النشوة الجنسية: «اتصال مثالي بين الأعضاء التناسلية والدماغ»

10 % من الذين تزيد سنهم على 40 عاماً يعانون تأخرها

النشوة الجنسية: «اتصال مثالي بين الأعضاء التناسلية والدماغ»
TT

النشوة الجنسية: «اتصال مثالي بين الأعضاء التناسلية والدماغ»

النشوة الجنسية: «اتصال مثالي بين الأعضاء التناسلية والدماغ»

يقول معظم الرجال -أو بالأحرى نحو 70 في المائة منهم- إنهم يصلون إلى النشوة أسرع مما يرغبون، كما كتب ديفيد دودج*.

تأخر النشوة الجنسية

ولكن هناك مشكلة عكسية قد تظهر مع التقدم في السن: إطالة المدة. فقد يستغرق الوصول إلى النشوة الجنسية لدى بعض الرجال 30 دقيقة أو أكثر. وقد تكون العملية الجنسية التي تستمر لهذه المدة غير مريحة ومؤلمة ومُقلقة للرجال وشريكاتهم.

تُعرف هذه الحالة بتأخر الوصول إلى النشوة الجنسية (delayed orgasm)، وهي أكثر شيوعاً لدى النساء، ولسبب وجيه، وهو وجود فجوة في النشوة الجنسية، بسبب عدم الاستمرار في العلاقات بين الجنسين. ولكن ما يصل إلى 10 في المائة من الرجال الذين تزيد سنهم على 40 عاماً يعانونها أيضاً. وفي الحالات القصوى، لا يصل بعض الرجال إلى النشوة الجنسية أبداً، وهو اضطراب يُسمَّى فقدان النشوة الجنسية.

مشكلة كبيرة

لم تُدرس اضطرابات النشوة الجنسية جيداً ولم تُفهم جيداً، وتميل الأبحاث القليلة المتوفرة إلى التركيز على سرعة القذف، والتي تُعرف بأنها الوصول إلى النشوة الجنسية دون قصد في غضون دقيقتين، وفقاً للجمعية الأميركية لجراحة المسالك البولية.

ولكن خبراء الصحة الجنسية يدركون بشكل متزايد أن تأخر النشوة الجنسية يُمثل «مشكلة كبيرة»، كما تقول الدكتورة راشيل روبين، اختصاصية المسالك البولية والطب الجنسي في ماريلاند. ورغم عدم وجود أي تدخلات معتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، فإن هناك بعض خيارات العلاج، بما في ذلك الأدوية غير المصرح بها، والعلاج الجنسي، وأجهزة التحفيز، بالإضافة إلى تغييرات في نمط الحياة والسلوك.

الوصول الى النشوة الجنسية

تقول روبين إن النشوة الجنسية هي في الأساس رد فعل انعكاسي هائل، أشبه بـ«عطسة قوية». إنها مجرد «اتصال مثالي بين الأعضاء التناسلية والدماغ».

تبدأ العملية بتحفيز جنسي بصري أو عقلي أو جسدي، مما يحفز الدماغ على إفراز الدوبامين، ما يزيد من الإثارة. وبعد تحفيز كافٍ، يُطلق الدماغ موجة من المواد الكيميائية المُحفزة للمتعة، مثل الأوكسيتوسين، مما يُنتج الإحساس الذي نعدُّه نشوة جنسية.

النشوة الجنسية تحدث في الدماغ

يقول الدكتور آلان شيندل، اختصاصي المسالك البولية في سان فرنسيسكو، إن القذف يحدث في الوقت نفسه بالنسبة لمعظم الرجال؛ «لكنهما عمليتان منفصلتان». في حين أن النشوة الجنسية تحدث غالباً في الدماغ، فإن القذف عبارة عن سلسلة من الانقباضات العضلية اللاإرادية.

وأفادت روبين بأن المضاعفات التي تؤثر على الأعضاء التناسلية، وعضلات قاع الحوض، والحبل الشوكي، والدماغ، يمكن أن تجعل النشوة الجنسية مبكرة، أو متأخرة، أو مكتومة، أو حتى مؤلمة. ونظراً للتعقيد الذي ينطوي عليه الأمر، قالت: «من المدهش حقاً أن كثيراً من الأمور لا تسير على ما يرام».

أسباب تأخر النشوة الجنسية لدى الرجال

يمكن أن يساهم كثير من الحالات الجسدية، أو العصبية، أو النفسية، في تأخر النشوة الجنسية. وفيما يلي بعض الأسباب الأكثر شيوعاً:

الأدوية:

قال الدكتور لاندون تروست، طبيب المسالك البولية في ولاية يوتا، إن أكثر مسببات تأخر النشوة الجنسية شيوعاً هي الأدوية والمخدرات، بما في ذلك الكحول. وتُدرج إرشادات جمعية المسالك البولية 45 دواءً مختلفاً مرتبطاً بتأخر النشوة الجنسية.

تُعد فئة مضادات الاكتئاب التي تُسمى مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية (serotonin reuptake inhibitors)، من بين أكثر الأسباب شيوعاً. تزيد هذه الأدوية من مستوى السيروتونين، وهو مادة كيميائية تُثبط المسارات العصبية المسؤولة عن النشوة الجنسية، ما يرفع الحد المطلوب للوصول إلى الذروة. (ولهذا السبب، تُعدُّ مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية علاجاً شائعاً غير مُصرَّح به للرجال الذين يُصابون بالقذف السريع).

كما يُمكن للمواد الأفيونية والكحول ومضادات الذهان وأدوية ضغط الدم، مثل حاصرات بيتا (beta blockers)، أن تُصعّب الوصول إلى النشوة الجنسية من خلال تثبيط استجابة الجهاز العصبي للتحفيز الجنسي.

المشاكل العصبية والسكري

المشاكل العصبية:

يُضعف كثير من الحالات العصبية -بما في ذلك التصلب اللويحي المتعدد (multiple sclerosis) ومرض باركنسون والسكتات الدماغية وإصابات الدماغ- المسارات العصبية بين الدماغ والأعضاء التناسلية، ما قد يُؤدي إلى ضعف المتعة، أو تأخر النشوة، أو ألم القذف.

داء السكري:

يُعدُّ مُساهماً عصبياً كبيراً آخر، وغالباً ما يُؤدي إلى تلف الأعصاب. يقول شيندل: «لا تقتصر الإصابة على أصابع القدمين واليدين؛ بل تشمل القضيب أيضاً».

وأضاف الدكتور إروين غولدشتاين، اختصاصي جراحة المسالك البولية في سان دييغو، أن إصابات العمود الفقري سبب شائع آخر لتأخر الوصول إلى النشوة الجنسية. وقد تشمل هذه الإصابات أموراً بسيطة، مثل الانزلاق الغضروفي.

مخاوف متعلقة بشريكة الحياة:

الأسباب الشائعة الأخرى: الألم أو الانزعاج الذي قد يسببه الرجال لشريكاتهم، والذي غالباً ما يؤدي إلى تأخر أو انعدام النشوة الجنسية لكليهما.

يعاني نحو 75 في المائة من النساء ألماً أثناء الجماع في مرحلة ما من حياتهن، ويعود بعضه إلى جفاف المهبل وتهيجه، وهي أعراض يمكن أن تزداد بشكل كبير مع بداية انقطاع الطمث. وأوضحت روبين أن هذه الحالة قابلة للعلاج بسهولة، بخيارات مثل الإستروجين المهبلي الموضعي، ولكنها غالباً ما لا تُشخص ولا تُعالج بشكل كافٍ.

وأضافت روبين أنه «من المهم للغاية» للأطباء الذين يعالجون الرجال الذين يعانون تأخر النشوة الجنسية، أن «يسألوا عن شريكاتهم»؛ كذلك اختلاف الرغبة الجنسية، وأنواع الممارسات الجنسية المفضلة، وتوقعات الأداء، يمكن أن يُصعِّب الوصول إلى النشوة الجنسية.

العوامل النفسية:

تُعد اضطرابات المزاج -مثل الاكتئاب والقلق والتوتر- من العوامل الشائعة الأخرى التي تُساهم في تأخر النشوة الجنسية. في أحد الاستطلاعات التي أُجريت على الرجال، أفاد 41 في المائة من الرجال الذين يعانون تأخراً متوسطاً ​​إلى شديد في الوصول إلى النشوة الجنسية، بأن القلق والتوتر أثناء ممارسة الجنس كانا السبب الرئيسي لعدم قدرتهم على الوصول إلى النشوة. ويمكن للاكتئاب تحديداً أن يُضعف قدرة الدماغ على استيعاب المتعة، مما يجعل الوصول إلى النشوة صعباً أو مكتوماً.

علاجات تأخر النشوة الجنسية

يقول تروست إنه قبل العلاج، ينبغي للرجال مناقشة توقيت بدء المشكلة مع أطبائهم. قد يكون للظهور المفاجئ لتأخر النشوة الجنسية سبب واضح (مثل الأدوية الجديدة، أو التوتر المرتبط بالعلاقة، أو اضطرابات النوم)، ويمكن غالباً عكس مساره بسهولة. أما الحالات التي تتطور تدريجياً بسبب الحالات المرتبطة بالسن والأمراض المزمنة، فقد يكون علاجها أصعب.

تُعدُّ حالات عدم القدرة الدائمة على الوصول إلى النشوة الجنسية -الناتجة عن نقص مستقبلات الدوبامين أو إصابات الدماغ أو العمود الفقري- الأصعب علاجاً. ولا توجد علاجات معتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية لتأخر النشوة الجنسية، ولكن الأطباء السريريين لديهم بعض الأدوات المتاحة.

الأدوية العلاجية:

ساعد كثير من الأدوية المحفزة للدوبامين -مثل بوبروبيون (bupropion)، وبوسبيرون (buspirone)، وكابيرغولين (cabergoline)- في علاج تأخر النشوة الجنسية لدى الرجال في بعض التجارب السريرية العشوائية الصغيرة.

العلاج الجنسي:

قال شيندل إن العلاج والاستشارات الجنسية خياران جيدان دائماً لأي رجل يعاني خللاً وظيفياً جنسياً. وأضاف أن العلاج يجب أن يشمل الشركاء بشكل مثالي؛ لأن الاضطرابات الجنسية «ليست مشكلة شخصية».

أجهزة التحفيز:

أجهزة التحفيز: قالت روبين إنه في بعض الأحيان، يمكن أن يساعد «قليل من التحفيز الإضافي» الرجال على الوصول إلى النشوة الجنسية بسهولة أكبر. وأضافت أن الألعاب الجنسية، مثل أجهزة الاهتزاز للأعضاء التناسلية أو مناطق العِجان (المنطقة الملساء الواقعة بين كيس الصفن والشرج في الذكور) أو البروستاتا أو الشرج، يمكن أن تكون مفيدة في زيادة التحفيز بما يكفي للوصول إلى النشوة الجنسية.

لكن شيندل الذي يأمل في ظهور علاجات جديدة قريباً، قال إن هذه الخيارات لا تناسب الجميع. وأضاف أنه كما غيَّرت حبوب «الفياغرا» مشكلة ضعف الانتصاب، فقد يحدث الشيء نفسه يوماً ما بالنسبة لتأخر النشوة الجنسية. «ما زلنا نبحث عن حبوب النشوة الجنسية»، كما قال.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

اختباران بسيطان للقوة يتنبآن بطول العمر لدى النساء

صحتك سيدة تتمرن بإحدى الصالات الرياضية في رمضان (أرشيفية-أ.ف.ب)

اختباران بسيطان للقوة يتنبآن بطول العمر لدى النساء

أظهرت دراسة جديدة أن قوة العضلات، كما جرى تحديدها من خلال اختبارين، كانت مؤشراً رئيسياً على خطر الوفاة لدى النساء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك بعض مصادر البروتين ترتبط بزيادة خطر الإصابة بمشكلات صحية مثل أمراض القلب (بيكسلز)

بين اللحوم والبقوليات: أي البروتينات أنسب لصحتك؟

توضح جامعة هارفارد أن اللحوم تُعد مصدراً غنياً بالبروتين عالي الجودة، لكنها تحذّر في الوقت نفسه من أن بعض أنواعها تحتوي على نسب مرتفعة من الدهون المشبعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك يحتوي التمر على مجموعة متنوعة من الفيتامينات مثل فيتامين «سي» وفيتامينات «بي» إضافة إلى معادن مهمة كالبوتاسيوم والمغنسيوم تساهم في تعزيز وظائف الجسم الحيوية (بيكسباي)

ما دور التمر في تعزيز مناعة الجسم؟

يُعدّ التمر من أهم الأغذية الطبيعية الغنية بالعناصر الغذائية التي تلعب دوراً أساسياً في دعم جهاز المناعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك زيت السمك قد يقدم فوائد مهمة للرجال المصابين بسرطان البروستاتا (بيكسلز)

ما فوائد زيت السمك لمرضى التهاب البروستاتا؟

يُعدّ زيت السمك من المكملات الغذائية الشائعة والمشهورة بفوائده الصحية المتنوعة، ولا سيما بالنسبة للرجال الذين يعانون من التهاب البروستاتا.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك المغنسيوم يُعد عنصراً أساسياً لدعم النوم (بيكسلز)

هل تساعد مشروبات المغنسيوم حقاً على النوم؟

برزت مشروبات المغنسيوم كخيار شائع يُروَّج له على نطاق واسع بوصفه وسيلة بسيطة وفعّالة لتحسين جودة النوم والتخفيف من الأرق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.