لعبة فيديو تحسن الصحة النفسية للمراهقين

لعبة تحاكي مواقف واقعية لتعريف المراهقين بمشكلات الصحة النفسية (كلية دارتموث)
لعبة تحاكي مواقف واقعية لتعريف المراهقين بمشكلات الصحة النفسية (كلية دارتموث)
TT

لعبة فيديو تحسن الصحة النفسية للمراهقين

لعبة تحاكي مواقف واقعية لتعريف المراهقين بمشكلات الصحة النفسية (كلية دارتموث)
لعبة تحاكي مواقف واقعية لتعريف المراهقين بمشكلات الصحة النفسية (كلية دارتموث)

أظهرت دراسة سريرية أجراها باحثون في كلية غيزيل للطب التابعة لكلية دارتموث الأميركية أن لعبة فيديو مصممة لتعزيز الوعي بالصحة النفسية يمكن أن تساعد في خفض أعراض الاكتئاب لدى المراهقين.

وأوضح الباحثون أن الألعاب السلوكية الرقمية، التي يمكن استخدامها بشكل ذاتي، قد تساعد في الوصول إلى المراهقين في بيئات مختلفة، بما في ذلك المجتمعات التي تفتقر إلى خدمات الصحة النفسية. ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «JAMA Network Open».

ويُعدُّ الاكتئاب لدى المراهقين من أبرز مشكلات الصحة النفسية، وقد يظهر في صورة حزن مستمر، وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، وتغيرات في النوم أو الشهية، وصعوبة التركيز، والشعور باليأس أو انعدام القيمة. وقد تؤثر هذه الأعراض في الدراسة والعلاقات الاجتماعية والحياة اليومية؛ ما يجعل اكتشافها مبكراً والحصول على الدعم المناسب أمرين مهمين للحد من تفاقمها.

وشملت الدراسة 532 طالباً في المرحلة الثانوية، تراوحت أعمارهم بين 16 و19 عاماً، وكانت واحدة من أكبر التجارب السريرية التي تختبر لعبة فيديو مصممة لتعزيز الصحة النفسية والوقاية من تعاطي المواد المخدرة لدى المراهقين.

وطوَّر الفريق لعبة «PlaySmart» التي يخوض فيها اللاعب قصة يكون هو الشخصية الرئيسية فيها، ويتعامل مع مواقف مستوحاة من تجارب حقيقية لمراهقين جمعها الباحثون خلال تطوير اللعبة.

وتتضمن اللعبة سلسلة من المهام والقرارات، مثل التعرّف على علامات الاكتئاب لدى أحد الأصدقاء، أو تحديد الوقت المناسب للجوء إلى شخص بالغ موثوق به للحصول على المساعدة في موقف صعب. وتؤدي القرارات الإيجابية إلى نتائج أفضل للشخصية والآخرين، بينما تقود القرارات غير المناسبة إلى نتائج سلبية.

كما تتيح اللعبة للاعب العودة إلى المواقف السابقة وتحليل قراراته، والتعرّف على الطرق الموصى بها لاكتشاف الاكتئاب والتعامل معه، واستكشاف النتائج المحتملة لو اتخذ قرارات مختلفة.

وقسَّم الباحثون المشاركين إلى مجموعتين؛ ضمت الأولى 269 طالباً لعبوا «PlaySmart»، بينما ضمت الثانية 263 طالباً لعبوا ألعاب تقمّص أدوار تجارية لا تتضمن محتوى متعلقاً بالصحة النفسية.

ولعب الطلاب في مجموعة «PlaySmart» نحو ساعة واحدة أسبوعياً بعد انتهاء اليوم الدراسي، لمدة تصل إلى 6 أسابيع، ومن ثَمَّ تابع الباحثون المشاركين في المجموعتين لمدة عام كامل.

وأظهرت النتائج أن المراهقين الذين لعبوا «PlaySmart» سجلوا، بعد عام من انتهاء التجربة، انخفاضاً في أعراض الاكتئاب بمقدار 1.12 نقطة على مقياس «PHQ-8»، مقارنة بالمشاركين الذين لعبوا ألعاباً تجارية لا تتضمن محتوى علاجياً.

ويُستخدم مقياس «PHQ-8» لتقييم أعراض الاكتئاب، وتتراوح درجاته بين صفر و24، وتشير الدرجات الأعلى إلى أعراض أكثر شدة. وبحسب الباحثين، فإن انخفاض الأعراض بمقدار 1.12 نقطة بعد عام يقع عند الحد الأعلى للتأثيرات المسجلة سابقاً في برامج الوقاية المدرسية العامة والموجَّهة.

وتشمل هذه البرامج عادة دروساً داخل الفصول الدراسية أو مناقشات جماعية منظّمة مع المعلمين حول كيفية التعرّف على الاكتئاب والتعامل معه لدى الطلاب أو أقرانهم.

وأظهرت النتائج أيضاً أن الطلاب الذين لعبوا «PlaySmart» أصبحوا، بعد 6 أسابيع فقط، أكثر إيجابية تجاه طلب المساعدة النفسية.

ومع ذلك، يشير الفريق إلى أن النتائج لا تعني أن اللعبة يمكن أن تحل محل العلاج النفسي أو الدوائي؛ إذ اختبرت الدراسة تأثيرها بوصفها أداة للوقاية، وتعزيز الصحة النفسية، وقاست التغير في أعراض الاكتئاب عبر استبيان، وليس علاج حالات اكتئاب مشخصة.


مقالات ذات صلة

من «لا تبكِ» إلى «كن قوياً»... عبارات تجنبها عند مواساة صديقك

يوميات الشرق  الاعتقاد بأن المشاعر التي لا نعبّر عنها ستختفي من تلقاء نفسها من المفاهيم الخاطئة (بيكسلز)

من «لا تبكِ» إلى «كن قوياً»... عبارات تجنبها عند مواساة صديقك

قد تكون الصداقة في أوقات الأزمات أكثر أهمية من أي وقت آخر؛ ففي اللحظات الصعبة، نشعر غالباً بأعمق مشاعر الحب والتقدير تجاه الأصدقاء الذين يقفون إلى جانبنا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الجميع يمر بلحظات يشعرون فيها بالإرهاق أو الجوع أو التوتر وقد لا يتمكنون خلالها من التعبير عن أنفسهم بأفضل صورة (بيكسلز)

الصمت والسخرية والتلميحات... كيف تتعامل مع الشريك السلبي العدواني؟

قد تبدو بعض العبارات عادية للوهلة الأولى، لكنها تحمل في طياتها رسائل خفية من الغضب أو الاستياء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق قدرة الغناء على تقليل التوتر تُعد من أكثر فوائده التي أثبتتها الدراسات بشكل متكرر (بيكسلز)

يمكن ممارستها في المنزل... هواية بسيطة تخفف التوتر وتعزز جهاز المناعة

في خضم ضغوط الحياة اليومية، يبحث كثيرون عن وسائل بسيطة وفعالة تساعدهم على استعادة هدوئهم وتحسين صحتهم النفسية والجسدية، دون الحاجة إلى تكاليف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الإيجابية السامة قد تقلل من شأن المشاعر الإنسانية الأخرى (بيكسلز)

الإيجابية السامة... عندما يتحول التفاؤل إلى عبء نفسي

يُعد التفكير الإيجابي من العوامل المهمة التي تساعد الإنسان على تجاوز كثير من التحديات، إذ يعزز الأمل، ويمنح القدرة على الصمود في مواجهة الصعوبات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك اختيار الأطعمة المناسبة والحد من بعض الخيارات الغذائية قد يساهمان في تحسين الحالة النفسية (بيكسلز)

10 أطعمة ومشروبات... ماذا تتجنب إذا كنت تعاني من القلق أو الاكتئاب؟

يلعب النظام الغذائي دوراً مهماً في دعم الصحة النفسية، إذ يمكن لبعض الأطعمة والمشروبات أن تؤثر في المزاج ومستويات الطاقة وجودة النوم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

فلورين شيربان: «أنت لا تنتمي إلى هنا» يتأمل أزمة اختلاف الأجيال

مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)
مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)
TT

فلورين شيربان: «أنت لا تنتمي إلى هنا» يتأمل أزمة اختلاف الأجيال

مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)
مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)

قال المخرج الروماني فلورين شيربان، الحائز على جائزة «الفهد الذهبي» من مهرجان «لوكارنو السينمائي»، إن فيلمه الجديد «أنت لا تنتمي إلى هنا» (You Don't Belong Here) بدأ من سؤال شديد القسوة عن العلاقة بين الأب والابن، قبل أن يتسع ليصبح تأملاً في جيل كامل من الرجال وفي التصورات التي ورثها عن الرجولة والنجاح والإنسان المثالي.

وأوضح شيربان، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أن البذرة الأولى للفيلم كانت تمريناً تمثيلياً كتبه منذ سنوات لطلاب مدرسة السينما التي أسسها، ويقوم على وضع ممثل في دور أب يشعر بالكراهية تجاه ابنه، مشيراً إلى أن المشهد بدا له «قوياً جداً وخاطئاً جداً» في الوقت نفسه، وظل عالقاً في ذهنه حتى بدأ في تطويره إلى فيلم.

وأضاف أن الفكرة ارتبطت لديه بجيل من الرجال ينتمي هو نفسه إليه، وربما ينتمي إليه المشاهد أيضاً، وهم أشخاص عاشوا في لحظة ما وهم يعتقدون أن العالم بأكمله ينتظر منهم أن يتركوا أثراً فيه، مشيراً إلى أن هؤلاء الأشخاص يمكن النظر إليهم باعتبارهم «شخصيات مأساوية»، لأن المسافة بين الصورة التي يحملونها عن أنفسهم وبين العالم الذي يجدون أنفسهم يعيشون فيه قد تتحول إلى مصدر عميق للألم والصراع.

المخرج الروماني - (الشركة المنتجة)

وتدور أحداث العمل الحائز جائزة «الفهد الذهبي» أرفع جوائز مهرجان لوكارنو السينمائي في دورته الـ79، حول «ماريوس»، طبيب ناجح ورئيس الأطباء في مستشفى ببلدة رومانية صغيرة، يربي ابنه المراهق «إيوان» بمفرده بعد وفاة زوجته، وبينما يعتقد الأب أنه يعرف ابنه جيداً، يعيش إيوان حياة سرية، إذ يتنقل ليلاً مع مجموعة من الشباب المقنّعين، وخلال إحدى المواجهات، تتعرض المجموعة لرجل مسن من «الروما» وينتهي الاعتداء بوفاته.

وأوضح المخرج أن العلاقة بين الأب والابن صُممت منذ البداية لكي تكون صعبة على المشاهد، لأن جوهرها ليس مجرد خلاف مألوف بين جيلين، وإنما «غياب الاتصال» بين شخصين يفترض أن يكون الرابط بينهما هو الأقوى، مشيراً إلى أن انفصال المراهقين عن آبائهم أمر عرفته البشرية دائماً، لأن الأبناء في هذه المرحلة العمرية يميلون إلى الاعتقاد بأن آباءهم لا يفهمون شيئاً، لكنه رأى أن العلاقة في فيلمه أكثر قسوة، لأن الأب والابن لا يشتركان أصلاً في القيم نفسها، فالابن يمثل عكس الأب في كل شيء، لذلك كان من الضروري أن تبدو العلاقة بينهما «صعبة وغير طبيعية».

وشدد شيربان على أن العلاقة الأسرية ليست، رغم أهميتها، السؤال النهائي الذي يريد الفيلم طرحه، لأن اهتمامه الأساسي ينصب على تصور محدد لما يجب أن يكون عليه «الإنسان المثالي»، مشيراً إلى أن الأب يجسد هذا النموذج، ومن هنا جاء السؤال الذي يطارده الفيلم: «هل ما زال هذا النوع من الشخصيات، نموذجاً في هذا الزمن؟».

الفيلم حاز الإعجاب في مهرجان لوكارنو بسويسرا - (الشركة المنتجة)

وأضاف أن هذا السؤال هو بالنسبة إليه قلب الفيلم، لأن الأزمة لا تتعلق فقط بابن خرج عن طريق أبيه، وإنما بأب ربما اكتشف أن النموذج الذي بنى حياته كلها على أساسه لم يعد قادراً على إنتاج علاقة سليمة مع الجيل التالي، وهنا يصبح الصراع بين الأب والابن صراعاً بين تصورين للإنسان، وليس مجرد مواجهة داخل أسرة واحدة.

وعن عنوان الفيلم «أنت لا تنتمي إلى هنا»، قال شيربان إن العنوان لا يخص الابن وحده، وربما لا يخصه أصلاً، إذ يمكن أن ينطبق على الأب أيضاً، مؤكداً أن الفيلم يتعمد إبقاء هذا السؤال مفتوحاً. وقال إن الفيلم بالنسبة إليه لا ينبغي أن يُختزل في تفسير واحد، ولذلك عندما يُسأل عما يعنيه العمل، يفضل أن يعيد السؤال إلى المشاهد، «ماذا كان الفيلم بالنسبة لك؟»، موضحاً أن هذه، في رأيه، من أكثر الأشياء المدهشة في السينما، إذ يمكن للفيلم نفسه أن يتحدث إلى شخص عن العنصرية، وإلى آخر عن انفصال الأب عن ابنه، وإلى ثالث عن مجتمع لا يملك الصبر الكافي تجاه مخاوف أفراده، بينما قد يراه شخص آخر فيلماً عن العدالة، وما يهمه في النهاية ليس ما كان يفكر فيه هو وحده أثناء صناعة الفيلم، وإنما الطريقة التي يتحدث بها الفيلم إلى كل مشاهد.

تناول الفيلم خطورة الجماعات المتطرفة - (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أن شعور الابن بالحاجة إلى الانتماء هو أحد المداخل المهمة لفهم انجذابه إلى الجماعة المتطرفة، موضحاً أن وسائل التواصل الاجتماعي والوصول المبكر إلى كميات هائلة من المعلومات جعلا الشباب أكثر تعرضاً لنماذج وقدوات قد تكون مدمرة، والشباب في هذه المرحلة العمرية يميلون بطبيعتهم إلى قدر من التطرف، لأنهم يريدون تغيير العالم بسرعة، بينما تقدم لهم الجماعات المتطرفة وعداً بحل بسيط ومباشر لعالم شديد التعقيد.

وأضاف أن الشباب، خصوصاً الرجال الأصغر سناً، قد يكونون أكثر قابلية للانجذاب إلى هذه الأيديولوجيات مقارنة بالأجيال السابقة، في ظل اتساع مصادر المعرفة التي لم تعد محصورة في الأسرة والمحيط القريب، لافتاً إلى أن الطفل أو المراهق كان يتلقى في الماضي قدراً كبيراً من معلوماته عن العالم من والديه وعائلته، بينما أصبح اليوم قادراً على الوصول إلى نماذج وأفكار لا تمر بالضرورة عبر توجيه أو رقابة أسرية.

ناقش الفيلم جوانب مختلفة في العلاقة بين الأب والابن - (الشركة المنتجة)

وكشف شيربان أن اختيار الممثل الذي يؤدي دور الابن استغرق نحو عامين، لأن عملية اختيار الممثلين بالنسبة إليه ليست مجرد البحث عن شخص يستطيع أداء الدور، وإنما تمثل جزءاً من عملية الكتابة نفسها، فرؤية وجوه مختلفة وتجربة الشخصيات مع ممثلين متنوعين تساعده على اكتشاف ما يريده وما لا يريده، وعلى فهم الشخصية بصورة أعمق وأكثر دقة.

وأضاف أن العثور على ممثل في الثامنة عشرة من عمره يمثل تحدياً خاصاً، لأن معظم الممثلين في هذه السن لم يحصلوا بعد على تدريب احترافي كامل، ولذلك لا تنتهي عملية الاختيار بمجرد العثور على الشخص المناسب، وإنما تبدأ بعدها مرحلة بناء الثقة والتدريب والعمل على الشخصية، حتى يصبح الممثل قادراً على الوصول إلى المستوى الذي يحتاج إليه الفيلم.


من يرقد تحت الحجر؟ لغز عمره ألف عام في جزر فارو

نقوش رُونية (إنستغرام)
نقوش رُونية (إنستغرام)
TT

من يرقد تحت الحجر؟ لغز عمره ألف عام في جزر فارو

نقوش رُونية (إنستغرام)
نقوش رُونية (إنستغرام)

في اكتشاف أثري نادر، عثر علماء آثار في جزر فارو، الواقعة شمال المحيط الأطلسي، على حجر أرضية يحمل نقوشاً رُونية، ويرجح أن يكون شاهداً على قبر يعود إلى نحو ألف عام، وقد يساعد في الكشف عن جانب من الحياة الدينية في الأرخبيل خلال بدايات انتشار المسيحية فيه، وفقاً لموقع «بوبيلار ميكانكس».

وعُثر على الحجر في موقع «آ.سوندوم (Á.Sondum)» الأثري بجزيرة ساندوي، الواقعة شمال المحيط الأطلسي بين آيسلندا وأسكوتلندا. ويضم الموقع بقايا مستوطنة يعود تاريخها إلى القرن الرابع على الأقل، كما كشفت الحفريات أساسات حجرية لمبنى يُعتقد أنه كان كنيسة صغيرة أو مكاناً للصلاة.

وتكمن أهمية الحجر في نقوشه الرونية، وهي حروف ذات أشكال بزوايا استُخدمت في المناطق الإسكندنافية قبل انتشار الأبجدية اللاتينية. وعلى الرغم من انتشار الأحجار الرونية في «العالم النوردي (أو الاسكندنافي)»، فإنها نادرة في جزر فارو؛ مما يجعل هذا الاكتشاف لافتاً.

ولا يزال الباحثون غير متأكدين مما إذا كان الحجر قد أعيد استخدامه من فترة وثنية أقدم، أم إنه نُقش خلال السنوات الأولى لانتشار المسيحية في الجزر. وتمكن عالم الآثار في «المتحف الوطني»، هيلغي ميكيلسن، من قراءة جزء من النقش باللغة النوردية القديمة، ويبدو أنه يقول: «Her hvílur»؛ أي: «هنا يرقد».

وقد تشير العبارة إلى أن الحجر كان شاهداً على قبر في مقبرة تابعة للكنيسة. لكن الكلمات التي تليها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة والترجمة. ويشبه النقش كتابات ظهرت على أحجار رونية أخرى عُثر عليها في جزر فارو، بينها حجر «ساندافاغور» الشهير.

ويشير تصميم المبنى إلى أنه كان يمتد من الشرق إلى الغرب، مع مدخل في الجهة الغربية، وهي سمة معمارية شائعة في الكنائس وأماكن الصلاة خلال العصور الوسطى المبكرة.

وتعزز مكتشفات أخرى أهمية الموقع؛ فقد عثر علماء الآثار على أجزاء من تمثال صغير للسيدة مريم العذراء، إضافة إلى «كولا»، وهو مصباح صغير كان يُستخدم لحرق الزيت أو الدهون الحيوانية. كما كشفت الحفريات أسفل الكنيسة الحالية في ساندور عن مبانٍ كنسية أقدم، وعُثر في المنطقة على عملات تعود إلى القرن الـ11.

ويبقى السؤال الأهم: من يرقد تحت الحجر؟

وتشير الأدلة إلى أن بعض القبور في تلك الحقبة كانت مخصصة لجنود سقطوا في المعارك أو لكبار السن، مع استخدام أحجار لتحديد موضع الدفن. وقد يكون النقش صلاة أو دعاء للمتوفى، لكن ذلك لن يتضح قبل استكمال قراءة النص.

ويواصل ميكيلسن وفريق من علماء الآثار والطلاب من جامعة آرهوس ومتحف «موزغارد» في الدنمارك أعمال التنقيب في الموقع حتى نهاية أغسطس (آب) الحالي، أملاً في العثور على مزيد من الأدلة التي تكشف عن تفاصيل الحياة الدينية في جزر فارو قبل نحو ألف عام.


«أحمر ولا أبيض»... دراما قاتمة عن عالم لم يألفه السعوديون

تاجر خمور سابق يخرج من السجن لينتقم من رفيقه (شاهد)
تاجر خمور سابق يخرج من السجن لينتقم من رفيقه (شاهد)
TT

«أحمر ولا أبيض»... دراما قاتمة عن عالم لم يألفه السعوديون

تاجر خمور سابق يخرج من السجن لينتقم من رفيقه (شاهد)
تاجر خمور سابق يخرج من السجن لينتقم من رفيقه (شاهد)

في عالم تحكمه المصالح الضيقة وتتلاشى فيه الخطوط الفاصلة بين القرابة والعداوة، يدور المسلسل السعودي الجديد «أحمر ولا أبيض»، الذي ينغمس في أجواء الـ«نيو-نوار»، عبر الشوارع الخلفية، والصفقات المشبوهة، وصراع أبناء العمومة الذين يلتهمهم الطمع. العمل الذي يأتي في 8 حلقات لعنوانه دلالة رمزية واضحة؛ فالأحمر هو لون الدم، والقرابة، والانتقام، في حين يمثل الأبيض الهدنة المفقودة أو السلام المستحيل.

تبدأ الحكاية من لحظة خروج «ناصر» (محمد الراشد) من السجن، بعد قضائه عقوبته إثر ضبطه متلبساً بتصنيع الخمور، بعدما وشى به رفيق دربه. وبدلاً من أن يكون هذا الخروج بداية للتطهر أو العودة إلى الحياة الطبيعية، يصبح فتيل الانفجار الذي يُعيده إلى بؤرة الصراع، حيث يتتبع المسلسل التحول التراجيدي لأبناء العمومة الذين بدأوا رحلتهم بتجاوز القانون وتصنيع الخمور في مساحة صغيرة وهامشية، قبل أن تجر أحدهم الأطماع إلى خيانة صاحبه والزج به في السجن.

يتناول المسلسل العالم السري لتجارة الخمور (شاهد)

تجارة تحت الظل

وما يجعل «أحمر ولا أبيض» مختلفاً هو أن الدراما السعودية شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعاً واضحاً في الأنواع والحكايات، لكن طبيعة النشاط الذي يضعه المسلسل في قلب عالمه، والمتمثل في صناعة الخمور والاتجار بها سراً في مجتمع تُحظر فيه، تجعله يكشف الستار عن عالم سري تتشكل حوله شبكة من المصالح، ويمنح النص مساحة لمعاينة عالم يتحرك تحت السطح، بقوانينه وأسعاره وتحالفاته وخياناته.

وفي قلب هذا العالم تأتي الوصفة السرية التي صنعها ناصر وسماها «بلاك واين» أو «النبيذ الأسود»، وكانت شرارة الخيانة وكسر رابطة القرابة في آنٍ واحد، بعد أن عمد رفيقه إلى سرقة الوصفة، وتبدو هذه السرقة حدثاً مفهوماً في هذا العالم شديد القتامة؛ إذ تتلاشى الذرائع الأخلاقية، ويصبح كل شيء قابلاً للاستيلاء، من المال إلى الأسرار وحقوق الأقربين.

لذا، يتجاوز الانتقام في «أحمر ولا أبيض» حدود الثأر الشخصي، حيث يتجه ناصر فور خروجه من السجن للبحث عمّن خانه ومعاقبته، ومحاولة استعادة ما سُلب منه، في حين كان الطرف الآخر يبني نفوذه وثروته خلال سنوات سجنه، ليصبح الصراع بين أبناء العمومة أشبه بمواجهة بين ماضٍ يرفض أن يموت وحاضر مليء بالمخاطر.

صراع تجار الخمور يجمع البتيري والعيسى والراشد (شاهد)

رهان على الممثلين

المسلسل الذي بدأ يُعرض على منصة «MBC شاهد» يستمد جزءاً كبيراً من قوته من الجرأة في خيارات طاقم التمثيل، وتحديداً في قدرته على إعادة اكتشاف طاقات الممثلين بعيداً عن الصور الذهنية المعلبة لدى الجمهور. يبرز في هذا السياق الممثل محمد العيسى الذي يقدم الأداء الأكثر لفتاً للانتباه عبر أول حلقتين من العمل؛ إذ يتخلى عن عباءته الكوميدية الشهيرة ليتقمص شخصية «عبد المحسن»، العقل المدبر الشرس والبراغماتي. يظهر العيسى في هذا الدور ببرود حاد وحذر شديد، متحركاً تحت قناع من الحكمة الزائفة والهدوء المريب الذي يضاعف من منسوب الخطر الكامن في الشخصية، مستخدماً نبرة صوت جشة، وعصا يرتكز عليها طيلة الوقت، ونظرات حادة تصنع له هيبة مقلقة بوصفه زعيم عصابة لا يرحم.

في المقابل، يُكمل فهد البتيري هذا التحدي الدرامي بذكاء لافت عبر تجسيده شخصية «فيصل»، التي تمثّل الضلع الأكثر هشاشة وتحولاً في هذه الشبكة المعقدة، وينجح البتيري في إبراز الصراع النفسي الداخلي لشخصية يلتهمها الجشع تدريجياً، متأرجحاً ببراعة بين الضعف البشري والخيانة المطلقة للصديق والزوجة ولكل من يمت له بصلة.

كما يكتسب العمل ثقلاً درامياً مع حضور الفنان إبراهيم الحساوي، الذي يُضفي بخبرته الطويلة أبعاداً تراجيدية على العلاقات الأسرية المتشابكة، رغم أن حضوره في أول حلقتين ما زال محدوداً نسبياً. في حين تقدم فتون جار الله أداءً لافتاً في شخصية نورة، التي خلعت زوجها ناصر بعد أن دخل السجن، وتزوجت بعده بالرجل القاسي الذي جسّده عبد العزيز السكيرين.

ويشارك في العمل عدد آخر من الممثلين، إذ تضم عصابة الخمور سعيد صالح وتركي الشدادي ورنا جبران وأحمد التركي، فيما تقدم أصايل محمد دور زوجة فيصل التي لا تعرف شيئاً عن خبايا زوجها وأسراره الدفينة. والمسلسل من إخراج منير الزعبي الذي صبّ تركيزه على اللقاءات الثنائية المكتومة، وتوجيه الكاميرا لالتقاط لغة العيون والتوتر النفسي المتصاعد بين الشخصيات في الغرف المغلقة، انسجاماً مع الأجواء السوداوية للموسيقى التصويرية التي صاغها الموسيقار رضوان نصري، والتي جاءت لتعزز منسوب الأدرينالين والتوتر المصاحب للتحولات الحادة في السيناريو. ويكتمل هذا المزاج القاتم بتتر البداية بصوت إبراهيم الحكمي الذي يلخص مأساة الدم والأطماع.