النشوة الجنسية: «اتصال مثالي بين الأعضاء التناسلية والدماغ»

10 % من الذين تزيد سنهم على 40 عاماً يعانون تأخرها

النشوة الجنسية: «اتصال مثالي بين الأعضاء التناسلية والدماغ»
TT

النشوة الجنسية: «اتصال مثالي بين الأعضاء التناسلية والدماغ»

النشوة الجنسية: «اتصال مثالي بين الأعضاء التناسلية والدماغ»

يقول معظم الرجال -أو بالأحرى نحو 70 في المائة منهم- إنهم يصلون إلى النشوة أسرع مما يرغبون، كما كتب ديفيد دودج*.

تأخر النشوة الجنسية

ولكن هناك مشكلة عكسية قد تظهر مع التقدم في السن: إطالة المدة. فقد يستغرق الوصول إلى النشوة الجنسية لدى بعض الرجال 30 دقيقة أو أكثر. وقد تكون العملية الجنسية التي تستمر لهذه المدة غير مريحة ومؤلمة ومُقلقة للرجال وشريكاتهم.

تُعرف هذه الحالة بتأخر الوصول إلى النشوة الجنسية (delayed orgasm)، وهي أكثر شيوعاً لدى النساء، ولسبب وجيه، وهو وجود فجوة في النشوة الجنسية، بسبب عدم الاستمرار في العلاقات بين الجنسين. ولكن ما يصل إلى 10 في المائة من الرجال الذين تزيد سنهم على 40 عاماً يعانونها أيضاً. وفي الحالات القصوى، لا يصل بعض الرجال إلى النشوة الجنسية أبداً، وهو اضطراب يُسمَّى فقدان النشوة الجنسية.

مشكلة كبيرة

لم تُدرس اضطرابات النشوة الجنسية جيداً ولم تُفهم جيداً، وتميل الأبحاث القليلة المتوفرة إلى التركيز على سرعة القذف، والتي تُعرف بأنها الوصول إلى النشوة الجنسية دون قصد في غضون دقيقتين، وفقاً للجمعية الأميركية لجراحة المسالك البولية.

ولكن خبراء الصحة الجنسية يدركون بشكل متزايد أن تأخر النشوة الجنسية يُمثل «مشكلة كبيرة»، كما تقول الدكتورة راشيل روبين، اختصاصية المسالك البولية والطب الجنسي في ماريلاند. ورغم عدم وجود أي تدخلات معتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، فإن هناك بعض خيارات العلاج، بما في ذلك الأدوية غير المصرح بها، والعلاج الجنسي، وأجهزة التحفيز، بالإضافة إلى تغييرات في نمط الحياة والسلوك.

الوصول الى النشوة الجنسية

تقول روبين إن النشوة الجنسية هي في الأساس رد فعل انعكاسي هائل، أشبه بـ«عطسة قوية». إنها مجرد «اتصال مثالي بين الأعضاء التناسلية والدماغ».

تبدأ العملية بتحفيز جنسي بصري أو عقلي أو جسدي، مما يحفز الدماغ على إفراز الدوبامين، ما يزيد من الإثارة. وبعد تحفيز كافٍ، يُطلق الدماغ موجة من المواد الكيميائية المُحفزة للمتعة، مثل الأوكسيتوسين، مما يُنتج الإحساس الذي نعدُّه نشوة جنسية.

النشوة الجنسية تحدث في الدماغ

يقول الدكتور آلان شيندل، اختصاصي المسالك البولية في سان فرنسيسكو، إن القذف يحدث في الوقت نفسه بالنسبة لمعظم الرجال؛ «لكنهما عمليتان منفصلتان». في حين أن النشوة الجنسية تحدث غالباً في الدماغ، فإن القذف عبارة عن سلسلة من الانقباضات العضلية اللاإرادية.

وأفادت روبين بأن المضاعفات التي تؤثر على الأعضاء التناسلية، وعضلات قاع الحوض، والحبل الشوكي، والدماغ، يمكن أن تجعل النشوة الجنسية مبكرة، أو متأخرة، أو مكتومة، أو حتى مؤلمة. ونظراً للتعقيد الذي ينطوي عليه الأمر، قالت: «من المدهش حقاً أن كثيراً من الأمور لا تسير على ما يرام».

أسباب تأخر النشوة الجنسية لدى الرجال

يمكن أن يساهم كثير من الحالات الجسدية، أو العصبية، أو النفسية، في تأخر النشوة الجنسية. وفيما يلي بعض الأسباب الأكثر شيوعاً:

الأدوية:

قال الدكتور لاندون تروست، طبيب المسالك البولية في ولاية يوتا، إن أكثر مسببات تأخر النشوة الجنسية شيوعاً هي الأدوية والمخدرات، بما في ذلك الكحول. وتُدرج إرشادات جمعية المسالك البولية 45 دواءً مختلفاً مرتبطاً بتأخر النشوة الجنسية.

تُعد فئة مضادات الاكتئاب التي تُسمى مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية (serotonin reuptake inhibitors)، من بين أكثر الأسباب شيوعاً. تزيد هذه الأدوية من مستوى السيروتونين، وهو مادة كيميائية تُثبط المسارات العصبية المسؤولة عن النشوة الجنسية، ما يرفع الحد المطلوب للوصول إلى الذروة. (ولهذا السبب، تُعدُّ مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية علاجاً شائعاً غير مُصرَّح به للرجال الذين يُصابون بالقذف السريع).

كما يُمكن للمواد الأفيونية والكحول ومضادات الذهان وأدوية ضغط الدم، مثل حاصرات بيتا (beta blockers)، أن تُصعّب الوصول إلى النشوة الجنسية من خلال تثبيط استجابة الجهاز العصبي للتحفيز الجنسي.

المشاكل العصبية والسكري

المشاكل العصبية:

يُضعف كثير من الحالات العصبية -بما في ذلك التصلب اللويحي المتعدد (multiple sclerosis) ومرض باركنسون والسكتات الدماغية وإصابات الدماغ- المسارات العصبية بين الدماغ والأعضاء التناسلية، ما قد يُؤدي إلى ضعف المتعة، أو تأخر النشوة، أو ألم القذف.

داء السكري:

يُعدُّ مُساهماً عصبياً كبيراً آخر، وغالباً ما يُؤدي إلى تلف الأعصاب. يقول شيندل: «لا تقتصر الإصابة على أصابع القدمين واليدين؛ بل تشمل القضيب أيضاً».

وأضاف الدكتور إروين غولدشتاين، اختصاصي جراحة المسالك البولية في سان دييغو، أن إصابات العمود الفقري سبب شائع آخر لتأخر الوصول إلى النشوة الجنسية. وقد تشمل هذه الإصابات أموراً بسيطة، مثل الانزلاق الغضروفي.

مخاوف متعلقة بشريكة الحياة:

الأسباب الشائعة الأخرى: الألم أو الانزعاج الذي قد يسببه الرجال لشريكاتهم، والذي غالباً ما يؤدي إلى تأخر أو انعدام النشوة الجنسية لكليهما.

يعاني نحو 75 في المائة من النساء ألماً أثناء الجماع في مرحلة ما من حياتهن، ويعود بعضه إلى جفاف المهبل وتهيجه، وهي أعراض يمكن أن تزداد بشكل كبير مع بداية انقطاع الطمث. وأوضحت روبين أن هذه الحالة قابلة للعلاج بسهولة، بخيارات مثل الإستروجين المهبلي الموضعي، ولكنها غالباً ما لا تُشخص ولا تُعالج بشكل كافٍ.

وأضافت روبين أنه «من المهم للغاية» للأطباء الذين يعالجون الرجال الذين يعانون تأخر النشوة الجنسية، أن «يسألوا عن شريكاتهم»؛ كذلك اختلاف الرغبة الجنسية، وأنواع الممارسات الجنسية المفضلة، وتوقعات الأداء، يمكن أن يُصعِّب الوصول إلى النشوة الجنسية.

العوامل النفسية:

تُعد اضطرابات المزاج -مثل الاكتئاب والقلق والتوتر- من العوامل الشائعة الأخرى التي تُساهم في تأخر النشوة الجنسية. في أحد الاستطلاعات التي أُجريت على الرجال، أفاد 41 في المائة من الرجال الذين يعانون تأخراً متوسطاً ​​إلى شديد في الوصول إلى النشوة الجنسية، بأن القلق والتوتر أثناء ممارسة الجنس كانا السبب الرئيسي لعدم قدرتهم على الوصول إلى النشوة. ويمكن للاكتئاب تحديداً أن يُضعف قدرة الدماغ على استيعاب المتعة، مما يجعل الوصول إلى النشوة صعباً أو مكتوماً.

علاجات تأخر النشوة الجنسية

يقول تروست إنه قبل العلاج، ينبغي للرجال مناقشة توقيت بدء المشكلة مع أطبائهم. قد يكون للظهور المفاجئ لتأخر النشوة الجنسية سبب واضح (مثل الأدوية الجديدة، أو التوتر المرتبط بالعلاقة، أو اضطرابات النوم)، ويمكن غالباً عكس مساره بسهولة. أما الحالات التي تتطور تدريجياً بسبب الحالات المرتبطة بالسن والأمراض المزمنة، فقد يكون علاجها أصعب.

تُعدُّ حالات عدم القدرة الدائمة على الوصول إلى النشوة الجنسية -الناتجة عن نقص مستقبلات الدوبامين أو إصابات الدماغ أو العمود الفقري- الأصعب علاجاً. ولا توجد علاجات معتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية لتأخر النشوة الجنسية، ولكن الأطباء السريريين لديهم بعض الأدوات المتاحة.

الأدوية العلاجية:

ساعد كثير من الأدوية المحفزة للدوبامين -مثل بوبروبيون (bupropion)، وبوسبيرون (buspirone)، وكابيرغولين (cabergoline)- في علاج تأخر النشوة الجنسية لدى الرجال في بعض التجارب السريرية العشوائية الصغيرة.

العلاج الجنسي:

قال شيندل إن العلاج والاستشارات الجنسية خياران جيدان دائماً لأي رجل يعاني خللاً وظيفياً جنسياً. وأضاف أن العلاج يجب أن يشمل الشركاء بشكل مثالي؛ لأن الاضطرابات الجنسية «ليست مشكلة شخصية».

أجهزة التحفيز:

أجهزة التحفيز: قالت روبين إنه في بعض الأحيان، يمكن أن يساعد «قليل من التحفيز الإضافي» الرجال على الوصول إلى النشوة الجنسية بسهولة أكبر. وأضافت أن الألعاب الجنسية، مثل أجهزة الاهتزاز للأعضاء التناسلية أو مناطق العِجان (المنطقة الملساء الواقعة بين كيس الصفن والشرج في الذكور) أو البروستاتا أو الشرج، يمكن أن تكون مفيدة في زيادة التحفيز بما يكفي للوصول إلى النشوة الجنسية.

لكن شيندل الذي يأمل في ظهور علاجات جديدة قريباً، قال إن هذه الخيارات لا تناسب الجميع. وأضاف أنه كما غيَّرت حبوب «الفياغرا» مشكلة ضعف الانتصاب، فقد يحدث الشيء نفسه يوماً ما بالنسبة لتأخر النشوة الجنسية. «ما زلنا نبحث عن حبوب النشوة الجنسية»، كما قال.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

فوائد جديدة لفقدان الوزن

يوميات الشرق فقدان الوزن الزائد يحمل فوائد صحية حقيقية للجسم (جامعة كوينزلاند)

فوائد جديدة لفقدان الوزن

كشفت دراسة دنماركية أن فقدان الوزن لا ينعكس فقط على تحسّن المظهر أو تقليل مخاطر الأمراض المزمنة، بل يساهم أيضاً في إعادة النسيج الدهني في الجسم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك بعض المكملات الغذائية قد تؤثر على فعالية حبوب منع الحمل (رويترز)

مكملات غذائية قد تؤثر على فعالية حبوب منع الحمل

تعتبر حبوب منع الحمل وسيلة فعّالة للغاية لمنع الحمل عند تناولها بشكل صحيح. لكن بعض المكملات الغذائية قد تؤثر على فعالية هذه الحبوب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك كل نوع من مشكلات القلب يتطلب علاجاً مختلفاً (رويترز)

من الشريان التاجي للرجفان الأذيني... تعرف على أعراض أمراض القلب المختلفة

قد يبدو مصطلح أمراض القلب كأنه حالة مرضية واحدة، ولكنه في الواقع يشير إلى مجموعة واسعة من الحالات التي تؤثر على القلب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك طفيلي نادر يهدد البصر… عدسات لاصقة تتحول بوابةً للعمى

طفيلي نادر يهدد البصر… عدسات لاصقة تتحول بوابةً للعمى

طفيلي نادر يصيب قرنية العين ويهدد بفقدان البصر، يستهدف خصوصاً مرتدي العدسات اللاصقة. الوقاية بالنظافة وتجنب الماء ضرورة لتفادي العمى.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الجزيئات البلاستيكية الدقيقة الموجودة في زجاجات المياه قد تُلحق ضرراً مباشراً بالبنكرياس (رويترز)

زجاجات المياه البلاستيكية قد تضر بالبنكرياس وتصيبك بالسكري

أظهرت دراسة حديثة أن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة الموجودة في زجاجات المياه قد تُلحق ضرراً مباشراً بالبنكرياس وتتسبب في إصابة الشخص بمرض السكري.

«الشرق الأوسط» (وارسو)

3 محطات عمرية يتسارع خلالها تراجع الدماغ… كيف يمكن إبطاء المسار؟

بعض الهوايات قد تساعد في الحفاظ على شباب الدماغ (أ.ب)
بعض الهوايات قد تساعد في الحفاظ على شباب الدماغ (أ.ب)
TT

3 محطات عمرية يتسارع خلالها تراجع الدماغ… كيف يمكن إبطاء المسار؟

بعض الهوايات قد تساعد في الحفاظ على شباب الدماغ (أ.ب)
بعض الهوايات قد تساعد في الحفاظ على شباب الدماغ (أ.ب)

يُعد التراجع المعرفي جزءاً طبيعياً من مسار التقدم في العمر، إذ تبدأ تغيراته الخفية منذ العقد الرابع، قبل أن تصبح أكثر وضوحاً في منتصف الخمسينات، حين تتكرر هفوات الذاكرة اليومية، من نسيان الأسماء إلى التوقف لحظة في منتصف الغرفة بحثاً عن سبب الدخول إليها.

غير أن دراسة علمية حديثة نُشرت عام 2025 في مجلة «Nature Aging» كشفت عن أن هذا التراجع لا يسير بوتيرة ثابتة، بل يتسارع بشكل ملحوظ عند ثلاث محطات عمرية محددة هي: 57 و70 و78 عاماً.

ووفق الباحثين، فإن حدة هذا التسارع تختلف من شخص إلى آخر، لكن تعديلات بسيطة في نمط الحياة المتبع على مدار السنوات قد تحافظ على حدة ذهنك، وفقاً لصحيفة «تليغراف».

ممارسة الكتابة الحرة تساعد على تنشيط الدماغ (جامعة يوتا الأميركية)

بروتينات الدماغ تكشف عن توقيت التراجع

اعتمدت الدراسة على تحليل مستويات 13 بروتيناً في الدماغ، ثبت ارتباطها بتسارع شيخوخة الدماغ وبالأمراض العصبية التنكسية. ولاحظ الباحثون أن ارتفاع هذه البروتينات يتزامن مع تحولات بيولوجية واجتماعية كبرى، مثل التغيرات الهرمونية في منتصف العمر، أو الانتقال إلى مرحلة التقاعد.

وتوضح البروفسورة باربرا جي. ساهاكيان، أستاذة الطب النفسي بجامعة كمبردج: «أن هذه الأعمار تمثل نقاط انعطاف تبدأ عندها تغيّرات دماغية عميقة بالظهور»، مشيرةً إلى أن الاستعداد المبكر لها يمكن أن يُحدث فرقاً جوهرياً.

وتضيف: «تماماً كما نتحكم في مستويات الكوليسترول لتجنب النوبات القلبية، فإن إدخال تغييرات مدروسة في نمط الحياة قبل هذه الأعمار بعشر سنوات على الأقل قد يغيّر مستقبلنا المعرفي».

يمر نمو الدماغ البشري بـ«نقاط تحول» محورية (بيكساباي)

عند 57 عاماً... حين يبطأ «إنترنت الدماغ»

في هذه المرحلة، يبدأ تقلص حجم الدماغ بوتيرة أسرع، لا سيما نتيجة تراجع المادة البيضاء، المسؤولة عن سرعة التواصل بين مناطق الدماغ المختلفة. ويُشبّه الخبراء ذلك بتباطؤ شبكة الإنترنت الداخلية للدماغ.

وتشير الدكتورة سابين دوناي، المتخصصة في طب طول العمر وصحة الدماغ، إلى أن زيادة الوزن في منتصف العمر تلعب دوراً محورياً في تسريع هذا التراجع، عبر إضعاف تدفق الدم، وتقليل وصول المغذيات الأساسية، ورفع مستويات الالتهاب والإجهاد التأكسدي، وهي عوامل تُلحق ضرراً مباشراً بالخلايا العصبية.

كما تربط أبحاث متزايدة بين ارتفاع الكوليسترول في هذه المرحلة وزيادة خطر الإصابة بالخرف لاحقاً، مما يجعل الفحوصات الدورية ضرورة وليست ترفاً.

ما العمل؟

يؤكد الخبراء أن النشاط البدني المنتظم يملك تأثيراً وقائياً واضحاً، إذ يعزز حجم «الحُصين» المرتبط بالذاكرة، ويحسن الأداء المعرفي. وتقول ساهاكيان: «أي حركة ترفع معدل ضربات القلب أفضلُ من الخمول، وأفضل برنامج رياضي هو الذي يمكن الاستمرار عليه».

عند 70 عاماً... «تأثير التقاعد»

في العقد السابع من العمر، يبدأ تراكم بروتين «تاو» المرتبط بضعف الذاكرة والتفكير، بالتوازي مع ترقق القشرة الدماغية وتراجع الروابط العصبية.

وتحذر ساهاكيان من أن الاعتماد المفرط على الخبرة السابقة دون تحديات ذهنية جديدة قد يسرّع هذا المسار، مؤكدةً أن القاعدة الذهبية لصحة الدماغ هي: «استخدمه أو ستفقده».

ما العمل؟

ينصح الخبراء بأنشطة تُحفّز الدماغ بعمق، مثل تعلم لغات جديدة، أو الرقص، أو ممارسة أنشطة تجمع بين الجهد الذهني والحركي، بدل الاكتفاء بالألغاز البسيطة. كما يشددون على أهمية العلاقات الاجتماعية، إذ تُظهر الدراسات أن العزلة قد ترفع خطر الخرف بنسبة تصل إلى 60 في المائة.

الحفاظ على صحة الدماغ من أولويات 2026 (بيكساباي)

عند 78 عاماً... نفاد «الاحتياطي المعرفي»

في هذه المرحلة، يستمر تقلص حجم الدماغ وتراجع تدفق الدم إليه، مع ارتفاع مستويات الالتهاب، ويبدأ ما يُعرف بـ«الاحتياطي المعرفي» في النفاد، وهو الرصيد الذي بناه الدماغ عبر سنوات من التعلم والتحدي.

ما العمل؟

يؤكد الخبراء أن بناء الروابط العصبية الجديدة يظل ممكناً في أي عمر. وتدعو ساهاكيان إلى عدم تسليم المهام الذهنية للآخرين، والاستمرار في التعلم والتعليم. فيما تشدد دوناي على دور الغذاء الصحي، والنوم الجيد، وتقليل السكر والإجهاد المزمن، والحد من التعرض للملوثات.

وتختتم دوناي برسالة مطمئنة: «الدماغ مبرمج على البقاء. وإذا وفرنا له الحركة، والتغذية الجيدة، والنوم الكافي، فلا سبب للاستسلام لفكرة أن التدهور الحاد قدر لا مفر منه».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ثورة التعليم الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي
الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي
TT

ثورة التعليم الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي
الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي

لم يعد التعليم الطبي، في عام 2025، مساراً خطيّاً يبدأ في قاعات المحاضرات وينتهي عند سرير المريض، فما نشهده اليوم يتجاوز مجرد تحديث المناهج أو إدخال أدوات رقمية جديدة؛ إنه تحوّل عميق في الطريقة التي يتكوّن بها عقل الطبيب نفسه.

الذكاء الاصطناعي لم يدخل عالم التعليم الطبي بوصفه إضافة تقنية عابرة، بل كشريك تعلّم يراقب، ويحلّل، ويُقيّم، ثم يعيد تشكيل المسار التعليمي للطبيب منذ سنواته الأولى. لم يعد الطالب ينتظر «الحالة المناسبة» ليكتسب الخبرة، بل أصبح المريض الافتراضي حاضراً عند الطلب، بكل تعقيداته ومضاعفاته واحتمالات الخطأ فيه.

وهنا لا يعود السؤال: هل سيستخدم الأطباء الذكاء الاصطناعي؟ بل يصبح السؤال الأعمق: كيف سيتغيّر معنى أن تكون طبيباً؟

الإنسان أمام مرآته الرقمية

التعليم بالذكاء الاصطناعي

تقليدياً، بُني التعليم الطبي على ما يمنحه الزمن والمصادفة: مريض حضر، حالة صادفت الفريق، تجربة استقرّت في الذاكرة. أما اليوم، فقد انتقلنا إلى نموذج مختلف جذرياً، تُبنى فيه الخبرة الطبية على بيانات واسعة، ومحاكاة ذكية، وتعلّم تكيفي.

تُستخدم في كليات الطب التابعة لكلية الطب بجامعة هارفارد (Harvard Medical School) وكلية الطب بجامعة ستانفورد (Stanford University School of Medicine)، أنظمة تعليمية متقدمة تُنشئ مرضى افتراضيين يتغيّرون فسيولوجياً وسلوكياً تبعاً لقرارات الطبيب المتدرّب، فيُظهرون تحسّناً أو تدهوراً، ويكشفون أخطاءً خفية قبل أن تتحوّل إلى كوارث سريرية حقيقية... لم يعد الخطأ وصمة، بل أداة تعليمية آمنة.

* الطبيب المتدرّب تحت مجهر الخوارزمية. تشير دراسات حديثة نُشرت في مجلات علمية مرموقة، مثل مجلة لانسيت للصحة الرقمية (The Lancet Digital Health) ومجلة نيتشر للطب (Nature Medicine)، إلى تحوّل نوعي في فلسفة التعليم الطبي.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد يقيّم ما يحفظه الطالب من معلومات، بل طريقة تفكيره السريري: كيف يصل إلى القرار، ولماذا يختار مساراً دون آخر، وكيف يتعامل مع الشك والاحتمال والخطأ. لم يعد التعليم موحّداً للجميع، بل بات يتكيّف مع عقل كل طبيب على حدة؛ يرصد نقاط الضعف، ويقترح مسارات تدريب، ويعيد التقييم حتى تستقرّ المهارة، لا المعلومة وحدها.

* الجراحة: التعلّم من الخطأ قبل أن يحدث. في الجراحة، حيث الخطأ لا يُغتفر، أعاد الذكاء الاصطناعي تعريف التدريب من جذوره. لم يعد الجرّاح الشاب ينتظر «الفرصة النادرة»، بل أصبح قادراً على خوض عشرات السيناريوهات المعقّدة داخل بيئات تدريب تحاكي الواقع بدقة عالية.

في مؤسسات طبية أكاديمية كبرى مثل مستشفى مايو كلينك (Mayo Clinic) ومستشفى كليفلاند كلينك (Cleveland Clinic)، يُستخدم التدريب الجراحي المعتمد على المحاكاة الرقمية ونماذج الواقع الافتراضي بوصفه أداة مساندة للتعليم، تتيح للطبيب المتدرّب مراجعة خطوات الإجراء الجراحي، والتدرّب على سيناريوهات محتملة للمضاعفات، ضمن بيئات تعليمية آمنة. وهذا النوع من التدريب لا يحلّ محل الخبرة السريرية المباشرة، لكنه يُسهم في صقل المهارة وتقليل هامش الخطأ قبل الانتقال إلى غرفة العمليات الحقيقية.

* الأشعة وعلم الأمراض: تعليم بلا حدود. في تخصصات تعتمد على الصورة والنمط، مثل الأشعة وعلم الأمراض، تحرّر التعليم من قيد الندرة. بات الطبيب المتدرّب يتعامل مع آلاف الحالات المتنوعة، ويقارِن تشخيصه بتجارب خبراء من مختلف أنحاء العالم؛ لا بما صادفه في مستشفاه فقط، بل بما تراكم عالمياً من خبرة ومعايير.

في بعض البرامج التدريبية المرتبطة بمستشفيات جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins Medicine)، بدأ المتدرّبون بالاستفادة من أدوات تعليمية رقمية ومحاكاة سريرية وقواعد بيانات بحثية موسّعة، تُكمّل الخبرة السريرية المباشرة ولا تستبدلها. وهذا التوجّه لا يهدف إلى تعميم تجربة عالمية واحدة، بل إلى رفع المستوى المرجعي للتدريب التشخيصي، والمساهمة في تقليص الفوارق التعليمية بين مراكز التدريب، مع الإبقاء على دور الطبيب وخبرته السريرية في صميم القرار الطبي.

حين يلتقي الطب الحديث بالجذور الحضارية

أخلاقيات التعليم الطبي

من يقود القرار في عصر الخوارزمية؟ ومع هذا التقدّم المتسارع، يبرز السؤال الجوهري الذي لا يمكن تجاهله: هل ندرّب أطباء يفكّرون... أم منفّذي قرارات آلية؟ تحذّر أدبيات أخلاقيات التعليم الطبي من خطرٍ خفيّ يتمثّل في تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم إلى مرجعية صامتة لا تُناقَش. فالطب ليس معادلة حسابية، والمريض ليس مجموعة أرقام، والرحمة لا تُبرمج. وكما قال ابن رشد: «الآلة قد تُحسن الحساب... لكنها لا تعرف الحكمة».

لن يُلغي الذكاء الاصطناعي الطبيب، كما لم تُلغِ السماعة الطبية الطبيب قبل قرن، لكنه سيُعيد تعريفه. الطبيب القادم لن يكون أكثر حفظاً، بل أكثر وعياً؛ لن ينافس الآلة في السرعة، بل في الحكمة، وفي القدرة على تحمّل المسؤولية الأخلاقية للقرار. وهنا تستعيد المهنة معناها الأسمى، كما قال ابن سينا: «غاية الطب ليست إطالة العمر، بل حفظ إنسانية الإنسان».

العالم العربي: إعادة بناء الطبيب

في العالم العربي، لا يأتي هذا التحوّل في التعليم الطبي متأخراً، بل في توقيتٍ حاسم. فالفجوة التي عانت منها المنطقة لعقود بين التعليم النظري والتدريب السريري المتقدّم، تفتح اليوم نافذة نادرة لإعادة البناء من الأساس، لا لمجرّد اللحاق بالركب، بل للمشاركة في صياغته.

وفي المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، يتقاطع الذكاء الاصطناعي مع مشروع وطني أوسع لإعادة تعريف الرعاية الصحية والتعليم الطبي معاً. فبرامج التحول الصحي، وتوسّع كليات الطب، والاستثمار في البنية الرقمية، تهيّئ بيئة مثالية لتبنّي نماذج تعليمية حديثة تُدرّب الطبيب قبل دخوله الميدان، وتقلّص التفاوت بين المدن، وتمنحه خبرة عالمية وهو ما يزال في مقاعد الدراسة.

الذكاء الاصطناعي هنا لا يُقدَّم بديلاً عن الطبيب، بل وسيلة لرفع كفاءته، وحمايته من الخطأ المبكر، وإعادة الوقت والقرار إلى يده. ومع التنوّع السكاني والعبء المتزايد للأمراض المزمنة، تغدو هذه النماذج التعليمية الذكية ضرورة صحية، لا ترفاً تقنياً.

إنها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الطبيب العربي وفق معايير المستقبل، مع الحفاظ على جوهر الطب بوصفه ممارسة إنسانية قبل أن يكون علماً دقيقاً.


أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية
TT

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

تُعدّ الأمراض التنكسية العصبية، مثل داء ألزهايمر، ومرض باركنسون، والتصلب الجانبي الضموري، من أخطر التحديات الصحية في عصرنا، مع تزايد أعداد المصابين، وغياب علاجات شافية حتى اليوم. ورغم التقدم الكبير في علم الوراثة ظلّ فهم العلاقة الدقيقة بين الجينات المعطوبة وما يحدث فعلياً داخل خلايا الدماغ لغزاً علمياً معقداً.

إن الدماغ ليس نسيجاً واحداً متجانساً، بل منظومة شديدة التعقيد تضم أنواعاً متعددة من الخلايا العصبية، والمساندة تختلف في وظائفها وانتشارها. وغالباً ما تُحلل عينات الدماغ بشكل مجمّع، ما يؤدي إلى ضياع إشارات جينية دقيقة تصدر عن خلايا نادرة، لكنها قد تكون محورية في تطور المرض.

في هذا السياق كشفت دراستان حديثتان نُشرتا في مجلة «Nature Communications» خلال شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025 عن أدوات تحليلية جديدة تمكّن العلماء من قراءة البيانات الجينية بعمق غير مسبوق، وربطها بأنواع محددة من خلايا الدماغ.

قراءة أذكى للبيانات الجينية

• أداة تحليلية جديدة. في الدراسة الأولى المنشورة في 26 نوفمبر، طوّر باحثون من كلية الطب بجامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية أداة تحليلية جديدة تُعرف باسم BASIC، وهي تقنية تدمج بين بيانات الأنسجة الدماغية الكاملة، وبيانات الخلية المفردة بدل الاكتفاء بدراسة كل نوع من الخلايا على حدة.

وتسمح هذه المقاربة الجديدة باكتشاف التأثيرات الجينية المشتركة بين عدة أنواع من خلايا الدماغ، مع الحفاظ على الخصائص الفريدة لكل نوع. ووفقاً للدكتور بيبو جيانغ الباحث الرئيس في الدراسة من قسم علوم الصحة العامة بكلية الطب بجامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأميركية، فإن هذه الطريقة تمكّن العلماء من استخراج معلومات أعمق من البيانات المتوافرة أصلاً دون الحاجة إلى توسيع حجم العينات.

وقد أظهرت النتائج أن هذه الأداة رفعت القدرة على اكتشاف الجينات المرتبطة بأمراض الدماغ بنسبة تقارب 75 بالمائة مقارنة بالطرق التقليدية، كما كشفت عن جينات جديدة مرتبطة بألزهايمر، والتصلب الجانبي الضموري بعضها يرتبط بمسارات دوائية معروفة.

• أداة حسابية مطورة. بهدف حل لغز قديم في أبحاث ألزهايمر، سعت الدراسة الثانية المنشورة في 1 أكتوبر، والتي قادها باحثون من جامعتي رايس وبوسطن برئاسة جان بيير روساري من قسم التشريح وعلم الأحياء العصبية بكلية الطب بجامعة بوسطن بالولايات المتحدة الأميركية، سعت إلى حل تناقض حيّر العلماء لسنوات: فالدراسات الجينية تشير إلى تورط خلايا المناعة الدماغية الميكروغليا Microglia بوصفها خلايا مناعية دماغية، بينما تُظهر فحوصات أدمغة المرضى أن الخلايا العصبية المسؤولة عن الذاكرة هي التي تتلف فعلياً.

وللإجابة عن هذا السؤال طوّر الباحثون أداة حسابية جديدة تُعرف باسم seismic قادرة على ربط الإشارات الجينية بأنواع دقيقة جداً من خلايا الدماغ، بل وحتى بمناطق محددة داخله.

وباستخدام هذه الأداة تمكّن العلماء لأول مرة من إثبات وجود ارتباط جيني مباشر بين داء ألزهايمر وخلايا الذاكرة العصبية، ما ساعد على توحيد الصورة بين الأدلة الوراثية والواقع المرضي داخل الدماغ.

أمل جديد في مواجهة الخرف

تشير الدراستان إلى تحول مهم في أبحاث الدماغ من التركيز على الجينات بمعزل عن السياق إلى فهم المرض على مستوى الخلية نفسها. وهذا التحول يفتح آفاقاً جديدة لما يُعرف بـالطب الدقيق، حيث يمكن استهداف مسارات مرضية محددة داخل نوع خلوي معين.

كما أن إحدى النتائج اللافتة هي إمكانية إعادة توظيف أدوية معتمدة أصلاً لعلاج أمراض أخرى بعد أن تبيّن أنها تؤثر في الجينات المرتبطة بأمراض الدماغ، وهو ما قد يختصر سنوات من البحث، والتجارب السريرية.

ومع تجاوز عدد المصابين بالخرف عالمياً 57 مليون شخص، تمثل هذه الأدوات الجينية المتقدمة خطوة واعدة نحو التشخيص المبكر، وربما التنبؤ بالمرض قبل ظهور أعراضه بسنوات. والأهم أنها تمنح المرضى وعائلاتهم أملاً جديداً في أن فهم الخلل على مستوى الخلية قد يكون المفتاح لإبطاء المرض، أو إيقافه مستقبلاً.

وتؤكد هذه الاكتشافات أن مستقبل أبحاث أمراض الدماغ لا يعتمد فقط على جمع المزيد من البيانات، بل على تحليلها بذكاء. ومن خلال دمج علم الوراثة، وتقنيات الخلية المفردة، وعلوم الحوسبة بدأت تتضح خريطة جديدة لأمراض الدماغ قد تغيّر أساليب تشخيصها، وعلاجها خلال السنوات المقبلة.