بارزاني: ما ارتكبه المالكي ضد الإقليم يفوق أنفال صدام ولم نسمع احتجاجاً

قال لـ«الشرق الأوسط» إن العرب السنة باتوا الخاسر الكبير وكشف أنه نصحهم باكراً بإقامة إقليم لهم

رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني مع الزميل غسان شربل رئيس التحرير («الشرق الأوسط»)
رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني مع الزميل غسان شربل رئيس التحرير («الشرق الأوسط»)
TT

بارزاني: ما ارتكبه المالكي ضد الإقليم يفوق أنفال صدام ولم نسمع احتجاجاً

رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني مع الزميل غسان شربل رئيس التحرير («الشرق الأوسط»)
رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني مع الزميل غسان شربل رئيس التحرير («الشرق الأوسط»)

قال رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني إن عقدة عدم الاعتراف بالآخر تتحكم بمن يحكم بغداد. لكنه أظهر حرصاً على تفادي انتقاد رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، ملمحاً إلى المعوقات التي تعترض رغبته في الحل.
وبدا واضحاً من حديث بارزاني إلى «الشرق الأوسط» أن فترة حكم نوري المالكي في بغداد عمّقت رغبة أهل الإقليم في الطلاق والاستقلال. واتهم بارزاني المالكي بأنه نفّذ في حق الإقليم جريمة تفوق ما فعله صدام حسين في عملية الأنفال التي أدت إلى مقتل أكثر من 180 ألف كردي.
واعتبر أن العراقيين من العرب السنة أخطأوا في إدارة شؤونهم وعدم التحدث بصوت واحد ما جعلهم بعد تحصّن تنظيم داعش في مناطقهم الخاسر الكبير لأن مدنهم مدمرة الآن وقسماً كبيراً من سكانها مهجّر. وكشف أنه نصح العرب السنة غداة إسقاط صدام حسين بإنشاء إقليم كان الشيعة يومها على استعداد للقبول به، لكن المزايدات والحنين إلى الماضي وغياب الموقف الموحد منعتهم من المحافظة على حقوقهم.
وقال إن الأكراد اختاروا الشراكة في دولة مدنية بعد إسقاط صدام ليكتشفوا لاحقاً جنوحاً نحو دولة طائفية دينية.
وهنا نص الحديث:

> هل دخلنا مرحلة الأيام والأسابيع التاريخية بالنسبة إلى إقليم كردستان؟
- بالتأكيد دخلناها ومن باب واسع.
> هل هناك احتمال ولو بسيط لتأجيل الاستفتاء حول الاستقلال في 25 سبتمبر (أيلول)؟
- الاستفتاء قرار حاسم وهو قرار الشعب، وقرار معظم القوى السياسية في كردستان أنه يجب أن يجري الاستفتاء في 25 سبتمبر، اللهم إلا إذا كان هناك بديل أفضل.
> ماذا تقصدون بالبديل الأفضل؟
- هو مجرد رأي وإنما لست أنا الذي يقرر، فهناك مجلس أعلى للاستفتاء يتمثّل بالقيادة السياسية في كردستان وهي التي تقرر بالإجماع وليس قرار شخص واحد. لكن إذا كان هناك، كما نسمع من كثير من الأطراف، أن التوقيت غير مناسب، وتأجيله لمدة ستة أشهر أو سنة، فهل هناك استعداد للتوقيع على وثيقة أنه في 25 سبتمبر 2018، مثلاً، سيُعترف بنتائج الاستفتاء وتُقبل النتائج، وكانت هذه النتائج لمصلحة الاستقلال؟ ربما يمكن درس مثل هذا البديل إذا كان مطروحاً.
> هذا البديل تريده ممن؟ من أميركا؟
- أولاً من الحكومة العراقية ومن البرلمان العراقي ومن ثم بضمانة أميركية والتحالف الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
> الظروف لا توحي بتوفر هذا البديل حتى الآن؟
- هذا يعني أن الاستفتاء في موعده.
> سأسألكم سؤالاً افتراضياً وهو ماذا ستفعل لو ذهب الأكراد إلى الاستفتاء وقالوا: لا نريد الاستقلال؟
- سأخضع لرأي الشعب ولن تبقى علي أي مسؤولية، أنا أديت واجبي تجاه شعبي، وإذا قرر الشعب رفض الاستقلال فاحترم إرادة شعبي وأتفرغ لحياتي الخاصة.
> ستستقيل؟
- من دون شك، إذا الشعب قال لا، لا أرى أنه يبقى لي أي مجال في العمل.
> هل هناك إمكانية بأن تأتي النتائج ضعيفة؟ وكيف تشعر بالمزاج الشعبي؟
- المزاج الشعبي الذي نراه اليوم فرح وحماسي ومتهيئ للتصويت، وقد رأيتم التجمع الكبير الذي حدث في مدينة كولن في ألمانيا حيث اجتمع الآلاف من أبناء شعب كردستان هناك وقالوا بصوت واحد: «نعم للاستفتاء»، وهذا تعبير عن بقية المناطق وعن إرادة شعب كردستان. ربما هناك أناس يخافون من النتيجة، يتحسسون منها أو غير مقتنعين بها، وطبعاً هذه هي الديمقراطية، وأصلاً السؤال في الاستفتاء هو: هل أنت مع استقلال كردستان أم لا؟، والجواب يكون بنعم أو لا. إذن السؤال ديمقراطي، لذلك لننتظر ونرى النتيجة، وأتوقع أن تكون نسبة التصويت بنعم عالية جداً، لكن الاحتمالات كلها واردة أيضاً.
> لو كان والدكم الملا مصطفى بارزاني في مكانكم حالياً وفي هذه الظروف، هل كان سيتخذ قرار الدعوة إلى الاستفتاء على الاستقلال؟
- أنا تلميذ في المدرسة التي أسسها واستلهم دائماً من فكره وسلوكه.
> هل تشعر برغبة في الثأر لأنك ولدت في جمهورية مهاباد التي أعلنت على الأراضي الإيرانية واختفت وهل تريد أن ترى ولادة جمهورية كردية جديدة في كردستان؟
- لم تكن جمهورية مهاباد بل كانت جمهورية كردستان في مهاباد، مؤلف الكتاب ويليام ايغلتون كان القنصل الأميركي في طهران أو في تبريز، وكان سفيراً لدى بعض الدول العربية، وكان أيضاً ممثل الأمم المتحدة في «أونروا». عندما ألّف هذا الكتاب حذفت الرقابة في الخارجية الأميركية الكثير من المسائل وغيّرت عنوان الكتاب من «جمهورية كردستان في مهاباد» إلى «جمهورية مهاباد».
> كم عاشت «جمهورية كردستان في مهاباد»، نحو أحد عشر شهراً؟
- نعم تقريباً أقل من سنة وكان والدي قائداً للقوات المسلحة فيها. الأمر ليس انتقاماً بل تواصل لتحقيق الهدف.
> وشاءت المصادفة أن تولد أنت في مهاباد؟
- أنا ولدت في 16 أغسطس (آب) عام 1946 في مهاباد. بعد انهيار جمهورية كردستان في مهاباد واستعادة الجيش الإيراني السيطرة على المنطقة، صارت هناك هدنة بين البارزانيين ومجموعة من الكرد الذين جاءوا لمساعدة جمهورية كردستان وبين الجيش الإيراني استمرت حتى الربيع كي يختاروا إما العودة إلى العراق أو الخروج من إيران إلى أي مكان آخر أو الاستسلام والسكن في مناطق بعيدة. وفي الربيع، اندلع القتال بين البارزانيين والجيش الإيراني وأصيب الجيش الإيراني بهزائم نكراء، وتقررت عودة العوائل والمسنين إلى العراق، أما والدي وبرفقة نحو 500 مسلح شاب قطعوا في مسيرة تاريخية استمرت لمدة 53 يوماً المسافة من الحدود العراقية - الإيرانية إلى مدينة نقجيوان في جمهورية أرمينيا داخل الحدود السوفياتية، وخلال هذه المسيرة كانوا يدخلون أحياناً الأراضي الإيرانية وأحياناً الأراضي التركية واصطدموا مرات عدة خلال مسيرتهم مع القوات الإيرانية والتركية لكنهم واصلوا طريقهم.
> والتقيت والدك بعد 11 عاماً؟
- والدي فارقنا في يوم 14 أبريل (نيسان) عام 1947 حيث ودّع العائلة وتحرك وعاد في يوم 6 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1958، بعد «ثورة تموز».
> قبل نحو شهر استقبلت وفداً إيرانياً، فماذا طلب منكم؟
- اللقاء كان ودياً جداً، وكان حسن دانائي فر، السفير الإيراني السابق في بغداد، يرأس هذا الوفد الذي حمل رسالة من طهران تدعو إلى التعاون والتنسيق. أبدى الوفد الإيراني تحفظه عن الاستفتاء، قائلاً إن توقيته غير مناسب ومن الأفضل أن تُحل المشاكل بين أربيل وبغداد والعودة إلى الدستور وحل المشاكل بالاستفادة من التجارب السابقة، وإن الأخطاء وقعت من قبل كل الأطراف. قلنا لهم إن هذه المرحلة تجاوزناها وشرحنا لهم وجهة نظرنا.
>هل حملوا أي نوع من التحذير؟
- أبداً، وتكلموا معي في اللقاء بلغة مؤدبة وودية جداً.
> فيما بعد هل تلقيتم تحذيراً من إيران؟
- في الإعلام أحياناً، هذا المسؤول أو ذاك يصرّح مهدداً.
> استقبلتم أيضاً وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، فماذا قال لكم وماذا قلتم له؟
- اللقاء أيضاً كان ودياً وصريحاً، ونقل وجهة نظر تركيا، وقال إن التوقيت غير مناسب، ونخشى أن تحدث مشاكل داخلية وأعرب عن تخوفه من أنه قد تقع حرب أهلية بيننا وبين المكوّنات الأخرى في العراق، وأن حرب «داعش» لم تنته بعد وربما يؤثر الاستفتاء على الوضع الأمني والاستقرار في المنطقة. وقال إنهم يعلمون أن الظلم وقع علينا في الإقليم وإن الدستور لم يطبق بشكل جيد، وإن من حق الإقليم أن يطالب بهذه الحقوق ولكن نرجو أن يكون ضمن العراق. أيضاً شرحنا لهم وجهة نظرنا وحالة الإحباط التي حصلت بعد أن فشلت كل المحاولات التي بذلناها لتأسيس شراكة حقيقية، واتفقنا على التواصل.
> هل شعرت بالقلق حين استقبل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان رئيس أركان الجيش الإيراني؟
- أبداً، لم أشعر بأي قلق.
> هل من الممكن أن تعود الجغرافيا إلى معاقبة الأكراد؟
- لا أعتقد، لأن الظروف تغيّرت والعالم تغيّر، الآن ليس زمن حلف السنتو (أي حلف بغداد) ولا الستينات ولا زمن حلف سعد آباد (معاهدة عدم اعتداء وقعتها تركيا، إيران، العراق وأفغانستان). الدنيا الآن غير تلك الدنيا.
> ألا يمكن أن نرى الإقليم محاصراً إيرانياً وتركياً وسورياً؟
- كن واثقا ربما نحن نتضرر ونتأذى لكن هؤلاء سيتضررون ربما أكثر إذا لجأوا إلى مثل هذه الخطوة.
> ماذا قال وزير الدفاع الأميركي في اللقاء معكم؟
- هذه المرة الثانية التي التقي فيها ماتيس. المرة الأولى التقيته في مؤتمر الأمن في ميونيخ في فبراير (شباط) الماضي، وهذه المرة التقيته في أربيل. كان ضابطاً شاباً في القوات الأميركية التي جاءت إلى المنطقة عام 1991، لتوفير «المنطقة الآمنة»، أي إنه شخص مطلع. وفيما بعد، بين الأعوام 2003 - 2004 كان في الرمادي والفلوجة، وتسلّم مراكز قيادية مرتبطة بالمنطقة. وقد أبدى تقديراً عالياً وإعجاباً بالبيشمركة وقدّم تعازيه لعائلات الشهداء وأكد أنه لولا التنسيق بين الجيش الأميركي وقوات البيشمركة والجيش العراقي لما تحققت هذه الانتصارات في الموصل، وأكد على استمرار التعاون والدعم. وبخصوص الاستفتاء قال: نحن نتفهم حقوق شعب كردستان وطموحه، ونقر بأن لكم هذه الحقوق، ولسنا ضد مبدأ الاستفتاء، لكن في تصورنا الاستفتاء في هذا التوقيت سيخفف التركيز على الحرب ضد «داعش»، لذلك نرغب في إعادة النظر في الموضوع. شرحت له وجهة نظرنا وأن كل المحاولات التي بذلناها مع بغداد فشلت وقلت له نفس الكلام الذي قلته العام الماضي في بغداد للعبادي وللتحالف الوطني، وهو تعالوا لنعترف بفشلنا في بناء شراكة حقيقية ولنكن جريئين، ولنبحث عن صيغة جديدة، والصيغة الجديدة هي أن نكون جيراناً في أفضل حالات حسن الجوار، ونكون امتداداً وعمقاً لبعضنا، ونقيم أفضل العلاقات ونتعاون وأن يكون هناك تسريح بإحسان لا بالعنف بل بالعكس نتعاون على كل المسائل، فهذا أفضل من أن نستمر في ممارسة تجربة فاشلة لم ترتاحوا فيها أنتم ولا نحن ارتحنا. لماذا نستمر في وضع تعذبنا كلنا منه؟ هذا ليس منطقياً. والحقيقة أنهم كانوا منفتحين، لكن ربما تصوروا أنها ورقة ضغط، أو ليست المسألة جدية. الكثيرون كانوا يتصورونها هكذا. التقيت خلال تلك الزيارة كل القيادات العراقية بما فيها كل التنظيمات الشيعية في التحالف الوطني، ولم التق نوري المالكي. الموضوع كان جدياً، فأنا منذ عام 2008 توصلت إلى قناعة أن عقلية التفرد بالحكم والسلطة واحتكارها وعدم قبول الآخر لا تزال هي العقلية السائدة في بغداد أياً كان الحاكم. وأول مرة حذّرت من ذلك عام 2012 وقلت إن العراق يسير إلى الهاوية وإن الوضع خطير جداً ما لم يُتدارك، لكن لم يهتم أحد. قسم تحدث عن وجود خلاف شخصي، أنا ليس لدي خلاف شخصي مع أحد، لكن أنا أرى الصورة.
> قلت هذا الكلام للعبادي والأطراف العراقية في عام 2016؟
- نعم في عام 2016، لأنني لم أزر بغداد في عام 2017.
> هل لديك شعور بالخيبة من بغداد ما بعد صدام حسين ومن فكرة الدولة المدنية؟
- أنا محبط بشكل كبير بعد عام 2003، في البداية الكل يعرف أننا قمنا بعمل كبير في التهيئة لإسقاط النظام عام 2002 والاشتراك في العمليات العسكرية، ولسنا نادمين، لكننا كنا نتصور أننا سنحصل على فرصة مناسبة أو فرصة العمر في عراق جديد، عراق مبني على المحبة والتآخي عراق ديمقراطي فيدرالي، وبذلنا جهوداً كبيرة في سبيل تحقيق هذا الهدف من مجلس الحكم إلى موضوع الدستور وصياغته ومن ثم التصويت على الدستور، ولولا شعب كردستان ما كان الدستور سينجح. هيأنا الأجواء وقمنا بدور كبير، وعندما فاز الدستور في الاستفتاء قلنا: الحمد لله، الآن أصبح كل طرف يعرف حقوقه وواجباته. ولكن بعد فترة رجعنا مرة أخرى إلى المزاج الشخصي وإلى احتكار السلطة. النقطة الرئيسية أو عمود الاتفاق الذي صار بيننا وبين الأطراف الأخرى هي الشراكة الحقيقية، وطبعا هم أنهوا هذه الشراكة بالكامل. وهناك نقطة مهمة أخرى هي أننا اتفقنا على تشكيل دولة مدنية ديمقراطية، ومن الواضح جداً أنه يوماً بعد يوم اتجهت الدولة نحو أن تكون دولة دينية طائفية في بغداد. هذا هو الواقع لمن يريد أن يرى، ولمن لا يريد أن يرى فذلك شأنه. حرّكوا ضدنا الجيوش وقطعوا ميزانية الإقليم. كيف يمكن فعل ذلك حتى لو كانت هناك خلافات بين الإقليم وبين بغداد؟ لنفرض أن التقصير من الإقليم، ولكن كيف يجوز لرئيس وزراء أن يقطع، بجرة قلم، رزق شعب بكامله، ويقطع حليب الأطفال؟ هذه عملية أنفال بشكل آخر.
> يعني أن المالكي نفّذ الأنفال بطريقة أخرى؟
- نعم المالكي نفذ الأنفال بطريقة أخرى وأبشع، ولم نسمع أي صوت لا من قيادة دينية أو من أحزاب سياسية شيعية في العراق، يعترض على هذه الجريمة التي ارتكبها المالكي بحق شعب كردستان. تنفيذ المادة 140 كان من المفروض أن تنفذ هذه المادة في عام 2007 لكنها لم تنفّذ وأهملوها بالكامل، وتبجحوا بأنهم أحبطوا هذه المحاولة الخبيثة من قبل الكرد وأن المادة 140 ماتت. حصة البيشمركة من السلاح ومن الموازنة - باعتبار البيشمركة جزءاً من منظومة الدفاع للقوات العراقية - لم يصلنا طلقة واحدة ولا دينار واحد. حتى حصة البيشمركة من الأسلحة، وبحسب الاتفاق الثلاثي بيننا وبين أميركا والجيش العراقي، لم نحصل عليها، لأن المالكي احتجزها في مخازن قريبة من منطقة التاجي بين سامراء وبغداد، ووقعت بيد «داعش». حاربونا محاربة حقيقية، حتى في الحرب مع «داعش» لم يقدموا لنا المساعدة، نحن الذين قدمنا المساعدة للجيش العراقي، وسمحنا له أن يأتي إلى الموصل، وفتحنا له كل المنافذ (للوصول إلى هناك). دمّرنا الخط الدفاعي الأول لـ«داعش» وقلنا للجيش العراقي: تفضل. والتزمنا بالاتفاق الذي اتفقنا عليه وهو كيف تكون الخطة وكيف تنفذ ودور كل طرف في الخطة (من أجل تحرير الموصل). وحتى في هذه العملية حدثت خروقات، ليس من طرف الجيش بل من قبل أطراف من الحشد الشعبي. لقد تفاجأت من التعاون الوثيق والانسجام الذي تحقق بين الجيش العراقي والبيشمركة خلال فترة أسبوع أو أسبوعين من انطلاقة عملية تحرير الموصل، فالجانبان كانت بينهما حرب لمدة تراوحت ما بين 50 - 60 عاماً. صحيح أن هؤلاء الشباب هم من الجيل الجديد لكنهم من نفس المدرستين (المختلفتين). هناك تنسيق جيد حتى الآن، وسنؤسس على هذا التنسيق في المستقبل. وأياً كانت التطورات، لا نريد أن نصطدم مع الجيش الذي ننسق ونتعاون معه. لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن البيشمركة لم تحصل على أي مساعدة (من الحكومة المركزية في بغداد) وتم قطع ميزانيتها. لم تُحل أي مشكلة من المشاكل (بين الإقليم وحكومة بغداد). لقد صفّوا المراكز الحكومية من الكرد. هناك 55 مادة دستورية سجّلنا خرقها من قبل بغداد، وسنعطيهم نسخة من هذه الخروق.
> ألم يغيّر مجيء العبادي هذا الاتجاه؟
- أنا متأكد أن العبادي يرغب في حل هذه المشاكل. العبادي يختلف عن غيره، لكن هناك عقبات كثيرة وعوائق أمامه. علاقتي به جيدة وهناك اتصال مستمر بيننا، لكنني توصلت إلى قناعة أن العبادي لا يستطيع أن ينفّذ ما يعدنا به، لأسباب خارجة عن إرادته.
> هل هناك دول تريد أن تبقوا في العراق لعمل القليل من التوازن مع هذا الاتجاه إلى بناء دولة دينية في العراق؟
- لا، هذه المحاولات فشلت. أمامنا تجارب الشعوب الأخرى في الاتحاد، نحن كنا دولة مستقلة في عام 2003، نحن الذين ذهبنا إلى بغداد، والآن أقول إننا أخطأنا في ذلك. نحن ذهبنا لتأسيس عراق فدرالي ديمقراطي باتحاد اختياري، لكن بغداد هي التي رفضت وتوصلنا إلى قناعة أننا لسنا مرغوبين في بغداد، إما أن نذهب مواطنين من دون حقوق أو من دون مواقف، لذا فكّرنا أننا أمام ثلاث خيارات: إما أن نستسلم ونتخلى عن كل هذه المكاسب، أو نستمر في تجربة فاشلة لمدة 100 سنة، أو ربما ندخل في قتال، وهذا ما لا نرغب فيه، أو نبحث عن صيغة جديدة. ما هي الصيغة الجديدة؟ نحن جربنا اللامركزية وجربنا الحكم الذاتي وجربنا الفيدرالية، لكن المشكلة في العقلية وفي الثقافة. العقلية الحاكمة مع الأسف الشديد لدى الأكثرية العظمى في بغداد هي أنه يجب أن تتحكم بغداد في كل صغيرة وكبيرة. لا يقبلون بالآخر ولا بالشراكة. يدّعون ذلك، لكن عملياً لا يقبلون بذلك. شعب كردستان توصل إلى قناعة أنه يجب أن نصل إلى صيغة جديدة والصيغة الجديدة هي أن نصبح جيراناً.
> هل التعايش العربي - الكردي فشل داخل خريطة العراق؟
- نعم وبكل صراحة تجربة فشلت.
> ألم يكن أمام هذا الزواج العربي - الكردي داخل خريطة العراق إلا الطلاق؟
- لم يبق حل آخر. بذلنا المستحيل لئلا تصل الأمور إلى هذه النقطة، ولكن مع الأسف وصلت.
> ماذا ستفعلون إذا أعلنت غداً نتائج الاستفتاء وقطعت بغداد علاقاتها الكاملة مع كردستان؟
- هم في بيتهم ونحن في بيتنا.
> هل لديكم القدرة الاقتصادية على تحمل إغلاق الحدود من قبل دول أخرى؟
- حسبنا حساب كل هذه المسائل، بما في ذلك تهديدنا بغلق الحدود وقطع العلاقات. كل طرف حر في اتخاذ قراراته، لكن أقول مرة أخرى: إذا اتفقت هذه الأطراف على إيذائنا أو على القضاء علينا، فبالتأكيد هم أيضاً سيدفعون ثمناً باهظاً.
> ماذا ستفعل إذا قرر «الحشد الشعبي» استرجاع كركوك؟
- أولاً نحن مستعدون للتفاوض مع بغداد حتى بعد الاستفتاء على موضوع الحدود بما فيها كركوك، لكن كركوك مدينة كردستانية، هويتها هوية كردستانية، ومستعدون أن نجعل منها نموذجاً يحتذى به في التعايش القومي والديني والمذهبي. لكن أي قوة تفكر في أن تسترد كركوك بالقوة سيواجهها كل شعب كردستان المستعد للموت إلى آخر شخص للدفاع عنها.
> تقول: سنموت من أجل كركوك إذا حاول أحد استردادها بالقوة؟
- طبعاً. لكننا منفتحون، فكركوك ليست مدينة كردية فقط. كركوك هي للكرد وللعرب وللتركمان وللمسيحيين، ويجب أن يتفاهموا ويتفقوا فيما بينهم. حتى بالنسبة إلى كل كردستان، لا نريد أن تكون هناك دولة مركزية وإنما نظام يكون أشبه بنظام فيدرالي داخل كردستان، بحيث تكون لكل محافظة حكومتها المحلية وبرلمانها المحلي والعاصمة تكون في أربيل، وكذلك المسائل السيادية كالجيش والسياسة الخارجية والسياسة المالية. أما في المسائل الأخرى، فهذه المحافظات هي التي تدير نفسها، ولا يجوز أن نفكّر في حكم مركزي متسلط، بالعكس يجب أن نكون منفتحين تماماً.
> في عام 1991 قال لك صدام إنه يعرف أن كركوك كردية؟
- نعم، قال أنا لا أقول إن كركوك ليست كردية، بل هي مدينة كردية، ولكن هي قاعدة اقتصادية جاهزة لبناء دولة، لذلك لن نوافق على ضم كركوك لمنطقة الحكم الذاتي.
> هل هذا الحديث جرى عندما استبدل صدام قدح الشاي الذي أمامكم بقدحه؟
- نعم في نفس اللقاء.
> هل لديك مرارة من المالكي، كونك اعتبرت أن ذهاب صدام سيحل المشكلة، لكن ظهر أن المشكلة ليست في صدام فقط؟
- هذا ما كنا نتصوره، لكن فيما بعد اكتشفنا أنه لا، وأنه بذهاب صدام لا تنتهي المشاكل. بل بالعكس، واجهنا مشاكل أمرّ، ورأينا طعناً من الخلف من أناس كنا نعتبرهم حلفاءنا. نحن حاربنا صدام وحاولنا إسقاطه، وربما سماع كلمة طيبة من صدام كان غريباً بالنسبة لنا.
> هل إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي أعلنت تأييدها بصراحة للاستفتاء على استقلال كردستان؟
- نعم هذا صحيح، وأنا أشكر مواقف الدول العربية أيضاً، وبالمناسبة مواقف الدول العربية أفضل بكثير من مواقف الدول الأوروبية وأميركا. ليست هناك ردود استفزازية من قبلهم، والكل يعترفون بحق الشعب الكردي، حتى وصلتني رسالة معقولة جداً من الأمين العام للجامعة العربية. مواقف الدول العربية مواقف متوازنة.
> هل سيكون هذا أول تعديل للخرائط في المنطقة منذ قيام إسرائيل؟
- صحيح، وحدث ذلك أيضاً في جنوب السودان.
> هناك من يعتقد أن الأكراد إذا أصبحوا دولة وعاشوا لوحدهم سيواجهون ما واجهه جنوب السودان وتفرغوا للمرارات الكردية والاقتتال؟
- هذا ليس صحيحاً. الكرد أثبتوا جدارتهم وكفاءتهم منذ عام 1991 عندما أتيحت لهم فرصة بسيطة لإدارة منطقتهم. ورغم المشاكل الداخلية، لا يمكن أن يُقاس الوضع في كردستان بجنوب السودان.
> قلتم إنكم أخطأتم في 2003 عندما ذهبتم مختارين لتجديد الشراكة مع بغداد رغم أن كردستان كانت شبه مستقلة، بفضل مناطق حظر الطيران والمنطقة الآمنة التي أعلنت عام 1991 بحسب قرار مجلس الأمن. الإقليم أُعلن في عام 1992 والدستور العراقي صوّت عليه عام 2005؟
- لكن لم يُعمل بهذا الدستور. لو طُبّق هذا الدستور لما واجهنا هذه المشاكل ولا هذه التطورات.
> كيف هو الوضع الاقتصادي في كردستان حالياً؟
- ليس سهلاً، لكن هناك أملاً بتجاوزه وإصلاحه.
> مع إعلان نتائج الاستفتاء في ليلة 25 سبتمبر أو صباح 26 سبتمبر، ماذا سيفعل مسعود بارزاني؟
- لأول مرة سيعبّر شعب كردستان عن رأيه بحرية ويقرر مصيره. هذه رسالة إلى العالم وإلى بغداد وإلى المنطقة. هذا هو قرارنا. تعالوا نبحث على أساس هذا القرار عن العلاقة المستقبلية. إذا رأينا أن هناك استعداداً وتجاوباً فأهلاً وسهلاً، أما إذا لم يكن هناك استعداد وتجاوب فسنعلن عن الدولة. وإذا كان هناك تفاوض فسنتفاوض للوصول إلى تفاهمات، وهذا الذي نرغب فيه. نحن لا نريد أن يكون هناك تحدٍ، لا من قبلنا ولا من قبلهم، لكن لن نتراجع.
> ليس لديك قدرة على التراجع أم لا تمتلك الرغبة في التراجع؟
- ليس لدي رغبة ولا يمكن أن أسمح بخسارة تاريخي النضالي كله، كيف أتراجع؟
> هل تعتقد أنك تضع نفسك شخصياً في دائرة الخطر عندما تقود كردستان في هذا المنعطف؟
- أنا مستعد في كل لحظة أن أضحي بحياتي في سبيل هذا الهدف، ولا أفكر في مصيري وبحياتي.
> هل حاول «داعش» أن يغتالك؟
- حاول «داعش» اغتيالي واغتيال كل شعب كردستان. حقيقة هم ما كان بإمكانهم الوصول إلي. بذلوا محاولات كثيرة، لكنهم كانوا يعلمون أنه ما كان في استطاعتهم الوصول إليّ. لكن حدث الكثير من المحاولات في الجبهة من خلال القصف والمفخخات.
> كم بقيتم في جبهات القتال؟
- أكثر من سنة ونصف، إلى أن حررنا كل المناطق وأبعدنا خطر «داعش» عن المدن والمواقع الرئيسية واسترددنا المواقع الأساسية كسنجار وزمار ومخمور وجلولاء ومناطق أخرى، وعدت أنا إلى مقري الرئيسي.
> كم عدد شهداء البيشمركة؟
- 1779 شهيداً، أما الجرحى فبلغ عددهم 10158 جريحاً.
> هل أعطت الحرب مع «داعش» المزيد من الشرعية للبيشمركة لإعلان الاستقلال؟
- من دون شك.
> ما دور الجيش العراقي في منع «داعش» من اجتياح إقليم كردستان؟
- الآن من الممكن أن نتحدث عن الجيش العراقي، لكن قبل الآن كان «جيش المالكي»، وهو الجيش الذي انهار والجيش الذي تعب عليه «الناتو» مدة عشرة أعوام انهار خلال عشر ساعات، بل هو الذي سلّم كل المناطق وترك سلاحه ومعسكراته وسلم كل هذه الإمكانات إلى «داعش». البيشمركة هم الذين قاتلوا «داعش» وبإسناد من قوات التحالف وأميركا بالدرجة الأساسية. قوات البيشمركة هي التي أنقذت المنطقة وهي التي حطمت أسطورة «داعش».
> قلتم لنا في لقاء سابق إن المناطق التي عادت بالدم لن تعيدوها لأحد؟
- طبعاً، أقولها الآن أيضاً، فهي مناطقنا الكردستانية، وعندما وافقنا على المادة 140 ليس لأننا كان لدينا شك على هوية هذه المناطق، لكننا قلنا نعم لتحل هذه المشكلة الدستورية، فطالما هم أهملوا الدستور وهناك من ادعى في بغداد أن المادة 140 ماتت، إذن إحياء الموتى أمر صعب.
> هل هناك أسرى لـ«داعش» لدى الإقليم؟
- نعم يوجد.
> هل كركوك وكل المناطق المتنازع عليها مشمولة بالاستفتاء؟
- هذا يتوقف على المجالس المحلية. إذا هم طلبوا، طبعاً سيشملون بالاستفتاء، أما إذا لم يطلبوا فلن يُشملوا.
> وستظل بوصفها متنازعاً عليها؟
- خاضعة للتفاوض.
> ماذا عن كركوك، هل طلبت ذلك؟
- هناك اجتماع لمجلس محافظة كركوك اليوم، إذا قدموا طلباً بذلك، فنحن سنلبي طلبهم.
> ما هو وضع المكوّن العربي السني، هل خروج كردستان من الخريطة العراقية سيضاعف تهميشه؟
- المكوّن السني ارتكب أخطاء منذ البداية، والآن هم في وضع صعب. نحن مستعدون لمساعدتهم، لكن يجب في الأول أن يساعدوا هم أنفسهم. العرب السنة الموجودون في الإقليم حالهم حال الكرد، ونتعهد أنه لن يكون هناك تمييز بين العربي والكردي. أما العرب الموجودون خارج الإقليم فنحن مستعدون لمساعدتهم، لكن يجب أن يقولوا لنا ما هو نوع المساعدة.
> هل زارك العرب السنة بعد 2003 ونصحتهم بتأسيس إقليم؟
- ليس مرة واحدة بل زاروني ثلاث مرات. فبعد سقوط النظام لاحظنا أن هناك إرباكاً في حالة السنة. ولبناء عراق جديد وعلى أساس شراكة حقيقية بين كل المكونات، بادرت إلى توجيه دعوة إلى شيوخ عشائر وشخصيات أكاديمية ووجهاء المناطق السنية للاجتماع في أربيل. وتكرر هذا الاجتماع ثلاث مرات، وقلت لهم إن العراق تغيّر والمنطقة تغيّرت والعالم تغيّر، وعليكم أيضاً أن تغيّروا عقولكم. أولاً، لا يمكن لأي جهة أو أي حزب أو طائفة أن يعمل على الاستفراد بالحكم في العراق، وهذا ما كنا نتوقعه فعلاً، وقلت لهم إنكم إذا كنتم تتوقعون أن الكرد والشيعة سيتحالفون ضدكم، فانا أعطيكم وعد شرف بأننا لا نسمح بذلك. أما إذا كنتم تتصورون أنتم أنه من رئيس الجمهورية إلى الشرطي القرار سيكون بيدكم، فلو قبل الكرد والشيعة بذلك فأنا لا أقبل.
وقلت لهم أنتم رفضتم أن نكون شركاء، لكن تعالوا ندعُكم إلى بناء العراق على أساس الشراكة. قسم منهم ممن شعروا بالمسؤولية استوعبوا الوضع الجديد، ولكنهم كانوا يخافون من المزايدات أو ربما من الاغتيال. قسم آخر منهم لم يقبلوا أصلاً أن يفكّروا في الموضوع لأنهم لا يزالون تحت تأثير ثقافة الحزب الواحد والحزب الحاكم. وقسم آخر منهم كانوا في عالم آخر، ولم يستطيعوا خلال المرات الثلاث من تنظيم أنفسهم، ولم تتشكل لهم قيادة تستطيع أن تقودهم، حتى في فترة مناقشة الدستور كانت هناك مواقف متباينة منهم. وحقيقة، هم آذوا أنفسهم أكثر من أي جهة أخرى. أما الآخرون فاستغلوا الفرصة. الشيعة، في البداية بعد سقوط النظام، كانوا شاكرين لو أن السنة يقبلون بالفيدرالية، وحتى فترة التصويت على الدستور عام 2005 (كان الوضع مستمراً على هذا المنوال). ومن ثم رأوا أن السنة بدأوا يفقدون نفوذهم ومناطقهم التي أصبحت حاضنة للإرهابيين، وتعرضت للضرب من قوات التحالف. والحقيقة أن السنة خسروا خسارة كبيرة وفقدوا الفرصة.
> هل نصحتهم بإنشاء إقليمهم؟
- نعم، لكنهم قالوا: نحن مع الوحدة العراقية. والحقيقة أن السنة هم الذين دفعوا الثمن. انظر إلى الدمار فكله في المناطق السنية. «داعش» دمّر بيوتهم ومدنهم، وهذه نتيجة السياسة الخاطئة. بعد ذلك فتحنا لهم أبواب الإقليم عندما تعرضوا إلى الظلم والعدوان. وحاليا هناك أكثر من مليون ونصف مليون نازح غالبيتهم من السنة، وهناك شيعة أيضاً موجودون في الإقليم، وقد انسجموا مع المجتمع في كردستان انسجاماً كبيراً. نحن مستعدون لمساعدتهم وإذا قرر السنة إقامة إقليم في العراق فنحن سنؤيدهم.
> وهل ما زال هذا ممكناً؟
- لم لا؟ الآن السنة يريدون إقليماً، لكن الآن الشيعة لا يقبلون. لقد اجتمعت مع الكثير من العرب السنة الذين تقع مناطقهم ضمن إقليم كردستان، وكلهم يؤيدون البقاء مع إقليم كردستان.
> هل هناك دولة شيعية تتكون في بغداد؟
- هذا هو الواقع.
> هل هذه الدولة الشيعية تقودها إيران؟
- نفوذ إيران كبير جداً، لا أستطيع أن أقول إنها تديرها بالكامل أو أصبحت جزءاً من إيران، لكن نفوذ إيران كبير.
> ماذا عن النفوذ الأميركي؟
- النفوذ الأميركي في بغداد أقل بكثير من النفوذ الإيراني، بحسب تصوري.
> وكيف تقدّر نفوذ إيران في الإقليم؟
- لا أستطيع أن أقول إنه ليس هناك نفوذ إيراني. لكن في الحقيقة، وأنا أبلغت الإيرانيين به بكل صراحة، نحن نريد علاقات طيبة، علاقات حسن الجوار والمحبة والمصالح المشتركة، ولكن قد نتقاطع معكم أو قد نتفق معكم، القرار هو قرارنا وهو لن نسمح لكم بمصادرة قرارنا، ولن نسمح لأي دولة أخرى بأن تصادر القرار الكردي. قرار كردستان العراق موجود في كردستان العراق. الشعب الذي ناضل من أجل حريته وقدم الشهداء كيف يجوز أن يسلم قراره إلى أي دولة؟
> كيف ترى الوضع في سوريا؟
- أرى فوضى، لكن حالياً هناك بعض الملامح الجديدة التي اتضحت، لكن الأسد سيبقى، والنظام لم يسقط. يبدو أن هناك اتفاقاً روسياً - أميركياً جزء منه واضح والجزء الآخر سري لا يعلمه أحد. والنفوذ الإيراني موجود في سوريا، وتركيا على الحدود. فمثلاً في العراق على رغم وجود خلافات بيننا وبين بغداد، فإن الجبهة واضحة وهي أننا جميعا في جبهة واحدة ضد الإرهاب. والتحالف الدولي متماسك ومنسجم ويقدم الدعم، لكن في سوريا المعارضة مختلفة مع بعضها، وصحيح أن هناك نظاماً إلا أن قوى أخرى تحرك الساحة وهي روسيا وإيران، وهناك خلاف بين أميركا وروسيا في بعض المناطق واتفاق في مناطق أخرى. وهناك اتفاق إيراني - تركي - روسي، وهناك اتفاق أميركي - روسي. الحقيقة أن هناك فوضى.
> الحدود بين إقليم كردستان وسوريا، من يسيطر عليها في الجانب الآخر؟
- هناك القوات الكردية والقوات السورية في هذه المناطق، وهناك تنسيق فيما بينها.
> هل سيكون لديكم مشكلة إذا عاد نظام الأسد ليحكم كل سوريا غداً؟
- هذا القرار للسوريين، وليس لنا علاقة بالموضوع، إذا الشعب السوري قرر أن يحكم الأسد فأهلاً وسهلاً.
> كيف هي علاقاتكم مع الروس؟
- علاقاتنا جيدة، والموقف الروسي من الاستفتاء متوازن جداً.
> هل لديكم أي اتصال مع نظام الأسد؟
- لا أستطيع أن أقول إن هناك اتصالاً. ليس هناك اتصال رسمي ومباشر. حدث لقاء قبل نحو عامين أو ثلاثة، مع شخصية سورية رفيعة المستوى.
هناك ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية وهي مدعومة من قبل أميركا، وتحارب في الرقة، وهم يستفيدون من هذا الوضع واستفادوا سابقاً من دعم النظام، ومن الاتفاق السري بينهم وبين النظام، واضطهدوا الأكراد الآخرين غير المتفقين معهم سياسيا. الآن يستفيدون من الدعم الأميركي لمواصلة هذا الاضطهاد. الشعب الكردي في سوريا مقسم، جزء منه يحارب مع أميركا وسابقاً كان مع النظام، والقسم الآخر يتعرض إلى الظلم، والآخرون يغضون الطرف عن هذه الممارسات الديكتاتورية الظالمة لأنهم يستخدمونهم في القتال ضد «داعش» في الرقة.
> هل تخشى أن تدخل تركيا إلى الأراضي السورية وتوجه ضربة كبيرة للأكراد؟
- لا أتوقع ضربة كبيرة ولا تدخل، لكن من الممكن أن تكون هناك مناوشات، وخروقات للحدود.
> هل هناك اتصالات بينكم وبين صالح مسلم؟
- من فترة طويلة لا توجد اتصالات، بعدما استمروا في سياستهم الخاطئة وفي اضطهادهم للتنظيمات الكردية الأخرى، ونكروا الجميل. انتهت العلاقة معه.
> هل سيلهب إعلان الاستقلال في كردستان مشاعر الأكراد في الدول المجاورة؟
- سيكون له تأثير، لكن عملياً أرى أنه سيكون بالعكس، وسيكون هناك تأثير إيجابي مستقبلاً، ونشجعهم على سلك طريق السلام والمفاوضات والأساليب الديمقراطية للتوصل إلى حلول في دولهم. فلكل جزء خصوصياته، لكننا نريد للكرد في كل هذه الدول أن يحصلوا على حقوقهم بطرق سلمية، وسنعمل من أجل ذلك.
> ما طموحاتك؟
- في اليوم الذي حملت فيه السلاح في 20 مايو (أيار) 1962 لم أكن أتوقع أن أعيش لحد هذا اليوم، لكن عندما حملت السلاح كان هدفي أن أرى كردستان مستقلة، الآن أنا مسرور جداً ومتفائل لأننا قطعنا شوطاً كبيراً، في اللحظة التي سيعلن فيها استقلال كردستان أعتبر أنني أديت رسالتي.
> هل سنكون مدعوين؟
- أنتم مدعوون دائماً إلى كردستان.
> أتعتقد أن كردستان ستنعم بالاستقلال في 2017 أم في 2018؟
- لنرَ الاستفتاء ونتائجه.
> هذا منعطف كبير العمل بالخرائط في المنطقة؟
- أولاً هي خرائط مصطنعة، وليست طبيعية، انظر إلى تجارب الشعوب الأخرى في تشيكوسلوفاكيا، وفي البلقان وفي الاتحاد السوفياتي، لماذا فقط في كردستان نعتبر أننا اقترفنا جريمة لأننا نريد أن نعبّر عن رأينا، وشعبنا يريد أن يقرر مصيره؟
> هل تعتقد أنك على وشك أن تحقق ما تعذّر على ياسر عرفات تحقيقه؟
- أعتقد أن ما تحقق هنا يختلف عما تحقق هناك، أولاً من ناحية الجغرافيا، وليس من الصواب أن نقارن وضع كردستان بفلسطين، فالوضع مختلف. وأنا أدين لعرفات بأنه قدم لي مساعدة في وقت كنت فيه بحاجة إلى تلك المساعدة عندما تعرضت إلى محاولة الاغتيال في النمسا عام 1979، فهو أنقذني.
> ألست متوتراً؟
- أنا لست متوتراً أبداً، إذا ظللنا ننتظر القدر، فهذه مجازفة ستكون أخطر مائة مرة من الإقدام على هذه الخطوة (الاستفتاء).



استثمارات ناجحة تُظهر «وجهاً مُشرقاً» للوجود السوداني في مصر

أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
TT

استثمارات ناجحة تُظهر «وجهاً مُشرقاً» للوجود السوداني في مصر

أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)

وجه آخر للوجود السوداني في مصر، أظهره تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال في قطاعات اقتصادية متنوعة، ليغيِّر صورة تقليدية بشأن أعباء الوافدين، وبينهم تجمعات السودانيين الفارين من الحرب.

وانتقل عديد من رؤوس الأموال السودانية للاستثمار في مصر بعد الحرب التي اندلعت منتصف أبريل (نيسان) 2023، حسب مصادر سودانية، تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، عن حجم الأعمال السودانية في السوق المصرية، وقدَّرتها بملايين الدولارات، يتركز الجزء الأكبر منها في السوق العقارية، إلى جانب نشاط صناعي وتجاري.

وبسبب الحرب السودانية، بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، فرّ نحو مليون و200 ألف سوداني، إلى المدن المصرية، حسب إحصائيات رسمية، إلى جانب ملايين آخرين يعيشون في ربوع مصر منذ سنوات.

إحدى رحلات قطار عودة السودانيين من القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

وأثار ازدياد الوجود السوداني في الأحياء المصرية، جدلاً واسعاً، على وقع بعض الانتقادات الإعلامية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً في بداية الحرب بسبب «التكتلات السودانية» في مناطق شعبية، وتأثيرها على «ارتفاع إيجارات الوحدات السكنية» والضغط على موارد الدولة.

وأشاد رئيس «مجلس السيادة» السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، خلال لقائه مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في مدينة العلمين (على ساحل المتوسط)، الأحد الماضي، بدعم القاهرة السياسي والإنساني لبلاده، وثمن «استضافة أعداد كبيرة من السودانيين الذين اضطروا لمغادرة بلادهم بسبب الحرب»، حسب الرئاسة المصرية.

وتراجعت موجة الانتقادات للوجود السوداني المكثف، بعد ازدياد أعداد العودة الطوعية للسودانيين إلى بلادهم خلال الأشهر الأخيرة، بتسهيلات من سلطات البلدين، غير أن هذه الرحلات لم تسفر عن عودة جميع الفارين من الحرب، خصوصاً بعد ارتباط عديد من الأسر السودانية بالإقامة في مصر، لاعتبارات الدراسة لأبنائهم، أو انخراطهم في أعمال داخل البلاد.

ولا توجد قدرة دقيقة على إحصاء حركة رؤوس الأموال السودانية بشكل إجمالي، ذلك أن جزءاً كبيراً من الأعمال يتم خارج المسارات الرسمية، وفق السفير المصري الأسبق في السودان حسام عيسى، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان، تدفع كثيراً من السودانيين إلى إدارة رؤوس أموالهم بعيداً عن التحويلات البنكية».

عشرات السودانيين قبل انطلاق إحدى رحلات العودة للبلاد عام 2025 (مجلس الوزراء المصري)

ويرى عيسى أن «الشواهد الخاصة باستثمارات السودانيين في مصر تشير إلى أن استثماراتهم تقدَّر بملايين الدولارات، بالنظر إلى طبيعة وخصائص المقيمين في مصر حالياً»، مشيراً إلى أن «نسبة كبيرة من النخب ورجال الأعمال وكبار المسؤولين وسفراء ورؤساء الأحزاب يشكلون نسبة كبيرة من الوجود السوداني حالياً، وغالبيتهم لجأوا إلى الاستثمار في العقارات في المقام الأول»، إلى جانب «الاستثمار في قطاعات أخرى، مثل تجارة الخدمات».

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري، إن حجم الاستثمارات السودانية في مصر بلغ نحو 79 مليون دولار خلال عام 2024، بنمو قدره 39 في المائة مقارنةً بالعام السابق.

وأضاف خلال فعاليات منتدى الأعمال المصري - السوداني، أن أكثر من 3320 شركة سودانية تعمل في السوق المصرية، مما يعد مؤشراً إيجابياً على تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

ولم يقتصر الوجود السوداني بعد الحرب على العاصمة القاهرة ومدن رئيسية مثل الإسكندرية (شمالاً)، أو أسوان (جنوباً)، لكنه امتد ليشمل غالبية المدن الجديدة، وفق الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية السودانية، عباس علي السيد، الذي قال إن «كثيراً من الأسر فضلت البقاء في محل إقامتها بمصر وعدم العودة رغم تحسن الأوضاع في بعض الولايات بالسودان لأنها ارتبطت بأعمال واستثمارات داخل البلاد».

ويتصدر القطاع العقاري استثمارات السودانيين وفق تقدير السيد، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «إلى جانب السوق العقارية، ارتفعت أعمال السودانيين في المجال الصناعي والتجاري، فمعظم الصناعات السودانية أقامت خطوط إنتاج بشراكات مع مصانع مصرية، لا سيما في المنتجات الغذائية»، إلى جانب «أنشطة صغيرة في التجارة والخدمات».

الملتقى المصري - السوداني لرجال الأعمال عام 2024 (مجلس الوزراء المصري)

وأصبحت مصر من الوجهات الأولى لحركة رؤوس الأموال السودانية ما بعد الحرب، وفق تقدير المستشار الاقتصادي ومدير مركز المعلومات بوزارة المالية السودانية سابقاً، عادل عبد العزيز الفكي، الذي قال إن «الروابط الاقتصادية القديمة والقرب الجغرافي، ساعدا في انتقال عديد من الاستثمارات السودانية إلى السوق المصرية».

ويرى الفكي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاتجاه الأول في الاستثمار كان في السوق العقارية، بالنظر إلى مكاسبه المضمونة»، لكنه أشار إلى أن «هناك عديداً العلامات التجارية السودانية انتقلت للتصنيع في مصر، حيث أصبحت موطناً لها، منها اللحوم المجمدة والسلع الغذائية مثل السمسم والطحينية»، مشيراً إلى أن «هذه المنتجات يتم توزيعها على الجالية المقيمة في مصر، ويذهب الجزء الآخر منها إلى السودان».

واستضافت القاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، الملتقى المصري-السوداني لرجال الأعمال من البلدين، لبحث إقامة مشروعات استثمارية مشتركة في السوق المصرية، خصوصاً في مجالات التصنيع والنقل والموانئ.

ويتركز أغلب استثمارات السودانيين في السوق العقارية، في المدن الجديدة، خصوصاً مناطق «التجمع الخامس والرحاب ومدينتي» (شرق القاهرة)، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، الذي قال إن «الاستثمار السوداني في السوق العقارية المصرية ليس جديداً، لكنه كان يتركز قبل الحرب، في أحياء القاهرة والجيزة الرئيسية مثل الزمالك والمهندسين وفيصل».

من رحلات العودة الطوعية للسودانيِّين إلى بلادهم (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

وإلى جانب السوق العقارية والصناعات التحويلية، تتجه استثمارات السودانيين إلى المراكز التعليمية والمدارس الخاصة، وفق المغربي، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عديد من المراكز التعليمية التي ما زالت تمارس نشاطها داخل مصر لأبناء الجالية، رغم قيام السلطات المصرية بإغلاق المدارس التي لا تنطبق عليها معايير النشاط التعليمي داخل البلاد».

وشملت إجراءات الإغلاق مدرسة «الصداقة» التي دشنتها السفارة السودانية بالقاهرة في عام 2016، ومدارس خاصة، قبل أن تعلن السفارة السودانية بالقاهرة، استئناف الدراسة في مدرسة «الصداقة» مرة أخرى، بدايةً من ديسمبر 2024.


2750 عملية خلال يوم واحد... و«فجر اليمن» تضيّق الخناق على الحوثيين

جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
TT

2750 عملية خلال يوم واحد... و«فجر اليمن» تضيّق الخناق على الحوثيين

جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها السادس، السبت، على وقع اتساع الضربات الجوية التي تستهدف القدرات العسكرية للحوثيِّين، بالتوازي مع استمرار تقدُّم القوات الحكومية في الساحل الغربي ومأرب، في وقت أحبطت فيه ألوية العمالقة هجوماً للجماعة شمال مطار ذوباب، بينما لا تزال مئات العناصر الحوثية متحصنة في جيوب خلف الألغام والخنادق في منطقة باب المندب وجزرها.

وتعكس التطورات انتقال المعركة إلى مرحلة ملاحَقة ما تبقَّى من جيوب المقاومة الحوثية في المواقع التي استعادت القوات الحكومية السيطرة عليها لتثبيت المكتسبات، مع استمرار محاولات الجماعة فك الحصار عن عناصرها، وسط تقدُّم عسكري حذر يستهدف استكمال تطهير المنطقة وتثبيت المكاسب الميدانية، بالتزامن مع ضربات جوية تتجاوز خطوط المواجهة إلى مواقع عسكرية ومخابئ للصواريخ في عمق مناطق سيطرة الحوثيِّين.

وفي أحدث التطورات الميدانية، تصدَّت ألوية العمالقة الجنوبية لهجوم شنَّته الجماعة الحوثية على مواقعها شمال مطار ذوباب، وكبَّدتها خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع غارات لطيران «تحالف دعم الشرعية» استهدفت تعزيزات عسكرية دفعت بها الجماعة إلى المنطقة، في محاولة لتعزيز مواقعها ومساندة عناصرها المُحاصَرة.

القوات الحكومية اليمنية تسعى إلى تأمين باب المندب ومواصلة معركة الساحل الغربي (أ.ب)

وتأتي المواجهات غداة عملية واسعة استهدفت استكمال تحرير ما تبقَّى من منطقة باب المندب والجزر التابعة لها، حيث تواصل الوحدات العسكرية عمليات التمشيط والتعامل مع الألغام والتحصينات، وسط تقديرات بوجود مئات من العناصر الحوثية في جيوب متفرقة، ما يجعل استكمال التطهير وتثبيت السيطرة أولوية ميدانية في المرحلة الحالية.

ضربات في العمق

بالتوازي مع المعارك البرية، أعلن الجيش اليمني تنفيذ أكثر من 2750 عملية استهداف دقيقة خلال الساعات الـ24 الماضية، طالت تحصينات ومواقع دفاعية ونقاط مراقبة واستطلاع ومرابض مدفعية ومخازن أسلحة وذخائر ومستودعات إمداد وتموين وتعزيزات عسكرية للحوثيِّين في مختلف محاور القتال.

وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات التي نُفِّذت في إطار «فجر اليمن» شملت أيضاً أهدافاً عسكرية، وصفها بـ«المشروعة وعالية القيمة»، في عمق مناطق سيطرة الجماعة.

المسلحون الحوثيون يتعرَّضون لحملة جوية واسعة في مناطق سيطرتهم كافة (إعلام عسكري)

وأوضح أن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد أكثر من 1400 عنصر حوثي، وتدمير أو إعطاب أكثر من 250 آلية ووسيلة قتالية ومعدة عسكرية، بما أضعف قدرة الجماعة على المناورة والإسناد ومواصلة عملياتها القتالية.

وأضاف النزيلي أن القوات البرية تمكَّنت من اختراق دفاعات الحوثيِّين وتحصيناتهم، واستعادة مواقع مرتفعة ذات أهمية عملياتية، وتثبيت مكاسبها، ومواصلة الهجوم وفق الخطط العسكرية المقررة.

من جهته، أعلن «تحالف دعم الشرعية» تدمير 136 هدفاً عسكرياً ضمن عملية واسعة استهدفت عناصر الجماعة وقدراتها في مناطق سيطرتها. وقال المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، إن التحالف يعمل على تفكيك وتدمير شبكة الصواريخ الباليستية الحوثية، مؤكداً استمرار الإسناد الجوي للوحدات العسكرية اليمنية على مدار الساعة.

استنزاف في مأرب

في محافظة مأرب (شرق صنعاء) واصلت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية عملياتها على امتداد خطوط التماس، ونفَّذت هجمات على مواقع حوثية في الجبهات الجنوبية، تمكَّنت خلالها من انتزاع مواقع بعد اختراق التحصينات والتعامل مع حقول الألغام التي زرعتها الجماعة.

وذكر المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية أن المواجهات كبَّدت الحوثيِّين خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع استمرار العمليات الهجومية في الجبهات الشمالية والشمالية الغربية، وتنفيذ أعمال رصد واستطلاع لتحركات الجماعة وتعزيزاتها.

مقاتلو القوات الحكومية اليمنية يلاحقون الحوثيِّين في مديرية ذوباب (أ.ب)

وأضاف أن الطيران الحربي والمسيّر، إلى جانب المدفعية وراجمات الصواريخ، واصل استهداف مواقع وتجمعات حوثية ومراكز قيادية ومخازن أسلحة ومرابض نيران ومواقع لتشغيل الطائرات المسيّرة، على امتداد خطوط المواجهة وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وفي المقابل، أشار المركز إلى مقتل وإصابة العشرات من العناصر الحوثية خلال المواجهات، ومقتل 22 من أفراد القوات المسلحة والمقاومة الشعبية وإصابة آخرين.

معركة استعادة الدولة

على وقع التطورات الميدانية، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، أن القوات الحكومية قدَّمت نماذج من الثبات والقتال، عاداً أن المواجهات تمثل جزءاً من معركة استعادة الدولة ومؤسساتها، والتصدي للمشروع الحوثي المدعوم من إيران.

وقال المحرّمي، في منشور على «فيسبوك»، مخاطباً القوات المرابطة في الساحل الغربي وباب المندب وسائر الجبهات، إن المعركة تتطلب مواصلة الصمود حتى تحقيق أهدافها، مشيداً بدور المقاتلين في مواجهة الحوثيِّين وحماية أمن المنطقة. كما جدَّد تقديره لـ«تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، مؤكداً أن القوات اليمنية والتحالف يخوضان معركةً مشتركةً، ويتقاسمان أعباءها وتضحياتها.

آلية قتالية حوثية سيطرت عليها القوات الحكومية اليمنية بالقرب من باب المندب (إعلام عسكري)

من جانبه، أشاد عضو مجلس القيادة الرئاسي، الفريق أول ركن محمود الصبيحي، بأداء القوات المسلحة والمقاومة الشعبية في مختلف جبهات القتال، وقال إن المواجهات تجسِّد الدفاع عن النظام الجمهوري ومؤسسات الدولة في مواجهة الجماعة الحوثية.

وأشار الصبيحي إلى الدور الذي تضطلع به ألوية العمالقة، وقوات درع الوطن والدعم والإسناد والمقاومة الوطنية، والقوات المشتركة، في جبهات الساحل الغربي والصبيحة والمناطق الممتدة باتجاه الوازعية ومناطق أخرى في تعز ولحج.

وخصَّ بالذكر تضحيات قبائل الصبيحة التي قدَّمت أكثر من 170 قتيلاً و700 جريح خلال المواجهات. كما أثنى على دور القيادات العسكرية والميدانية، وجهود الحكومة والسلطات المحلية في عدن ولحج في دعم الجبهات، مُجدِّداً تقديره للدعم السعودي المُقدَّم للقوات الحكومية.


الحوثيون يلاحقون الاتصالات ويوسعون شبكات التجسس جنوب تعز

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يلاحقون الاتصالات ويوسعون شبكات التجسس جنوب تعز

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)

تشهد مناطق واسعة في محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب) انقطاعاً في خدمات الإنترنت والاتصالات، بالتزامن مع تصعيد عسكري حوثي في جنوب المحافظة، فيما لجأ سكان إلى شبكات محلية تعتمد على خدمة الإنترنت الفضائي «ستارلينك»، التي سارعت الجماعة إلى مصادرة أجهزتها في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً، ضمن إجراءات أمنية ورقابية شملت أيضاً كاميرات المراقبة والهواتف الجوالة.

وذكرت مصادر محلية في مدينة التربة، حيث مركز مديرية الشمايتين جنوب تعز، لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة الحوثية شنت حملة واسعة لمصادرة أجهزة «ستارلينك» خلال الأيام الأولى لسيطرتها على المدينة، بعد تحريات مسبقة أجرتها خلاياها الاستخباراتية بشأن مالكي تلك الأجهزة، قبل وصول قواتها بأيام.

وتتعامل الجماعة الحوثية مع خدمة «ستارلينك» بوصفها تهديداً لنفوذها على قطاع الاتصالات؛ فإلى جانب حرمانها من جانب من العائدات التي تجنيها منه، تمنعها من ميزة مراقبة الاتصالات والتحكم في تدفق المعلومات.

وسبق للجماعة أن اتخذت إجراءات مماثلة عقب سيطرتها على مدينة المخا، التي كان عدد من سكانها يعتمدون على الخدمة.

ولم تقتصر إجراءاتها في التربة على مصادرة أجهزة الإنترنت الفضائي؛ بل امتدت إلى كاميرات المراقبة المثبتة أمام المحال التجارية والمباني السكنية.

محافظة تعز بدأت تعاني من نقص السلع والمواد الأساسية بفعل التصعيد العسكري الحوثي (أ.ف.ب)

وأبلغت الجماعة الحوثية مالكي الكاميرات بأن مصادرتها إجراء مؤقت، إلى حين استكمال ربط أنظمة المراقبة بأجهزتها الرقابية، وطالبتهم بالسماح لها بالوصول إلى أجهزة التخزين، محذرة من ربط أي كاميرات بالإنترنت دون إذن منها.

وقال مالك متجر لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة أزالت كاميرات المراقبة الموجهة نحو الشوارع من دون استئذان أصحابها، بسبب إغلاق غالبية المحال التجارية، إلا أن ملاك المحال القليلة التي فتحت أبوابها فوجئوا بدورهم بذلك الإجراء، ولم يسمح لهم بالنقاش حوله.

وتعيش مدينة التربة حالة من الشلل في الأنشطة التجارية، وسط رفض لوجود الجماعة الحوثية، التي لجأت إلى التهديد بفتح المحال المغلقة بالقوة.

تحكم بالخدمات

في مدينة تعز المحاصرة، أفاد سكان بتوقف خدمات الإنترنت والاتصالات التابعة للشبكات العاملة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أو تعرضها لانقطاعات واسعة أثرت في قدرة المواطنين على التواصل والوصول إلى الإنترنت.

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الانقطاع بالتزامن مع التصعيد العسكري الحوثي في محافظة تعز، وما تلاه من إطلاق الحكومة عملية «فجر اليمن»، وسط تغيرات ميدانية في عدد من المديريات والمناطق، وانعكاسات متزايدة للتطورات الأمنية على الخدمات العامة وحركة السكان.

ويحاول الأهالي في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، الوصول إلى خدمة الإنترنت عبر أجهزة «ستارلينك» التي تتوفر لدى عدد محدود منهم، يشاركون جيرانهم هذه الخدمة بمقابل مالي أو مجاناً.

ورغم أنه لم تتضح أسباب تعطل خدمات الاتصالات والإنترنت في مدينة تعز، فإن السكان يربطونه بالتصعيد العسكري في المحافظة.

وتخضع البنية الرئيسية للاتصالات في اليمن للجماعة الحوثية التي تسيطر على مقرات ومنشآت شبكة الاتصالات اليمنية في صنعاء، ما يمنحها قدرة واسعة على التحكم في الخدمات والوصول إلى المعلومات.

قادة حوثيون في مدينة «التربة» بعد السيطرة عليها (إعلام حوثي)

وبالتوازي مع الإجراءات المتعلقة بالاتصالات، شرعت الجماعة الحوثية، منذ سيطرتها على عدد من مديريات جنوب تعز، في توسيع إجراءاتها الأمنية والاستخباراتية، مستعينة بمصادر محلية لجمع المعلومات عن السكان ورصد تحركاتهم.

إنشاء شبكات تجسس

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفي الجماعة الحوثية الذين وصلوا إلى المديريات التي أُخضعت لسيطرتها أخيراً، التقوا أعياناً ومشايخ قرى، أو وجهوا إليهم خطابات تطالبهم بالعمل بوصفهم مصادر استخباراتية محلية، تتولى رفع تقارير دورية عن حركة السكان، ورصد المتنقلين بين القرى والمناطق، وتتبع زيارات الأقارب والأصدقاء، والإبلاغ عن أي أشخاص تشتبه الجماعة في أنشطتهم.

ووفقاً للمصادر، حمّل المشرفون الحوثيون الأعيان ومشايخ القرى مسؤولية وقوع أي نشاط مناهض للجماعة في مناطقهم، في حال عدم إبلاغهم مسبقاً عن القائمين به، في إجراء يضع الشخصيات الاجتماعية تحت ضغط المشاركة في منظومة الرقابة الأمنية.

وتعتمد الجماعة، بحسب المصادر، على شبكة من المتعاونين المحليين، بينهم شخصيات اجتماعية متواطئة معها، وأشخاص أُفرج عنهم من السجون عقب سيطرتها على تلك المناطق، إضافة إلى آخرين كانوا فارين من العدالة في مناطق نفوذها.

قادة حوثيون داخل أحد مقرات السلطة التنفيذية في مدينة التربة بعد السيطرة عليها (إعلام حوثي)

ولم تقتصر إجراءات الرصد على التحركات الميدانية؛ إذ وجهت الجماعة خلاياها التجسسية بمراقبة مواقع التواصل الاجتماعي، والإبلاغ عن كل من ينشر معلومات أو بيانات تتعلق بالأوضاع في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً.

كما نفذت حملات عشوائية لتفتيش الهواتف الجوالة في الشوارع، بحثاً عن تطبيقات للمراسلة ترى الجماعة أنها تتيح اتصالات غير خاضعة لرقابتها، أو برامج الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) التي تُستخدم لتجاوز الحجب.

وقالت المصادر إن هذه الحملات تستهدف، إلى جانب التحقق من التطبيقات الموجودة على الهواتف، كشف الأشخاص الذين يعملون لمصلحة الجيش والحكومة اليمنيين، أو يتواصلون مع قيادات ومسؤولين فيهما، فضلاً عن الذين يتصلون بجهات إعلامية وحقوقية للإبلاغ عن ممارسات الجماعة، أو يستخدمون حسابات بأسماء مستعارة على مواقع التواصل الاجتماعي.