدة بل زاروني ثلاث مرات. فبعد سقوط النظام لاحظنا أن هناك إرباكاً في حالة السنة. ولبناء عراق جديد وعلى أساس شراكة حقيقية بين كل المكونات، بادرت إلى توجيه دعوة إلى شيوخ عشائر وشخصيات أكاديمية ووجهاء المناطق السنية للاجتماع في أربيل. وتكرر هذا الاجتماع ثلاث مرات، وقلت لهم إن العراق تغيّر والمنطقة تغيّرت والعالم تغيّر، وعليكم أيضاً أن تغيّروا عقولكم. أولاً، لا يمكن لأي جهة أو أي حزب أو طائفة أن يعمل على الاستفراد بالحكم في العراق، وهذا ما كنا نتوقعه فعلاً، وقلت لهم إنكم إذا كنتم تتوقعون أن الكرد والشيعة سيتحالفون ضدكم، فانا أعطيكم وعد شرف بأننا لا نسمح بذلك. أما إذا كنتم تتصورون أنتم أنه من رئيس الجمهورية إلى الشرطي القرار سيكون بيدكم، فلو قبل الكرد والشيعة بذلك فأنا لا أقبل.
وقلت لهم أنتم رفضتم أن نكون شركاء، لكن تعالوا ندعُكم إلى بناء العراق على أساس الشراكة. قسم منهم ممن شعروا بالمسؤولية استوعبوا الوضع الجديد، ولكنهم كانوا يخافون من المزايدات أو ربما من الاغتيال. قسم آخر منهم لم يقبلوا أصلاً أن يفكّروا في الموضوع لأنهم لا يزالون تحت تأثير ثقافة الحزب الواحد والحزب الحاكم. وقسم آخر منهم كانوا في عالم آخر، ولم يستطيعوا خلال المرات الثلاث من تنظيم أنفسهم، ولم تتشكل لهم قيادة تستطيع أن تقودهم، حتى في فترة مناقشة الدستور كانت هناك مواقف متباينة منهم. وحقيقة، هم آذوا أنفسهم أكثر من أي جهة أخرى. أما الآخرون فاستغلوا الفرصة. الشيعة، في البداية بعد سقوط النظام، كانوا شاكرين لو أن السنة يقبلون بالفيدرالية، وحتى فترة التصويت على الدستور عام 2005 (كان الوضع مستمراً على هذا المنوال). ومن ثم رأوا أن السنة بدأوا يفقدون نفوذهم ومناطقهم التي أصبحت حاضنة للإرهابيين، وتعرضت للضرب من قوات التحالف. والحقيقة أن السنة خسروا خسارة كبيرة وفقدوا الفرصة.
> هل نصحتهم بإنشاء إقليمهم؟
- نعم، لكنهم قالوا: نحن مع الوحدة العراقية. والحقيقة أن السنة هم الذين دفعوا الثمن. انظر إلى الدمار فكله في المناطق السنية. «داعش» دمّر بيوتهم ومدنهم، وهذه نتيجة السياسة الخاطئة. بعد ذلك فتحنا لهم أبواب الإقليم عندما تعرضوا إلى الظلم والعدوان. وحاليا هناك أكثر من مليون ونصف مليون نازح غالبيتهم من السنة، وهناك شيعة أيضاً موجودون في الإقليم، وقد انسجموا مع المجتمع في كردستان انسجاماً كبيراً. نحن مستعدون لمساعدتهم وإذا قرر السنة إقامة إقليم في العراق فنحن سنؤيدهم.
> وهل ما زال هذا ممكناً؟
- لم لا؟ الآن السنة يريدون إقليماً، لكن الآن الشيعة لا يقبلون. لقد اجتمعت مع الكثير من العرب السنة الذين تقع مناطقهم ضمن إقليم كردستان، وكلهم يؤيدون البقاء مع إقليم كردستان.
> هل هناك دولة شيعية تتكون في بغداد؟
- هذا هو الواقع.
> هل هذه الدولة الشيعية تقودها إيران؟
- نفوذ إيران كبير جداً، لا أستطيع أن أقول إنها تديرها بالكامل أو أصبحت جزءاً من إيران، لكن نفوذ إيران كبير.
> ماذا عن النفوذ الأميركي؟
- النفوذ الأميركي في بغداد أقل بكثير من النفوذ الإيراني، بحسب تصوري.
> وكيف تقدّر نفوذ إيران في الإقليم؟
- لا أستطيع أن أقول إنه ليس هناك نفوذ إيراني. لكن في الحقيقة، وأنا أبلغت الإيرانيين به بكل صراحة، نحن نريد علاقات طيبة، علاقات حسن الجوار والمحبة والمصالح المشتركة، ولكن قد نتقاطع معكم أو قد نتفق معكم، القرار هو قرارنا وهو لن نسمح لكم بمصادرة قرارنا، ولن نسمح لأي دولة أخرى بأن تصادر القرار الكردي. قرار كردستان العراق موجود في كردستان العراق. الشعب الذي ناضل من أجل حريته وقدم الشهداء كيف يجوز أن يسلم قراره إلى أي دولة؟
> كيف ترى الوضع في سوريا؟
- أرى فوضى، لكن حالياً هناك بعض الملامح الجديدة التي اتضحت، لكن الأسد سيبقى، والنظام لم يسقط. يبدو أن هناك اتفاقاً روسياً - أميركياً جزء منه واضح والجزء الآخر سري لا يعلمه أحد. والنفوذ الإيراني موجود في سوريا، وتركيا على الحدود. فمثلاً في العراق على رغم وجود خلافات بيننا وبين بغداد، فإن الجبهة واضحة وهي أننا جميعا في جبهة واحدة ضد الإرهاب. والتحالف الدولي متماسك ومنسجم ويقدم الدعم، لكن في سوريا المعارضة مختلفة مع بعضها، وصحيح أن هناك نظاماً إلا أن قوى أخرى تحرك الساحة وهي روسيا وإيران، وهناك خلاف بين أميركا وروسيا في بعض المناطق واتفاق في مناطق أخرى. وهناك اتفاق إيراني - تركي - روسي، وهناك اتفاق أميركي - روسي. الحقيقة أن هناك فوضى.
> الحدود بين إقليم كردستان وسوريا، من يسيطر عليها في الجانب الآخر؟
- هناك القوات الكردية والقوات السورية في هذه المناطق، وهناك تنسيق فيما بينها.
> هل سيكون لديكم مشكلة إذا عاد نظام الأسد ليحكم كل سوريا غداً؟
- هذا القرار للسوريين، وليس لنا علاقة بالموضوع، إذا الشعب السوري قرر أن يحكم الأسد فأهلاً وسهلاً.
> كيف هي علاقاتكم مع الروس؟
- علاقاتنا جيدة، والموقف الروسي من الاستفتاء متوازن جداً.
> هل لديكم أي اتصال مع نظام الأسد؟
- لا أستطيع أن أقول إن هناك اتصالاً. ليس هناك اتصال رسمي ومباشر. حدث لقاء قبل نحو عامين أو ثلاثة، مع شخصية سورية رفيعة المستوى.
هناك ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية وهي مدعومة من قبل أميركا، وتحارب في الرقة، وهم يستفيدون من هذا الوضع واستفادوا سابقاً من دعم النظام، ومن الاتفاق السري بينهم وبين النظام، واضطهدوا الأكراد الآخرين غير المتفقين معهم سياسيا. الآن يستفيدون من الدعم الأميركي لمواصلة هذا الاضطهاد. الشعب الكردي في سوريا مقسم، جزء منه يحارب مع أميركا وسابقاً كان مع النظام، والقسم الآخر يتعرض إلى الظلم، والآخرون يغضون الطرف عن هذه الممارسات الديكتاتورية الظالمة لأنهم يستخدمونهم في القتال ضد «داعش» في الرقة.
> هل تخشى أن تدخل تركيا إلى الأراضي السورية وتوجه ضربة كبيرة للأكراد؟
- لا أتوقع ضربة كبيرة ولا تدخل، لكن من الممكن أن تكون هناك مناوشات، وخروقات للحدود.
> هل هناك اتصالات بينكم وبين صالح مسلم؟
- من فترة طويلة لا توجد اتصالات، بعدما استمروا في سياستهم الخاطئة وفي اضطهادهم للتنظيمات الكردية الأخرى، ونكروا الجميل. انتهت العلاقة معه.
> هل سيلهب إعلان الاستقلال في كردستان مشاعر الأكراد في الدول المجاورة؟
- سيكون له تأثير، لكن عملياً أرى أنه سيكون بالعكس، وسيكون هناك تأثير إيجابي مستقبلاً، ونشجعهم على سلك طريق السلام والمفاوضات والأساليب الديمقراطية للتوصل إلى حلول في دولهم. فلكل جزء خصوصياته، لكننا نريد للكرد في كل هذه الدول أن يحصلوا على حقوقهم بطرق سلمية، وسنعمل من أجل ذلك.
> ما طموحاتك؟
- في اليوم الذي حملت فيه السلاح في 20 مايو (أيار) 1962 لم أكن أتوقع أن أعيش لحد هذا اليوم، لكن عندما حملت السلاح كان هدفي أن أرى كردستان مستقلة، الآن أنا مسرور جداً ومتفائل لأننا قطعنا شوطاً كبيراً، في اللحظة التي سيعلن فيها استقلال كردستان أعتبر أنني أديت رسالتي.
> هل سنكون مدعوين؟
- أنتم مدعوون دائماً إلى كردستان.
> أتعتقد أن كردستان ستنعم بالاستقلال في 2017 أم في 2018؟
- لنرَ الاستفتاء ونتائجه.
> هذا منعطف كبير العمل بالخرائط في المنطقة؟
- أولاً هي خرائط مصطنعة، وليست طبيعية، انظر إلى تجارب الشعوب الأخرى في تشيكوسلوفاكيا، وفي البلقان وفي الاتحاد السوفياتي، لماذا فقط في كردستان نعتبر أننا اقترفنا جريمة لأننا نريد أن نعبّر عن رأينا، وشعبنا يريد أن يقرر مصيره؟
> هل تعتقد أنك على وشك أن تحقق ما تعذّر على ياسر عرفات تحقيقه؟
- أعتقد أن ما تحقق هنا يختلف عما تحقق هناك، أولاً من ناحية الجغرافيا، وليس من الصواب أن نقارن وضع كردستان بفلسطين، فالوضع مختلف. وأنا أدين لعرفات بأنه قدم لي مساعدة في وقت كنت فيه بحاجة إلى تلك المساعدة عندما تعرضت إلى محاولة الاغتيال في النمسا عام 1979، فهو أنقذني.
> ألست متوتراً؟
- أنا لست متوتراً أبداً، إذا ظللنا ننتظر القدر، فهذه مجازفة ستكون أخطر مائة مرة من الإقدام على هذه الخطوة (الاستفتاء).



قوات الحكومة اليمنية تضغط على الحوثيين في «باب المندب» وتعز

جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

قوات الحكومة اليمنية تضغط على الحوثيين في «باب المندب» وتعز

جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)

اتسعت رقعة المواجهات العسكرية في اليمن، الثلاثاء، مع تجدد المعارك في جبهة باب المندب للضغط على بقايا الجيوب الحوثية، بالتزامن مع استمرار القتال على محاور مدينة تعز، وسط ضربات جوية مكثفة تستهدف مواقع الحوثيين وتعزيزاتهم وخطوط إمدادهم، في وقت تقول فيه القوات الحكومية اليمنية إنها حققت تقدماً في مواقع استراتيجية.

وشهدت جبهة باب المندب، الثلاثاء، مواجهات عنيفة بين القوات الحكومية، بمشاركة «ألوية العمالقة» و«قوات درع الوطن» و«الألوية التهامية»، من جهة، والحوثيين من جهة أخرى، في معارك تستهدف السيطرة على التلال والمواقع المطلة على المضيق الاستراتيجي، بالتزامن مع غارات جوية طالت مواقع للجماعة في محيط مدينة المخا وعلى امتداد الساحل الغربي اليمني.

وأعلنت مصادر عسكرية حكومية السيطرة على تباب استراتيجية في باب المندب، عقب هجوم على مواقع الحوثيين، قالت إنه أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم وفرار آخرين عبر القوارب البحرية. كما تحدثت معلومات أولية عن استهداف زوارق وإمدادات بحرية يُعتقد أن الجماعة تستخدمها لنقل التعزيزات والمعدات إلى مواقعها في محيط المضيق.

معارك مستمرة تخوضها القوات الحكومية اليمنية في جبهات تعز (أ.ف.ب)

تأتي هذه التطورات في ظل مساعٍ حكومية لاستكمال السيطرة على المواقع المحيطة بباب المندب، فيما نفت مصادر عسكرية في «قوات درع الوطن» صحة الأنباء عن سيطرة الحوثيين على جبال كهبوب، مؤكدةً استمرار انتشار قواتها في مطار ذوباب والسلسلة الجبلية المحيطة به.

تقدم ميداني في تعز

في محافظة تعز، تواصلت المواجهات على جبهات المدينة وريفها، وسط غارات جوية استهدفت مواقع وتجمعات وتعزيزات حوثية، بالتزامن مع محاولات للقوات الحكومية والمقاومة الشعبية تحسين مواقعها القتالية ومنع الجماعة من تحقيق اختراقات ميدانية.

وأفادت مصادر عسكرية حكومية بسيطرة القوات على تبة الميدان، الواقعة عند نهاية سلسلة الجبل الأسود، عقب مواجهات عنيفة وإسناد جوي. كما تحدثت مصادر ميدانية عن فرض القوات الحكومية والمقاتلين المحليين سيطرة نارية على منطقتي حدائق الصالح والهنجر، ضمن نطاق خط الضباب.

رغم الزحف الحوثي المتواصل تمكنت قوات الجيش اليمني في مدينة تعز من التصدي للهجمات (أ.ف.ب)

وقال العقيد في الجيش اليمني عبد الباسط البحر إن القوات الحكومية والمقاومة حققت تقدماً في محيط نقطة الهنجر والجبل الأسود، ووصلت إلى مواقع حاكمة مطلة على خط الضباب، حيث بدأت عمليات تمشيط وتثبيت وتأمين المواقع التي جرى التقدم إليها.

في المقابل، واجهت القوات المهاجمة مقاومة شديدة في محيط معسكر المطار القديم ومنطقة مدرات، حيث حالت كثافة النيران والأسلحة الثقيلة دون تحقيق التقدم المطلوب، وفق البحر، الذي أشار إلى سقوط قتلى وجرحى وأسرى في صفوف الحوثيين، وتدمير وإحراق آليات عسكرية.

وعلى جبهتي الشقب والأقروض، دارت مواجهات عنيفة تخللها قصف بالأسلحة المختلفة، فيما قالت مصادر حكومية إن القوات تصدت لهجوم حوثي في الأقروض. وأفاد مكتب شؤون الحصار في تعز بمقتل خمسة مدنيين وإصابة خمسة آخرين، بينهم أطفال، برصاص قناصة الحوثيين في قريتي حمة والدمنة والقرى المجاورة.

عربة عسكرية تابعة للقوات الحكومية في جبهات تعز (أ.ف.ب)

وامتد القصف إلى الأحياء السكنية في محيط المدينة، خصوصاً الجبهتين الشمالية والشمالية الغربية، مع استمرار الاشتباكات المتقطعة. كما أفادت مصادر محلية بوقوع غارات استهدفت محيط مطار تعز ومواقع في مناطق متفرقة من المحافظة، بينها التبة الحمراء وتباب الصالح والخزان والهياج، إلى جانب مواقع وتعزيزات في القريشة جنوبي مدينة التربة.

1276 عملية خلال يوم

في بيان يعكس اتساع نطاق العمليات، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، تنفيذ 1276 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ضمن عملية «فجر اليمن»، طالت قدرات عسكرية للحوثيين على مختلف الجبهات والمحاور.

وأوضح النزيلي أن العمليات استهدفت مراكز القيادة والسيطرة، والمواقع الدفاعية ومرابض النيران، والتعزيزات ووسائل النقل والإمداد، ومخازن الأسلحة والذخائر، إضافةً إلى أهداف في العمق قال إنها تهدف إلى الحد من قدرة الجماعة على إدارة عملياتها وإعادة تجميع قواتها.

هجمات الحوثيين على مدينة تعز اصطدمت بمقاومة ضارية في عموم الجبهات المحيطة (أ.ف.ب)

وأضاف أن العمليات أسفرت، وفق الحصيلة العسكرية المعلنة، عن تحييد نحو 382 من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير أو إعطاب 140 آلية وعربة وقطعة سلاح ثقيل، إلى جانب تدمير مخازن للأسلحة والذخائر.

وأشار إلى استمرار العمليات المتزامنة في جبهات الجوف ومأرب والبيضاء والجبهات الجنوبية والجنوبية الغربية، بهدف استهداف تحركات الحوثيين ومواضعهم الدفاعية وخطوط إمدادهم، والحد من قدرتهم على نقل الاحتياطيات وتركيز قواتهم في محور واحد.

وتزامنت هذه العمليات مع غارات مكثفة في الوازعية والمضاربة وكهبوب ورأس العارة، وفق مصادر عسكرية، فيما نفت مصادر في «قوات درع الوطن» صحة الأنباء عن استعادة الحوثيين مواقع في كهبوب، مؤكدةً استمرار السيطرة الحكومية على مطار ذوباب والمواقع الجبلية المحيطة به.

معاناة المدنيين

بينما تتواصل المواجهات، تتصاعد التحذيرات الحكومية والحقوقية من تداعيات القصف والحصار على المدنيين في تعز. وأدانت وزارة حقوق الإنسان استهداف الأحياء المكتظة بالسكان بقذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا والصواريخ الباليستية، مشيرةً إلى سقوط قذيفة داخل منزل أسرة الناشطة مروة النظاري، في واقعة قالت إنها أثارت حالة من الرعب بين النساء والأطفال.

ودعت الوزارة المجتمع الدولي إلى التحرك لوقف الاعتداءات ورفع الحصار، ومحاسبة المسؤولين عن استهداف المدنيين والأعيان المدنية.

في سياق متصل، وثَّقت «مؤسسة تمكين المرأة اليمنية»، في تقرير بعنوان «وجع الأمهات»، مقتل 107 من النساء والأطفال، بينهم 23 امرأة و84 طفلاً وطفلة، جراء انتهاكات قالت إن الحوثيين ارتكبوها في محافظة تعز خلال الفترة من الأول من أغسطس (آب) إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

القوات الحكومية اليمنية تهاجم زحف الحوثيين في محيط مدينة تعز المحاصرة (أ.ف.ب)

وذكر التقرير تسجيل 1321 حالة اقتحام للمنازل، وتهجير 4860 شخصاً، بينهم 1650 امرأة و3210 أطفال، إلى جانب وجود 221630 نازحاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، و32 طفلاً تعرضوا للتجنيد الإجباري، فضلاً عن 1056 حالة من الجرائم والانتهاكات المتعلقة بالخدمات الصحية، و246110 أطفال خارج المؤسسات التعليمية.

وفي تحرك سياسي موازٍ، بحث رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه تطورات التصعيد العسكري وتداعياته الإنسانية، بما في ذلك استمرار حصار تعز واستهداف المنشآت المدنية.

ودعا الزنداني المجتمع الدولي إلى الضغط من أجل إنهاء الحصار الحوثي وفتح الطرق أمام حركة المواطنين والإمدادات الإنسانية، مشيراً إلى تخصيص المفوضية الأوروبية 22.5 مليون يورو إضافية للمساعدات الإنسانية في اليمن.


اعتداءات الحوثيين تشرد 270 ألف يمني خلال شهرين

طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
TT

اعتداءات الحوثيين تشرد 270 ألف يمني خلال شهرين

طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)

بين مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة ورحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، يجد مئات الآلاف من اليمنيين أنفسهم أمام رحلة نزوح جديدة مع اتساع رقعة التصعيد العسكري الحوثي منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، في أزمة تجاوزت آثارها مناطق المواجهات لتضغط على المحافظات المستقبلة للنازحين، وتمتد إلى خارج البلاد، وسط نقص التمويل الإنساني، وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتكشف بيانات حديثة صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 270 ألف شخص نزحوا داخل اليمن، معظمهم منذ بداية التصعيد في سبتمبر، فيما امتدت حركة النزوح إلى 62 مديرية في عشر محافظات. وفي موازاة ذلك، وصل 3836 يمنياً إلى جيبوتي حتى منتصف الشهر الحالي، نصفهم تقريباً من الأطفال، بينهم 282 طفلاً دون الخامسة من العمر.

وتعكس هذه الأرقام اتساع حركة الفرار من مناطق المواجهات، خصوصاً في غرب تعز، ولحج، وجنوب الحديدة، حيث اضطرت أسر إلى مغادرة منازلها بحثاً عن الأمان، في وقت لم تعد فيه مناطق الاستقبال قادرة بسهولة على استيعاب الأعداد المتزايدة، وتوفير احتياجاتها الأساسية.

يمنيون نزحوا بسبب هجمات الحوثيين في تعز يتجمعون لتلقي مساعدات غذائية بضواحي عدن (أ.ب)

وفي عدن ارتفع عدد الوافدين من النازحين إلى أكثر من 42 ألف شخص، بما يزيد على ضعف العدد المسجل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، بينما تستضيف محافظة لحج نحو 67 ألف نازح. وتمتد حركة النزوح إلى مناطق أخرى، وصولاً إلى المهرة شرقي البلاد.

ولم تقتصر رحلة الفرار على الطرق البرية؛ إذ لجأت أسر يمنية إلى البحر في محاولة للابتعاد عن مناطق التصعيد. ووصلت بعض القوارب إلى الشاطئ قبل بلوغ وجهتها النهائية بعدما نفد الوقود، في رحلة كشفت عن المخاطر التي تواجه المدنيين وهم يحاولون الوصول إلى مناطق أكثر أمناً.

ومع تزايد الوافدين تواجه الأسر التي تركت منازلها على عجل صعوبات في تأمين المأوى، ومياه الشرب، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية. كما تتضاعف الضغوط على المجتمعات المستضيفة التي تعاني أصلاً محدودية الموارد، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بوتيرة تفوق إمكانات الاستجابة المتاحة.

اتسعت موجة النزوح جراء هجمات الحوثيين ما فاقم الوضع الإنساني (إعلام محلي)

ولا تنتهي معاناة النازحين بمجرد مغادرة مناطق المواجهات؛ إذ تضطر أسر إلى الإقامة في مبانٍ عامة مكتظة، بينما ينام آخرون في العراء، في ظل نقص مرافق الصرف الصحي، ومحدودية الخدمات الأساسية. وتزيد هذه الظروف من المخاطر التي تواجه الأطفال، والنساء، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة.

نقص التمويل

ويقول عبد الستار عيسويف، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في اليمن، إن الحجم الكبير لموجة النزوح وسرعتها وضعا الأسر أمام احتياجات ملحّة، في وقت تواجه فيه الفرق الإنسانية صعوبات في مواكبة الطلب المتزايد على المساعدة.

وأوضح أن الفرق تواصل توزيع المساعدات يومياً، لكن نقص التمويل يحد من قدرتها على الوصول إلى جميع المحتاجين، محذراً من أن غياب التمويل العاجل قد يحرم مزيداً من الأسر من مساعدات أساسية قد تكون حاسمة لبقائها.

تدفق مستمر للنازحين من أطراف محافظة لحج (إعلام محلي)

وفقدت 44 ألفاً و736 أسرة استقرارها نتيجة النزوح، ليجد كثير منها صعوبة في الحصول على مياه الشرب النظيفة، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية. ويزيد النقص الحاد في الوقود والارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية والأدوية من أعباء الحياة اليومية، في وقت لم تعد فيه الموارد المتاحة كافية لتلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتتفاقم هذه الصعوبات بفعل القيود المفروضة على دخول المنظمات الإنسانية إلى تعز، وهذه القيود تؤدي إلى إبطاء إيصال المساعدات إلى السكان المحتاجين إليها.

وفي مواجهة هذه الاحتياجات، حددت المنظمة الدولية للهجرة فجوة تمويلية تبلغ 30 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة. ويهدد هذا النقص قدرتها على توفير المأوى، والمساعدات النقدية الطارئة، والرعاية الصحية، وخدمات الحماية، والمياه النظيفة، والصرف الصحي، فضلاً عن متابعة حركة النزوح، وتحديد احتياجات المتضررين.

مساعدات لا تواكب الاحتياجات

حذّر عيسويف من أن كثيراً من الأسر اضطرت إلى النزوح أكثر من مرة، لتجد نفسها في كل مرة أمام رحلة جديدة للبحث عن مكان آمن، ومساعدة تتيح لها مواصلة الحياة. وشدد على ضرورة وصول الدعم إلى النازحين والمجتمعات المستضيفة معاً، قبل أن تتفاقم الظروف الإنسانية، ويتعرض مزيد من الأرواح للخطر.

ومنذ الأول من أغسطس (آب) عملت المنظمة الدولية للهجرة -بالتعاون مع السلطات المحلية، وشركاء من الأمم المتحدة، والمنظمات المحلية- على الوصول إلى 11 ألفاً و178 أسرة متضررة من الصراع.

اتسعت موجة النزوح جراء هجمات الحوثيين ما فاقم الوضع الإنساني (إعلام محلي)

وشملت المساعدات حقائب المأوى الطارئ، والمواد المنزلية، ومستلزمات المياه، والصرف الصحي، والنظافة الصحية، إلى جانب المساعدات النقدية متعددة الأغراض. كما قدمت المنظمة خدمات الحماية إلى 6757 مهاجراً ونازحاً، وأجرت 56 ألفاً و863 استشارة في مجال الرعاية الصحية الأولية.

ورغم هذه الجهود، لا تزال الاحتياجات أكبر من الموارد المتاحة، مع استمرار النزوح، وتزايد الأعباء على الأسر والمجتمعات المضيفة. وتدعو المنظمة الدولية للهجرة الجهات المانحة إلى زيادة التمويل بصورة عاجلة، لضمان استمرار الاستجابة الإنسانية، وعدم ترك الأسر المتضررة من دون الحد الأدنى من الدعم.


تعز على حافة الجوع بعد تفجير الطرق ومنع الإمدادات

تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
TT

تعز على حافة الجوع بعد تفجير الطرق ومنع الإمدادات

تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)

​حذَّرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من التداعيات الإنسانية الخطيرة لتفجير الجماعة الحوثية أجزاءً من طريق «هيجة العبد»، الذي يربط محافظة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، معتبرة أن استهداف البنية التحتية الضرورية لبقاء المدنيين قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني، في وقت تقترب فيه مخزونات دقيق القمح في مدينة تعز من النفاد.

ويفاقم تعطيل الطريق، الذي يمثل شرياناً رئيسياً لنقل السلع والإمدادات الأساسية إلى المدينة المحاصرة منذ عام 2015، المخاوف من تدهور الأوضاع المعيشية لنحو 600 ألف مدني، يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية، وسط تحذيرات أممية من تعذُّر وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.

الحوثيون أغلقوا آخر طريق رئيسي يربط تعز بمدينة عدن (إعلام محلي)

وذكرت المنظمة، في بيان، أن جماعة الحوثي استخدمت متفجرات في 18 أكتوبر (تشرين الأول)، ما ألحق أضراراً جسيمة بطريق هيجة العبد، محذرة من أن تدميره المتعمد أو تعطيله لفترة طويلة قد يحرم السكان من الإمدادات الضرورية لاستمرار الحياة، ويهدد سلامتهم، فضلاً عن احتمال إلحاق أضرار غير متناسبة بالمدنيين.

وقالت نيكو جعفرنيا، الباحثة المعنية باليمن في المنظمة، إن الهجوم على آخر طريق تجاري لإمداد تعز يزيد المخاطر التي يواجهها السكان الذين يعانون أصلاً نقصاً حاداً في الغذاء والماء والدواء والوقود، محذرة من أن استمرار إغلاقه قد يفاقم الأخطار المحدقة بحياة المدنيين وظروفهم المعيشية.

ولفتت «هيومن رايتس ووتش» إلى وقوع هجوم مماثل على الطريق نفسه مطلع الشهر الحالي، على بُعد نحو 45 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة تعز. ونقلت عن مصادر أن قوات حوثية تسللت إلى طريق هيجة العبد، وزرعت متفجرات في عبَّارة مائية أسفل الطريق، بعد سوق الوهط مباشرة، قبل تفجيرها والانسحاب من الموقع.

طريق بديل لعبور السكان وناقلات البضائع إلى ريف تعز (إعلام محلي)

وتزداد المخاوف من أن يؤدي استمرار تعطيل طرق الإمداد إلى تعقيد وصول الاحتياجات الأساسية إلى مئات الآلاف من السكان، وزيادة الأعباء على الأسر التي تعيش منذ سنوات تحت وطأة الحصار. كما يهدد تراجع تدفق السلع بتفاقم نقص الوقود ومياه الشرب والغذاء والدواء، في وقت تعتمد فيه المدينة على الطرق المتاحة لتأمين احتياجاتها.

وأكدت المنظمة أن استهداف المنشآت والبنية التحتية التي لا غنى عنها لبقاء المدنيين قد يشكل انتهاكاً لقوانين الحرب، وقد يرقى إلى جريمة حرب إذا ثبتت عناصر الجريمة وفقاً للقانون الدولي الإنساني.

نفاد مخزونات القمح

وفي مؤشر على اتساع الأزمة، أفاد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، بأنه لم يتمكن من الوصول إلى أكثر من 600 ألف شخص في تعز يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن هذا التطور يثير قلقاً بالغاً؛ خصوصاً أن معظم مديريات المحافظة تقع ضمن مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي، وفقاً لما أورده البيان.

السكان في تعز يعانون نقصاً شديداً في المياه والغذاء (رويترز)

وحذَّر برنامج الأغذية العالمي من اقتراب مخزونات دقيق القمح في المدينة من النفاد؛ مشيراً إلى أن الإمدادات الغذائية المتبقية في الأسواق المحلية قد لا تكفي سوى فترة قصيرة إذا استمرت القيود المفروضة على الوصول إلى المناطق المتضررة.

وتعكس هذه التحذيرات خطورة استمرار تعطل طرق الإمداد، في وقت يحتاج فيه مئات الآلاف من المدنيين إلى وصول منتظم وآمن للغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية. ويزيد تعطل الطرق من صعوبة إيصال المساعدات والسلع الأساسية إلى السكان، في ظل استمرار الحصار وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية.

استجابة أممية

في سياق متصل بتداعيات التصعيد الحوثي في تعز وغرب لحج، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي استجابة سريعة تستهدف دعم التعافي المبكر في المناطق المتأثرة بالنزاع والنزوح، وضمان استمرارية المؤسسات وتعزيز قدرتها على الصمود في المناطق التي تواجه ضغوطاً متزايدة على الخدمات وسبل العيش.

وأوضح البرنامج أن اختيار مسارات التدخل في المواقع المستهدفة قد يتغير مع تطور الظروف، استناداً إلى مؤشرات تشمل التعرض للنزاع، وحجم النزوح، وتعطل الخدمات، وكفاءة عمل المؤسسات المحلية.

الحوثيون يمنعون دخول الوقود إلى مدينة تعز المحاصرة (رويترز)

وخصص البرنامج مليون دولار من موارده الأساسية لدعم فرص العمل الطارئة والتعافي المجتمعي، بالتنسيق مع السلطات المحلية، على أن تشمل التدخلات إعادة تأهيل أصول مجتمعية ذات أولوية في محافظتي عدن ولحج.

ومن المتوقع أن توفر الاستجابة نحو 18 ألف يوم عمل، وتسهم في تحسين 14 كيلومتراً من الطرق، وحماية وإعادة تأهيل 35 هكتاراً من الأراضي الزراعية. وتشمل الأعمال المخطط لها رصف الطرق، وتحسين شبكات التصريف، وإزالة النفايات، والتشجير، وإعادة تأهيل قنوات الري، وحماية الأراضي الزراعية.

وبالتوازي مع هذه المبادرة، قال البرنامج إنه سيعمل على توسيع نطاق تدخلاته، في حدود التفويضات الممنوحة، وإمكانية الوصول والاتفاقيات المبرمة مع الجهات المانحة، لتقديم مزيد من الدعم؛ مشيراً إلى أن الجهود مجتمعة تستهدف الوصول إلى أكثر من مليون يمني.